مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، محرم – صفر 1434 هـ = نوفمبر ، ديسمبر 2012م – يناير 2013م ، العدد : 1-2 ، السنة : 37

 

 

محليات

 

 

العمل المكثف من أجل تحويل الهند دولةً هندوسيّةً بمساعدة «إسرائيل» الدبلوماسيّة والسياسيّة

(مُعَرَّبٌ من الأردية)

 

فضيلة الشيخ أسرار الحق القاسمي(*)

 

 

 

رغم أن محاولات تحويل بلادِ الهند دولةً هندوسيّةً مبذولة باستمرار منذ القرن الماضي؛ لكنها توسّعت بنحو أشدّ في القرن الحاليّ؛ فالعناصرُ التي تحاول القضاءَ على الهيكل الاجتماعي الثقافي المدني للبلاد من خلال تدمير الديموقراطيّة والمساواة والعلمانية فيها، وتعمل على زرع ضيق الأفق والعنف والعصبية والطائفية في ربوعها، تأخذ أهبتَها وتمسك بسلاحها من أجل تحويل البلاد دولةً هندوسيّة، وتسعى لمحو الجهاز الديموقراطي فيها عن طريق إعمال العنف. وتؤكّد ذلك ليس فقط تصريحاتُ القادة الكبار لهذه المجموعات، بل تحركاتُهم السلبيّة هي الأخرى. إن تقارير عديدة ذكرت أن جماعات ذات نفسيّة طائفيّة تدرب عامليها على أعمال القتل والفتك، وتقوم بتسليحهم بالفعل؛ حتى تهجم هذه العناصر المسلحة المدربة المتشددة في أي وقت تشاء، بنحو مُخَطَّط على أولئك الذين ينادون في البلاد بالديموقراطيّة والمساواة. وليس من المستبعد أن تتصادم أيضاً لكونها مسلحة مع الشرطة والجيش في البلاد. وهناك تقارير تقول: إن العناصر التي تحمل نفسيّة منظمة الـ«آر إيس إيس» تسرَّبت إلى كل من الشرطة والجيش، وتعمل على صياغة نفسيتهم تحريضاً لهما على العمل بالطائفية؛ حتى يعودوا مُعَارِضَيْن للديموقراطية ومُنَاصِرَيْن للدولة الهندوسيّة. ومن الواضح أنه إذا تغيرت نفسية كل من الشرطة والجيش، واستعدّت لمناصرة هؤلاء الطائفيين، فإن تحقيق هدفهم نحو التوصّل إلى إقامة الدولة الهندوسيّة في الهند، سيعود سهلاً ميسورًا لهم بشكل أقوى.

     وإلى ذلك ترمي الاجتماعات التي عقدتها الجماعات الطائفية في منطقة «غوا» في الأسبوع الثاني من شهر يونيو 2012م (الأسبوع الثالث من رجب 1433هـ) التي حضرها قادة ومندوبو الجماعات والمنظمات الهندوسيّة المتشددة الطائفية، الحاملون للتفكير السلبي المعروفون بطائفيتهم، ورفعوا فيها راية الثورة على ديموقراطية البلاد، ونفثوا فيها سموماً ضدّ المساواة الوطنية والديموقراطية ودستور البلاد وعلمانيتها، وأعلنوا أنهم سيتخطون كلَّ حد في سبيل إقامة الدولة الهندوسية في الهند. ويكفي أن تقرأ ما قاله رئيس جماعة الـ«شري راما سينا» «برامودا متالك» ولاسيّما الكلمات الآتية من خطابه: «... إن جماعتنا لا تؤمن بمبدء اللاعنف الذي نادى به «الغاندي»، إننا لسنا من أنصار النظريات التي كان يقول بها، وإنما نؤمن ونتبع ما قال وعمل به كل من «بهاغات سينغ» و«سوبهاش تشندرا بوس» إننا سنحقق هدفنا عن طريق العدوان وحده» إن هذه الكلمات تنطق أوّلَ ما تنطق أنّ الرجل قد أعلن الحرب ضدّ النظام الديموقراطي في البلاد، ودعا إلى العمل بالعنف رافضاً كلَّ الرفض نظريةَ «الغاندي» الذي نادى باللاعنف من أجل تحرير البلاد من نير الاستعمار الإنجليزي. فكأنّه قَرَّرَ أنه لكي يحقق هدفَه سيستند إلى الفتك والقتل وإعمال الأسلحة.

     وقد قال في هذه الاجتماعات مُنَسِّقُ جماعة الـ«هندوجان جاكران سماتي» «تشاتران سورال»: «إنه لابدّ من تنفيذ القانون المدني المُوَحَّد في البلاد». ومن المعلوم أن المسلمين قد رفضوا مسبقاً العملَ بالقانون المدني الموحد الذي لو طُبِّقَ لاعترض سبيلَهم إلى العمل بدينهم في كثير من الأمور، كما أنه ظلّ موضع الانتقاد من قبل أبناء شتى الديانات في البلاد؛ بل إنه يمسّ كذلك سلبيًّا الهيكل الاجتماعي الثقافي للبلاد. والواقع أن الذين ينادون بالقانون المدني الموحد، يحاولون أن يدوسوا التقاليد والمزايا الوطنية المتبعة منذ القدم ويحلمون بدولة لايسكنها إلاّ أبناء ديانة بعينها، ولايزاحمهم فيها أيٌّ من أبناء الإسلام أو السيخية أو المسيحية أو الجينية أو البوذية. وعندما استقلت البلاد عام 1947م كان أنصار منظمة الـ«آر إيس إيس» يودّون أن تمسك طائفة ذات نفسية خاصّة من الهندوس بزمام جميع الصلاحيات، وأن لاتكون في البلاد أي سعة لأبناء أي من الديانات غير الديانة الهندوسيّة، وأن يصاغ الدستور والقانون في البلاد حسب ما يريدون هم، إلاّ أن البلاد بما أنها يعيش فيها منذ قديم الزمان أبناء ديانات مختلفة وأعراق وجنسيّات وطوائف مختلفة، تحررت هي البلاد بتضحياتهم الجسيمة جميعًا، فنظراً لتضحياتهم هذه وتجنيباً لها الأخطارَ وُضِعَ دستور يراعي حقوقهم جميعاً، وتم بناء الهند الجديدة على أساس الحضارة العريقة التي ترجع إلى أكثر من ألف قرن؛ ولكن أسرة «سانغ» عارضت الدستور العلماني في البلاد المستقلة، وعادت تحارب نظامها العلماني صادرة عن نظرية الدولة الهندوسيّة، واستهدفت هذه الأسرة التي تدعي الحق المطلق على البلاد كلها بعدوانيتها القائدَ الرائدَ لحرية البلاد «المهاتما غاندي» واغتالته علناً وجهارًا.

     المقلق جدًّا أن الجماعات المتشددة العاملة بالعنف المحاربة للبلاد، تقوّت لحدّ أنها تتحدى علناً وجهارًا ومن داخل البلاد نفسها كلّاً من دستورها وقانونها ونظامها العلماني، وتهددها بتنفيذ أعمال العنف، دون أن تجد من يلجمها، الأمر الذي جعلها تتشجع بنحو أكثر، وتتجرأ على أن تنادي بالحرب على الديموقراطية على مستوى البلاد كلّها.

     والواجب على الحكومات المتعاقبة في البلاد أن تستحضر دائماً أن أسرة «سانغ» المنبثقة من الـ«آر إيس إيس» ليست لتكون وفيّة للبلاد ومصالحها، وإنها لن تحب رقي البلاد وازدهارها وبناءها، وإنما تودّ تدمير البلاد، وإن كانت هي لا تفتر تقول إنها هي وحدها وفية للبلاد وغيرها خائنة غير وفية لها؛ لكن الواقع أنها عدو للبلاد محاربة لها، تود أن تثير فيها الثورة عليها.

     إن أسـرة «سانغ» توّاقـة جدًّا إلى تحويل البلاد دولـة غير علمانيـة، وهي تحاول أن تجعلها دولة هندوسيّة بين عشية وضحاها، وهي تتحالف مع الدول الأخرى لتحقيقها لهذا المطلب، وتفتح الأبواب على مصراعيها لمؤامرات خطيرة، فهناك تقارير عديدة تقول: إن أسرة «سانغ» تستعين في هذا الصدد بدولة إسرائيل. والقراء ربما يذكرون أن القادة والعاملين في المنظمات الهندوسية المتشددة بمن فيهم العقيد «راما براساد بروهت» والمتنسكة السيدة «برغيا سينغ تهاكر» و «السوامي ديا نندا باندى» و «راكيش دهاوري» والميجار المتقاعد «راميش أبادهيائي» و «شيونارائنا كل سنغرا» وزملاؤهم الآخرون الذي كانت قد اعتقلتهم جماعة مكافحة الإرهاب الهندية، أفصحوا عن معلومات كشفت اللثام عن أن أسرة «سانغ» منهمكة في تنفيذ عمليات خطيرة للغاية في هذه البلاد، إن لائحة الاتهام المتضمنة لأكثر من أربعة آلاف صفحة التي قدمتها رجال الأمن المنتمون إلى المحاكم المعنية، تجاه هؤلاء المتهمين بتفجيرات مدينة «ماليغاؤن» إحدى المدن الصناعية في ولاية «مهاراشترا» كانت تتضمن شواهد كافية ضدّ الإرهابيين المنتمين إلى أسرة «سانغ» بمن فيهم المتنسكة السيدة «برغيا» و«السوامي ديانندا» والعقيد «بروهت» وغيرهم البالغ عددهم 11 مُتَّهماً بالأعمال الإرهابيّة. وخلال ذلك توصّلت جماعةُ مكافحة الإرهاب إلى معلومات وتفصيلات عن تخطيط تحويل البلاد دولة هندوسيّة بمساعدة دولة «إسرائيل». وقد قالت لائحة الاتهام: إن العقيد «بروهت» كان قد أسس عام 2007م منظمة هندوسيّة باسم «أهينو بهارت» للدعاية بدستور مستقل ودولة هندوسيّة مستقلّة، وإنه وغيره من المتهمين كانوا قد خطّطوا للاستعانة بهذا الصدد بإسرائيل؛ ففي تسجيل تم العثور عليه عبر الكمبيوتر الجوَّال الذي كان ملكاً «للسوامي ديانندا باندي» صَرَّحَ العقيد «بروهت» أنه لتأسيس دولة آريّة مسلحة طلب المساعدة من إسرائيل، وأنها بدورها مستعدّة لشحن الأسلحة إلينا» وكان «بروهت» قد أضاف: أن إسرائيل مستعدة لتقديم مساعدة دبلوماسيّة وسياسيّة، وأنه كان التفكير والعمل جارياً بمخطط دولة انتقاليّة «هندوسية» في «إسرائيل».

     وفي ضوء هذه الكثرة الكاثرة من الشواهد، لايبقى هناك مجال للشك في أن الجماعات الهندوسيّة المتشددة وإسرائيل كلتيهما تعملان بمخططات رهيبة في الهند.

     والسؤال الذي يطرح نفسه بهذه المناسبة: أليس الإعلان الصارخ بالعمل بالعدوان والعتف، والإشارة على الهندوس بالخوض في الحرب لصالح إقامة دولة هندوسيّة في البلاد، والسعي الحثيث وراء مكافحة الدستور الوطني وتنفيذ الأعمال الإرهابية في طول البلاد وعرضها بمساعدة من إسرائيل، أليس ذلك كله تهديدًا لسلامة البلاد. ومن المدهش حقًّا أنه يُسْمَحُ لإسرائيل بترسيخ أقدامها في البلاد رغم هذه الأخطار كلّها، وتعتبر إقامة العلاقة والصداقة مع إسرائيل الغاشمة مفخرة. ما أكثر إثارة للعجب أنه لم تتخذ أي خطوة صارمة ضد أسرة «سانغ» رغم تلك الشواهد الكثيرة الحاسمة، ولم يتخذ أي إحراء نحو تقليل نفوذ إسرائيل في البلاد. وربّما يُحْسَب أن التحالف العميق بين كل من أسرة «سانغ» وإسرائيل لا يضرّ في الحال والمآل إلاّ المسلمين وحدهم؛ ولكن هذا التفكير خاطئ للغاية لأن عمليات أسرة «سانغ» وإسرائيل التدميريّة لن تقتصر على المسلمين، وإنما تتعداهم إلى البلاد كلها، وليس بمُسْتَبْعَد أن تفسد هذه المجموعة المفسدة البلادَ لحد أنّه لن يبقى بوسعها أن تعود إلى حالتها الطبيعيّة خلال قرون طويلة قادمة. (صحيفة «راشتريا سهارا» اليومية الصادرة بدهلي الجديدة، العدد 4602، السنة 13).



(*)        أحد أبناء الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ ديوبند المبرزين

           وعضو البرلمان الهندي.

           الهاتف الجوّال:  2350181390-0091