مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، محرم – صفر 1434 هـ = نوفمبر ، ديسمبر 2012م – يناير 2013م ، العدد : 1-2 ، السنة : 37

 

 

الفكرالإسلامي

 

 

الهجرة الأولى إلى الحبشة وعالميته ودلالاته في العصر الحاضر

 

بقلم:  دكتور/ إبراهيم العدوي

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

     ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدٰوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُوْا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُوْا الَّذِينَ قَالُوْا إِنَّا نَصٰرَىٰ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَآ أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوْا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا ءَامَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّـٰهِدِينَ * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصّـٰلِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوْا جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ (سورة المائدة الآيات: 82-85).

     قال شيخ مؤرخي السيرة النبوية، وهو ابن اسحق، سألت ابن شهاب الزهري عن هؤلاء الآيات فيمن أنزلن؟.. فقال لي: ما زلت أسمع من علمائنا أنهنّ أنزلن في النجاشي وأصحابه، وتابع ابن اسحق رواياته موضحاً الملابسات التاريخية التي أحاطت بالنجاشي وأصحابه، الذين استقبلوا في بلادهم بأرض الحبشة في السنة الخامسة من مبعث النبي الكريم وهو في مكة، هجرة المسلمين الأولى امتثالاً لمشورة النبي لهم حين اشتد بهم أذى قريش؛ حيث قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام.

     وضمت هذه  الهجرة الأولى إلى الحبشة جماعة من الرواد الأول في التعريف بالإسلام وعالميته في هذه الفترة المبكرة من الدعوة الإسلامية، حاملين راية الإسلام إلى أهم بقاع أفريقيا في ذلك الوقت وهي أرض الحبشة، وضمت هذه الجماعة الأولى من المهاجرين إلى الحبشة بعض كبار الصحابة وزوجاتهم، على رأسهم عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو سلمة بن عبد الأسد من بني مخزوم ومعه زوجته أم سلمة، وجعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة، وبلغ عددهم ثلاثة وثمانين رجلاً.

     وروت إحدى المهاجرات الأول إلى الحبشة، وهي أم سلمة، والتي أصبحت زوجة للرسول الكريم، أخبار تلك الهجرة الأولى للمسلمين، وحسن استقبال النجاشي لهم، ودورهم في التعريف بدينهم الإسلامي الحنيف، فقالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنّا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نلقى أذى، ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً اشتد بهم السخط، وتآمروا على أولئك المهاجرون الأول، وعمدوا إلى النجاشي ورجال دولته من البطارقة ليحملوهم على تسليم هذا النفر ممن لجأ إلى بلادهم من المسلمين.

     وجرت خطة التآمر على إرسال شخصين من كبار قريش إلى النجاشي، وهما عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، حاملين الهدايا مما يستطرف من متاع مكة.. حيث قاما بتوزيعها أولاً على كبار رجال الدولة في الحبشة لكسب مودتهم أولاً، ثم إلى النجاشي أملاً في الإساءة إلى المهاجرين المسلمين. وشرح مندوبا قريش للنجاشي حين استدعاهم لمقابلته رأيهم في المهاجرين المسلمين والإساءة إليهم قائلين له:

مؤامرة وتمحيص

     «أيها الملك قد ضوى (أي لجأ) إلى بلدك غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم».

     وكانت هدايا قريش لبطارقة الحبشة قد آتت أكلها، فقالوا للنجاشي مؤمنين على قول مندوبي قريش: «صدقا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا (أي أعلم) فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى بلادهم وقومهم.

     وشعر النجاشي بحسه الصادق أبعاد المؤامرة بين مندوبي قريش وبطارقته، وقال لهم: لا أسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواى، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني».

     وجاء قول النجاشي فرصة للمهاجرين المسلمين للتعريف بدينهم لأول مرة خارج موطنهم الأصلي في مكة، مؤكدين عالمية الإسلام، وأنه دين ليس للعرب فحسب، بل ولغيرهم، وكذلك لأهل الكتاب، من النصارى واليهود، فالمعروف أن الحبشة كانت في ذلك الوقت معقلاً من معاقل النصرانية في قارة أفريقيا، ولها مكانتها في النظام الكنسي أيضاً. ولذا حين دعا النجاشي المهاجرين المسلمين قال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به في ديني، ولا دين أحد من هذه الملل؟.. وتولى المتحدث باسم المهاجرين المسلمين، وهو جعفر بن أبي طالب تعريف النجاشي ومن حضر مجلسه من كبار بطارقته بالإسلام فقال:

     «أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسئ الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إل الله لنوَحّده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا، من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.

     وعدد جعفر بن أبي طالب بعد ذلك «أمور الإسلام» ثم تابع الحديث قائلاً: «فصدقناه (أي الرسول الكريم) وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا».

     وأوضح جعفر بن أبي طالب بعد ذلك للنجاشي ما حدث لإخوانه من المسلمين قائلاً: «فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك».

دليل .. ودليل

     وأراد النجاشي أن يستزيد معرفة بالدين الإسلامي الذي استمع إليه، فقال لجعفر بن أبي طالب: هل معك مما جاء به عن الله شيء؟

     فقال جعفر: نعم.

     فقال له النجاشي: اقرأه عليّ.

     فقرأ جعفر بن أبي طالب صدرًا من سورة مريم: «كهٰيٰعٓصٓ».

     وعندئذ بكى النجاشي حتى اخضلت (أي ابتلت) لحيته.. وبكت أيضاً البطارقة والأساقفة الأحباش الذين حضروا مجلس النجاشي واستمعوا إلى ما تلاه عليهم جعفر بن أبي طالب من آيات الذكر الحكيم.

     ثم قال النجاشي: ان هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاةٍ واحدةٍ.

     يريد أن القرآن والإنجيل كلام الله، وأنهما من (مصدر واحد)، وتابع قوله لمندوبَيْ قريش: «انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما».

     ولم يستسلم مندوبا قريش للهزيمة، وتابع عمرو بن العاص الوقيعة بالمهاجرين المسلمين عند نجاشي الحبشة، قائلاً: «والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم «عبد»». ثم ذهب إلى النجاشي في اليوم التالي وقال له: «أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه». ووجد المهاجرون المسلمون في ذلك وسيلةً لمزيد من التعريف بدينهم الإسلامي وعالميته، في معقل من معاقل البلاد المسيحية وعقائدها في الحبشة، ذلك أن النجاشي حين عرض على أولئك المهاجرين المسلمين قول عمرو بن العاص، أجابه جعفر بن أبي طالب المتحدث باسمهم قائلاً: «نقول فيه (أي عيسى) الذي جاء به نبينا - صلى الله عليه وسلم - يقول: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول».. وعندئذ قال النجاشي مؤمنا على قول جعفر بن أبي طالب، وما سمعه عن نظرة الإسلام إلى عيسى، وقال للمهاجرين المسلمين مرةً أخرى: «اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي (وشيوم كلمة حبشية معناها الأمن).. من سبكم غرم».

     وتابعت قريش الوقيعة بالمهاجرين المسلمين إلى الحبشة.. وذلك بأن روت الشائعات وأن قريشاً أسلمت وآمنت بمحمد، وعمدت إلى توصيل تلك الشائعات إلى المهاجرين في الحبشة.. وقد صدق نفر من أولئك المهاجرين تلك الشائعات، وعاد منهم إلى مكة نحو ثلاثة وثلاثين شخصاً، سرعان ما تبين لهم خداع قريش حين دخلوا مكة. ولكن البقية الباقية من المهاجرين المسلمين إلى الحبشة ظلوا بها في رعاية النجاشي وحسن جواره، مما يؤكد إيمانه بالدين الإسلامي وصدق أتباعه وقوة عزيمتهم.

     وتجلت رعايةالنجاشي لمن بقي بأرضه من المهاجرين المسلمين حين أشرف بنفسه على أمورهم وحمايتهم مما قد يتعرضون له من الأذى، واستجاب في الوقت نفسه لتوصية أبي طالب الذي أرسل إلى النجاشي يوصيه بالمسلمين المهاجرين إلى بلده، والذين قام على رأسهم ابنه جعفر، ومن ذلك قول أبي طالب في هذه القصيدة التي بعث بها للنجاشي:

     تعلم، أبيت اللعن أنك ماجد

                      كريم فلا يشقى لديك المجانب(1)

     تعلم بأن الله زادك بسطة

                      وأسباب خير كلها بك لازب(2)

     فإنك فيض ذو سجال غزيرة

                      ينال الأعادي نفعها والأقارب

     وبعث الرسول الكريم بكتاب إلى النجاشي يوصيه فيه بالبر بمن هاجر إليه من المسلمين، ويدعوه فيه أيضاً إلى الإسلام، وهو الكتاب الذي جاء نصه في رواية البيهقي كما يلي:

     «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة.

     سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقهالله من روحه ونفخته، كما خلق آدم بيده ونفخه.

     وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني فتؤمن بي وبالذي جاءني، فإني رسول الله. وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرًا،ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاءوك فأقرهم، ودَع التجبر، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي.. والسلام على من اتبع الهدى.

     وظل النجاشي أميناً عل تلبية رسالة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - بالمهاجرين المسلمين، حتى عادوا جميعاً بعد هجرة الرسول الكريم إلى يثرب، وبناء الدولة الإسلامية على عهد الرسول، واتساع سلطانها، وقد توفى النجاشي في رجب سنة تسع هجرية والدولة الإسلامية في أوج مجدها على عهد الرسول الكريم، الذي نعاه في اليوم الذي مات فيه، وصلى عليه بالبقيع، وتكلم المنافقون حيث قالوا: أيصلي على هذا النجاشي الحبشي، فأنزل الله تعالى:

     ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتٰبِ لَـمَن يُؤْمِنُ باللهِ وَمَآ أُنزِلَ إلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ (سورة آل عمران آية: 199).

     وتحقق بقوله سبحانه وتعالى عالمية الدعوة إلى الإسلام؛ حيث آمن بخاتم الأديان حاكم أعظم معقل من معاقل المسيحية وهو نجاشي الحبشة، وصارت الهجرة الأولى للمسلمين إلى تلك البلاد «باب الإسلام إلى قارة إفريقيا» التي تزهو اليوم بصحوتها الإسلامية، واستئناف رسالتها في خدمة الإسلام والمسلمين.



(1)        المجانب: الداخل في حمى شخص آخر.

(2)        لازب: أي لاصق.