مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، شعبان 1433 هـ = يونيو- يوليو 2012م ، العدد : 8 ، السنة : 36

 

 

كلمة العدد

 

 

ها هي ذه أمريكا بدورها تعترف بأنها في حالة حرب مع الإسلام

 

 

 

 

 

 

        في يوم السبت: 20/جمادى الثانية (بالتقويم الهندي) 1433هـ الموافق 12/مايو 2012م نشرت وسائل الإعلام الهندية بما فيها الصحف اليومية أن الجيش الأمريكي كان يُعَلَّم أن أمريكا لاتحارب الإرهاب فقط وإنما تحارب الإسلام، وأنها قد تضطر أن تنسف كلاًّ من مكة المكرمة والمدينة المنورة عن طريق القصف بالهجوم النوويّ كما نسفت كلاًّ من «ناغاساكي» و«هيروشيما» باليابان. وصَرَّحت الأنباء الواردة في هذا الصدد أن الضابط الكبير في الجيش الأمريكي المدعو بـ«ميثودولي» كان يُدَرِّس الجيشَ موادّ مسمومة للغاية كان يدربه من خلالها على الكراهية المتناهية والعصبية العمياء ضدّ الإسلام والمسلمين، حتى يصدر في جميع ما يقوم به من عمليات عسكريّة عن عاطفة الحقد والكراهية ضدّ الإسلام. وكان الضابط قد أعدّ لذلك منهجاً دراسيًّا عسكريًّا متكاملاً كان يتبعه في التدريس، كان يحتوي مواد استفزازية مثيرة للغاية، منها: أنّ أبناء الإسلام يكرهون كل شي تعملون أيها الجيش أنتم على تحقيقه وهم لن يصاحبوك مالم تخضعوا لهم إن تصميم المبادئ الحربية لايتفق معه تلك المبادئ الحربية التي اتخذتها اتفاقية جنيف بشأن الصدام المسلح ففي هذه الحالة يبقى لدينا خيار الهجوم على سكان منطقة ما على غرار «هيروشيما» و«ناغا ساكي» وما يترتب من النتائج المنتظرة بعد الحرب حسب المخطط الحربيّ، ستعود منه المملكة العربية السعودية منكوبة بالمجاعة وسيعود الإسلام مجرد نحلة متواضعة إن أمريكا تحارب المسلمين؛ لأن الإسلام هو عدوها وإنها ستضطر أن تنسف كلاًّ من مكة والمدينة وتمحوهما بالكامل.

     وبعد ما انكشف اللثام عن هذا المنهج العسكري الدراسي، وعن الضابط الذي كان يقوم بتدريسه، صدر الأمر بإجراء التحقيق حول القضية كلها، كأن أمريكا التي تعرف حتى حالة غرفة النوم لكل من أفراد سكان العالم، كانت لاتعلم بما يدور في قطاعها العسكري من القضايا. إن إجراء التحقيق في هذا الشأن أو إيقاف الضابط عن القيام بنشاطاته التدريسية أو التدريبية عملية ذر الرماد في العيون، ولاسيّما لأن الأنباء تقول: إن الضابط لايزال يقوم بمهامه في القطاع الذي كان يعمل فيه.

     وبعد ذلك بيوم واحد فقط: يوم الأحد: 21/جمادى الثانية 1433هـ الموافق 13/مايو 2012م طلعت علينا الصحف الهندية بنبأ مفزع آخر وهو أن المجلس الإقليمي لولاية «كنساس» بالولايات المتحدة الأمريكية وافق بالأغلبية على مشروع قانون يضادّ الشريعة الإسلاميّة، بما فيها تطليق السيدات، وارتداء الحجاب، ويقضي بعدم مراجعة المحاكم في أي من قوانين الشريعة الإسلاميّة؛ لأن أعضاء المجلس صَرَّحوا خلال نقاشهم حول مشروع القانون الذي أقروه بأن القوانين الإسلامية تقف حاجزًا دون المساواة، كما أنها أجنبية دخيلة علينا، فلابد من فرض الحظر عليها كاملاً.

     إن الخبرين كليهما يؤكدان أن أمريكا في حالة الحرب مع الإسلام نفسه، وليس مع الإرهابيين أو المسلمين فقط. وبالمناسبة نودّ أن نعود بالقراء الكرام إلى ما أكدنا عليه إثر ما صنعته أمريكا من الإرعاد والإبراق ضدّ الإسلام إثر نسف مركز التجارة العالمي لديها في 11/9/2001م، وما شنه رئيسها آنذاك «بوش الابن» من حرب شعواء على الإسلام والمسلمين في كل مكان في العالم من أن هذه الحرب التي شنتها أمريكا باسم «الحرب على الإرهاب» إنما هي الحرب على الإسلام، وهي حرب صليبية صهيونية ضدّ الإسلام؛ لأن أمريكا الصليبية تخوضها مع الإسلام بتأييد شامل من الصهيونية العالمية التي صارت هي أمريكا عبدًا ذليلاً لها منذ فترة غير قصيرة. وكان «بوش الابن»أعلنها بلسانه دونما لبس «حرباً صليبية غير تقليدية» ولئن أوّلت وسائل الإعلام الأمريكية مقالة «بوش» بأنها كانت زلة لسان منه، وأنه لم يرد ما تعنيه الكلمة من كون هذه الحرب حرباً مقدسة ضد الإسلام من قبل المسيحيين؛ ولكن «بوش» بدوره ومن سوء الحظ أو سعادة الجدّ لايزال حيًّا يُرْزَق لم ينبس لحد اليوم ببنت شفة ولم يصرح بأنها كانت غلطة صدرت من لسانه بدون قصد منه.

     حقًّا: إن هذه الحرب التي شنتها أمريكا التي لم تشنها منذ 11/9/2001م فقط، وإنّما جعلتها منذ هذا التاريخ معلنة مكشوفة غير مستورة، وإلاّ فإنها تخوض هذه الحرب مع الإسلام منذ وقت بعيد، وقُلْ: إنها لم تتوقف عن الحرب الصليبية ضد الإسلام في أي فترة من فترات التاريخ ضدّ الإسلام، بأسلوب شامل تقليدي وغير تقليدي محتمية بنسف مركز التجارة العالمي لديها، الذي جرى عن تخطيط وتنفيذ من الصهاينة والصليبيين معاً؛ لكي يستعجلوا الانتقام من الإسلام وتحقيقَ أغراضهم الكثيرة التي رأوها تتحقق بهذا الطريق بشكل عاجل وكامل.. إنها كانت ولاتزال وستظل حرباً صليبية صهيونية شعواء شاملة ضدّ الإسلام، وعن طريقها دمرت أمريكا كلاً من أفغانستان والعراق، وهي في طريق تدميرها لباكستان وغيرها من البلاد الإسلامية والعربية التي خططت لتدميرها ضمن تخطيط بعيد المدى محكم النسج. وهي لن تقعد عن تدمير المتبقي من البلاد التي خططت لتدميرها. وبالمقابل إنّها عَزَّزت إسرائيل وجعلتها أقوى عسكريًّا واقتصاديًّا من ذي قبل.

     كان «بوش الابن» أعلن الحرب على الإسلام بقوله: إنها حرب صلبية تخوضها ضد الإرهابيين بأسلوب تقليدي وغير تقليدي. وفعلاً قد خاضتها أمريكا مع الإسلام والمسلمين بهذين الأسلوبين معاً: بأسلوب تقليدي؛ حيث استخدمت الأسلحة النووية وغير النووية والقوات والطائرات والقاذقات والأساطيل البحرية والقنابل الهائلة وما إلى ذلك. وبأسلوب غير تقليدي؛ حيث حاولت جهدها إذلال وتعذيب المسلمين بشكل لم تخطر من أي من الجبابرة والفراعنة في التاريخ الإنساني ببال شمل الاغتصاب الجنسيّ، والتعذيب النفسي، والإيذاء العقدي، والإيلام الفكري، والتعذيب الجسماني، فبالت القوات الأمريكية المدفوعة بالروح الصليبية الصهيونية على المصاحف، ومزّقت أوراقها أمام أعين المسجونين المسلمين، وأرغمت بعضهم بفعل الفاحشة مع بعض على مرأى من آلات التصوير، وحرَّضت كلابَها المدربة على الممارسة الجنسية مع النساء المسلمات والشباب المسلم، كما صنعت ذلك معهم هؤلاء القوات الخبثاء بأنفسهم، وجرى تعذيبُهم المسجونين المسلمين بأصوات مزعجة، وبأنوار ساطعة مؤلمة مسلطة على أعينهم، وبإيقافهم على رؤوسهم طويلاً، وبتعصيب عيونهم ليلاً ونهارًا، وبتجريدهم من الثياب كاملاً والتقاط صورهم في هذه الحالة ونشر صورهم هذه عبر وسائل الإعلام إمعانًا في الإذلال؛ حتى يعتبر إخوانهم المسلمون في العالم، ويخافوا على مصيرهم هذا لو أنهم خرجوا على أوامر أمريكا الصليبية الصهيونية القوية الجبارة البطاشة بخصمها.

     وأيضاً شَفَّ ويشفّ عن الأسلوب غير التقليدي لهذه الحرب الصليبية الصهيونية ضد الإسلام والمسلمين أن أمريكا أصدرت الأوامر إلى قادتنا في بلادنا أن يُلْغُوا فيها تعليمَ القرآن الكريم، أو يُحَجِّموا حصصه التعليمية، ويفرضوا الحظر على تعليم السور التي تتعرض لذكر اليهود والنصارى بـ«سوء»؛ وأن يفرضوا الحظر على الجمعيات الخيريّة الإسلامية؛ لأنها كما زعمت تُدَعِّم الإرهاب؛ حيث تتعاون مع المسلمين الفقراء وذوي الحاجة الذين كلهم إرهابيون؛ حيث ينطقون بالشهادتين، ويصلّون، ويعمون بالإسلام، والإرهابُ لديها ليس إلاّ الإسلام؛ وأن يفرضوا الحظر على الحجاب الإسلامي؛ لأنه يؤدي إلى الأصولية، فالتشدد، فالإرهاب؛ لأنه يعني الالتزامَ بالاحتشام والوقار و وسائل المنع من الفاحشة والاختلاط الحرام. وكلّ ذلك يُخَرِّج المسلم على الإرهاب؛ وأن يُعَرِّفُوا لدى مواطنيهم بالاسلام المعتدل: الإسلام الصناعي، الإسلام غير الحقيقي، الإسلام الذي يتماشى مع الكل، ويتصالح مع جميع الأديان، ويقبل عباداتها، ولايُصَرِّ على عباداته وحدها. وتسهيلاً على قادتنا مهمة التعريف بالإسلام المعتدل، خَرَجَتْ أمريكا بكتاب «الفرقان الحق» الذي أصدرته بالعربية والإنجليزية معًا، شَنَّعَتْ فيه على تعاليم الإسلام، ولاسيّما الجهاد، وختم النبوة، وأحكام الإسلام، وأَثْنَتْ فيه على تعاليم اليهود والنصارى.

     كما أشارت بل أمرت على حكّامنا وقادتنا أن ينشئوا في بلادهم جامعات عصريّة للتعليم المختلط، وأن يسمحوا فيها باختلاط الفتيان والفتيات، وأن يمنعوا من دخولها العلماءَ المتلزمين المُصِرِّين على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الاختلاط بين الجنسين لابد منه لدى أمريكا والغرب للحرية المطلوبة للتعليم العالي المؤدي إلى الرقي والتقدم والازهار؛ لأن الحرية الكاملة تُقَوِّى الذاكرة، وتُنْشِط الأذهان، وتُنْعِش الأبدان، وتُعِين على إتقان العلوم العصريّة من الهندسة والتكنولوجيا والعلوم التطبيقية الطبيعية الكثيرة المتنوعة!.

     كما أشارت عليهم على قادتنا وحكامنا أن يسمحوا في بلادهم بنشوء مناخ منفتح على السهولة واللين والتسامح الزائد لايسمح بالعمل بكل الإسلام في الأمور الاجتماعية، وإنما يدعو للانفتاح الزائد الذي يقبل التقليدَ الإسلامي وغير الإسلامي، والثقافةَ الإسلامية وغيرَ الإسلامية، فَعرَفَتْ مجتمعاتُنا خلال هذه السنين الأخيرة من التسامح البالغ والانفتاح الزائد ما كانت لاتعرفه من ذي قبل، وما هوآتٍ هو أدهى وأمرّ، ويبدو أن مجتمعاتنا تتجرد بالتدريج من كل من الغيرة التي كانت تتمتع بها نحو ثقافتها وعاداتها وتقاليدها، الأمر الذي يُـخَرِّج جيلاً من الفتيان والفتيات يتحرر من جميع التقيُّدات والالتزامات الدينية والوطنية والقوميّة، ويتبني التقليدات والعادات الغربية الأمريكية اليهودية المسيحية.

     وإلى جانب ذلك شنّت أمريكا حملةً واسعةً لتشهير الإسلام بأنه دينُ تشدّد، لايعرف تسامحاً ولايعيش مع غيره، وأنه دين بدائي غير متحضر؛ لأنه لايؤمن بسفور المرأة، وبعملها متكاتفةً مع الرجال، وبمساواتها في الحقوق والواجبات، وبأن المرأة أداة متعة ولذة وإشباع شهوة للرجال؛ فلابدّ من تعرِّيها في كل مكان حتى يتمتع بها الرجال، كما أن الإسلام بظلاميته ورجعيته لايُقِرُّ بالزواج المثلي: أي زواج الرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة؛ فالإسلام دينٌ انغلاقيٌّ لاينفتح على الحضارات والمدنيات الوافدة من الغرب المتمدن المتنور!.

     وعندما تبوأ «أوباما» - الرئيس الأمريكي الحاليّ مقاليد الحكم في أمريكا، وفاز بأغلبية ساحقة في الانتخابات الرئاسيّة زار القاهرة، وخاطب العالم الإسلامي من جامعة القاهرة، وحاول من خلال خطابه أن يزيل سوء الظن القائم لدى المسلمين في العالم تجاه أمريكا لحربها الصليبية الصهيونية ضد الإسلام باسم «الحرب على الإرهاب» فقال في خطابه الطويل: إن أمريكا إنما تحارب الإرهاب والإرهابيين، ولا تحارب الإسلام، وسنصنع مستقبلاً ما يُؤَكِّد قولَنا؛ ولكنه لم يصنع شيئًا يدلّ على أنه كان جادًّا في مقالته للمسلمين في العالم، بل إن الحرب على الإسلام باسم الحرب على الإرهاب لاتزال على قدم وساق. ولاتزال أمريكا تمارس الظلم المتناهي الشنيع مع المسلمين، وتصنع ما يؤكد أنها في حربها ضد الإسلام والمسلمين صادرةٌ عن الروح الصليبية والصهيونية. ومن وقت لوقت ينكشف اللثام عما يُؤَكِّد خبثَ نيَّنتها وسوءَ طويتها. وليس ما نشرته وسائل الإعلام العالمية من نيتها لتدمـير مكـة المكرمة والمدينة المنورة إلاّ قليل من الكثير الذي تنويه وتخفيه وتخطط له وتسعى إليه وتعمل عليه.

     وإن جميع تصرفاتها تُؤَكِّد أَنَّها تحفر في استمرار لحتفها بظلفها، وأن سقوطها مُحَتَّم، لأنّها تجاوزت جميعَ الخطوط الحمراء في ممارسة الظلم، وعداء الإنسان، ومحاربة الإسلام، وفعل الأفاعيل مع المسلمين، وإن الله يمهل الظالمين، ولكنه لايهملهم، وإنه لن يدع أمريكا ومن معها من الغرب أن تسدر دائماً في غلوائها ولاترتدع من شرّها.

     وإنّ تصرفات أمريكا تُؤَكِّد لجميع قادتنا وحكامنا أنها ليست صديقةً لهم أو للمسلمين، وإنّما هي وفيّة لمصالحها وأغراضها الصليبية الصهيوينة، وعدو لكل دولة أو فرد أو جهة تقف دونها ودون أغراضها، ولا تبقى لها على صداقتها إلاّ ريثما تتعلّق بها أغراضُها، فما إن تتحقق، حتى تتخذها عدوًّا لدودًا، وتُصَفِّيها بشكل يعود عبرةً لكل حيّ.    

نور عالم خليل الأميني

(تحريراً في الساعة 1 من ظهر يوم الخميس 24/ جمادى الثانية 1433هـ = 17/مايو 2012م)