مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، ذو القعدة 1433 هـ = سبتمبر - أكتوبر 2012م ، العدد : 11 ، السنة : 36

 

 

إلى رحمة الله

 

 

1 – وفاةُ حرم الشيخ الصالح المحدث المربي العالم الهندي الكبير الشهير الشريف حسين أحمد المدني المعروف بـ"شيخ الإسلام" رحمه الله

 

بقلم: رئيس التحرير

 

 

 

 

        في نحو الساعة الثانية عشرة والنصف من الليلة المتخللة بين الأربعاء والخميس: 13-14 شعبان 1433هـ = 4-5/يوليو 2012م انتقلت إلى رحمة الله تعالى في مدينة «ديوبند» حرمُ الشيخ الصالح المربي العالم الهندي الكبير والمناضل الشهير ضد الاستعمار الإنجليزي الشريف حسين أحمد المدني (1295-1377هـ = 1879-1957م) المعروف في شبه القارة الهندية بـ«شيخ الإسلام» و والدة العالم الهندي المعروف الشيخ السيد أرشد المدني. وذلك في نحو 102 من عمرها، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

     وانتشر نعيُها محلِّيًّا وعالميًّا بسرعة البرق الخاطف، وازدحم على «المنزل المدني» آلاف من المُعَزِّين فيما بين النساء والرجال من داخل «ديوبند» وخارجها بجانب الاتصالات الهاتفيّة المكثفة التي لم تنقطع خلال عدة أيام من قبل محبي الشيخ المدني رحمه الله لتعزية أسرته المفجوعة بهذا المصاب العظيم، التي يرعاها اليوم العالم والقائد الهندي المعروف الشيخ السيّد أرشد المدني أحد كبار مشيخة الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية الأمّ في شبه القارة الهندية: دارالعلوم/ ديوبند وعضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ورئيس جمعية علماء الهند.

     وفي الساعة الحادية عشرة والنصف من يوم الخميس 14/شعبان 1433هـ = 5/يوليو 2012م أقيمت الصلاة عليها في محيط «مولسري» المعروف بالجامعة، التي حضرها نحو عشرة آلاف أو أكثر من العلماء والصلحاء وطلاب علوم الدين بالجامعة وبالمدارس الإسلامية الأخرى في المدن والقرى المجاورة وأهالي مدينة «ديوبند» ومحبي الشيخ المدني والأسرة المدنية من شتى شرائح المجتمع الإسلامي بالهند، الذين تمكنوا من الوصول إلى «ديوبند» في الفترة الزمنية المحدودة، يتقدمهم رئيس الجامعة فضيلة الشيخ المفتي أبوالقاسم النعماني البنارسي رئيس الجامعة، ونائباه الشيخ عبد الخالق المدراسي والشيخ عبد الخالق السنبهلي، وجميع أساتذة الجامعة. وكلهم قد شاركوا في تشييع جثمانها إلى مثواها الأخير وتوريته في المقبرة الجامعية المعروفة بـ«المقبرة القاسمية» التي تضمّ قبورَ كبار علماء ومشايخ الجامعة وخيرةِ أهالي مدينة ديوبند، وعلى رأسهم الإمام محمد قاسم النانوتوي (1248-1297هـ = 1832-1880م) مؤسس الجامعة، وتلميذه النابغة العالم والمناضل والقائد والمحدث الكبير الشيخ محمود حسن الديوبندي (1268-1339هـ - 1851-1920م) المعروف عالميًّا بـ«شيخ الهند» وتلميذه الشيخ محمود حسن العالم العامل الصالح المناضل الشيخ السيد حسين أحمد المدني وغيرهم. وأَمَّ الصلاةَ عليها نجلها البارّ العالم المعروف الشيخ السيد أرشد المدني. وتمّ الفراغ من دفنها في نحو الساعة الواحدة من الظهر، لكثرة الزحام والمشاركين في الدفن.

     وحزنت الأوساط العلميّة والدينية في شبه القارة الهندية على وفاة السيدة «وكيل النساء» بنت «بشير أحمد» الفيض آبادي حزناً عميقاً، رغم أنها عُمِّرت طويلاً، وكانت منذ سنوات طويلة تعاني عوارض الشيخوخة الكثيرة المتنوعة، وداهمتْها نوباتُ وعكات صحيّة شديدة عدة مرات، جعلت أسرتها تخاف عليها؛ ولكن الرعاية الطبيّة المكثفّة والإسعافات العلاجيّة التي تَوَفَّرَت بنصاب مطلوب في وقتها ظلّت تعيد إليها بفضل الله كثيراً مما كانت قد أضاعته الأمراض من صحّتها؛ ولكن أجلها المحتوم كان قد حان؛ فلم تُسْعِف التدابيرُ العلاجيّة لدى النوبة المَرَضِيّة الأخيرة، وأسلمتْ روحَها لبارئها. غفر الله لها وأدخلها فسيح جنّاته، وألهم أهلَها وجميع ذوي قرباها الصبر والسلوان.

     و إنما كان حزنُها الأوساط العلمية والدينية عليها شديدًا؛ لأنّها كانت سيِّدةً مثاليّةً تُحْتَذَى وتُفْتَدَى في كلٍّ من الصلاح والتدين، والزهد والإنابة، والتمسّك بشعائر الدين، ومكارم الأخلاق، والحلم والكرم، والقري والتضييف، والتخرّق في الجود والكرم، ورعاية الأَرَامل والأيتام، والحَدَب على الفقراء والمساكين، والإصلاح والتربية؛ فكم من أرملة ويتيم كانوا ينالون مساعدة مالية مُرَتَّبَة من قِبَلِها، وكم من محتاج من النساء والرجال كانوا يحيطونها علماً بحالتهم البائسة، فكانت تعالجها عن رضا واحتساب ودونما تأجيل، وكانت تتفقد بدورها دائماً أحوالَ الأرامل في «ديوبند» وكانت لديها قائمة بهنّ كانت تزيد فيها وتنقص حسب ما يستجدّ لديها من علم بأحوالهنّ؛ فيصحّ أن يقال: إنه لم تمت هي وحدَها ولكن مات بموتها خلقٌ كثيرٌ كان يعتمد عليها في المعاش والدواء والعلاج والسكن والاكتساء ومعالجة الضرورات الملحة الكثيرة التي لاتُحْصَىٰ، وقد صدق الشاعر العربي العبقري أبو الطيب المتنبئ (303-354هـ = 915-965م) إذ قال:

غَدَرْتَ يَا مَوْتُ كَمْ أَفْنَيْتَ مِنْ عَدَدٍ

بِمَنْ أَصَبْتَ وَ كَمْ أَسْكَتَّ مِنْ لَجَبِ

     وقد كانت الشيخة «وكيل النساء» التي كانت معروفةً لدى الكل بـ«آﭘﺎجي» أي «السيدة الأخت الكبيرة» مثالاً لدى المجتمع النسوي في مدينة ديوبند في العمل الصالح والتمسك بشعائر الدين وتبنّي الحشمة والاحتجاب واجتناب كل ما ينافي الحياء الأنثوي لدى الإسلام من الملابس والموضات الغربية للحياة. وكانتِ النساء في المدينة لدى زيارتهن لها يُرَاعِين ملابسَ الحياء والاحتشام، ويحترزن من كل تقليعة غربيّة؛ لأنها كانت تنهاهن عن ذلك بشدّة، فكُنَّ يَخَفْنَ سخطَها، وكن يحتطن أن تتأذى من أي سلوك منهنّ، وكنّ يُحَاكِينَها في منهاجها في الحياة، علماً منهن بأنّها كانت لا تخطو خطوةً إلاّ صادرةً عن الدين ولا تعمل عملاً إلاّ مصوغاً في قالب الشريعة. إن النساء في «ديوبند» خصوصاً وفي القرى والمدن المجاورة عموماً فقدن في الشيخة «وكيل النساء»قدوةً صالحةً في الدين والخلق والمروءة والكرم، ومثالاً لامرأة مسلمة صالحة بمعنى الكلمة، وإنهن يبكين فيها المرأة الفريدة التي يعتقدن نظرًا لأحوال النساء المسلمات اليوم في الأغلب أنهن لن يجدن مثلَها بعدَها.

     وبعدُ، فإنّها كانت زوجةً لعالم هندي كبير، ومحدث جليل، وشيخ مُرَبٍّ فريد، وقائد مسلم مطاع، ومُنَاضِل ضدَّ الاستعمار الإنجليزي نضالاً ينقطع نظيره، ومجاهد في سبيل الله بنفسه ومالِه وكلِّ ما لَه، وأكثرُ من ذلك مجاهد ضدّ نفسه وهواها، فكان مثالاً بين الصالحين في عصره، للتواضع وإنكار الذات، وقمع النفس وهضم الهوى، وفي الوقت نفسه كان مثالاً للتضييف وإكرام الضيوف وبسط اليد بالخير والنصرة نحوَ كلِّ بائس ملهوف عَضَّه دهرُه بنابه، ألا وهو الشيخ الشريف حسين أحمد المدني شيخ الحديث الأسبق بالجامعة الإسلامية دارالعلوم/ ديوبند، الذي دَرَّس الحديث الشريف سنوات طويلة بالمسجد النبوي، وعاش مع أستاذه  شيخ الهند الشيخ محمود حسن الديوبندي في سجن «مالطة» سنوات يخدمه كساعده الأيمن؛ فأخذت منه هذه الأخلاقَ كلَّها، وتشرّبت منه روحَ الدين، وتعلّمت منه ما نحت منها امرأة مثاليّة في كل ما أسلفناه آنفاً. وقد عاشت معه مواقف التضحية والفداء، والجود والسخاء، وتَعَاطَتْ معه الحلمَ والكرم مع البائسين والمنكوبين، وتَعَامَلَتْ معه مع الضيوف بالإكرام والقري، وقد كانوا ينزلون عليه كثيرًا، وشهدت معه بطولات النضال ضد الاستعمار الذي فعل الأفاعيل مع الهنود ولاسيّما المسلمين الذين منهم انتزع الحكم والسلطة، ثم سجّلت معه في ذاكرتها حادثَ استقلال البلاد عن الاستعمار، الذي طلع دامياً بدماء المسلمين من خلال الاضطرابات الطائفية التي فُجِّرَت عن تخطيط من الطائفيين الهندوس، والذي انقسم إثره البلاد إلى دولتين: الهند وباكستان، فشاركته في التألم لهذه الحصيلة المرة لذلك النضال النزيه الطويل ضدّ الاستعمار، الذي صَدَرَ فيه جميع القادة المسلمون الكبار طوال سنوات طويلة عن روح الإخلاص والاحتساب.

     ثم ظلت معه عبر 22 عاماً؛ حيث تمّ عقدُ قرانها عليه وهي في 23 من عمرها عام 1355هـ/ 1936م زوجةً وفّيةً برّةً صالحةً كبيرةَ النفس تُشَارِكُه عبر حياته الأحلامَ والآلام، وحالات الشدة والرخاء، تؤدي دورَ رفيقة مواسية حقًّا، وربّةَ بيت لائقة، ومُرَبِّيةً للاولاد خبيرةً، ومدبرةً للأسرة عن حنكة مثالية، ومُخَرِّجَةً للأبناء والبنات على الدين والأخلاق والصفات الإسلامية المثالية التي كانت تتحلى بها هي وزوجُها العظيم، حتى فارَقَها إلى رحمة ربّه في مدينة ديوبند يوم 12/جمادى الأولى 1377هـ = 5/ديسمبر 1957م، فظلت طوال 55 سنة متتاليات بعد وفاته رحمه الله على عُهْدَتِها كزوجة مثاليّة، تتعهّد أعضاءَ الأسرة، وتَبَرُّ بجميع أقاربه ومحبيه والمُعْجَبِين به، الوافدين على بيته بعد موته زائرين وضيوفاً، فما بَرِجت صِلةَ وصلٍ بهم، تُعَزِّز العَلاَقَةَ، وتُقَوِّي الرِّباطَ، وتُجَدِّد الحبَّ، وتُشْعِرَ الجميعَ بملأ الفراغ الذي كانوا يشعرون به بعد وفاته رحمه الله فظلّوا يشعرون أن البيتَ لازال بيته رحمه الله وأن رصيدَ القري والضيافة لايزال ثرًّا لم تنقطع مادَّتُه بفضل الله تعالى وأن أسرة السادات والأشراف هذه، النَّدىٰ في أَكُفِّها أَعَزُّ امِّحَاءً من خُطُوطِ الرَّوَاجِبِ؛ فظلّت ذكرىً حيّةً له رحمه الله يرون فيها خَلَفاً صادقاً له، ينهج منهجَه في الكرم والجود، والذكر والعبادة، وصلة الأرحام، وجميعِ ذوي القربى، والبرّ بذوي الحاجة والخصاصة، وإكرام الضيوف وذوي العلاقة مع هذه الأسرة الكريمة، حتى توفّاها الله، فظنّ الجميعُ أن ذكراه الأخيرة قد زالت؛ ومن ثمّ كان حزنُهم عليها حزناً لايوصف.

     والنساء المسلمات في ديوبندَ وغير ديوبندَ كثيرات لايُحْصَيْنَ، منهن من قد يكنّ مواظبات على الدين، محافظات على الصلاة والعبادات وشعائر الدين؛ ولكن لاتوجد بينهن من تجمع خصال الشيخة «وكيل النساء» التي كانت قد جعلتها سيِّدة مثالية فاقدة المثال؛ لأن هذه الخصال كانت قد انغرست فيها ونمت وترعرعت وآتت أُكُلَها بنحو مطلوب بصحبة زوجها العظيم بعد توفيق الله عزّوجلّ ومثلُ هذه الصحبة لا تتأتى ولم تتأت لكل امرأة، وإنما تيسّرت للفقيدة الغالية باختيار الله وحكمته.

     هذا، وقد خلفت رحمها الله ابنين، وهما فضيلة الشيخ السيد أرشد مدني، والشيخ أسجد مدني، وخمس بنات، وأسرةً سعيدة حافلة بالأحفاد والأسباط والحفيدات والسبطات تضمّ نحو 25عالماً بالدين و 47 حافطاً للقرآن الكريم. أدخلها الله فسيحَ جنّاته، وألهم الأهلَ والأقاربَ وجميعَ المحبين الصبر والسلوان.