مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، ذو القعدة 1433 هـ = سبتمبر - أكتوبر 2012م ، العدد : 11 ، السنة : 36

 

 

دراسات إسلامية

 

 

تعريف بمخطوطة "الكتيبة الكامنة"

(1)

 

بقلم :   الدكتورة مه جبين أختر (*)

 

 

 

 

        إن الوزير الشهير من وزراء ملوك غرناطة، الذي كان ذا الوزارتين واسمه لسان الدين بن الخطيب السلماني (713-776هـ) كان من الشخصيات البــارزة في التــاريخ الإسلامي، لا من الناحية السياسية فحسب، بل من حيث الإشراف على العلوم وآثــاره التاريخية والأدبية أيضاً، فكان كاتباً فـريدًا وشاعرًا بديعاً وأديباً بارزًا في عصره، وكان أيضاً محققاً، متوسع النظر في الطب والفلسفــة، فكتابـــه «الوصول لحفظ الصحـــة في الفصول» كان غايــة في الطب حتـى قال هو نفسه عنه: «لم يؤلف مثله في الطب»، ومن المؤلفات التي صدرت عنه في التاريخ والتراجم «الإحاطة» و«اللمحة البـدرية» ومؤلفاتــه معروفـة في الأوساط العلمية.

     تدل هذه المؤلفات القيمة على أن جزءًا كبيرًا هامــاً من التاريخ الأدبي والثقافي لم يعرف ولم يكتمل لولا الاعتنـاء بهذه المؤلفات التاريخية والأدبية لابن الخطيب.

     ويعد ابن الخطيب أوثق ممن كتبوا تاريخ ملوك بنى الأحمر، حيث تولى منصب الوزارة العظمى، فتعتبر آثاره العلمية تصويرًا صادقاً لأحوال العلماء والأدباء والشعراء والملوك الأندلسين في القرن الثامن، وحركاتهم العلمية والثقافية.

     ويحتل ابن الخطيب مكانة متميزة من بين مؤلفي القرن الثامن، وقد بلغ عدد مؤلفاته ستين كتاباً يوجد منها حوالي عشرين إلى الوقت الحاضر، وكان حرصه على التأليف إلى حد أنه لم يزل يشتغل به في أقسى أيامه حين ضاقت عليه الأرض بمؤامرات أعدائه، فكتاب «المباخر الطبية في المفاخر الحطيبية» و «خلع الرسن» و«أعلام الأعلام» من آثار ذلك العصر الرهيب، وكتاب آخر له قام بتأليفه بعد ارتحاله من «غرناطة» هو «الكتيبة الكامنة» وفيما يلي تعريف بهذا الكتاب:

     إن هذا الكتاب من حيث موضوعه يشتمل على أحوال الشعراء الأندلسين في القرن الثامن بالإيجاز وبعض منتخبات أشعارهم، ويعد هذا الكتاب ثــروة قيمــة في تـاريخ الأدب العربي حيث ظهر به تعريف شعراء عهد خاص بقلم أديب بارز وشاعر عظيم كابن الخطيب الذي شاهــد بعينيـــه محاسنهم العلميــة والأدبية، وبرغم أن كتابي «الإحاطة» و «نفح الطيب» وغيرهما من الكتب الأخرى تكشف لنا عن أحوال شعراء ذلك العصر، إلا أن «الكتيبة الكامنة» تمتاز بذكر خاص للعشراء.

     إن هذه النسخة من المخطوطة أول ما كانت بملك مفتي «كولكته» ومدرس المدرسة العالية الشيخ مولانا سيد محمد عميم الإحسان مجددي، ثم انتقلت إلى تلميذه مولانا أبي محفوظ الكريم معصومي، ونسخة أخرى من هذه المخطوطة في مكتبة باريس (Biblio Theque National) برقم 5794، وهي بخط النسخ المغربي على مائة وخمس عشرة ورقة، وتاريخ نسخها يرجع إلى القرن السابع عشر أو الثامن عشر الميلادي. وذكر نسخة أخرى لهذا الكتاب الدكتور «أى دى روس» في قائمة المخطوطات العربية والفارسية التي اشترتها المكتبة الآسوية لجمعية «بنغالة» بمناسبة التقرير السنوي للجمعية عام 1906م، إلا أنها لم يعثر عليها.

     والنسخة التي بين أيدينا تشتمل على مائة وتسع عشرة ورقة، تشتمل كل صفحة منها على ثمانية عشر سطرًا، ولم يكتب عليها تاريخ نسخها واسم ناسخها، إلا أن غالب الظن أنها نسخت قبل قرنين. وهي بالخط المغربي مما صعب واغترب لدى علماء الشرق كما اشتكى له الشيخ إبراهيم بن أحمد الباعوتي، بل هو يستصعب خط ابن الخطيب أيضاً. وبداية كل صفحة هذه المخطوطة بلفظة: صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، مما يدل على أن ناسخها كان متديناً راسخاً. وكل عناوين المخطوطة بالحبر الأحمر، وجاءت العبارة التالية أيضاً بالحبر الأحمر في بداية الصفحة الأولى:

     «قال الشيخ الفقيه الماجد أبو عبد الله محمد بن الخطيب السلماني رحمه الله تعالى ورضي عنه».

     إن كلمة الفقه بمعناها المعروف اصطلحت لدى علماء الشرق، وأما في بلاد الأندلس والمغرب فمعناها أوسع من ذلك، فالفقيه لايطلق عندهم على علماء الفقه فقط، بل يتضمن الأمراء والوزراء وأئمة النحو واللغة أيضاً كما يقول العلامة المقرى:

     «وسمة الفقيه عندهم جليلة حتى إن المسلمين كانوا يسمون الأمير العظيم منهم الذي يريدون تنويهه بالفقيه ... وقد يقولون للكاتب والنحوي واللغوي فقيهاً؛ لأنها عندهم أرفع السمات».

     الآن نأتي على الموضوع ونقدم أمام القارئ بعض الكلمات من بداية كتاب «الكتيبة الكامنة»:

     «الحمد لله الذي جعل الأدب في جميع ما للفنون من الأسواق، فاكهة شهية الأذواق، تهدى في الأطباق، مكللة بالاحباق، وريحاناً عطر الانتشاق، في أنوف عشاق الكمال وأَكْرِمْ بأولئك العشاق، وجعل بينه نسباً ثابت الاستحقاق وبين النفوس الرقاق... الخ»

     يذكر ابن الخطيب في مقدمة الكتاب أحوال مغادرته لبلاد الأندلس إلى بلاد المغرب بأسلوبه الخاص، وأسباب تاليف الكتاب، فيبدى أنه لم يبق لمثل هذا الوزير شيء يقدم إلى أهل المغرب كهدية سوى الثروة العلمية والأدبية حيث يقول:

     «فجعلت الهدية من جنس ما تتشوق إليه النفوس الغنية، وتتجر في أسواقه الهمم السنية من وضع يستظرف، واختراع يستشرف، وأير يدل على طول المتوسل وطريقة المتعرف المترسل، يظهر منه مصرف عنايته، وشرح كنايته، وبيان دعايته، ومرعى رعايته، ويتبين ماوراء صحيفته من عنوانه، ويخبر فذالكه عن تفصيل ديوانه، وينوب مكتوبه عن لسانه، فيما ينتحل من إحسانه، فجمعت في هذا الكتاب جملة وافرة، وكتيبة ظافرة ممن لقيناه ببلدنا الذي طوينا جديد العمر في ظله، وطاردنا قنائص الآمال في حرمه وحله، ما بين من تلقينا إفادته، وأكرمنا وفادته...الخ»

     ثم يتابع قائلاً:

     «والمقصود إنما هو إلماع بتعريف، وجلب أدب ظريف، بل التماس إنعام ممن يقف عليه وتشريف، وإن ينظر النقص بعين كما له ويعذر المهدى في تقصيره وإسهاله، فالله لايكلف العبد فوق احتماله. وسميت هذه المجموعة بـ«الكتيبة الكامنة فيمن لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة» يستدل به من يباشره على نيل من كنا نعاشره، ويقف من يدارسه على فضل من كنا نمارسه، وإن كان جالب مثل هذا إلى البلاد المشرقية أعز الله أهلها وأمن حزنها وسهلها جالب تعبة إلى غدير، وحبابة إلى كأس مدير، فالعذر إلى الوسع مصروف ولا تجود يد إلا بما تجد مثل معروف...»

     وقد ألف ابن الخطيب قبل ذلك في أحوال الأدباء والشعراء كتابين: «التاج المحلى» و«الإكليل الزاهر» ونقل منهما بعض التراجم في الكتيبة، فيذكر في مقدمة الكتيبة كتابه «التاج المحلى» بالكلمات التالية:

     «وقد كنت جمعت في الزمان المنصرم قبل أن يرسل الله على شبابنا سيل العرم وقبل أن يعتاض الشيب بحال الهرم، وخلف البهرم مائة شاعر وعشرة، وسميته بـ«التاج المحلى في مساجلة القدح المعلى».



(*)        الأستاذة المشاركة بالقسم العربي بالجامعة العثمانية حيدر آباد، الهند