مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، ذو القعدة 1433 هـ = سبتمبر - أكتوبر 2012م ، العدد : 11 ، السنة : 36

 

 

إلى رحمة الله

 

 

3 – وفاةُ حرم معلم العربية العبقري العالم الفريد

الشيخ وحيد الزمان القاسمي الكيرانوي رحمه الله

 

بقلم: رئيس التحرير

 

 

 

 

        في الساعة التاسعة والنصف من الليلة المتخللة بين الأربعاء والخميس: 12-13/رمضان 1433هـ = 1-2/أغسطس 2012م انتقلت إلى رحمة الله تعالى حرمُ معلم اللغة العربية العبقري وخادمها المخلص المتفاني العالم والمربي الفريد الشيخ وحيد الزمان القاسمي الكيرانوي رحمه الله (1349-1415هـ = 1930-1995م) الرئيس المساعد للجامعة الإسلامية دارالعلوم/ ديوبند وأستاذ الحديث والأدب فيها، بعد معاناة طويلة مع شتى الأمراض الناتجة عن الشيخوخة، إثر نوبة قلبية ألمت بها. وذلك في 77 من عمرها؛ فإِنَّا لله وَإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

     وقد وقع نعي وفاتها كالصاعقة إلى جانب الأهل والأقارب وأعضاء الأسرة الكيرانوية على جميع محبي الشيخ الكيرانوي والمُعْجَبِين به من التلاميذ والعلماء والكتاب والمؤلفين والمعلمين في شبه القارة الهندية، وهم كثر لا يُعَدّون؛ لأنّها كانت موضع حبِّهم بعد وفاة الشيخ الكيرانوي رحمه الله. وما إن عمّ نعيُها المدينةَ ديوبند وما جاورها من المدن والقرى، حتى هرع إلى منزل الكيرانوي أناس كثيرون بمن فيهم السيدات والرجال والعلماء والطلاب لتقديم التعازي إلى الأهل، يتقدمهم رئيسُ الجامعة فضيلة الشيخ المفتي أبوالقاسم النعماني البنارسي وكثير من أساتذة الجامعة الذين معظمهم من تلاميذ الكيرانوي.

     وفي الساعة الحاية عشرة تماماً من صباح يوم الخميس: 13/ رمضان = 2/أغسطس أقيمت صلاة الجناة عليها في محيط «مولسري» بالجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند، حضرها وتشييعَ جثمانِها إلى المقبرة آلاف من خيرة الناس: العلماء والطلاب والمثقفين والكتاب والمؤلفين وأهالي مدينة ديوبند على اختلاف الطبقات. وأَمَّ الصلاةَ عليها نائبُ رئيس الجامعة فضيلة الشيخ عبد الخالق السنبهلي. ودُفِنَت بجوار زوجها العظيم: الشيخ الكيرانوي، بالمقبرة الجامعيّة المُسَمَّاة بـ«المقبرة القاسميّة».

     كانت الفقيدة «فخر النساء» بنت نظام أحمد الصديقي رحمها الله بعد وفاة الشيخ الكيرانوي يوم 15/ذوالقعدة 1415هـ الموافق 16/أبريل 1995م ظلت تتمتع لسنوات بصحة جيدة؛ ولكنها مع تقدم السنّ أصيبت بوجع المفاصل و وجع الركبتين بصفة خاصّة، فظلت تتلقى العلاج وتتناول الأدوية باستمرار، مما أدّى إلى تضرّر كثير لبعض الأعضاء الرئيسة في الجسد، ومازالت تعاني عوارض كثيرة ناشئة عن ذلك، وقد عكف أولادها البررة على علاجها وتوفير كل ما يُسْعِفها في أمراضها من التسهيلات طَوَالَ هذه السنوات الطويلة؛ ولكن أجلها المُحَتَّم كان قد حان، فلفظت أنفاسَها الأخيرة إثر نوبة قلبية في تلك الأمسية الحزينة من ليلة من ليالي رمضان المبارك الذي وَرَدَ في الأحاديث التبشير بمغفرة من يموت فيه، غفر الله لها، وأعلى درجاتها في جنة الفردوس، وألهم أبناءَها وأولادَها وجميعَ أعضاء أسرتها الصبرَ والسلوانَ.

     كانت الفقيدةُ من بيت كريم من البيوتات الصديقية العالية النسب في مدينة «كاندهله» إحدى المدن العريقة العامرة بالسكان المسلمين في مديرية «مظفرنجر» سابقاً ومديرية «شاملي» حاليًّا، وكان لها شقيق اسمه «نثار أحمد» وشقيقة تكبرها سنًّا، وهي لاتزال حيّة في وطنها «تهانه بهون». وخلفت الفقيدة ثلاثة بنين: وهم الأستاذ بدرالزمان القاسمي، والأستاذ صدر الزمان القاسمي، والحافظ قدرالزمان، وبنتاً، وكلهم ذوو أهل وأولاد.

     وكانت مُحَافِظَة على عمارة أوقاتها بالعبادة والذكر والتلاوة وأعمال الخير والبرّ إلى جانب قيامها بأعمال البيت التي كانت مزدحمة عليها، لكثرة الضيوف النازلين على زوجها العظيم: الشيخ الكيرانوي رحمه الله.

     الجديرُ بالذكر أنّ الكيرانوي كان أحد رجالات التاريخ العظام في عصره في التدريس والإفادة، وتخريج الرجال، وإنتاج الكُتّاب والأدباء والمؤلفين، ورجالات شتّى المجالات المؤهلين، وكان جلُّ أوقات ليله ونهاره مُوَزَّعاً على أعمال مُحَدَّدَة يقوم بها في مواعيدها المُحَدَّدَة، فقد عُرِفَ بمواظبته على الأوقات ومعرفة قيمتها معرفة دقيقة، وكان يأخذ تلاميذَه بالحفاظ على الأوقات، وكان لفطوره وغدائه وعشائه مواعيد مقررة لايتجاوزها مهما كانت الأحوال، وكان إلى ذلك كثيرالإضافة، كبير الإكرام للنازلين عليه الذين كانوا يتتابعون عليه لشهرته الواسعة، ومكانةِ دارالعلوم/ ديوبند، التي لاتدانيها في المكانة والشعبية أي مؤسسة تعليمية في شبه القارة الهندية، وكان يبالغ في قري الضيف والبر بهم، وكان بجانب ذلك متأنقاً في المأكل و الملبس، وجميع أمور الحياة، وكان كبير الاهتمام بالنظافة لسكنه وملابسه، وكتبه وأدوات كتابته وكل شيء عنده من الأشياء، وكان كثير التذوق للشأي، كثير العناية بطريقة إعداده وبظروفه من الإبريق والأكواب والملاعق وما إلى ذلك، ثم إنّه إذا نزل به ضيف كان يود أن يُقَدَّم له القري والشأي أو البن خلال وقت قياسيّ، ولا يحتمل أن يحدث ما يرغمه على تجاوزه.

     ولا شكَّ أن السيدة التي كانت تقوم بهذه الترتيبات كلها على المستوى الذي كان يُرْضِي الكيرانوي المتأنق، المحافظ على لحظات الأوقات، الحريص على إنهاء كل عمل في وقته، إلى جانب الحفاظ على الذكر والعبادة وأداء الحقوق التي تجب عليها نحو ربّه، كانت عظيمة حقّاً، وتلك هي الفقيدة فخر النساء رحمها الله التي ساعدت زوجَها العظيم: الشيخ الكيرانوي على صنع التاريخ من خلال جلائل الأعمال الكتابيّة والتأليفية والتدريسية، وتخريج الرجال في كل علم وفنّ ومجال، ولاسيّما في مجال اللغة العربيّة، التي صنع بشأنها مالم يصنعه أحد في عصره في شبه القارة الهندية، مهما كان أكبر منه علماً بها وتمكناً منها واستيعاباً لآدابها؛ لأنه رُزِقَ من الله قدرةً مدهشة فريدة على تخريج الرجال وتربية الشباب.

     وقد صدق المفكرون الذين قالوا: إنّ وراءَ كلِّ كبير امرأةً، أي أن الكبار والعظام من الرجال الذين يصنعون التاريخ، ويرغمونه على تسجيل أعمالهم الفريدة وبطولاتهم المجيدة بحروف عريضة من النور، إنما يتمكنون من ذلك بفضل امرأة عظيمة ذات أهليّة خاصّة وملكة فريدة تقف بجانبهم، وتشجعهم على ما يصنعون، وتساعدهم عليه بتوفير كل شيء يحتاجون إليه في سبيل صنيعهم الفريد ومأثرتهم المثاليّة، فلولاها لما قدروا على ما قدروا عليه، ولما استطاعوا أن يصنعوا ما صنعوه. لقد كانت الفقيدة السيدة «فخرالنساء» تلك المرأة النبيلة الجليلة التي كانت وراء البطولات التي خلّدها الكيرانويُّ صانعُ الرجال والتاريخ.

     وإلى ذلك كانت حنوناً للغاية على أولادها؛ فإنهم لايزالون يذكرون باستمرار وبكثرة حنانَها عليهم بصفة خاصّة. وقد قال لي كبيرهم: إن حبّها لهم وحنانها عليهم ورأفتها بهم، كانت قد اشتدّت مع تقدّم سنّها، على حين إن المُسِنِّين عندما يَضْعُفُون،  وتنهار قواهم، يعودون لامُبَالِين بأولادهم، منتظرين لعواطف العطف بشأنهم من أولادهم، رحمةً بضعفهم الذي أَحْوَجَهم إلى أولادهم.

     وقد كانت حريصةً جدًّا على عمارة كلِّ فرصة مُتَاحَة من أوقاتها بالعبادة من قراءة الأوراد والأدعية المأثورة والنوافل من الصلاة، وكانت لاتعرف إضاعة الوقت، و وُلِدَتْ مفطورة على الحسنات واجتناب السيئات، وتَجَلَّتْ عظمتُها في تربية أولادها على الآداب والقيم التي لايتقيد بها في مسلك الحياة العامّ إلاّ ذو حظّ كبير من السعادة؛ فجزاها الله خيرًا، وأجزل مثوبتَها عن كل ما صنعته من الخير نحو نفسها وأولادها وزوجها العظيم ونحو كل إنسان.

     وكانت كثيرةَ الإنفاقِ على الأرامل والأيتام وذوات الحاجات من النساء اللاتي كن يفقدن سندهن من أزواجهن وأوليائهن. وكانت تهتمّ بتربية أولاد أمثال هؤلاء النساء ولاسيّما بناتهن اللاتي كانت تُعْنَىٰ بتعليمهن وتربيتهن وتلقينهن القيامَ بأمور البيت وإدارة الأسرة وتزويجهن على نفقتها الخاصّة التي كانت تَرْصُدُها هي وزوجُها الكيرانويُّ لهذا الغرض خاصةً.

     وما كان يُمَيِّزها عن مثيلاتها هو كونُها مُهَذَّبَة بمعنى الكلمة، ورِثت هذه الصفةَ عن آبائها، وزادها كمالاً زوجُها العظيم الذي كان مثالاً فيها بين جماعةا لعلماء. وقد ربّت أولادَها عليها حتى عُرِفَت أسرتُها بها في المدينة وخارجها بين كلّ الذين احتكّوا بها وتعرّفوا عليها عن كثب. وهي صفة جامعة، فالمتصف بها يتصرّف في جميع شؤون الحياة صادرًا عن توازن مطلوب في الشريعة وفي المجتمع الإنساني، ويكاد يجتنب كلَّ ما لايعنيه، فتتكامل المعاني الإنسانية فيه، فيكون بإذن الله وتوفيقه محبوباً لدى ربّه ولدى خلقه معاً.

     على كلّ فقد عاشت حياةً كريمةً مغبوطة لدى مثيلاتها، وماتت ميتة يتمناها المسلمون؛ حيث توفّاها الله في شهره الكريم شهر رمضان المبارك الذي أنزل فيه القرآن، وتُرْجَى فيه المغفرة، وتنزل في الرحمة الإلهية، ويتم فيه العتق من النيران؛ فلا يقدر الله فيه الموتَ إلا للسعداء من عباده.