مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، ربيع الثاني 1434 هـ = فبراير ، مارس 2013م ، العدد : 4 ، السنة : 37

 

 

دراسات إسلامية

 

 

علماء ديوبند و سلاسلهم العلمية

(الحلقة 9)

 

بقلم: الأستاذ/ سيد محبوب الرضوي الديوبندي رحمه اللّه (المتوفى 1399هـ / 1979م)

ترجمة وتعليق: الأستاذ محمد عارف جميل القاسمي المباركفوري(*)

 

 

 

 

تواضعه واستغناؤه:

     و اتصف الإمام محمد قاسم النانوتوي بالتواضع والاستغناء، وهضم الذات ما يجعله يكره أن يتقيد في حياته كلها بما تعود أهل العلم من ارتداء الجبة والعمامة وغيرهما  وكان يأبى كل الإباء أن يعامل معه  بتقدير زائد، و يقول: لقد أفسد علي هذا العلمُ، و لقد وودت أن أفني نفسي فلم يعرفها أحد، وكان يعزُّ عليه كثيراً أن يحضر ما يدعو إلى اشتهاره والتعريف به(1).

     وحج عام 1277هـ/1860م ثم توظف بعد عودته منه في مطبعة «مجتبائي» في «ميروت»، و استمر فيها إلى عام 1285هـ/1868م. و في نفس المدة حج ثانيةً، وانتسب إلى «مطبعة هاشمي» بـ«ميروت» بعد ما عاد منه. كما واصل تدريس الطلاب الراغبين في الأخذ عنه إلا أنه لم يرضَ أن يتوظف في مدرسة من المدارس. ويقول صاحب «سوانح» - مخطوط - : «ولايخفى على أحد أن المدرسة الإسلامية في «ديوبند» إليه يرجع فضل نشأتها ورقيها. وكان يشكل طاقمها ورجالها العاملون حكومةً مصغرةً، إلا أن الإمام محمد قاسم النانوتوي أبى أن ينتفع بها مثقالَ حبة من خردل. وبادئ بدء عَرَضَ عليه أعضاء الشورى بها أن يقبل وظيفة التدريس بها، ويتقاضى راتباً و لو ضئيلاً، إلا أنه أبى ذلك عليهم. ولم يرضَ أن يستفيد من الجامعة بصورة أو أخرى شيئاً و لو فتيلاً، رغم مواصلة عمله الدائب ليله و نهاره في صالح المدرسة، و التدريس بها، وبلغ به الأمر أنه كان يدفع إلى خزانتها مقابل حبر المدرسة و دواتها، إن استخدمهما في كتابة رسالة من رسائله»(2).

     وأهم أعمال النانوتوي ومآثره يتمثل في إحياء الحركة التعليمية لصالح النشأة  الثانية للعلوم الإسلامية في الهند، و وضعِ الأصول الثمانية التي تعتبر حجر أساس المدارس الإسلامية، وقوامها وعمادها. فشهدت مختلف مناطق البلاد قيامَ المدارس الدينية بعناية وتوجيه منه، أمثال: تهانه بهون (Thanabhawan) و«كيرانه» (Kerana)بمديرية «مظفر نغر»، و«كلاوتهي» (Gulawathi)، و«دان فور» (Danpur) بمديرية «بلندشهر»، وكذلك في «ميروت» و«مرادآباد» وغيرها. ولايزال معظمها قائمة لليوم، ناشطةً في خدمة الدين والعلم، وسيمر بك تفصيله في الباب الثالث.

     ولقد لقيت النصرانية رواجاً وازدهاراً كبيرين في الهند بجنب الحكم الإنجليزي الذي لم يدع فرصة تفوت عليه لتنصير الهنود، وخاصة المسلمين منهم، وتكاثفت وتكاتفت الجهود في سبيله. فأقيمت معالم ومنارات لتنصير المسلمين في طول البلاد وعرضها بمساعدة من الحكم الإنجليزي. و توسع نطاقها في أعقاب ثورة عام 1857م/1274هـ . فكان المبشرون والدعاة إلى النصرانية يقومون بتوجيه سهام الطعن واللمز إلى الإسلام ونبي الإسلام في الأسواق، و المواسم والتجمعات الشعبية على مرأى ومسمع من العالم. وعاش الإمام النانوتوي هذه الأوضاع وهو في «دهلي» فأمر تلامذته أن يقوموا في الأسواق، ويعظوا الناس ويذكروهم ويردوا على المبشرين والقساوسة كما يقوم أولئك القوم. وذات مرةٍ قصد نفسُه إلى تجمعٍ شعبي دون أن يشعر أحد بمقدمه وحضوره، أو أن يشعر هو بنفسه أحداً، فناظر القسيس: «تاراجند»، و هزمه على مشهد الناس في السوق. ثم تعرف على المناظر الإسلامي الشهير مولانا أبي المنصور ناصر الدين علي الدهلوي (ت 1320هـ/1902م)(3). و ذلك في ربيع الأول عام 1292هـ إلى جمادى الثانية عام 1292هـ. وكان النانوتوي يومئذٍ نازلاً في «مطبعة مجتبائي» بـ«دهلي» لصاحبها: المنشئ ممتاز علي.

 مهرجان التعرف على الله تعالى في «شاه جهان فور»:

     ومن أشد المخططات - التي نسجها الحكم الإنجليزي - خطورةً وضرراً أنه حرَّش بين الهنود و المسلمين. وكان المسلمون الهنود على حظٍ وافرٍ وأهميةٍ كبيرةٍ من سياسة البلاد و تدبير شؤونها، ثم إن الإنجليز - تحقيقاً لمخططاتهم العدوانية - قدَّم الهندوس على حساب المسلمين، فبزَّ الهندوس المسلمين في الاقتصاد وسياسة البلاد، فسول لهم الإنجليز التفوقَ الديني، وأغراهم بمناظرة المسلمين ومهَّد لهم السبيل إلى ذلك، فأصبح الهندوس يناظرونهم على مرأى ومسمع من الناس.

     و شهدت قرية «جاندا بور» - من ضواحي مدينة «شاهجهان فور» بولاية «أترابردايش» - مهرجاناً  يهدف إلى التعرف على الله تعالى بإشراف من «بيارى لال» كبيربنتهي (Munshi peiare lal) (4) أحد الإقطاعيين بها، والقسيس نولس (noles)(5)، و بإيعاز وتوجيهٍ من «روبرت» (Robert)(6) - حاكم مديرية «شاه جهان فور» - و وُزِّعَت نشرات تدعو إليه ممثلي الديانات الثلاث: النصرانية، والهندوسية، والإسلام، ليقدم كل واحد منهم ما يؤكد على صحة الدين الذي رضيه وثبوته. فتوجه إليها الإمام النانوتوي باقتراحٍ من مولانا محمد منير النانوتوي(7)، ومولانا إلهي بخش رﻧﮕﲔ البريلوي. وقد صحبه في هذه الرحلة كل من مولانا محمود حسن(8)، ومولانا رحيم الله البجنوري (...- 1929م)(9) ومولانا فخرالحسن (...- 1315هـ)(10) إلى هذا المهرجان. كما شهده كذلك كلٌ من: مولانا أبو المنصور الدهلوي، وميرزا موجد الجالندهري ومولوي أحمد علي الدهلوي(11)، و مير حيدر الدهلوي، ومولانا نعمان بن لقمان، ومولانا رﻧﮕﲔ البريلوي - السالف الذكر - فألقى كل منهم خطباً كان لها مفعولٌ لا بأس به. و ألقى الإمام النانوتوي خطبةً تناولت الرد على التثليث، والشرك، والتأكيد على التوحيد، و جعلت الحضور كلهم - سواء المؤيدون له أو الطاعنون فيه - ينحازون إليه ويرون رأيه. ويحكي قصته إحدى الجرائد الصادرة يوم ذاك: «في 8/من مايو من السنة الجارية (عام 1876م) ألقى مولانا محمد قاسم النانوتوي درساً، شرح فضل الإسلام ومكانته. وقد تَاهَ القسيس في شرح عقيدة التثليث، فقال: ما من خطٍ من الخطوط إلا يحوي ثلاثة أعراض: الطول والعرض والعمق. فعقيدة التثليث ثابتة لايتطرق إليها أدنى ريب. فردَّ مولانا محمد قاسم عليه في حينه، ثم استمرسجال بينه و بين القسيس حول الكلمة التي ألقاها، حتى انفضَّ المجلس، وتناقلت ألسنة الناس  في ضواحي المدينة والآفاق كلها أن المسلمين قد انتصروا على أعدائهم. ومن الطبيعي أن تنسل الآلاف من الناس إلى تجمع شعبي مثله. و لم يردَّ  أحبار النصارى وقسيسوها على الاعتراضات التي وجهها علماء الإسلام إلى النصرانية أول يوم من أيام الاجتماع، على العكس من أهل الإسلام حيث ردوا على الطعون التي وجهها النصارى إلى الإسلام رداً مفحماً(12).

     وانعقد المهرجان في العام التالي 1877م في شهر مارس، فحضره المنشئ «اندرمن»  و «ديانند» (Svami Dayananda sorasvati، ت 1882م/1301هـ) مؤسس ديانة «آريه سماج»(13)، فألقى «ديانند» خطبة باللغة الهندية مزيجة باللغة السنسكريتية. وقد استقدم القسيس «نولس»، قسيساً آخر يدعى «إسكوت». و تناولت خطباتُ النانوتوي قضايا الوجود والتوحيد والتحريف فكانت ناجعة نافعة لأقصى الحدود. و استضاف محمد طاهر موتي(14) علماء الإسلام هذه المرة.

     و شهد الإمام النانوتوي المهرجانين الهادفين إلى التعرف على الله. وبهذه المناسبة قال الأستاذ محمد أيوب القادري في كتابه «ترجمة مولانا أحسن النانوتوي»: «وأهم ما يسترعي الانتباه بهذه المناسبة أنه تم انعقاد  «المهرجان الهادف إلى التعرف على الله» - الذي شهدته مدينة «شاه جهان فور» عامين، وسبقه نشرات وإعلانات عنه، و كان يمثل نوعاً من التحدي للدين الإسلامي  إلا أنه لا تنمُّ روايةٌ عن حضور علماء مدينة «بدايون» أو مدينة «بريلي» وهي مديريات ومناطق على مشارف مدينة «شاه جهان فور»(15).

مناظرته في مدينة «روركي»:

     وحج الإمام النانوتوي في شوال عام 1294هـ/1877م ومعه جماعة من أهل العلم والمعرفة ليعود منه في ربيع الأول عام 1295هـ/1877م. ومرض الشيخ في «جدة» وهو في طريق عودته إلى الهند، وعاد إليه بعض النشاط حين وصل إلى مسقط رأسه «ديوبند»، وإن لم يزُل المرض تماماً. ثم بلغه في شهر شعبان عام 1295هـ نفسه أن «ديانند» وصل إلى مدينة «روركي»، وبدأ يوجه الطعن إلى الإسلام. فتوجه الشيخ - رغم ضعفه ونقاهته - إلى «روركي»، ولم يدخِّر جهداً في إقناع «دينانند» بالحوار على مرأى من الناس، إلا أنه أبى، وغادر «روركى». وكلَّف النانوتوي رحمه الله كلاً من الشيخ فخر الحسن الكنكوهي، والشيخ محمود حسن الديوبندي - المعروف بشيخ الهند - إلقاءَ الخطب إلى الناس، فقاما بذلك، وتحديا «ديانند»، كما قام الإمام النانوتوي بالرد على الطعون التي وجهها «ديانند» إلى الإسلام، وعمل كتاباً يرد على طعونه في استقبال المسلمين الكعبة في صلاتهم(16). ثم وصل «ديانند» إلى «ميروت»، وأعاد كرته في «روركي» و وجَّه طعوناً إلى الإسلام، فلحقه الإمام النانوتوي إليها بدعوة من أهلها المسلمين، وحاول الحوار معه، إلا أنه لم يرضَ به، فلجأ الإمام إلى مخاطبة الجموع الحاشدة بها، وردَّ على الطعون التي وجهها «ديانند» إلى الإسلام.

*  *  *

الهوامش:

(1)      سوانح قاسمي ص 10.

(2)      سوانح  - مخطوط -  نقلاً عن سوانح قاسمي 1/536.

(3)      هو الشيخ الفاضل أبو منصور ناصر الدين بن محمد علي الدهلوي( ....-1320هـ/ ....-1902م): ولد بـ«ناكبور»، و قرأ العلم على أبيه وجده، وتعلم اللغة الإنكليزية، ثم قرأ التوراة والإنجيل على أحبار اليهود والنصارى، ثم صرف عمره في المناظرة مع النصارى، وأفنى قواه في الذب عن الملة الحنيفية، وصنف كتباً، وكان في صدد تصنيف التفسيرعلى أسلوب جديد، كان يفسر القرآن الكريم بالأحاديث الصحيحة، و يصدقها بآيات التوراة والإنجيل، ولكنه لم يتم. وله: «نويد جاويد»، و«عقوبة الضالين في الرد على هداية المسلمين لعماد الدين المسيحي» و«تنقيح البيان في الرد على تفسير القرآن للسيد أحمد المذكور». وللاستزادة منه: راجع: نزهة الخواطر2/3365.

(4)      منشي بياري لال كبير بنتهي((Munshi peiare lal): أحد أثرياء منطقة «شاه جهان فور»، كثير الشهود للاجتماعات التبشيرية التي كان يعقدها البوب نولس في «شاه جهاه فور» وضواحيها، فتوطدت صلته به، ونال الحظوة لدى الحكام الإنجليز في البلاد، والمنشئ هذا و إن لم يعتنق النصرانية إلا أنه عاد يفند  آراء سلفه، ويصف دينه الهندوسي بالرجعية والتخلف. وهو  من أبرز الدعاة إلى عقد مهرجان التعرف على الله تعالى، واستضاف المشاركين فيه.  راجع: سوانح قاسمي 2/365.

(5)      نولس(Noles): مدير مدرسة التبشير(Mission school) في «شاه جهان فور»، وكان له جولات وصولات في ضواحي «شاه جهان فور»، وجهود تبشيرية، بجانب عمادة المدرسة. راجع: سوانح قاسمي2/365.

(6)      روبرت  جورج (.George Robert)(1810 م - 1890م): مارشال بريطاني، عمل في الهند خلال التمرد 1857- 1859م ثم تم تعيينه في الصين.

(7)      سيمر بك ترجمته.

(8)      مولانا محمود حسن: سيمر بك ترجمته.

(9)      سيمر بك ترجمته إن شاء الله.

(10)    سيمر بك ترجمته إن شاء الله.

(11)    هو السيد أحمد علي الدهلوي: من أجلة العلماء، برز في المعقول والمنقول، له قدم راسخة في  الرياضي والهيئة ،قال شيخه: الإمام  محمد قاسم النانوتوي: «إن الله تعالى رزق مولوي سيد أحمد من القدرة واليد في علم الرياضي ما لم يخطر ببال مؤسس هذا العلم، استُدعيَ للتدريس في جامعة دارالعلوم/ديوبند عام 1285هـ/1868م، وخَلَفَ الشيخَ محمد يعقوب في رئاسة التدريس، و تحول عام 1307هـ /1885م إلى «بهوبال»، وبها توفي. راجع: تاريخ دارالعلوم 2/451.

(12)    راجع: صحيفة «خيرخواه عالم» (ناصح العالم) الصادرة في «دهلي»، العدد 19/من مايوعام 1876م، نقلاً عن تاريخ صحافت أردو المجلد الثاني، الجزء 1 ص 441- 442؛ «دي آريه سماج (The aaria samaj) باللغة الإنجليزية، لصاحبه: ديوان جند ص 122.

(13)    أصل اسمه «مول شنكر» (Mool shankar) وعرف بـ«سوامي ديانند سرسوتي» (Svami Dayananda sorasvati) (1824م-1883م): أحد القساوسة الهندوس، ولد في بيت الرفاهية والنعيم، وكان أبوه من جباة الضرائب، دعا إلى الإصلاح في الديانة الهندوسية، وشق فيها مذهباً جديداً سماه «آريه سماج» (Arya samaj)، وله مصنفات كثيرة تحمل آراءه ومعتقداته التي دعا الناس إليها. وله مناظرات مع علماء الإسلام. وللاستزادة منه راجع: http://en.wikipedia. org/wiki /Main_ Page.

          و«آريه سماج» «حركة تجديدية هندوكية»، وكان لها زعماء بارزون وعلماء ينطقون بلسانها، وقد كثرت المناظرات بينها وبين خصومها، كما كانت بعثات تبشيرية تتألف من القسس والرهبان، وكان الصراع على أشده بينهم وبين علماء المسلمين.

(14)    هو محمد طاهر موتي ميان بن عبد الله بن مولوي مجد الدين المعروف بـ«مولوي مدن»، الشاه جهان فوري: ناقش الشاه عبد العزيز في كثير من العلوم العقلية. راجع: تاريخ شاه جهان فور للشيخ ميان فصيح الدين نقلاً عن ترجمة مولانا محمد أحسن النانوتوي للقادري ص221، وسوانح قاسمي 2/365.

(15)    راجع: «مولانا محمد أحسن» ص 221.

(16)    راجع: «انتصار الإسلام» له،ص 2- 7 ط: ديوبند عام 1952م .



(*)      الأستاذ بالجامعة   Email: almubarakpuri@gmail.com