مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، رمضان - شوال 1433هـ = يوليو - سبتمبر 2012م ، العدد : 9-10 ، السنة : 36

 

 

الفكر الإسلامي

 

 

ظل عيد رمضان مرتبطاً بالسعادة لدى المسلمين

 

 

                                                                                                                                                                             بقلم : د. عبد اللّه الصالح العثيمين

 

 

 

 

       ظل عيد رمضان مرتبطاً بالسعادة لدى المسلمين عبر القرون تعبيرًا بالكلمات، وربما امتلاكاً للمشاعر والأفئدة. فكثيراً ما عبر عن اليوم الأول من شوال بيوم العيد السعيد، وكثيراً ما قال الخطباء في خطبة العيد: (ليس السعيد من لبس الجديد، ولا من ركب الخيل المسومة وخدمته العبيد). أما امتلاك السعادة للمشاعر والأفئدة فمبعثه الابتهاج بنعمة الله على عباده المؤمنين بأن بلغهم صوم رمضان وقدرهم على قيام لياليه وعمل الصالحات فيه، سائلين ربها العفو الغفور أن يتقبل منهم الصيام والقيام وكل عمل صالح.

       على أن للشعراء مواقف متأثرة بالظروف التي يمرون بها عند حلول العيد مهما اختلفت تلك الظروف؛ فأبو الطيب المتنبئ، الذي لم ينل شاعر عربي شهرة مثل شهرته بين الناس خلال أكثر من ألف عام، كان يمر بحالة وجد أنسب تعبير عنها ذلك السؤال الذي جعله مطلعاً لقصيدته الكافورية الدالية المشهورة فقال:

       عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدْتَ يَا عِيدُ؟

                           بِمَا مَضَىٰ أَمْ لِأَمْرٍ فِيكَ تَجْدِيدُ؟

       والشاعر الفارس عبيد بن رشيد، كان وهو بعيد من موطنه حائل يمر بحالة عبر عنها بقوله:

       الْعِيدُ عِيَّدْنَاهُ بِأَيْسَرِ صَعَافِيق

                           والْعِيدُ الْآخَرُ بِالْـحَفْرِ وَالدَّجَانِي

       أما الشاعر أبو زويد، الذي اشتهر بروعة شعره الغزلي يوم كان الغزل وجدانياً عفيفاً قبل أن يصبح مبتذلاً سخيفاً، فعبر عن حالته في يوم العيد وهو يرى الأحبة يتبادلون التهاني بالعيد! وهو محروم من رؤية محبوبته، قائلاً:

       كُلُّ نَهَارِ الْعِيدِ عَايِدٌ وَدِيدُهُ

                           وأَنَا نَهَارُ الْعِيدِ عِيدِي دُمُوعِي

       وكم هناك من أفراد أمتنا المنكوبة؛ رجالاً ونساء، فلسطينيين وعراقيين وأفغاناً وآخرين منسيين، من تفيض نفسوهم بالعبرات والحسرات في يوم العيد لأسباب يعلم الكثيرون أنها من جرائم أعداء المسلمين ومن ساعدهم من أبناء أمتنا الخائنين.

       الجرائم البشعة التي ارتكبها وما زال يرتكبها المحتلون لأفغانستان بالتعاون مع الأشخاص الذين أوصلوهم إلى سدة الحكم لا ينكرها إلا متجاهل للحقائق. وزراعةُ المخدرات في ذلك البلد الإسلامي المحتل، أصبحت أضعافاً مضاعفة في ظل الاحتلال.

       أما العراق وفلسطين فسدول الهول واليأس مرخاة عليهما؛ فالأولى كل المؤشرات توحي بأن وحدتها الوطنية قد انتهت عملياً أو كادت تنتهي. وإذا كان المتأملون في سير الأحداث قد علموا أن الهدف الأكبر الحقيقي للاحتلال الأمريكي البريطاني لبلاد الرافدين كان القضاء على تلك الوحدة فإنهم لا يستغربون قرار الكونجرس الأمريكي الأخير المنادي بتقسيم العراق. والثانية؛ وهي فلسطين، كل الدلائل تشير إلى أن ما بقي غير مهود منها يباع الآن بثمن بخس في مزاد علني أو من وراء الكواليس. واللقاء، أو المؤتمر، الذي تُعد له الإدارة المتصهينة المؤيدة تأييدًا تاماً للكيان الصهيوني إنما هو في حقيقة الأمر دعوة من يستجيب لحضوره ليكون شاهد زور على ذلك البيع.

       وعلى أي حال، فربما كان لمن يعتصر قلبه الألم لمشاهدة ما هي عليه أمته مندوحة بأن يهرب من كأبوس واقعه وإن مؤقتاً ليحاول الإجابة عن السؤال الذي يطرحه عنوان المقالة. وليكون الهروب أكثر أمناً يشير كاتب هذه السطور بإيجاز إلى شيء مما كان عليه العيد في بلدته «عنيزة» زمن طفولته وصباه، أملاً في أن تكون هذه الإشارة مساعدة على الإجابة عن السؤال المطروح.

       ومن المرجح أن ما كان سائدًا في تلك البلدة كان له مثيل أو شبيه في بلدان «نجد» الأخرى. قد يقال إن ذكر المرء لمرحلة طفولته وصباه بشيء من الثناء مبعثه ودافعه حنينه إلى فترة كان يرفع في أفيائها بعيدًا عن تحمل مسؤوليات الحياة المضنية، وبخاصة حين يبلغ مرحلة الكهولة. ولهذا القول جانب وافر من الصحة بالتأكيد.

       بالعودة إلى أبي الطيب المتنبئ، شاغل المهتمين بالشعر عبر القرون، يرتسم أمام قارئ شعره ما يرتسم من صورة تبدو متسمة بالمبالغة؛ لكن هل المبالغة، أحياناً، إلا إبداع أخاذ؟! يقول ذلك الشاعر، الذي أكد في بيت من قصيدة له أنه من قوم كأن نفوسهم بها أنف أن تسكن اللحم والعظما:

       خُلِقْتُ أَلُوفاً لَوْ رَجَعْتُ إِلَى الصِّبَا

                     لَوَدَّعْتُ شَيْبِي مُوْجَعَ الْقَلْبِ بَاكِيـاً

       ما أروع الوفاء لمن يألفه المرء ولما يألفه! وما أروع التعبير عن ذلك الوفاء! وكاتب هذه السطور يقدر تلك الروعة التقدير كله، ويتمنى لو كان الوفاء صفة للجميع؛ لكنه وهو يعيش في عصر الواقعية الثقيلة على الروح يجد نفسه من حيث يدري ولا يدري مرددًا مع ذلك الشاعر الواقعي الذي يقول:

       أَلاَ لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْماً

                           فَأُخْــــبِرَهُ بِمَا فَعَلَ الْـمَشِيبُ

       مسكين ذلك الشاعر المتمني. فهل يغني إخباره بما حدث له فتيلاً؟

       أراني استطردت إلى ما أغراني الجو النفسي، بالاستطراد إليه، وأد أن ما بقي من المساحة المتاحة بإنصاف للمقالة يقتضي أن أبداً بالإشارة إلى ما كنت أريد الإشارة إليه. كانت فرحة الأطفال، ذكوراً وإناثاً، بعيد الفطر تبدأ قبل ثلاثة أيام من حلوله؛ ففي هذه الأيام الثلاثة تكون الأكثرية مطمئنة نوعاً ما إلى توفر ثوب جديد في تلك المناسبة تزداد به البهجة، وينطلق أولئك الأطفال مبتهجين يحدوهم الأمل إلى أقاربهم ومعارفهم للحصول على ما كان يسمى (الحقاق) وهو في هذه التسمية يتفق مع ما كان يهبه القادم من السفر، وهذا (الحقاق) مختلف قيمة ونوعاً؛ فقد يكون بضعة قروش، وقد يكون شيئًا من يبيس السكري أو قرصان الكليجا والفتيت أو الحمص ملبساً بمادة سكرية أو غير ملبس أو حلوى. وكانت الفرحة بما يهدي لا تضاهيها فرحة، ولا يعكر صفوها إلا ترصد الأطفال الأكبر سناً للمهدي إليه في زوايا الأسواق، التي كان معظمها ضيقاً، ليباغتوه بالعبارة التهديدية: (بط الخالة). وكلمة (بط) يقصد بها هات أو سلم. أما كلمة (الخالة)، هنا، فواضح أنها تحريف لكلمة (الخاوة). وكان بعض رؤساء البادية قبل استقرار الأمن في البلاد يفرضون على من يمرون بمناطقهم ضريبة يسمونها (الخاوة)، أي إتاوة، وكما كانت الإخاوات التي يأخذها أولئك الرؤساء غير باهظة، أحياناً، كانت (الخالة) المبطوطة من الأطفال غير كبيرة، إذ كان يكفي المترصد حبات من الحمص أو كسرة من الكليجا أو الفتيت أو عدد من اليبيس ونادرًا ما دفع به الطمع درجة يأمل فيها الحصول على نقود.

       وتمضي الأيام الثلاثة قبل العيد والأطفال من فرحة إلى أخرى. وفي ليلة العيد يكون قد اجتمع لدى بعضهم ما اجتمع من نقود، فيتفقون، مجموعة مجموعة، على الاشتراك في شراء ما يشربونه من مرطبات أو يأكلونه من طعام، سواء كان رزًا تمناً يطبخونه أو فواكه، ويسمون ذلك الاشتراك (التساوق)، أي يسوق (يدفع) كل واحد منهم الشيء المتفق على دفعه، ويكون الاجتماع في بيت أحد أفراد المجموعة. ومن الصبان من كانوا يخرجون خلف أسوار البلدة، فيوقدون نارًا يطبخون عليها ما استطاعوا الحصول عليه من طعام، ومن هؤلاء من كانوا ذوي جرأة بحيث كانوا يسرون إلى دجاج بعض الفلاحين، فينهبون (يحنشلون) كما كان يحنشل أفراد من البادية في أزمان ماضية إلا أنهم في سراهم لم تكن تصك عليهم (النوابيح)، التي أشار الشاعر الفارس شليويح إلى أنه كان يسري إلى هدفه ولو صكت عليه.

       وفي صباح يوم العيد يلبس الجميع ما توافر من الثياب الجميلة، ويخرج الأولاد إلى مصلى العيد خارج البلدة سيرًا على الأقدام تغمرهم البهجة والسرور. أما البنات فمنهن من كن يجتمعن في أحواش بيوت، ويرقصن فرحات مبتهجات. وجو كهذا الجو يذكر بقول أحد شعراء شمال الجزيرة العربية:

       باكر ضحي العيد في طلقّوا الزير

                     ما عنــــدهم من غالي يلبسونــه

       يظهر عشيري كالخلاصة من الكير

                     عيــذه برب الناس لا يختونــــه

       وبعد عودة الجميع من مصلى العيد يظهر أهل كل سوق ما أعدوه من طعام، فيأكلونه معاً، ويشاركهم فيه من مر بهم من آخرين، وذلك في جو أخوي رائع.

       هكذا كان ملامح العيد ومظاهره قبل نصف قرن من الزمن. فهل ما زال العيد يحمل تلك الملامح والمظاهر؟

       أعاد الله على الأمة أعيادها مغمورة برحمته ورضوانه، منصورة على أعدائها.