مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، رجب 1433 هـ = يونيو 2012م ، العدد : 7 ، السنة : 36

 

 

الأدب الإسلامي

 

 

عمر بن الخطاب رضي الله عنه

(4/10)

 

بقلم : أديب العربية الكبير معالي  الدكتور عبد العزيز عبد اللّه الخويطر

الرياض ، المملكة العربية السعودية

 

 

 

 

     ويدخل ضمن العدل والإنصاف معرفته بأهل العدل والإنصاف، ووضع بعض حمل الخلافة عليهم، يخفف به عن نفسه، ثقة منه بهم، ورحمة بالناس حتى لاتتأخر أمورهم، والنص التالي يؤكد هذا:

     «لما قدم عمر مكة قال:

     يا أهل مكة، هل تجمعون لي المسائل، وفيكم عطاء بن رباح؟»(1).

     وعدل عمر الذي تحدثنا عنه فيما روي في أمر سهيل بن عمرو، الأعلم، ورده على عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وغيرهما، عندما قدَّم عمر عليهم بلالاً، وصهيباً، وسلمان، يطل علينا مرة أخرى في قصة ثانية مماثلة، مما يوحي بأن هذه كانت من عادات عمر في إدخال الناس عليه، وطريقة سار عليها، فأحس كبار قريش بتقصيرهم، وسعوا إلى إكمال النقص، وهذا يتبين من القصة التالية:

     «يقول حسان:

إن كنت كاذبة الذي حدثتني

فنجوت منجى الحارث بن هشام

ترك الأحبة أن يقاتل دونهم

ونجا برأس طمرة ولجام

     كان [الحارث بن هشام] مع المشركين يوم بدر، ففرَّ، وأسلم يوم الفتح، وخرج إلى الشام أيام عمر بأهله وماله، وتبعه أهل مكة، رجالهم، ونساؤهم، وصبيانهم، وارتفع ضجيجهم بالبكاء، وبكى ثم قال:

     أما إن كنا نستبدل داراً بدار، وجاراً بجار، ما أردنا بكم بدلاً، ولكنها النقلة إلى الله.

     فلم يزل حابساً نفسه بالشام حتى ختم الله له بخير.

     وكان سبب نقلته أنه، وسهيل بن عمرو، دخلا على عمر، فقعدا عنده، وهو بينهما، فجعل المهاجرون والأنصار يدخلون، فيؤخرهما عمر، ويقدمهم، حتى صارا في الأخريات، فقال الحارث لسهيل:

     أما رأيت ما صنع عمر؟

     قال سهيل: أيها الرجل، لا لوم عليه، ينبغي أن نرجع باللوم على أنفسنا: دُعي القوم فأسرعوا، ودُعينا فأبطأنا.

     ثم أتيا عمر فقالا:

     رأينا ما فعلت بنا، وما أُتينا من عند أنفسنا، فهل من شيء نستعزُّ به.

     قال: لا أعلمه، إلا هذا الوجه. أراد ثغر الروم، فخرجا إلى الشام»(2).

     فعمر لم يكرم كبار قريش على حساب ضعاف المهاجرين والأنصار، وإذا كان في قصة الإذن لهؤلاء، دون هؤلاء كما في القصة الأولى، ما قد يكون غير واضح، فإنه في الثانية من الواضح أن عمر لم يبال بكبار قريش، إذ أخرهم عن مجلسه مرة ومرة وكل مرة يدخل عليه أحد الأنصار والمهاجرين، لفضلهم في الإسلام، مما حدا بالقرشيين أن يبحثا عن عز يكسبانه، يغطي على الثغرة في شرفهما، ويقربهما من صفوف المهاجرين والأنصار.

     والله سبحانه وتعالى يساعد عمر في بسط العدل، وينير ذهنه، ليعرف الطريق الموصل إليه، إذا ما ادلهمَّ الأمر؛ لأنه يعرف نيته، فيعطيه العون في ضوء هذه النية، وفي ظل الجهد الذي يبديه في النهار، والسهر الذي يلازمه في الليل، والقصة الآتية تعطي صورةً لهذا:

     «وُجد شاب قتيل بظهر الطريق أيام عمر، فلم يقدر على قاتله، فقال:

     «اللهم اظفرني بقاتله».

     حتى إذا كان على رأس الحول وُجد صبي ملقى بموضع القتيل. فقال:

     ظفرت بدم القتيل، إن شاء الله!

     فدفعه إلى ظئر، وقال لها:

     إن جاءت امرأة تقبله وترحمه، فاعلميني.

     فلما شب، وطاب، إذا هي بجارية قالت لها:

     إن سيدتي تطلب أن تذهبي به إليها.

     ففعلت، فضمته إلى صدرها، وقبلته، وتلك بنت شيخ من الأنصار.

     فأخبرت عمر، فاشتمل على سيفه، وخرج إلى منزلها، فوجد الشيخ متكئاً على باب داره، فقال: ما فعلت ابنتك؟

     قال: جزاها الله تعالى خيراً، هي من أعرف الناس بحق الله، وحق أبيها، وذلك من حسن صلاتها، وحسن صيامها، والقيام بدينها.

     فقال: أحببت أن أزيدها رغبة.

     فدخل وأخرج من هناك، وقال:

     اصدقيني خبر القتيل والصبي، أو لأضربنك بالسيف.

     وكان عمر لا يكذب.

     فقالت: كانت عندي عجوز قد تأممتها، فعرض لها سفر، فقالت:

     «لي بنت أحب أن أضمها إليك».

     وكان لها ابن أمرد، فجاءت به في هيئة الجارية، وأنا لا أشعر؛ فمكث عندي ما شاء الله، ثم اغتفلني وأنا نائمة، فلم أشعر به حتى خالطني، فمددت يدي إلى شفرة فضربته، وأمرت أن يلقى على الطريق، وقدَّر [الله] أني اشتملت منه على هذا الصبي، فألقيته حيث وجد.

     فقال عمر: صدقتني، بارك الله فيك. ثم وعظها، ودعا لها، وخرج.

     وقال للشيخ: بارك الله لك في ابنتك، فنعم البنت بنتك»(3).

     لا ندري ما فعل عمر بالعجوز، إن كانت لا تزال حية، أو لا تزال تسكن المدينة.

     وإن صدقت هذه القصة ففيها ملامح من حزم عمر، وملامح من عدله، وملامح من فراسته، وملامح من شجاعته، وملامح من تفكيره وتدبيره، وملامح من تقوى عمر، فقد اهتم بالأمر، وشمر ساعده للبحث عما وراء القتل، ومن وراءه، وقرن بين الطفل وبين القتيل بعد عام، ثم لما بان له خيط من الضياء في ظلمة الحيرة، تقلد سيفه، ولعله ظن أن خصمه رجل؛ ولأن عمر لايدري ما الأمر حتى الآن، ولمح إشارة عِرض وفضيحة، فلم يرد أن يسيء إلى أحد، فلم يستعن بأحد(4).

     فلما تبين له الأمر بكامله، وضع الغطاء على القدر، ودعا للبنت، فهي في حاجة إلى الدعاء، ووعظها وهي بحاجة إلى الموعظة، وستر سرها، فلم يطلع والدهاعليه. ولم يستغرب والدها زيارة أمير المؤمنين، فقد يكون أراد أن يعرف منها بعض ما يخص النساء، أو ما يريد أن يوكل إليها، وهي الطاهرة العفيفة.

     إن كانت القصة قد حدثت، فهي لائقة بعمر، وبحسن تصرفه، ومعالجته للأمور، ونظرته إلى ما يقابله من مشاكل، وإن كانت منحولة فلقد أجاد ناحلها تمثيل عمر، وتصرفه في أموره.

     وتقوى عمر التي تكمن وراء عدله؛ وهي منطلق الخير في نفس كل إنسان، وهي النور الذي يدله على الخير، ويحثه على فعله، ويريه الزيف والخطل، وينهاه عنهما، وتمتزج التقوى بالعدل، والصراحة بقوة الإرادة، وبتربية من حوله له، وبتعليمهم، وببسط القدوة الحسنة أمامهم، والقصة الآتية تبين ذلك:

     «قال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه :

     اتق الله، يا أمير المؤمنين.

     فقال له رجل: لا تألت أمير المؤمنين.

     فقال عمر: دعهم، فلا خير فيهم إذا لم يقولوها، ولا خير فينا إن لم تقل لنا»(5).

     لم تأخذ عمر العزة بالإثم، فيذكر مقامه، ومقام الرجل، والفرق بينهما، ولو كان غير عمر ممن يرى نفسه أن مركزه يحميه من أن يذكر بواجبه، لقال: إني متق الله قبل أن تأتي وتأمرني بذلك. بل إن عمر لم يكتف بأن قال دعه، بل أردفها بما لايدع مجالاً للشك أنه مغتبط أن بين رعيته من عنده الجرأة لمخاطبة من رضيه أميرًا بثمل هذا القول، وعنده الثقة في أن هذا القول سوف يسره، وقد وضع عمر في رده قاعدة مشرقة، جعلها واجبًا على الراعي والرعية، هم بالقول، وهو بالقبول.

     وقبوله القول الحق، وفرحته به؛ لأنه جزء من العدل. وأجمل جانب منه حينما يكون إنصافاً من نفسه، وإعطاءها الحق لأصحابه برضى وحبور، وطلب رد المعروف حق من حقوق مسديه، إذا لم يتنبه له من أسدي له، وقد مر أمر من هذا بعمر رضي الله عنه فسارع يرد الجميل، ويعترفق بالفضل، وهو عمل يعطي الرجل شهادة في تميزه في خلقه، ووقوفه بجانب الحق، في وقت قامت الحاجة إليه، والقصة تروى هكذا:

     «قام رجل من الأنصار إلى عمر رضي الله عنه فقال:

     اذكر بلائي إذ فاجأك ذو سفه

                      يوم السقيفة، والصديق مشغول

     فقال عمر بأعلى صوته:

     «أدن مني».

     فدنا منه، فأخذ بذراعه حتى استشرفه على الناس، وقال:

     ألا إن هذا ردَّ عنِّي سفيهاً، يوم السقيفة.

     ثم حمله على نجيب، وزاد في عطائه، وولاه قومه، وقرأ: ﴿هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الْإِحْسَانُ﴾(6).

     عمر يدهش قارئ ما كتب عنه من أخبار بمثل هذه القصة التي تُري إلى أي مدى حب الصراحة متغلغل في نفسه؛ لأنه لايخشى العلن؛ لأنه لايعمل في السر ما لا يريد أن يدري عنه الناس في العلن، والأمر عنده في كل أموره إما مقبول وإما مرفوض، فالمقبول يقبله أمام الخلق، والمرفوض يرفضه في حينه.

     وعمر لم يعتبر فعل الرجل نقيصه يجب أن تخفى؛ لأنها تدل على أن هناك رجلاً كان في يوم من الأيام، وفي وقت من الأوقات أقوى منه، وهذا ثلم في شخصيته، يجب أن يدارى، وعيب يجب أن يُخفى؛ بل الأمر خلاف ذلك، لقد رأى عمر أن من حق الشخص أن يعلم عن فعله الحسن، القاصي والداني في المكان، فقد لايكون سمعه إلا من حوله؛ لأن عمر اعتقد أن مما يكمل رد الجميل أن يعلم الناس بما فعل، حتى يكون قدوة في عمله هذا يقتدى به.

     ويعدل عمر عندما يقدر الخلق الحسن، والصدق رأس الخلق الحسن، وعمر مغرم بالصدق، ويريده أن يتمكن من مجتمعه، ويتساهل في أحكامه، عندما يخالطها الصدق، ويقترن بها قول الحقيقة، فإذا اعتبر عمر قول الصدق نوعاً من أنواع الصراحة، تحقق له بهذا صفتان يحبهما، ويعتنقهما، ويؤمن بهما إيماناً عميقًا، وفي القصة التالية تتوافر هذه الصفات في عمر مضافاً إليها صفة عرفناها من قبل، وهي الفراسة، وهذا الموقف من المواقف المدهشة للمتابع لحياة عمر:

     «كان عمر يقسم لكل رأس نصف دينار، فأتاه أعرابي فقال:

     يا أمير المؤمنين، أعطني لنفسي، ولأخ لي حبشي.

     فقال له عمر: الحبشي زق معمم في البيت.

     قال: اللهم نعم.

     قال: يا غلام، أعطه دينارًا، نصفه قسمه، ونصفه لصدقه»(7).

     إن الصدق، والتشجيع عليه، والإتصاف به، يساوي نصف الدينار الذي يعطى قسمة لفرد. إن نظرة عمر للأمر بعيدة، إنه حاكم ومرب.

     وسياسة عمر، وصفات عمر، وعقل عمر، وما قلناه عن حزمه وعن عدله، وما لم نقله بعد، يكاد كله يكون له نصيب ومثل مع عماله؛ فقد دون له عن عماله ومن ينصبهم كثير من الأمور التي تكشف جانباً مضيئًا في حياة عمر، وقد مر بنا بعض هذا، ورأينا كيف يستدعي عمرو بن العاص، وابنه، ليقتص منهما شاك تظلم إليه، وهذا موقف واحد من مواقف مختلفة.

     فعمر يقظ متنبه مع عماله، يتابع أمورهم، يحاول أن لا تغفل عينه عن شيء من أحوالهم، ويسارع بالعلاج من البادرة الأولى التي تظهر له؛ وفراسته أحياناً تجعله يسبق تطور الحدث، فهو يعالج الموقف قبل أن يدرك الناس أن منه خطرًا مقبلاً.

     إذا رأى ظاهرة الخلل أقدم على إصلاحه، وخبرته بالناس وحياتهم لا تجعله يؤخر الأمور، ولا تجعله يعطي فرصة للأعذار، إلا فيما خفي عليه بعض أمره، فإنه يسأل، قبل أن يأخذ الأمر بيده، ومن القصص التي أصبحت صورة من صور حكمه مع عماله الصورة التالية:

     «مَرَّ عمر ببناء يبنى بآجر وجص، فقال:

     لمن هذا؟

     قالوا: لفلان.

     فقال: تأبى الدراهم إلا أن تخرج أعناقهم.

     وشاطره ماله»(8).

     لقد حسب وقدر، فأدرك أن دخل هذا الرجل لا يسمح له بهذا البذخ، فعرف أنه قد غل، فأخذ حق بيت مال المسلمين منه.

     وهذا لا ينطبق على من لم يكن له طريق إلى الاشتغلال، وكان له من دخله الحلال ما يسمح له بمتاع الحياة الدنيا كما أحله الله، فإن عمر لايعترض، بل يبدي وجهة نظر هادئة، فيها رأي يحمل نصيحة وإرشادًا كما في القصة الآتية:

     «لما بلغ عمر أن سعدًا وأصحابه قد بنوا بالمدر، قال: قد كنت أكره لكم البنيان بالمدر، فأما إذ قد فعلتم، فعرضوا الحيطان، وأطيلوا السمك، وقاربوا بين الخشب»(9).

*  *  *

الهوامش:

(1)         ربيع الأبرار: 3/295.

(2)         ربيع الأبرار: 3/363.

(3)         ربيع الأبرار: 3/167.

(4)         كان عمر قوي البنية، وندّ لأي رجل.

(5)         البصائر: 1/19.

(6)         سورة الرحمن، الآية: 60.

(7)         البصائر: 7/70.

(8)         عيون الأخبار: 1/431، يقال إ،ه كان لعامله على البحرين، سراج الملوك: 419.

(9)         عيون الأخبار: 1/431.

*  *  *