مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، جمادى الاولى 1434 هـ = مارس ، أبريل 2013م ، العدد : 5 ، السنة : 37

 

 

الفكرالإسلامي

 

 

صلاح الدين الأيوبي .. قد طال انتظارنا لك .. فأين أنت؟!

 

بقلم:  الشيخ كمال عبد الوهاب/ جمهورية مصر العربية

 

 

 

 

        «التاريخ الإنساني» يحتفظ دائماً ويحظي بذاكرةِ يقظي.. يتذكر بها ويستعيد.. ومن ثم يذكر ويعيد!، فليس صحيحاً أن «التاريخ» يطوي كل أحداثه وأناسه، ويمضي موغلاً في الزمان ناسيًا أو متناسياً، تاركاً وراءه أعلاماً خفاقةً ووقائع هملاً أو غفلاً!.. ليس ذلك صحيحاً؛ بل إن «التاريخ» ليقف شاهدًا على تحولات كبرى وطفرات.. مشيرًا إلى رجالات بعينهم ومشيدًا.. يقف وفي وعيه نوعان بالذات من الرجال:

     - نوعٌ يصنع «التاريخ»! يشكله ويحركه.. يدفع به ويغير من مجراه.. وهؤلاء هم العظماء من: الأنبياء والرسل، (يليهم مكانة) العباقرة المبدعون أو القادة الثوار.

     - ونوعٌ من صنع «التاريخ»! أفرزه ليسجل له ويؤرخ.. يدرس ويحلل.. يتعلم ويعلم.. وأولئك هم: الحكماء، أو المصلحون، أو الباحثون المدققون.

     أما الذين ليسوا من هؤلاء أو أولئك، فإن «التاريخ» يدعهم يرحلون مع الأيام المدبرة بعيدًا إلى عالم الأشباح، أو يُسْلمهم في صمت إلى غياهب النسيان!

     وما نعرض له على هذه الصفحات هو لقائد تاريخي فذ من طراز ذلك النوع الأول.. فارس لامع يحيط به بريق يزداد اتساعاً وتوهجاً كلما خبت جذوة النضال ضد الغزوة الصليبية الحادثة. من هنا، ومن منطلق أحوال متدنية ومحبطة آلت إليها أمتنا العربية والإسلامية، فإن المشاعر قد تختلط بالعبرات وتختنق، مطلقة من الصدور زفرات، ومن الأعماق صرخات تستنجد في ألم ولوعة: وا إسلاماه.. أين أنت الآن يا صلاح الدين.. أين أنت؟!

*  *  *

                                                                        أَتَىٰ عَلَىٰ الكُلِّ أمر لا مَرَدَّ لَهُ

حَتَّىٰ قَضَوْا فَكَأَنَّ الْقَوْمَ مَا كَانُوا

                                                                        ولِلْحَوَادِثِ سُلْوَانٌ يُسَهِّلُهَا

وَمَا لِـمَا حَلَّ بِالْإِسْلاَمِ سُلْوَانُ

                                                                        تَبْكِي الحَنِيفِيَّةُ الْبَيْضَاءُ مِنْ أَسَفٍ

كَمَا بَكَىٰ لِفِرَاقِ الْإِلْفِ هَيْمَانُ

                                                                        عَلَىٰ دِيَارٍ مِنَ الْإِسْلاَمِ خَالِيَةٍ

قَدْ أَقْفَرَتْ وَلَهَا بِالْكُفْرِ عُمْرَانُ

                                                                        كَمْ يَسْتَغِيثُ بِنَا الْـمُسْتَضْعَفُونَ وَهُمْ

قَتْلَىٰ وَاَسْرَىٰ فَمَا يَهْتَزُّ إِنْسانُ؟!(1)

*  *  *

* من هذا القائد الغائب الحاضر؟!

     هو السلطان الكبير، الملك الناصر، صلاح الدين، أبوالمظفر، يوسف بن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، الدُّويني، ثم التِّكريتي المولد(2) ولد سنة 532هـ في شمال العراق وتربى وشب في بلاد الشام أيام السطان نورالدين محمود، وجاء إلى مصر مع عمه شيركوه في حملات حربية أرسلها السلطان، وبعد موت شيركوه اختاره الخليفة الفاطمي من بين جميع الضباط السوريين لكي يصبح خليفة لعمه، ولُقب بلقب الملك الناصر، أي (الملك القوي المعين). وقد نجح صلاح الدين في توحيد مصر والشام وأعالي العراق في دولةٍ واحدةٍ عاصمتها القاهرة، وشرع في القضاء على الصليبيين.

* ومن هم الصليبيون؟

     الصليبيون هم جماعات أوروبية توجهت في حملات عسكرية إلى الشرق الإسلامي، بدأتها في عام 1098م، واستمرت طوال قرنين من الزمان. وقد اتخذوا من الصليب شعارًا لهم، وادعوا كذباً أنهم جاءوا لتخليص بيت المقدس من أيدي المسلمين، ولكن الحقيقة أنه كانت لهم اطماع استعمارية في البلاد الإسلامية.

* حال العالم الإسلامي في ضوء الظروف السياسية التي أحاطت آنذاك بنشأة صلاح الدين

     سرى الضعف والانقسام في العالم الإسلامي، لذلك نجح الصليبيون في إقامة أربع إمارات صليبية في الشام، وهي: - إمارة الرُّها إمارة أنطاكية. مملكة بيت المقدس. إمارة طرابلس.

     وقد قام الصليبيون بأعمال وحشية ضد المسلمين، بل وضد السكان المسيحيين، ونذكر هنا أنه عندما احتل الصليبيون بيت المقدس (مدينة القدس)، اقتحموا المسجد الأقصى وذبحوا جميع من كانوا فيه!

     ومما لاشك فيه أن الحروب الصليبية تسببت في إرهاق المنطقة العربية الإسلامية واستنزاف مواردها الاقتصادية والبشرية. ولذلك كان طبيعياً أن تترك هذه الحركة الاستعمارية الاستيطانية بصماتها السلبية على جوانب كثيرة من حياة هذه المنطقة المنكوبة!

     وعلى الرغم من أن الفشل السياسي في توحيد الجهود العربية إزاء الخطر الصليبي أدى بدوره إلى المزيد من الإخفاقات العسكرية، فإن الرأي العام الإسلامي بدأ يضغط بقوة على الحكام. وحين فشل محور القاهرة/ دمشق في التصدي للعدوان الصليبي نتيجةً لتدهور أحوال الدولة الفاطمية وتشرذم القوى الإسلامية في بلاد الشام، أدركت جماهير المسلمين حينذاك مدى فداحة الخطر الصليبي من جهة، ومدى فشل القيادات الحاكمة وعجزها عن التصدى لهذا الخطر من جهة أخرى!.. من هنا بدأت الدعوة إلى الجهاد تشيع بين الناس، إذ سرعان ما تحولت هذه الدعوة إلى حركة شعبية ضاغطة يقودها المفكرون وأصحاب الرأي.

     في ظل هذا البعث الأيديولوجي ظهر عماد الدين زنكي ليقود حركة المقاومة العربية الإسلامية ضد الصليبيين على محور جديد هو محور الموصل/ حلب، الذي شكل خطرًا دائماً على الوجود الصليبي لأنه قطع الصلة بين إمارة الرّها الصليبية وغيرها من المستوطنات الصليبية في بلاد الشام(3).

     حاول نور الدين محمود أن يواصل سياسة أبيه عماد الدين زنكي في توحيد الجبهة العربية الإسلامية لشن هجوم حاسم على الصليبيين، فركز على إمارة دمشق ونجح في الاستيلاء عليها، وبذلك تم توحيد الجبهة الشمالية، وتهيأ للنظر في أمر الجبهة الجنوبية حيث مصر، التي كانت تحت الحكم الفاطمي، الذي يطلق عليه «الرجل المريض»، وينتظر الجميع وفاته ليقتسموا تركته. وقد يثور سؤال: لماذا مصر بالذات؟! أجيب: لأن مصر بمواردها الهائلة كفيلة بترجيح كفة من يمكنه الاستيلاء عليها أو ضمها إلى جانبه في الصراع الدائر بين المسلمين بقيادة نورالدين والصليبيين. وبالفعل استغل الصليبيون نزاعاً نشب بين وزيرين عربيين متنافسين «شاور» و«ضرغام»، وقاموا بمحاولة غزو مصر خمس مرات خلال ست سنوات.

     ودار قتال على الأرض المصرية بين المسلمين والصليبيين، إلا أن الشعب المصري بالطبع اختار أن يقف مع القوات العربية الإسلامية، مما اضطر الصليبيين إلى الانسحاب، وإن ظل الاستيلاء على مصر أملا يراودهم الحين بعد الآخر.

     وقد أدت هذه الهجمات الصليبية الفاشلة ضد مصر إلى تقلص الموارد المادية والبشرية لمملكة بيت المقدس اللاتينية من جهة، كما أدت إلى تغيير الخريطة السياسية لصالح القوي العربية والإسلامية من جهة أخرى. فقد صار أسد الدين شيركوه قائد نور الدين وزيرا للخليفة الفاطمي في مصر، وبعد موته خلفه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي، وبدأ تاريخ الدولة الأيوبية على أنقاض الخلافة الفاطمية.

* صلاح الدين الأيوبي يتهيأ لدوره التاريخي

     يقول ابن شداد: «ولقد كان حب صلاح الدين للجهاد والشغف به قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاءً عظيماً، بحيث ما كان له حديث إلاّ فيه، ولا نظر إلا في آلته، ولا كان له اهتمام إلا برجاله، ولا ميل إلا إلى من يذكره ويحث عليه، ولقد هجر في محبة الجهاد في سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسكنه وسائر ملاذه..»(4).

     إن صلاح الدين قد نشأ في بلاد الشام التي كانت تعتبر آنذاك الميدان الأول للصراع بين المسلمين والفرنج في الشرق، وقد شب في عصر اشتداد حركة الجهاد، وأتيحت له الفرصة أن يحيا بين أناس لا حديث لهم إلا عن حركة الجهاد التي تزعمها عماد الدين زنكي، ومن بعده نورالدين محمود، واشتد عوده في وقت كان العالم الإسلامي يعاني فيه من الفرقة السياسية والدينية. لقد أدرك بثاقب فكره الرغبة الشعبية في كل من مصر وبلاد الشام في التخلص من الخطر الصليبي الجاثم على صدر الأمة العربية آنذاك.

     يقول الأستاذ الراحل الدكتور زيادة: «الحقيقة أن الصراع ضد الصليبيين على الأرض المصرية كان بمثابة المدرسة التي تلقى فيها صلاح الدين دروسه الأولى عن مجال الصراع وعوامل القوة والضعف فيه»(5).

     ومع مرور الأيام كان رصيده من الخبرة العسكرية والسياسية يزيد على حين يتصاعد إدراكه لحقيقة الخطر الصليبي، وأهمية مصر في صراعه المقبل مع الصليبيين، فقد ورد على لسانه قوله: «لـمّا يسر الله لي الديار المصرية علمت أنه أراد فتح الساحل، فإنه أوقع ذلك في نفسي».

     لقد أدرك الصليبيون قيمة مصر لحسم مصير الكيان اللاتيني تحت سماء الشرق. لقد فرض منطق التاريخ وحقائق الجغرافيا السياسية أن تكون مصر ميداناً رئيسياً في الحروب الصليبية لا هامشاً عرضياً من هوامش ذلك الصراع الطويل.

     إن الجهاد واحد سواء أكان في بلاد الشام أو في مصر، بل ربما كان الجهاد في مصر أحب إلى صلاح الدين.

     كان طبيعيا أن يخلف صلاح الدين الأيوبي عمه أسد الدين شيركوه بعد وفاته فجأةً، خاصةً أنه أثبت مهارةً حربيةً ملحوظةً في معظم الحملات الثلاث التي صحب فيها عمه في حملته على مصر، كما أنه تولى القيادة الفعلية نيابةً عن عمه أكثر من مرة. لقد كانت وزارة صلاح الدين في خدمة الخليفة العاضد بمثابة الفترة الانتقالية لتألق نجمه، فقد أدرك صلاح الدين أن السبيل لدحر العدو الخارجي يبدأ بالقضاء على العدو الداخلي المتمثل في الأنانية السياسية والتفكك والنزاع والمؤامرات والفتن.

*  *  *

     - عمل صلاح الدين على التصدى لهجوم صليبي جديد على مصر، وتعد هذه المحاولة الرابعة نقطة تحول مهمة في تاريخ صلاح الدين نفسه، وفي تاريخ تأسيس الدولة الأيوبية. فمنذ عودة القائد الصليبي «أموري» من حملته الثالثة الفاشلة، أدرك مدى خطورة انتصار المسلمين ونجاح شيركوه في ضم مصر إلى الجبهة النورية، ولذلك أخذ يدعو الغرب لتجريد حملة صليبية جديدة على مصر، إلا أن هذه الدعوة باءت بالفشل. فلم يبق أمام الصليبيين بالشام سوى طرق باب القسطنطينية طالبين مساعدتها، فاستجاب إمبراطور الدولة البيزنطية، حيث قدّم لأموري عرضا بمشاركة أسطول بيزنطة في حملة ضد مصر. في الوقت نفسه تلقى صلاح الدين تحذيرًا بقرب قدوم هذه الحملة المزدوجة إلى مصر، كما علم بمفاوضات سرية بين «أموري» ورجال القصر الفاطمي لترتيب انضمام الحرس الخليفي إلى الجنود الصليبيين عند أول فرصة، إلا أن هذه المؤامرة تم كشفها عن طريق بعض أعوان صلاح الدين، وتم إحباطها. وأرسل صلاح الدين إلى نور الدين محمود يطلب مساعدته وينسق معه العمليات العسكرية(6). ولقد كان الطريق الذي اتخذته الحملة المزدوجة مفاجأة لصلاح الدين، ولكن القوات التي أرسلها نور الدين من الشام، فضلاً عن الهجمات التي شنتها قواته في بلاد الشام على الصليبيين جعلت قوات صلاح الدين تصمد في مواجهة هذا الهجوم.. كان صلاح الدين قد أودع دمياط من الرجال وأبطال الفرسان والميرة وآلات القتال ما أمن معه عليها.. ووعد المقيمين فيها بإمدادهم بالعساكر والآلات وإزعاج العدو، وبالغ في العطايا والهبات.

     لقد فرض الصليبيون والبيزنطيون الحصار على دمياط على مدى خمسين يوماً، وبهت «أموري» لضخامة تحصينات المدينة، وأراد أن يبنى بعض أبراج الحصار المتحركة.. وفي كل يوم كان صلاح الدين يبعث بقوات جديدة إلى المدينة المحاصرة، كما قام بشن الغارات على القوات المعادية من خارج المدينة، في الوقت الذي كانت تقاتلهم عساكره من داخلها. وأمام بسالة المدينة المحاصرة فشلت الحملة المزدوجة.

     ولعل أهم نتائج هذه الحملة الفاشلة تمثلت في تثبيت سلطان صلاح الدين في مصر، وفي ذلك يقول ابن شداد: «واستقرت قواعد السلطان»، كما أنها أقنعت المصريين أن هذا القائد الشاب خير من يصلح لأن يأخذ على عاتقه قيادة البلاد عبر مستنقع الفشل والتدهور الذي غرقت فيه.

     وبدأ صلاح الدين الأيوبي دوره التاريخي بالهجوم على بعض المناطق الصليبية والاستيلاء عليها بشكل أكد من جديد جدارته بمكانة بطل الأمة الإسلامية، من ذلك أن هاجم الفرنج قرب عسقلان سنة 566هـ، وفتح أيلة في ربيع الآخر من نفس السنة وهي على ساحل البحر(7).

     - رأى صلاح الدين أن مصر هي مفتاح النصر، فهي التي يجب أن تقود الصراع لا أن تكون على هامشه، لأن العدو يركز جهوده على مصر لضمها أو تحييدها. ولذا كان صلاح الدين يرى أن من واجبه الأول أن يبنى جيشاً قوياً للدفاع عن مصر في كل الظروف.

     - قام صلاح الدين بعد معارك مضنية بضم الموصل وحلب إلى الجبهة الإسلامية، وتحويل مواردهما في خدمة حركة الجهاد. وبذلك أصبحت الوحدة التي سعى إليها صلاح الدين حقيقةً واقعةً، وتشمل بلاد الجزيرة والموصل وديار بكر وأعالي ما بين النهرين وشهر زور وحلب ودمشق، وأجزاء كبيرة من بلاد الشام إلى جانب مصر، وكان لتلك الوحدة أثرها الإيجابي حيث غذّت صلاح الدين بقوة عسكرية واقتصادية وبشرية هائلة، وأصبح بذلك في وضع يتيح له إنزال ضربة قاصمة بالصليبيين.

     فقد نود الإشارة في عجالة إلى أنه خلال السنوات المزدحمة التي قضاها صلاح الدين في بناء الجبهة العربية الإسلامية، وقع حادث مروّع في خريف سنة 578هـ - 1182م، عندما قام «أرناط» أمير الكرك الصليبي وهو من أغدر الفرنجة وأخبثها بحملة بحرية على شبه الجزيرة العربية هدفها الهجوم على مكة والمدينة، فتصدى له على الفور صلاح الدين، حيث أصدر أوامره السريعة إلى أخيه العادل في مصر، فأعد أسطولاً قوياً في البحر الأحمر أنزل بهم هزيمة نكراء. إن ما قام به «أرناط» من هجوم على الحرمين قد أظهر الصليبيين على حقيقتهم بكشف ما يضمرونه من حقد وكراهية للإسلام والمسلمين، وأنه إلى أي مدى يمكن أن يصل هذا العداء الأسود!

*  *  *

* معركة حطين

     «إن الله عندما أعطاني أرض مصر، فإنني متأكد أنه كان يعني فلسطين أيضا».. هذه مقولة لصلاح الدين قالها عندما أدرك أن الحرب صارت حتمية.. في هجوم للجيوش العربية الإسلامية على طبرية انتصر المسلمون انتصارًا ساحقاً في أول مايو 1187م عند صفورية، كان هذا النصر «باكورة البركات ومقدمة ما بعدها من ميامن الحركات»(8).

     وعند نهاية شهر يونيو كان الصليبيون قد جمعوا نحو 1200 فارس من ذوي التسليح الثقيل وعددا أكبر من الفرسان الخفيفة، فضلاً عن نحو 10 آلاف من الجنود المشاة. وعلى الجانب الآخر استعرض صلاح الدين قواته عند عشتراء التي كانت تتألف من 12 ألفا من الفرسان النظاميين وعدد مماثل من القوات غير النظامية، وعين لكل أمير مكانه في الميمنة والميسرة، وعين في كل كتيبة طليعة من رماة السهام، وخاطب قواده قائلاً: «إذا دخلنا أرض العدو، فهذا هو ترتيب عساكرنا، وهذه هي مواضع قواتنا». وفي 26 من يونيو انطلقت قوات صلاح الدين إلى فلسطين حيث عسكرت قواته على التلال المشرفة على بحيرة طبرية، واستولى الجيش الإسلامي على مدينـة طبرية، ولكن قلعة المدينـة لم تسقط واستنجدت أميرتها بالملك الصليبي «جى لوزينان». وهكذاجاءت الفرصة تسعى لصلاح الدين كي يقضي على الجيوش الصليبية في مواجهة مفتوحة(9).

     وفي صباح الجمعة 3 يوليو، والذي كان يوماً قائظاً ساكن الهواء، تحرك الجيش الصليبي من بساتين صفورية لنجدة الأميرة الصليبية في قلعتها، وفي الطريق تحالف الحر والعطش مع مناوشات الجنود المسلمين على إرهاق الصليبيين، وبعد ظهر اليوم وصلت طلائع الجيش الصليبي إلى الهضبة التي تعلو «حطين» مباشرةً، وعندما رأى الكونت «ريمون الصنجيل» الموقع الذي اختاره الصليبيون صاح بأسى: «يا إلهي لقد انتهت الحرب. إن مصيرنا الهلاك، وسوف تنتهي المملكة».

     أمضى الصليبيون لليلة حالكة، إذ خرجت مجموعة من الجنود يدفعهم اليأس للبحث عن الماء أو الموت على أيدي المسلمين. ولكي يزيد صلاح الدين من متاعب الصليبيين أمر بإضرام النيران في الحشائش الموجودة في المنطقة. وتحت جنح الليل حرّك صلاح الدين جيشه ليحاصر جيش الصليبيين. وعندما لاحت تباشير فجر السبت 4 من يوليو كان الجيش الصليبي محاصرًا تماماً.

     وسرعان ما بدأ الهجوم الإسلامي بعد شروق الشمس، حيث دارت معركة عنيفة في أثناء محاولة اختراق المشاة الصليبيين الحصار للوصول إلى البحيرة من أجل الحصول على الماء، وواصل المسلمون هجــومهــم الحــاسم على الصليبيين، حيث قتل أسقف عكا واستولى المسلمون على الصليب الأعظم. وعندما وصل المسلمون المنتصرون إلى أعلى التل كان الفرسان الصليبيون وملكهم في المنتصف يرقدون متهالكين مستسلمين، وسيق الملك الصليبي وقادة جيشه إلى خيمة السلطان المنتصر صلاح الدين يوسف بن أيوب!

*  *  *

* استرداد القدس 1187م

     في أواخر جمادى الآخرة 583هـ - سبتمبر 1187م اتجه صلاح الدين صوب القدس هدف المسلمين الأكبر في الجهاد ضد الصليبيين، ورمز النصر في هذه المواجهة الطولة المريرة، وفي 20 سبتمبر عسكر الجيش الإسلامي أمام المدينة المقدسة، وبدأت الفيالق الإسلامية تهاجم الحوائط الشمالية والشمالية الغربية للمدينة، ولكن المقاومة العنيفة وحرارة الشمس التي كانت في عيون الجنود المسلمين أضعفت هجومهم، مما دفع صلاح الدين إلى نقل معسكره إلى موقع آخر فوق جبل الزيتون الذي يطل على بيت المقدس.. وبدأ الهجوم الإسلامي.. وحين أدرك الصليبيون عبث المقاومة ذهب قائدهم بنفسه إلى معسكر صلاح الدين يطلب تسليم المدينة ويسأل صلاح الدين عن شروطه(10)!! وكان صلاح الدين كريماً نبيلاً فيما أملى.

     هكذا تحررت المدينة المقدسة من الأسر الصليبي بعد ثمانٍ وثمانين سنة، وأقيمت الخطبة في صلاة الجمعة بالمدينة بعد أن منعها الصليبيون طوال تلك الفترة الطويلة الثقيلة. ثم أمر صلاح الدين بإعادة إعمار ما خرّبه الصليبيون وأفسدوه!

*  *  *

     وبعد.. فقد كنا في سفرة مثيرة إلى ذلك الماضي التليد.. إلى عصر من أمجد عصور أمتنا، وأزهى حقبها.. تنشقنا خلالهاعبق التاريخ، وأريج تلكم الأيام، والتقينا قائدًا عربياً مسلماً مازال حياً في ضمائر كل الأحرار الأبرار، على الرغم من غيابه عن الدنيا في 1193م.. بل ومازال «حضوره قوياً».. يزداد يوماً بعد يوم ويتضاعف:

     - يزداد «حضوره» ويطفى كلما جن الليل، وحلت النكبات، وتوالت التنازلات!

     - ويتضاعف «حضوره» ويقوي كلما استباح الغاصب الأرض والعرض، وأرهب أمة بأسرها، وصب فوق رؤوس شعب بائس الحديد والنار، ليصير كل ابن من أبنائه شهيدًا وشريدًا وفقيدًا!

                                                                                  بَكَىٰ عَلَيْكَ الحُسامُ وَالْقَلَمُ

وَانْفَجَعَ الْعِلْمُ فِيكَ وَالْعَلَمُ

                                                                                  وَضَجَّتِ الْأَرْضُ، فَالْعِبَادُ بِهَا

لاَطِمَـــةٌ وَالْبِـلاَدُ تَلْتَطِــمُ

                                                                                 تُظْهِــرُ أَحْــزَانَهَا عَلَىٰ مَلِكٍ

جُلٌّ(11) مُلوكِ الْوَرَىٰ لَهُ خَدَمُ

                                                                                 مَا فَقْدُ فَرْدٍ مِنَ الْأَيَّامِ كَمَنْ

إنْ مَاتَ مَاتَتْ لِفَقْــــدِهِ أُمَـمُ

                                                                                 مَضَى الَّذِي كَانَ لِلْأَنَامِ أَباً

فَالْيَوْمَ كُلُّ الْأَنَامِ قَدْ يَتِمُوا(12)

*  *  *

الهوامش:

الشاعر أبو البقاء صالح بن شريف الرندي (ت798هـ).

سير أعلام النبلاء – تصنيف الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي- ج21.

تعد إمارة الرّها أول كيان صليبي نجحت الحملة الصليبية الأولى في زرعه تحت سماء الشرق الإسلامي، وكان سقوطها صدمة مؤلمة ونذير شؤم للصليبيين وللغرب الأوروبي.

ابن شداد: النوادر السلطانية، ص 21-27؛ سعيد عاشور: الأيوبيون والمماليك في مصر والشام، ص58.

د. قاسم عبده قاسم، د. علي السيد علي: الأيوبيون والمماليك (التاريخ السياسي والعسكري)، 1996م، الطبعة الثانية، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية.

أبوشامة: الروضتين، ج1، ص179، 180.

ابن الوردي: نفس المصدر، ج2، ص78.

(بالإنجليزية) صلاح الدين وسقوط مملكة القدس، تأليف ستنلي لين بوول، طبعة نيويورك 1898م.

ابن واصل: نفسه، ج2، ص 187، 188.

ابن شداد: النوادر السلطانية، ص 129.

جُلُّ: معظم.

الشاعر صفي الدين الحلى (ت 740هـ).