مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، شعبان 1433 هـ = يونيو- يوليو 2012م ، العدد : 8 ، السنة : 36

 

 

إلى رحمة الله

 

 

2 – الشيخ عباد الرحمن القاسمي البلند شهري رحمه الله

1366-1433هـ = 1947-2012م

 

 

 

 

 

     في الساعة الخامسة والنصف من الصباح الباكر الذي أعقب الليلة المتخللة بين الجمعة والسبت: 12-13/ جمادى الثانية 1433هـ الموافق 4-5/مايو 2012م انتقل إلى رحمة الله تعالى زميلنا في الدراسة في الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ ديوبند الشيخ عباد الرحمن القاسمي البلند شهري أستاذ الحديث بمدرسة «خادم الإسلام» الشهيرة بمدينة «هابور» إثر نوبة قلبية اعترته، فإنّا لله وإنا إليه راجعون. وقد كان رحمه الله لدى وفاته في 65 من عمره بالقياس إلى التقويم الميلادي، وفي 67 منه بالقياس إلى التقويم الهجري الإسلامي.

     كان الشيخ عباد الرحمن جَمَعَ إلى إتقان العلوم الشرعية الصلاح والتدين، والذكاء وقوة الذاكرة، والبراعة في الخطابة والتدريس، والدعوة والتبليغ. وكان مُتَأَنِّقًا في اللباس، يُزَيِّن وجَهه عمامةٌ كبيرة ولحية مُكَثَّفَة، والجدّ العِلمي، والوقار الديني، والسكوت المطبق إلاّ عند الحاجة. وكان أسمر اللون مائلاً إلى البياض، أزج الحاجبين، أكثفه، ربعة من الرجال. وكان زميلنا في دراسة اللغة العربية والتدرب على الخطابة والكتابة فيها على أستاذنا الكبير فضيلةالشيخ وحيد الزمان الكيرانوي رحمه الله المتوفى (1415هـ/1995م) وكان عندها أيضاً طالباً جادًّا في الدراسة، مجتهداً فيها، منصرفاً عن كل ما يخلّ بها. وكان كاتب هذه السطور عريفاً في هذا الصف الذي كان يديره الشيخ الكيرانوي رحمه الله، ولكثرة ترداد اسمه «عباد الرحمن» لدى تسجيل الحضور والغياب في السجل، ثبت في ذاكرتي بحيث بقي محفوظاً حيًّا فيها حتى بعد مغادرتي الجامعة إثر التخرج، وبعد ما عدتُ إليها أستاذًا فيها كثر اختلافي إلى المدرسة التي كان يقوم بالتدريس فيها، وهي مدرسة «خادم الإسلام» بمدينة «هابور» بولاية «أترابراديش» والتي بقي يدرس بها على مدى 35 عاماً لآخر لحظة من حياته، فكثر لقائي معه فيها وفي الجامعة حيث كان يزورها من وقت لآخر لإجراء اختبار الطلاب في بعض الكتب والمواد الدراسيّة ضمن الامتحان السنوي، الأمر الذي كان يُكَلَّف إياه من قبل الجامعة جرياً على عادتها في شأن اختبارات المرحلة الابتدائية، التي معظمها تجري شفويًّا.

     ولد رحمه الله عام 1947م (1366هـ) في قرية «فريد نغر» بمديرية «غازي آباد» وكان من سكان «جلال فور» بمديرية «بلند شهر» وتلقى الدراسة الابتدائية إلى الصف الخامس حسب المنهج المتبع في المدارس العصرية الحكومية في قرية «فريد نغر» ثم تجاوز امتحانات الصف الثامن حسب هذا المنهج في بلدة «خورجه» بمديرية «بلند شهر» ثم تصدّى لحفظ القرآن الكريم الذي أنهاه في هذه البلدة، كما تلقى فيها مبادئ الأردية والفارسية، وتلقى الدراسة العربية والفارسيّة في مدرسة «خادم الإسلام» بـ«هابور» التي فيها أنهى المرحلتين الابتدائية والثانوية في دراسة العلوم العربية والشرعيّة، ثم قصد الجامعة الإسلامية الأم دارالعلوم/ ديوبند. وأنهى فيها الدراسة العليا، وتخرج منها عام 1973م (1393هـ). وبدأ مشواره العملي من مدرسة حياة العلوم بمدينة «مراد آباد» بولاية «يوبي» حيث دَرَّسَ فيها عامين متتاليين الكتب الدراسيّة في شتى الموضوعات الإسلاميّة، وخلال ذلك تخرج في التزكية والإحسان على الشيخ الصالح العالم الورع الشيخ محمد حياة السنبهلي رحمه الله. ولعلاقته القديمة مع مدرسة حياة العلوم ظلّ طوال حياته عضواً في مجلسها الاستشاري ومشرفاً عليها بعد وفاة الشيخ محمد حياة السنبهلي رحمه الله.

     وفي عام 1398هـ انتسب أستاذًا إلى مدرسة «خادم الإسلام» بمدينة «هافور» وظلّ يعمل بها حتى وفاته، وخلال هذه الفترة الطويلة دَرَّسَ جميع الكتب الدراسيّة المقررة في منهجها الدراسي، حتى بلغ تدريسَ الجزء الثاني من صحيح البخاري والجزء الأول من جامع الترمذي ومقدمة درالمختار وكتاب القضاء والوقف والقراءة الواضحة وشرح نخبة الفكر والسراجي.

     وكان يتقن اللغة العربية إلى جانب اللغة الأردية والإلمام اللائق بكل من اللغتين الإنجلزية والهندوسيّة وعلم الحساب وعلوم الرياضة، فكان عالماً ثاقب الفكر، واسع النظر، متنوع المؤهلات، فكان محبوباً بين الأساتذة والطلاب والمسؤولين في المدرسة، لاتصافه بالتواضع وإنكار الذات إلى جانب تضلعه من العلوم المتداولة في المدارس الإسلامية الأهليّة التي ترابط على الثغر الإسلامي في شبه القارة الهندية.

     وكان في مدرسة «خادم الإسلام» عمدةً بالنسبة إلى مؤهلاته التدريسية الناضجة، فكانت وفاته بالنسبة إليها خسارة لاتُعَوَّض؛ لأن العلماء المتضلعين الذين يُتَوَفَّون، لايخلفون من يقوم مقامهم في القيام بالأعمال التدريسية والتوجيهية والتأليفية والدعويّة؛ لأنهم كانوا نتاج زمن كان يتيسّر فيه العكوف على الدراسة والانقطاع إليها، أما الحاضر الذي نعيشه نحن فازدحمت فيه الأشغال، وتكاثرت الأعمال، وفرضت السرعة سيطرتها على كل شيء، والتهورُ والارتجالُ والسطحيةُ صارت سمةَ العصر.

     خلّف رحمه الله وراءه إلى زوجته سبعة بنين وثلاث بنات، ألهم الله الجميعَ من أهله وأولاده ومعارفه الصبر والسلوان، وأدخله فسيح جناته.

 

(تحريراً في الساعة 10 من صباح يوم الأحد: 28/ جمادى الثانية 1433هـ = 20/مايو 2012م)

 

 

*  *  *