مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، جمادى الثانية – رجب 1434 هـ = أبريل - يونيو 2013م ، العدد : 6-7 ، السنة : 37

 

 

دراسات إسلامية

 

 

سنة الله في الاستخلاف

 

بقلم:  د/ رشيد كهوس (*)

 

 

 

     عن سيدنا النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه: كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ بَشِيرٌ رَجُلًا يَكُفُّ حَدِيثَهُ، فَجَاءَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ فَقَالَ: يَا بَشِيرُ بْنَ سَعْدٍ أَتَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي الْأُمَرَاءِ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا أَحْفَظُ خُطْبَتَهُ، فَجَلَسَ أَبُو ثَعْلَبَةَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ الله أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلىٰ مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ الله أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ الله أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ الله أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ الله أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ»(1).

     إنه وعد موعود غير مخلوف، ومن سنة الله ورسوله أن تنشأ كل ناشئة على التدرج، وفي ميدان التدافع بين الناس، وعلى مرأى ومسمع من العالم، وبآليات أنفسية وآفاقية تبدو مشتركة حكمها على المجتمعات غلاب(2).

     قال الحق جل وعلا: ﴿وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(3).

     هذا وقد وردت كلمة استخلف(4) في القرآن الكريم بصيغة فعلية تتضمن حرفي السين والتاء. وصيغة استفعل تدل على الطلب كما هو معروف عند النحاة. ففعل استخلف في قوله تعالى: «وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ» أي طلب الله  منكم أيها المؤمنون المجاهدون أن تكونوا خلفاء في الأرض.

     كلمة «(الاستخلاف) في الأرض تحدد وظيفة الإنسان المؤمن بالله الكامل الإيمان الراقي في ذرى العبودية لله، كما تحدد مرتبة الأمة المكونة من المؤمنين، العابدة لرب العالمين عبادة جماعية بتحزبها لله، وحملها رسالة الله، وحفظها لأمانة رسول الله»(5).

شروط الاستخلاف:

     إن لتحقيق سنة الله في الاستخلاف عدة شروط:

أولا: الإيمان القلبي:

     1-  التعلق بالسماء.

     2-  ارتفاع الهمم لطلب المعالي.

     3-  تعظيم أمر الله تعالى في القلوب.

     4-  تقديم محبة الله  وحب لقائه على حب الدنيا وزخرفها.

     5-  تقديم حظ الآخرة على حظ الدنيا.

     6-  التجرد من عوائق الارتقاء في مدارج اقتحام العقبة الإيمانية الإحسانية إلى الله.

     هذه الأمور تتعلق بالإيمان القلبي.

ثانيا: العمل الصالح العقلي الجوارحي التنظيمي السياسي

     1-  إعداد القوة للإجابة عن التحديات الجاهلية إجابة مسلمة مؤمنة محسنة شاملة في كل الميادين، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدبلوماسية، والتكنولوجيا. بالأخذ بأسباب الأرض.

     2-  دعوة أهل الأرض إلى الله تعالى والدار الآخرة.

     فبعد نصر الله لعباده المؤمنين، لابد أن يأخذوا بأسباب تمكين دين الله في الأرض تأسيا بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسنة الله لا تحابي أحدا، «فما المؤمنون موعودون بالاستخلاف، وهو طلب، إلا بشرط أن يقرنوا الإيمان القلبي بالعمل الصالح العقلي الجوارحي التنظيمي السياسي... وما المؤمنون موعودون بالنصر في وعد الآخرة  إلا إذا كانوا «عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ». فالعبودية معنى قلبي روحاني والبأس الشديد له وسائل اتخاذه الأسبابية الأرضية الكونية. ثم إن الله تعالى لا يريد منا إن استخلفنا في الأرض أن يمتعنا بزهرة الدنيا للدنيا، لكنه يريد أن يصطنعنا لنمكن لدينه. يريد أن نتمكن في الأرض لنعمل للآخرة في حق أنفسنا فرادى وفي حق كل جن وإنسان نُبلغه رسالة الله ليعبد الله ويعرف الله»(6).

     إذاً فبالعُدَّة الروحية والأخوة الإسلامية تستطيع الأمة أن تنهض من جديد، وتشق طريقها إلى تحقيق الاستخلاف في الأرض كما وعد رب العز جل وعلا.

     هذا، إضافة إلى ترويض التكنولوجيا والعلوم الأخرى، وبهذا يكون المؤمنون رحمة في الأرض، يحمونها من بطش الجاهلية وطيشها، ويكونوا إكسيرا وبلسما شافيا للإنسانية من سم الجاهلية الجاري في جسم الأمة مجرى الدم.

     وإذا تحلى المؤمنون بالأخلاق الحسنة والخصال الحميدة مع الإيمان والتقوى قادرون بإذن الله تعالى أن يقروا في المجتمع الإنساني عمرانا أخويا وحياتيا عادلا، وحكما شوريا مُبرَّءا من عيوب المكر ومن القهر والاستبداد والظلم.

     فمن محراب الجهاد إذن، تنطلق رواحل  المجاهدين والشهداء وقوافلهم، وبالجهاد تردّ عاديات الطغيان فيكون  الدين كلّه لله، جهاد بالمال والنفس وجهاد التعليم والبناء والتعبئة، وجهاد الكلمة والحجة، والجهاد السياسي، وجهاد الاقتصاد، وجهاد التوحد، وجهاد لحماية دعوة الإسلام، وجهاد القلم... ويبقى دين سيدنا رسول صلى الله عليه وسلم مصدقًا لما بين يديه من الحق ومهيمنًا عليه، ولقد كان انهزام جيوش الكفر والشرك والنفاق أمام جند الله في عهد النبوة دليل على أن قوافل المجاهدين  الصادقين منصورة  بإذن الله، ولهو أكبر  دليل على أن أيّ قوة لعدو المسلمين مهما عظمت فلا تقف في طريقهم ما داموا سائرين على المنهاج النبوي وما داموا متمسكين بالمحجة اللاحبة ليلها كنهارها.

     فالله تعالى وتقدس أنجز وعده لمن اتبعوا رسله -عليهم السلام-، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وبذلوا جهودهم ومساعيهم في سبيل الله، ووفوا ببيعتهم، وجعلهم أئمة في الأرض، وجعلهم الوارثين، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس. أوفى لهم وعده بما شرطه عليهم من شروط وعقود.

     أما الانتظار البليد لأمر الله؛ انتظار المتواكلين الذين يبررون قعودهم وجبنهم وجهلهم بعقيدة جبرية. وانتظار من يشرك الأسباب مع الله، أو يعزل الله عن كل قدرة، فيسلك المسلك القدري لا ينتظر خيرا إلا من جهوده وحذقه وتدبيره. هؤلاء وأولئك يكلهم الله إلى عقيدتهم السوء، فهم مع كافة البشر تقلبهم الأقدار الإلهية جزاء وِفاقا وقدرا مقدورا.

     أما أمر الله ونصرته فتخص أهل العدل والاعتدال، عقيدة وسلوكا، يتخذون الأسباب وينتظرون وعد الله بانتصار الإسلام وانتشار نوره في العالمين ولا يستعجلون. كل ذلك في محاذاة تامة لكلمات الله عز وجل وتلمذة ذكية لسنة خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام.

     ولن تقوم للأمة قائمة حتى تسير على المنهاج النبوي الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، فتبلغ رسالة الإسلام إلى العالمين، وتتمسك بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

     وإن الأيام سجال، يتنازع فيها الحق والباطل، وترتفع الحضارات وتسقط. ومقياس الارتفاع والسقوط مقياس موضوعي واحد في كل زمان ومكان، وهو مدى الالتزام بمنهاج الله من أجل تحقيق الهدف النهائي من خلق الإنسان وهو عبادة الله، التي تنطوي من بين أمور أخرى على إصلاح الأرض وعمارتها، بإرساء قواعد المجتمع على أساس من تقوى الله، وعلى دعائم الحق والعدل والتكافل والإيثار»(7).

     ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ(8).

*  *  *

هوامش:

 (1)     المسند، الإمام أحمد، في مسند النعمان بن بشير ، ح 18430. حديث صحيح كما في السلسة الصحيحة للشيخ الألباني، ج5.

(2)      سنة الله، عبد السلام ياسين، ص305.

 (3)     سورة النور: الآية 55.

 (4)     وقد وردت كلمة أخرى على صيغة «استفعل» وهي كلمة «استعمر» كما في قوله جل شأنه حكاية لخطاب نبيه صالح – عليه السلام- قومه: «اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا» (سورة هود: من الآية61)، يدل فعل استعمر هنا على طلب الله تعالى وتقدس من عباده المؤمنين أن يعمروا الأرض ويصلحوا فيها ويبتغوا فيها من فضل الله ورحمته.

 (5)     سنة الله، ص171.

 (6)     سنة الله، ص174.

 (7)     المدخل لدراسة التاريخ الاقتصادي والحضاري، د.غانم، ص28.

 (8)     سورة الروم، الآية: 60.

*  *  *

 



(*)       أستاذ بكلية أصول الدين، جامعة القرويين، المغرب.