مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، ربيع الأول 1434 هـ = يناير ، فبراير 2013م ، العدد : 3 ، السنة : 37

 

 

كلمة المحرر

 

 

لن يخفضوا مكانه صلى الله عليه وسلم وقد رفع الله تعالى بنفسه ذكره

 

 

 

 

 

 

        النيلُ من مكانة النبيّ صلى الله عليه وسلم والاستهزاءُ به والإساءةُ إليه ومحاولةُ خفضه أمام العالم ليست شيئًا جديدًا أو غريباً؛ لأنّها ظلّت مستمرةً على عهده صلى الله عليه وسلم، وبعده عبر التاريخ الإسلامي، ولا تزال جاريةً ليومنا هذا، وستظلّ؛ لأنّها رمزٌ شاخصٌ من رموز صراع الباطل مع الحقّ الذي جاء به صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى؛ ولذلك لم يحاربه أهلُ الجاهليّة الأولى قبل بعثته ليوم أربعين عاماً من حياته التي قضاها بين أظهرهم، والتي كانت أصفى من المرآة وأشدَّ إشراقاً من الشمس، لم تكن في صفحتها على امتدادها على الأربعين عاماً نقطةٌ سوداءُ، وإنما بدأوا يحاربونه على الجبهات كلِّها وبالأساليب جميعِها بعد أن أكرمه الله عزّ وجلّ ببعثه رسولاً إليهم رحمةً للعالمين كلّهم.

     وذلك يعني أنّ أنصار الباطل كانوا لايبغضون شخصه صلى الله عليه وسلم، وإنما يبغضون رسالتَه ودعوتَه؛ فقد كانوا يعدّونه أميناً وصادقاً حتى بعد صدعه بينهم بالحق وإعلانه بينهم بالدعوة إلى الله الواحد الأحد الصمد، وظلّوا يودعون عنده الودائعَ، ولم يَسَعْهم أن يتّهموه بالكذب أو الخيانة أو عيبٍ من المعايب الخلقية التي تُلَطِّخ شخصيتَه، وتخفضها أمام المجتمع. وإنما عادوا يحاربونه في دينه ودعوته، وعقيدته ورسالته، وسلكوا في ذلك كلَّ مسلك، وجرَّبُوا كلَّ حيلة.

     ولكنّهم هم وغيرهم من إخوانهم «الجاهليين» المعاصرين لهم أو مُلَاحِقِيهم إلى يومنا هذا لم ولن يستطيعوا أن يُقَصِّرُوا قامتَه، ويخفضوا شخصَه، ويجعلوه معيباً قبيحاً بين أعين العالمين؛ لأنّ الله عز وجلّ هو الذي رَفَعَه وأعلى شأنَه وعَزَّزَ مكانَه وأسمى ذكره في الملأ الأعلى وفي الأولين والآخرين إلى يوم الدين؛ بل سيرفعه يوم الدين؛ حيث سيمنحه حقَّ الشفاعة لديه تعالى للخلق كلهم، فقال: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ» (الشرح/4) فمن يسخر منه ويستهزئْ به ويُسِىءْ إليه وينل منه ويتناوله بالسباب والشتم والاتّهام بمعايب ونقائص هو منها بريء كلَّ البراءة، فإنه تعالى بدوره يتولّى مؤاخذتَه وعقابَه، ويُخَيِّب محاولتَه للنيل منه وخفض شأنه والهبوط بمكانه وإساءة سمعته بين العالم، وسيتناوله تعالى بالعقاب الشديد في الدنيا قبل الآخرة، وسيُضَيِّق ديناه عليه قبل آخرته؛ لأنّه عزّ وجلّ قد وَعَدَ بذلك لنبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقال: «إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْـمُسْتَهْزِئِينَ» (الحجر/95)، وقد تَوَعَّدَ الله تعالى بالبتر لكل من يعاديه ويحاربه ويكيد له بشكل من الأشكال، فقال تعالى: «إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» (الكوثر/3).

     إنّ محاولة النيل من مكانته صلى الله عليه وسلم، إنما بذلها «الجاهليّون» دائماً للنيل من دينه صلى الله عليه وسلم الذي جاء به من عند الله تعالى ليُسْعِدهم به والخلقَ كلَّهم؛ ولكنهم بدلَ أن يؤمنوا به ويعرفوا قدره، ويدركوا مدى قيمته في حياتهم وحياة الخلق أجمعين، ظلّ يحملهم شقاؤهم المكتوب عليهم أن يحاربوه الدين من خلال سعيهم لتقبيح صورته صلى الله عليه وسلم وتشويه سيرته في أنظار العالم للحيلولة دونه ودون هذا الدين: الرحمة له؛ ولكن هذه المساعي المُكَثَّفَة المُتَّصِلَة المُتَتَابِعَة التي لم تعرف فترةً أو انقطاعاً، لم تنجح ولن تنجح في صدّ الناس السعداء الذين كان قد كَتَبَ لهم الله السعادةَ الأبديّةَ عن الإيمان به صلى الله عليه وسلم والدخول في دينه والانضواء تحت رايته صلى الله عليه وسلم.

     وظلّ الجاهليّون يُمْنَوْنَ بالإخفاق والفشل وحبط الأعمال وضياع مساعيهم كلّها سدى؛ لأن الله قد نصّ في كتابه الخالد:

     «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْم بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْـهُدَىٰ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالهُمْ» (محمد/32). ولا زال الجاهليّون يُمْنَوْنَ بالإخفاق والإحباط؛ فهم رغم هذه المحاولات بأنواعها التي يُكَثِّفُونَها للصدّ عن دين الله من خلال الاستهزاء به صلى الله عليه وسلم والإساءة إليه وإلى كتاب الله تعالى، حتى يتقزّز الناس منه الدين بالتقزّز منه صلى الله عليه وسلم، لاينجحون في تحقيق رغبتهم، بل إن الناس يزدادون دخولاً في دين الله تعالى، وحبًّا له صلى الله عليه وسلم، من خلال دراستهم لسيرته وسيرة أصحابه ودراسة كتاب الله القرآن الكريم؛ لأنهم عندما يشاهدون كلَّ هذه الإساءات إليه صلى الله عليه وسلم، تشتد رغبتهم في دراسة سيرته ودراسة القرآن الذي نزل عليه، فكل منهما يجذبانهم إلى الإسلام والإيمان بكونه ديناً حقًّا نازلاً من عند الله. فيجعل الله كيدهم في نحورهم كما جَعَلَ كيدَ الجاهليين الأولين في نحورهم، فتبوء جميعُ حيلهم الماكرة بالفشل، كما باءت حيلُ الجاهليين كلّها بالفشل بالأمس. وقد صدق الله تعالى: «ومَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ واللهُ خيرُ الْـمَاكِرِينَ». (آل عمران/54) وقال: «وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلّٰهِ الْـمَكْرُ جميعاً» (الرعد/42). وقال: «ويَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ واللهُ خَيْرُ الْـمَاكِرِينَ» (الأنفال/30).                      [التحرير]

(تحريرًا في الساعة 12 من ضحى يوم السبت: 15/صفر 1434هـ = 29/ديسمبر 2012م)