مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، ذوالحجة 1433 هـ = أكتوبر - نوفمبر 2012م ، العدد : 12 ، السنة : 36

 

 

دراسات إسلامية

 

 

تعريف بمخطوطة "الكتيبة الكامنة"

(2)

 

بقلم : الدكتوره مه جبين أختر (*)

 

 

 

 

        وجاء شعراء الكتيبة على ثلاث طبقات:

     1 طبقة الخطباء النصحاء والصوفية الصلحاء (ورقة 3 ب - ورقة 31 ب) ويبلغ عدد شعراء هذه الطبقة واحداً وثلاثين، يقول ابن الخطيب في وصف شعرهم:

     «قلت وهذه الطبقة أهلها أعلام سراوة ومجادة، وليسوا بحجة في إجادة، إلا من جرى منهم مجرى إفادة في وجادة، ومظنة الإجادة في هذا الكتاب هم طبقة الشعراء والكتاب»

     2 طبقة القضاة (ورقة 31ب ورقة 54ب)

     وجاء في هذه الطبقة ذكر أربعة وعشرين شاعرًا، فجاءت ترجمة القاضي أبي جعفر أحمد بن عتيق الشاطبي منقولة من «الإكليل» وتراجم القاضي أبي جعفر أحمد بن محمد المعافري، والقاضي أبي الحسن أحمد بن يحيى التميمي، والقاضي أحمد بن محمد الشاشي القيسي نقلت من «التاج المحلى» يقول ابن الخيطب في هذه الطبقة:

     «هذه الطبقة منحطة في البيان، لاقتصار مداركها على عموم الأديان، وما يصدر عنها فعلى جهة الافتنان».

     3 طبقة الكتاب والشعراء (ورقة 54- ورقة119).

     في هذه الطبقة تسعة وأربعون شاعرًا، منهم أبوالقاسم محمد بن محمد، وأبو إسحاق إبراهيم بن يحيى، وأبو علي حسين بن عبد الحكيم، وأبو عمر يحيى بن إبراهيم، نُقِلَتْ تراجمهم من «الإكليل»، وتراجم أبي إسحاق إبراهيم بن محمد القيسي، وأبي بكر محمد بن أحمد الجذامي، وأبي القاسم الخضر بن أحمد، وعلي بن الجياب، وأبي بكر بن عبد الله ذي الوزارتين، وأبي عبد الله محمد بن أبي القاسم الكلبي، منقولةً من «التاج المُحَلَّىٰ»، وتمتاز هذه الطبقة عن غيرها في الشعر؛ حيث يقول ابن الخطيب:

     «وربما كانت هذه الطبقة متميزةً بالاستحسان، تَمَيُّزَ البركة بمطر النسيان ومظنة لدرر بحار اللسان، الممنون بها على عالم الإنسان».

     وتنتهي هذه المخطوطة بالأبيات التالية لأحمد بن سليمان بن أحمد ابن فركون:

أ مولاي عذرًا عن مغيبي فلم أكن

لأغضل عـن طرس لديك أحيـده

يراعي في الكــراس طورًا ركوعـه

وطورًا بمحـراب الـدواة سجـوده

ولكن طــرفي ............. لحظـة

يفارقني طـوع اشتياقي هجـــوده

وها........... غرس أنعمك التي

غيــوث الهــدايا كل يوم تجـــوده

................. فيه شفاء ورحمة

وبحـــريها مما يعـــزّ وجــــوده

فماذا عسى أنهيه من شكــر منعم

يؤلف بين الضبّ والنون جــوده

     ونهاية المخطوطة بهذه الأبيات تدل في الظاهر على نقصها، إلا أن ناسخها يكتب في الهامش:

     «الحمد لله، وجدت بالأصل هنا ما نصّه، إلى هنا توجد هذه الكتيبة ولعل مؤلفها اخترمته المنية قبل تمامها، والله أعلم».

     وأقول: إنه لايمكن الجزمُ بهذا الرأي حتى توجد نسخة أخرى لهذه المخطوطة، وإن كان غالبُ الظنّ أن ابن الخطيب وَقَعَ فريسةً لمظالم أعدائه، والأمر المؤسف أن قائمةَ باريس أيضاً لم تحل هذه المشكلة.

     بعد هذا المرور السريع بالمخطوطة ومُؤَلِّفها ينبغي لنا أن نلفت النظر إلى بعض المشكلات التي واجهها ابن الخطيب من قبل أعدائه، ونخص بذكر عدوين شديدين له وَلاَّهُما ابن الخطيب في عهد وزراته المناصبَ الهامّةَ، غير أنهما أصبحا عدوين لدودين له فيما بعد، وكانا في طليعة المتبعين للقضية التي رُفِعَتْ ضدَّه إلى المحكمة، أحدهما أبو عبد الله بن زمرك الذي كان من أخصّ تلامذة ابن الخطيب، والثاني القاضي أبوالحسن بن الحسن النباهي الذي كان من أخص المتوظفين عنده.

     وإذ ترجم لهما ابن الخطيب في كتابه «الإحاطة» كانت علاقته بهما وثيقةً، فترجمهما بكلمات التوثيق والمدح، إلاّ أن زمن تأليف «الكتيبة»كان أصعبَ عصور ابن الخطيب في حياته؛ حيث أَعْرَضَ عن معظمُ أصدقائه وأنصاره، وجعلوا يحقدون عليه مجاهرةً، وينسبون إليه الإلحادَ والزندقةَ والفسادَ العقدي، وعلى ذلك نرى صفحات هذا الكتاب مليئةً بطعن وسب هؤلاء المنكرين، وتبدو صورةُ أبي الحسن النباهي وابن زمرك في كتاب «الكتيبة الكامنة» كريهةً ومُشَوَّهَةً على عكس ماجاء في «الإحاطة».

     وقبل أن نأتي ببعض العبارات من كتاب «الكتيبة» فيما يتعلق بابن زمرك وأبي الحسن النباهي، التي أشار إليها المقري في «نفح الطيب» يجدر بنا أن ننقل بعضَ كلام المقري بهذا الصدد فيما يلي:

     «واعلم أن لسان الدين لما كانت الأيامُ له مسالمة لم يقدر أحد أن يواجهه بما يُدَنِّس معاليَه... فلما قلبت الأيام ظهر مِـجَنِّها ... أكثر مقامه ... من لبسها بريء... وكان الذي تولى كِبْرَ محنته وقتله تلميذُه أبو عبد الله بن زمرك... ومن أعدائه الذين باينوه ... القاضي أبوالحسن النباهي».

     وشمر القاضي ابن الحسن عن ساعد إذايته والتسجيل عليه بما يوجب الزندقة كما سبق جميعه مفصلاً محسنين أطلق لسان الدين عنانَ قلمه في سبّ المذكور وثلبه وأورد في كتابه «الكتيبة الكامنة في أنباء المائة الثامنة» من مثالبه ما أنسى ما سطره صاحب القلائد في ابن باجة المعروف بابن الصائغ.

     وفي كتاب «الكتيبة» تبدأ ترجمة القاضي أبي الحسن بهذه الكلمات:

     «أطروفة الزمن التي تجعل غرائبها الثمن، وقرد شارف من قرود اليمن، ذنباً وأحداقاً، وفروة وإشداقاً، وإشارة واصطلاحاً، وخبثا وسُلاحاً، لايفرق بينهما في الشكل، وقرب الغائط من الأكل، تشغل به الصبيان إذا بكت، وتتملح بذكره الزهاد بعد ما نسكت وعن كل شيء أمسكت الخ».

     ومن الأخبار الغريبة عن القاضي في هذا الكتاب مانصه:

     «حدث من يوثق به من العدول قال: جرى بين يديه الحديث الشهير الجاري بمجالس القضاة: البيعان بالخيار مالم يتفرقا، فقال لي: سبحان الله يا فقيـه! كانوا في القديم مثلنا في البادية يتبايعون بالخيار والفواكه كما نتبايع بالحبوب من القمح والشعير» (ورقة 5)

     وفي نفس الكتاب لابن الخطيب يلقب القاضي النباهي بالجعسوس ويورد أملوحة فيقول:

     «وقال بعض فضلائهم: سمعته يقول: تنكرون على ما يكثر تردده في كلامي من لفظ جعسوس، كأنه ليس من كلام العرب ولا من ألفاظ القرآن، فقلنا له: أما في كلام العرب فربما، وأما في القرآن فلا نعرفه، فضحك وقال سبحان الله! أعد النظر، فقلنا: والله ما نعرفه، فقال: ألم يقل الله في القرآن: ولا تجعسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً، فقلنا: والله ما قال الله ذلك قط و إنما قال «تجسسوا». قال: فاسترجع وقال: يافقيه! حفظ الصغر» (ورقة 5 ب)

     هذا ما جاء في الكتيبة، لاندري ماذا ذكر في كتاب «خلع الرسن في التعريف بأحوال ابن الحسن» من الفضائح والمثالب. وكان الثاني ممن طعنه وسبّه ابن الخطيب هو ابن زمرك، وفيما يلي بعض كلماته فيه:

     «هذا الرجيل والتصغير على أصله، وإن لم يعب السهم صغر نصله، مخلوق من مكيدة وحذر، مفطور اللسان عن هذيان وهذر، كثير الالتفات والإخراس، خبيث إن شكر، خدع ومكر، ودس في الصفو العكر، وإن رمى وأقصد، فالله أعلم بما قصد، إلا أنه في البخت بخت نصر عند من اعتبر وتبصر، بينما هو في المطبخ يغسل البرم، ويعشل الضرم إذا به يفترش السندس ويفتح سيفه القدس» اخ (ورقة 108 ب)

     ويُعذر هنا مثل لسان الدين بن الخطيب الذي ابتلي بالمحن والمصائب في مثل هذا الهجو، ويُختم الكلام بكلمات العلامة المقري المتخصص المعروف فيما يتعلق بابن الخطيب:

     «واعلم أن للسان الدين بن الخطيب الغاية في المدح والقدح، فتارة على طريق الترسّل وطورًا على غيرها، وقد أقذع وبالغ رحمه الله تعالى في هجو أعدائه بما لا تحتمله الجبال وهو أشدّ من وقع النبال».

*  *  *

المراجع:

تاريخ ابن خلدون، طبعة 1284هـ ، بولاق.

تاريخ العرب، فلب حتى.

دائرة المعارف الإسلامية .

الدرر الكامنة ابن حجر العسقلاني، طبعة حيدر آباد الدكن.

معجم المطبوعات العربية، سيركيس.

نفح الطيب،المقري، طبعة مصر.

*  *  *



(*)        الأستاذة المشاركة بالقسم العربي بالجامعة العثمانية حيدر آباد، الهند