مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، رمضان - شوال 1433هـ = يوليو - سبتمبر 2012م ، العدد : 9-10 ، السنة : 36

 

 

إشراقة

 

 

البؤس والرخاء: أي العاملين أقوى على تخريج الرجال «كبارًا»

 

 

 

 

 

 

     قد يُولَد الإنسانُ تَتَهَيَّأ له كلُّ الوسائل التي تبنيه وتُزْكِيه وتُنَشّئه تنشئةً صالحة، وتجعله إنساناً مُؤَهَّلاً، يقوم بما هُيِّئَ له في يسر وسهولة، متمتعًا بكل ما يحتاج إليه لإنجاز ما يريد إنجازَه، من الأعمال اليوميّة النمطيّة، والمآثر الكبيرة التي تُخَلِّد اسمَه وتُشَهِّر شخصيتَه.

     وقد يُولَد لا تتهيّأ له وسيلةٌ، شقيًّا تَعْبِس الحياةُ في وجهه، وتنبو به كلُّ الإمكانيّات، كأنّ لهاعداوة مُتَوَارَثَة معه، فلا تُوَاتِيه في أي موقف، وإنما تكون قد قَرَّرَت أن تغيب عنه لدى كلِّ حاجة؛ فهو يعيش محروماً كلَّ شيء يُنَشِّئ الإنسانَ مُزَوَّدًا بالطّموح، وعلوِّ الهمة، وعزيمةِ اقتناص النجوم؛ ويبنيه بناءً شامخاً، فيكبر ويقوم بجلائل الأعمال، ويُنْجِز العزائمَ والعظائمَ من الأمور.

     إذا نشأ الأوّل «كبيرًا» وقام بما يسترعى انتباهَ المجتمع، وحَصَدَ إعجابَه، وجَعَلَ شخصَه يلمع في أعين الناس، يُحَبِّذُونه ويُشَجِّعونه، ويذكرونه في كل مكان، فلا يكون هناك داعٍ للعجب؛ لأنّه حَدَثَ ما كان مُتَوَقَّعًا، وصَنَعَ صاحبُنا ما كان مُتَصَوَّرًا.

     أمّا إذا نشأ الثاني «كبيرًا» وصَنَعَ ذاته صناعةً لَفَتَتْ انتباهَ الجميع رغم كونه يفقد كلَّ مايبني به ذاتَه، ويجعلها شامّةً بين الأقران والمعاصرين، الذين كانوا مُتَمَتِّعِين بكلّ وسيلة، مُتَقَلِّبِين في أعطاف النعيم، فذلك ما يدعو لكل نوع من العجب، وتسجيله كحدث فريد لا يحدث عادةً، ولا يتكرّر كثيرًا.

     إذا نبتت شجرة في مكان جدب طقسُه معاكسٌ لها، لاماءَ يسقيها، ولا مُنَاخَ يرعاها، ولا سمادَ يُمِدّها بقوة تُنْمِيها، وتجعلها تَخْضَرّ، وتُورِق وتتفرّع، وتُظِلّ وتُثْمِر، وتعود حاملةً لفوائد لا تُـحْصَىٰ ومصالح لاَتُعَدّ؛ ولكنها رغم ذلك تنمو نموًّا مُدْهِشًا تُوَاجِه شدَّةَ الطقس، وتُقَاوِم جفاءَ المناخَ، وتعود مُثْقَـلاً بالأوراق المخضرة الكثيفة، والأغصان والفروع المتشعبة، والثمار اللذيذة العزيزة، تأوي إلى ظلالها المتراميةِ الأطرافِ الحيواناتُ والبهائمُ إلى جانب المارّة وأبناء السبيل من البشر.

     فذاك ما يبعث على العَجَب الذي لانهايةَ له؛ لأن الشيء في غير مكانه يدعو للعجب حقًّا. أمّا إذا وُجِدَ الشيء في مكانه وفي أوانه فليس فيه ما يثير عجباً واستغراباً. تلك هي العادة التي ظلّت تتبعها المجموعات البشرية في تاريخها الطويل.

     عشنا وقرأنا قصص كثير من «الكبار» وُلِدوا يتامى فقراء لم تكن هناك يدٌ تمسح دمعتَهم، ولا مهدٌ يُظَلِّلهم، ولاسندٌ يؤويهم، ويُـهَـيِّء لهم ما يعينهم على التأهّل لأداء دور نحو تربية أنفسهم، وصناعة كفاءات تمنحهم عيشاً كريماً، وتُمَهِّد لهم السبيلَ المريحَ إلى إمضاء الحياة على نجوة من حرّها المؤذى، وبردها المؤلم، وقساوتها الغاشمة، وعضّها القاتل، ولدغها الممت؛ ولكنهم بتوفيق من الله أولاّ، وسعادة جدهم ثانياً، وإرادتهم القاهرة لجميع الحواجز والمتاريس ثالثاً، تمكنوا من التغلّب على جميع ما اعترض سبيلَهم في الحياة من المثبطات والمحبطات، واستطاعوا أن يُرَبُّوا أنفسَهم تربية حسنة، ويُؤَهِّلُوها لمزاحمة «الكبار» من أبناء الطبقة المُتَنَعِّمَة، الذين عاشوا منذ أن وُلِدُوا على فُرُش من الورود، لم تَشُكْهم شوكةٌ في الحياة، ولَم يَجْرَعُوا قط مُرًّا، وإنما تَعَبَّبُوا حلاوةَ الحياة.

     إذا وُلِدَ المرأ من أبوين ذَوَيْ عيش رخيّ، وكانا عالمين، أو كان الأب عالماً، أو كان مؤلفاً كاتباً، أو كان خطيباً مُفَوَّهاً، أو كان شاعراً مُفْلِقاً، أو محدثاً بارعاً، أو فقيهاً مُتَضَلِّعاً، أو مُفَسِّرًا مُتْقِناً، أو مهندساً خبيرًا، أو طبيباً نِطاسِيًّا، أو صُحُـفِـيًّا مُبرِّزًا، أو إعلاميًّا لاَيُشَقُّ غبارُه، أو إداريًّا حَلَبَ أَشْطُرَ الإدارة، وما إلى ذلك من فنون الحياة وعلومها.. ثم تخرج «كبيرًا» في الفن الذي كان يتقنه أبواه أو أحدهما، فمهما كان جديرًا بأن ينال الثناء ويحظى بالتقريظ لأنه أثبت أنّه سِرٌّ لأبيه، وأنه برٌّ بعرقه، وأنه سعيد كريم جاء على ما توقّعه فيه والداه وعائلته وأهل بيته وأقاربه، ولم يَخُنْ فيه ظنَّهم ولكنه لا يكون مبعث العجب والاستغراب لأحد من أعضاء المجتمع؛ لأنه كان كما ينبغي أن يكون.

     أمّا إذا وُلِدَ من أبوين من الطبقة الكادحة، يكسبان لقمةَ العيش بكدّ اليمين وعرق الجبين، لم يقرءا حرفاً من العلم في كُتَّاب ولا على فقيه، ولم يترك الدهرُ في حياتهما فسحةً ليجلسا إلى أحد يتعلمان منه ما يساعدهما على تخرجهما في فن من الفنون التي تُصَنَّف ضمن العلم والمعرفة، ثم ساعد مولودَهما الحِظُّ، وتبسّم في وجهه الجدُّ، فوجد فرصةً ما ليشق طريقَه إلى الدراسة والتعلّم، فسبق كثيرًا من زملائه وأترابه من أبناء ذوي العيش الرغيد، وظلّ يواصل مشوارَه حتى صار مُجَلِّيًا في مجال اختصاصه الذي اختاره له.. فذلك ما يدعو كلَّ أحد إلى الاستعجاب والاستغراب، ويدعو التاريخ ليقف عنده وقفةً متأنية، ليلاحظه بجدية، ويُسَجِّله في تأنّ، ويودعه صفحاته درساً لكل من يأتي مستقبلاً من الأجيال المتلاحقة.

     إذا ترشح من إناء اللبن، اللبنُ؛ ومن إناء العسل، العسلُ؛ فلا يكون ذلك مُسْتَغْـرَباً؛ لأنه كما يقال كلُّ إناء إنما يترشح بما فيه. أما إذا حدث عكس ذلك، فهو داع باليقين إلى الاستغراب؛ فالمولود في حرّ اليتم، وقساوة البؤس، وبطش الشقاء، وجدب الجهل والأمّية، والمناخ الذي كلُّ أرجائه تقول له: «لا تقرأ»: ثم يُوَفَّق أن يتخرَّج رجلاً غيرَ عاديّ في نوع من أنواع العلم والدراسة التي عادت غيرَ قابلة للحصر.. هذا المولود جدير بالتقريظ والثناء؛ لأنه جاء «خارقاً للعادة».

     حكا لي مُحَدِّث كبير تَخَرَّجَ عليه في جامعة كبيرة عددٌ لا يُعَدّ من العلماء الذين شكّلوا صدقةً جاريةً له بعد مماته، أنه كان قد وُلِدَ من أبوين بائسين انحسر ظلُّهما عن رأسه وهو ابن تسع سنوات، فكفله شقيقُ والدته، الذي كان هو الآخر خفيفَ ذات اليد، وكانت لديه جاموس، كانت الوسيلةَ الوحيدة التي يعيش بها، وكنتُ أرعاها، وأريحها عليه كلَّ مساء، بعد ما كنتُ أسرحها كلَّ صباح إلى المرعى خارج القرية، وكثيرًا ما كان يتناولني بالضرب واللكز عندما يجدها لم تشبع من المرعى. وذاتَ يوم غادرتُ القريةَ ليلاً إلى بلدة قرية جامعة قريبة من القرية، ولجأت إلى مسجد، كان يجري فيه كتابٌ، كان يقرئ فيه فقيهٌ مهيب أولادَها البلدة القرآن الكريم، وبعضَ الكتيبات في تعليم مبادئ الدين، فالتمستُ منه أن يتيح لي فرصةَ الانضمام إلى كُتَّابه، فقال: ومن أين تأكل؟ لأن أولاد الكتاب كلهم يلجأون ليلاً إلى بيوتهم، وليس فيه نظام للإسكان والإطعام؟ قلتُ له: أعيش على فتات مائدتك، وأغسل ملابسك، وأخدم بيتك، وأشترى حوائجك من السوق، وأقوم بإذن الله بكل ماتحتاج إليه من الخدمات التي يحتاج إليها المرأ ليعيش حياتَه العائليّة، وسأكون ابناً لك بارًّا، وخادماً لك مطيعاً، ولن تَعْدَمَ في مسلمي البلدة الذين يُصَلُّون الخمس في المسجد من فاعلي الخير من يمد إليّ يدَ مساعدة متواضعة أُغَطِّي بها حـوائجـي اللازمـة مـن غسيل الثياب وتجهيز ملابس إذا تخرق ما عليّ من الملابس البالية التي كان قد أعدّها لي خالي الذي تركتُ جاموسَه إلى هذه البلدة التي ساقني الحظّ فيها إلى هذا المسجد وإلى جنابك، وقد تأكدتُ أنك رجل كريم حليم رحب الصدر لن تُبْعِدَني عنك إن شاء الله بعد ما تجربني يوماً أو يومين.

     وتَخَرَّجَ في الكتّاب، فدخل المدرسةَ الابتدائية، ثم الثانويةَ، ثم الجامعةَ الأهليّةَ الإسلاميةَ الكبرى التي تُـخَرِّجُ علماءَ الدين، فتخرَّج عالماً متضلعاً، ثم مارس تدريس مواد الشريعة في عدد من المدارس، ثم اختير للتدريس في جامعة كبيرة؛ حيث سَعِدَ بتدريس الحديث الشريف سنوات طويلة، وكان من أساتذتها الأجلاء الذين حنت لهم رؤوسُ العلماء والطلاب على السواء، ومات وترك أولادَه أغنياء لايتكففون الناسَ، وترك تلاميذ لا يُـحْصَوْن ألسنتُهم رطبة بالدعاء له، وخلَّف وراءه ذكرًا حسناً، وسمعة طيبة.

     وسمعتُ قصةَ كاتب روائي كبير أُخِذَ الناس بلغته الرشيقة، وُلِدَ في عائلة تعاني البؤس والفقر، وتعيش على جني القطن وحصد الرز والذرة في حقول الملاّكين، وأُلْحِق بالروضة ليتعلم فيها حروفَ الهجاء وبعض مبادئ القراءة؛ ولكنه كان لايرتاح إلى الدراسة، وكان يهوى لعب كرة القدم فأتقنه، وظل فترة من الزمان في عنفوان شبابه لاعباً بارعاً لاينصرف إلى شيء غيره، ثم تعلّم مهنةَ السائق، وصار يسوق سيارة الأجرة، ليكسب بها لقمة العيش له ولعائلته البائسة، ثم ساقه الحظُّ إلى مطبعة عمل فيها مُصَفِّف حروف، وإلى جانب ذلك كان يعمل مُرَاجِعَ كتب جديدة كانت تُطْبَع في المطبعة، فبدأ يمارس الكتابة على استحياء وعلى خوف من القراء، ثم ترك المطبعةَ إلى العمل مراسلاً لإحدى الصحف اليومية السيّارة، وبذلك برع في الكتابة، فمال إلى كتابة القصة والرواية، حتى أصبح من أمهر الكتاب المدركين لقيمة الكلمات ومدى وقعها لدى القاري إذا وُضِعَتْ في مكانها واسْتُعْمِلَتْ استعمالاً صحيحاً، حتى صار ذلك ما يُعْرَف به. وقد سُئِلَ عن سرّ ذلك، فقال: كل ما أصنعه هو أنني أحكي قصةً بأفضل ما أستطيع؛ ولهذا أعيد بعضَها عشر مرات أو أكثر. وقال: تعلمتُ الكتابة بالخبرة، ومن خلال تجربة الصواب والخطأ، والعمل الدؤوب، إلى أن صرتُ أرضى عما أكتبه.

     إنّ العظمة في أي مجال من مجالات الحياة ليست حكرًا على ذوى الرخاء والرفاهية والترف والنعمة الثرّة، وإنما هي الجِدُّ والحظّ معاً، وبما أن المرأ لايعلم ما هو حظّه في الحياة، فبقي الجِدّ هو المُعْتَمَدُ في كلّ شيء يُتْقِنُه، ويتقدم فيه، ويعود فيه بحيث يشار إليه بالبنان.

     بل إني جربتُ في الحياة التي عشتُها وأنا في العقد السادس من عمري أن أولاد البائسين الكادّين قد يكونون سابقين مجلين بحيث لايلحقهم أولاد الأرخياء المترفين المنعمين؛ لأن الشقاء يُشَكِّل عاملاً كبيرًا لتخريج الناس «كبارًا» في مجال في مجالات الحياة، و«السعادة» أي الشعور بالنعمة قد يشكل عائقًا دون تخرجهم مُبَـرِّزِين في مجال من المجالات.

        (تحريرًا في الساعة 12 من ضحى يوم الخميس: 23/رجب 1433هـ الموافق 13/يونيو 2012م)

أبو أسامة نور