مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، رجب 1433 هـ = يونيو 2012م ، العدد : 7 ، السنة : 36

 

 

دراسات إسلامية

 

 

علاقة المسلم مع الله ومع عباده

كيف ينبغي أن تكون؟

 

بقلم : الأستاذ  محمد أجمل القاسمي

الجامعة القاسمية، مدرسة شاهي، مراد آباد، الهند

 

 

 

 

جمع الله سبحانه وتعالى في شخصيّة أفضل الرسل وأشرف خلق الله جميعاً سيدنا وهادينا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم كثيرًا من المزايا والمواهب والملكات الكبرىٰ، التي تُميّزه صلى الله عليه وسلم عن خلق الله قاطبة. ومن بين تلك الخصائص الكبرىٰ الكلمات الجامعات التي كان ينظمها لسان النبوة، نابعاً عن الحكمة الربّانيّة التي أودعها الله قلبَه الطيبَ الزكيَّ والوحيِ الإلٰهي الذي أوحى إليه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما وصفه واصفوه قليل الكلام طويل الصمت دائم الفكرة؛ إلا أنه كلما دَعتْه الحاجة إلى تعليم الدين والإرشاد كان ينشط للخطابة ويعظ الناس، فتأتي على لسانه كلمات قصيرة مُوجَزَة المباني عظيمة المعاني، جامعة بين روعة التعبير وفخامة الألفاظ وتاثير السحر، حاملة في ثناياها مقاييس الخير والشر ومعايير الصلاح والفساد، ومبادئ السعادة والشقاوة، وتوجيهات رشيدة ضامنة للحاية الآمنة المطمئنّة المغبوطة. ونورد فيما يلي حديثين من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تتّسم بالصفات المذكورة أعلاه. وكلا الحديثين مع ما عليه من غاية القصر والإيجاز يُحدِّدان لنا ما هو المستوى المطلوب في الإسلام لعلاقة العبد مع الرب وعلاقة العبد مع العبد، كما يُنبئان أنّ توطيدَ هاتين العلاقتين والوصول بهما إلى المستوى المطلوب يعني كمال الإيمان، فكلما قارب العبد هذا المستوى قارب كمال الإيمان وكلما بَعُد عنه بَعُد عن كمال الإيمان. فالأول ما جاء عن طريق عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

     «لا يؤمن أحدُكم حتى يكونَ هواه تبعاً لما جئت به». (رواه في شرح السنة)

     وقال النووي هذا حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح. (مشكاة المصابيح، باب الاعتصام بالكتاب والسنة 30).

     والثاني ما جاء عن طريق أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لايؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». (متفق عليه، مشكاة المصابيح، باب الشفقة 422)

     إن الإنسان له جهتان في هذا العالم: جهة يرتبط بها بربّه، وجهة يتّصل بها بالعباد من بني البشر. فالجهة الأولىٰ التي تربط الإنسانَ بالله سبحانه وتعالىٰ هي أن الله جلّ وعلا خلقه ومنحه الوجودَ ولم يك شيئًا، ورعاه بربوبيّته العامّة الشاملة حيث لم يعد للإنسان بالإمكان ولن يعود البقاء على قيد الحياة بمعزل عنها، وسَخَّر لخدمته الكون بما فيها الأرض والسماوات، والشمس والقمر والنجوم، والمياه والرياح، والبحار والأنهار؛ بل وخَلَقَ له ما في الأرض جميعاً، كما جعل له السمع والبصر والفؤاد؛ ليسمع ويرى ويعي ما حوله، ووهب له العقلَ ليميز به بين ما ينفع ويَضُرّ، وليُوَظّف العناصرَ بدلالته في حاجياته، ويأتي بفضله بهذا السيل العارم المتدفق من المخترعات والمكائن والآلات الذي غمر كل مكان، ولم يُغادر شيئًا من مرافق الحياة إلا وأحصاها. فالإنسان في جميع مراحل حياته منذ أن كان نطفةً في أصلاب آبائه وحتى نزوله في اللحد يَعيش تحت الرعاية الغيبيّة الشاملة التي لاتغفل عنه طرفة عين، كما أنّه يستهلك في أقصر ساعات من عمره من النعم ما لا يأتي عليه الحصر ولا يَعُدّه العدد. وقد صدق جلّ وعلا إذ قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوْا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوْهَا﴾ ()

     فهذه نواحي ارتباط العبد بالرب واتصاله به وعلاقته معه. ولاشك أن هذه النواحي التي تتمثل فيها الرعاية الإلٰهيّة الشاملة التي يحظى بها الإنسان في كل حين وآن، والربوبيّة العامّة التي تعهده في جميع مراحل الحياة، والنِعَم السابغة المُغْدَقَة بسخاء التي لاتعرف الانقطاع والنفادَ؛ لها متطلبات ومقتضيات، وإنها لم تُخْلَق عبثاً ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَّ أَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُوْنَ. فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَآ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيْمِ﴾ (المؤمنون) ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُّتْرَكَ سُدَىً﴾ (القيامة) ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيْمِ﴾ (التكاثر) ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُوْنِ﴾ (الذّٰرِيات) فهذه النصوص المباركة من التنزيل العزيز تكشف اللثامَ عن وجه متطلّبات النِعَم الإلٰهيّة التي ينعم بها الإنسانُ وتدل بوضوح وصراحة أن وظيفة الإنسان في هذا الكون هي أن يكون الإنسان لله وحده كما أنّ هذا العالم خُلق له وحده وخُلق له ما في الأرض جميعاً، فمن الواجب عندئذٍ أن تأتي حياتُه كلها اعترافاً بسلطان ربّه وكبريائه، وشكرًا على نعمائه السابغة، وخضوعاً كاملاً لحكمه، وطاعةً مطلقة لأوامره؛ حتى يحلّ منه الإسلامُ الدين المرضي عند الله محل الروح والنفس والعين والقلب، ويجعله يتنازل عن الأهواء والأنانيات أمام شرع الله، ويقف منه موقف السمع والطاعة في المنشط والمكره والرغبة والرهبة، ويُوثر علاقة الرب على علاقة العبد من كان ومهما كان!!

     فهذا هو المستوى المطلوب لعلاقة العبد مع الرب، فمن بلغ هذا المبلغَ وأحلّ نفسَه هذا المحلَّ السامي الرفيع فقد أصبح في المستوى المطلوب من علاقته مع الله واستكمل إيمانه من الجهة التي تربطه بخالقه الله الذي منحه الوجود، وبقي له أن يستكمل إيمانه من الجهة التي تربطه بالعباد، وهذا ما جاء بيانه في تلك الكلمات الجامعات التي يحملها الحديث النبوي المذكور في أعلاه الذي يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به».

     وهذا ممّا يتّصل بالجهة التي تربط الإنسانَ بخالقه. أما الجهة التي يرتبط بها الإنسانُ بنظرائه من بني البشر: فهي أن الإنسان في جميع مراحل حياته وما يؤدّي به من المناشط والأعمال والحركات والتصرفات في افتقار شديد إلى أمثاله من بني آدم عليه السلام. ومن المستحيل أن يكون في غِنىً عنهم في حين من الدهر مادام على قيد الحياة. فهو في حاجة إلى الأبوين في وجوده وتولّده، ويحتاج إلى رعايتهم الحانية في نشوئه وترعرعه، ويحتاج إلى الأتراب لأخذ نصيبه من ألعاب الطفولة، ويحتاج إلى المعلم في تربيته وثقافته، ويفتقر إلى الطبيب للاستشفاء والعلاج، ويفتقر كل من الجنسين الذكر والأنثى إلى الآخر لإشباع شهوته والفوز بالحياة العائليّة الضامنة للسعادة والادمئنان والارتياح، كما أنه في حاجة مُلحة إلى التعاون البشري الهائل لتغطية حاجيات الحياة المتنوعة المتشعِّبة المُستَجدَة التي لا يأتي عليها العد والحصر.

     فهذه نواحي اتصال وراتباط أفراد الإنسان البعض بالبعض الآخر، وهذه هي الأخرى لها مُتَطلّبات ومُقْتَضياتٌ لا يمكن تحقيق السعادة البشريّة إلا بها. وبما أن العلائق آداباً وحقوقًا على حدة حسب ما تقتضيه نوعية تلك العلاقة؛ إلا أن الحاجة تبقى داعيةً بعد إلى قانون عامٍ بين النوعين من العلاقات الخاصة والعامّة، ومبدءٍ ميسور الفهم لكل أحد، ومفروض التطبيق على كل فرد. وقد جاء بيان ذلك المبدأ في أجلى صورة وبأقصر عبارة في حديث أنس بن مالك الذي أوردناه في بداية المقال والذي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي لايؤمن أحدكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه».

     فالمبدأ العام لجيمع العلاقات القائمة بين أفراد الإنسان في ضوء الحديث النبوي المذكور هو أن يُنزِل العبد مثيله من بني آدم بمنزلة نفسه ويُحَلِّه محل ذاته، فيعود من الواجب على الفرد المسلم المحافظة على كرامة أخيه ومصالحه كما يحافظ على كرامة نفسه ومصالحه الشخصيّة، والامتناع عما يُسبّب الإضرارَ بأخيه كما يبتعد عَمّا يلحق الضررَ بنفسه، وإذا كان العبد يُحبُّ لنفسه حياة الإيمان والصلاح والتقوىٰ فمن الواجب عليه أن يحب ذلك لإخوته من بني آدم، وإن كان يحرص على التقدم المادي والمعنوي لنفسه، فعليه أن يُحبَّ ذلك كله للأخرين من المجتمع البشري، فلا يحسد أخاه على ما أكرمه الله به من الآلاء والنعم، وإذا كان يُحبّ ممن هم دونه سنًا وعلماً وفضلاً أن يقفوا منه موقف الإجلال والاحترام، فالواجب عليه أن يُحبَّ ذلك لمن هم فوقه فيقف منهم نفس الموقف، وإذا كان يحبّ لمن هم أكبر منه فضلاً وسناً ورتبة أن يتناولوه بالعناية والمودّة والنصح والتوجيه الصالح، فمن الواجب أن يأتي منه ذلك كله لمن هم دونه علماً وفضلاً وهكذا في الأمور الأخرى التي تفوق الإحصاء.

     فهذا المستوى المطلوب الذي ينبغي أن تكون عليه علاقات العباد فيما بينهم، فمن ارتفع بنفسه إلى هذا المستوى وأحلّها في هذا المقام الشريف؛ فقد استكمل الإيمان من الجهة الثانية أيضاً، فأَكْرِمْ بالعباد الذين أحلُّوا أنفسهم في المستوى المطلوب من العلاقتين، واستكملوا الإيمان من الجهتين: جهة تربطهم بالله وجهة تربطهم بعباد الله، وأصبحوا مرضيّين لدى الخلق والخالق، وذهبوا بسعادة الدنيا والآخرة. اللّٰهم اجعلنا منهم آمين.

*  *  *