مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، جمادى الثانية – رجب 1434 هـ = أبريل - يونيو 2013م ، العدد : 6-7 ، السنة : 37

 

 

دراسات إسلامية

 

 

·       أشهر الدعاة في العصر الحديث السيد محمد بن علي السنوسي وخلفاؤه والدعوة السنوسية

·       كيف ينبغي أن يؤدي الدعاة رسالتهم متجاوزين التحديات

 

 

 

 

أشهر الدعاة في العصر الحديث

السيد محمد بن علي السنوسي وخلفاؤه والدعوة السنوسية

 

بقلم: أ. د. محمد إبراهيم الجيوشي

 

 

 

     السيد محمد بن علي السنوسي مؤسس الدعوة السنوسية، ولد في قرية واسطة بالقرب من مستغانم بالجزائر عام 1202هـ - 1800م في بيت عريق في المجد الإسلامي يتصل نسبه بالحسن بن علي رضي الله عنهما ويعرف رحمه الله بالسنوسي الكبير.

     عرف منذ صغره بحبه للعلم، وأخذ نفسه بطريق الأتقياء الصالحين في سلوكه وأخلاقه وتعامله مع الآخرين.

     وفي أيامه الأولى تلمذ على عدد من شيوخ بلدته، ثم تطلعت نفسه إلى اكتساب المزيد من العلم فرحل إلى فاس بالمغرب حيث تلقى العلم على شيوخ القرويين لمدة سبع سنوات اتجه فيها إلى التصوف ودراسة قيمه، ومناهج شيوخه ورجاله وفي خلال إقامة الشيخ في فاس اكتسب شهرة واسعة، ونال ثقة طلابه بما رأوه من غزارة علمه وإخلاصه وتقواه.

     وبعد أن تم له ما أراد في القرويين اتجه إلى جنوب الجزائر مدرساً وداعياً وناشرًا للعلم ضارباً المثلَ بالاستقامة والقدوة والصلاح والتفاني في إصلاح الناس. ولم يطب له المقام بالجزائر، ووجد أنه لن يستطيع تحقيق ما بدأ يعتمل في نفسه من إيقاظ المسلمين، ودعوة العالم الإسلامي إلى الوحدة، والوقوف صفاً واحدًا، أمام الزحف الاستعماري والأطماع الغربية في بلاد المسلمين، فاتجه إلى طرابلس داعياً ومدرساً وموقظاً للمسلمين، ثم بدا له أن يزداد معرفة بالعالم الإسلامي، فرحل إلى مصر، واتجه إلى الأزهر معلماً ومتعلماً، ثم شد الرحال إلى بيت الله الحرام حاجّاً، واستقر بمكة مدة من الزمن، واختلط بعلماء دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلقى عنهم، فازداد علماً، ووقف على قضايا العالم الإسلامي بصورة أوضح من خلال لقائه بوفود الحجيج في مواسم الحج وحدث أن نشب خلاف بين الشيخ أحمد بن إدريس أحد أساتذة الشيخ السنوسي بمكة وبعض علماء المالكية رحل الشيخ ابن إدريس على أثر هذا الخلاف إلى اليمن فصحبه الشيخ السنوسي، وظل باليمن حتى تُوفي الشيخ أحمد بن إدريس فعاد السنوسي إلى الحجاز وكان قد استقر في ذهنه الخطة التي سيعمل من خلالها لتنفيذ منهجه الدعوي، والعمل على إيقاظ العالم الإسلامي، من خلال الزوايا التي أخذ في إنشائها، وعمل على أن تكون مراكز علم وعمل وإعداد للأجيال وتربية لشباب المسلمين على الجهاد إلى جانب اكتساب السلوك الإسلامي الصحيح والأخذ بأخلاق الإسلام في كل مناهج الحياة، وتدريب المنضمين إلى هذه الزوايا على العمل في الزراعة والصناعة وإصلاح الأرض وتحويل الصحارى إلى مزارع وواحات وكان ذلك في عام 1252هـ، ويمكن اعتبار هذا التاريخ البداية العملية لنشأة الدعوة السنوسية، وظل بالحجاز بعد ذلك ثلاث سنوات أنشأ فيها عددًا آخر من الزوايا. ويلاحظ هنا أن الشيخ السنوسي طور فكرة الزوايا التي كان يتخذ منها الصوفية أماكن للإقامة والطعام والشراب والانقطاع عن النشاط الإنساني العام ما عدا التفرغ للعبادة فقد طورها وجعلها مراكز للإعداد والتوجيه والتربية والتعليم والتدريب على الجهاد واستفادة الخبرات الصناعية والزراعية.

     ثم غادر الحجاز؛ ولكنه لم يتمكن من الذهاب إلى الجزائر لاحتلال الفرنسيين لها قبل هذا التاريخ بوقت قصير، فولى وجهه شطر فاس، وأخذ يمارس الدعوة إلى منهجه الجديد، ولكن الحكومة هناك آنذاك نظرت إلى نشاطه بقلق فضيقت عليه الخناق، فتوجه إلى طرابلس الغرب، وهناك أخذ في تنفيذ خطته فأنشأ الزاوية البيضاء في الجبل الأخضر عام 1259هـ وكانت تسمى أم الزوايا، ومن خلال إقامته في طرابلس أخذ في الإسهام في ثورات الجزائر ضد الفرنسيين، وتابع السيد السنوسي نشاطه في أنحاء البلاد الليبية برقة وطرابلس، وأنشأ عددًا من الزوايا واتسعت الدعوة وصار لها أتباع في كل قرية وقبيلة وانتقل الشيخ السنوسي إلى واحة جغبوب، ويعلل الأمير شكيب أرسلان سبب انتقاله إلى جغبوب، فيقول كان السيد محمد رجلاً شديد الهيبة، بعيد الهمة، عظيم الاقتدار على التنظيم والإصلاح، فقصده الناس أفواجاً من كل صقع من الأصقاع الأفريقية الشمالية، بيد أنه لم يمض غير اليسير من الزمن، حتى باتت الحكومة التركية في طرابلس تخشى أمره، وتقوم وتقعد لشأنه، فساءت العلاقات والشؤون بينه وبينها، فنقل مقامه إلى واحة «جغبوب» الواقعة للجنوب من صحراء ليبية، وجعل مقره هناك، ولما توفى سنة 1859م كانت الطريقة التي أنشأها قد انتشرت انتشارًا عامًّا في معظم الرقعة الأفريقية الشمالية وتاريخ وفاة الشيخ بالهجري 1276هـ.

     السيد المهدي الخليفة الأول:  لما تُوفى السيد محمد السنوسي كان ابنه لايزال صغيرًا، فأقيم مجلس وصاية من عشرة شيوخ للعناية بأمر الدعوة حتى يبلغ السنوسي المهدي، ويروي الأمير شكيب أرسلان قصة ذات مغزى عن سبب تولي السيد المهدي قيادة الدعوة بعد أبيه على الرغم من أنه لم يكن أكبر أبنائه وخلاصة هذه القصة أن السنوسي الكبير كان له ولدان هما الشريف والمهدي أصغرهما، وأراد أبوهما أن يختبرهما ويتعرف مدى استعداد كل منهما وكانا لايزالان صغيرين فدعاهما أمام جمع من أهل الزاوية وأمرهما بأن يتسلقا نخلةً باسقةً فلما بلغا قمتَها استحلفهما بالله ورسوله الكريم أن يهويا في الحال بنفسيهما إلى الأرض، فهوى المهدي بنفسه وأدرك الأرض سالماً ولبث الآخر في قمة النخلة، فقال السيد لمن حوله «الخلافة من بعدي إنما هي لولدي هذا المهدي الذي لم يتردد في تسليم نفسه لمشيئة الله عز وجل».

     والسيد المهدي ولد في الزاوية البيضاء، ولماتسلم قيادة الدعوة قام بها على خير وجه وسار على طريقة أبيه وبلغت الدعوة في عهده أقصى ازدهارها، وقد رأى السيد المهدي أن ينقل مركز الدعوة إلى واحة الكفرة جنوب الجغبوب؛ لأنها كانت ملتقى القوافل من جميع أنحاء أفريقيا الوسطى والشمالية(1).

     وكانت القوافل والتجار الذين يلتقون بواحة الكفرة سببا في نشر الإسلام في جهات أفريقيا النائية، وأرسل السيد المهدي دعاته إلى أنحاء أفريقيا، حتى استشعر الأوروبيون مدى خطر الدعوة السنوسية أيام السيد المهدي على نفوذهم في أفريقيا، فشكوا إلى السلطان عبد الحميد، وأخذ الأوروبيون يضغطون على السلطان ليستدعي المهدي إلى الآستانة، ويأمره بالإقامة فيها، ولا يسمح له بالعودة إلى وطنه، وكان السلطان يماطلهم، وينتحل المعاذير، واهتم السيد المهدي بعمران الكفرةحتى صارت جنة وارفة الظلال في أعماق الصحراء، وكان من أسباب انتقاله إلى الكفرة إلى جانب ما سبق أن سقناه أنه أراد أن يوغل في الصحراء ويكون بعيدًا عن نفوذ الدول الاستعمارية، وكان بجهوده ودعاته المزاحم الأكبر لجمعيات المبشرين الأوروبيين المنتشرين في أفريقيا، وعلى يدي السيد المهدي وبسبب دعايته النشطة ودعاته الذين أرسلهم إلى أعماق القارة الأفريقية اعتنق الإسلام الملايين من الزنوج من سكان بلاد النيجر والكونغو والكاميرون وديار بحيرة تشاد، ولهذا ضجت جمعيات المبشرين وأخذت تشكو حزنها وتبث أساها من نجاح الإسلام في أواسط أفريقيا وعن مسلك السيد المهدي يقول الأمير شكيب أرسلان: «فقد كان السيد المهدي يهدي هديَ الصحابة والتابعين»، لا يقتنع بالعبادة دون العمل، ويعلم أن أحكام القرآن محتاجة إلى السلطان، فكان يحث إخوانه ومريديه دائما على الفروسية والرماية، ويبث فيهم روح الأنفة والنشاط، ويحملهم على الطراد والجلاد ويعظم في أعينهم فضيلة الجهاد، وقد أثمر غراس وعظه في مواقع كثيرة لاسيما في الحرب الطرابلسية التي أثبت بها السنوسية أنهم قوة مادية تضارع قوة الدول الكبرى وتصارع أعظمها جبروتاً وكبرًا، وليست الحرب الطرابلسية وحدها هي التي كانت مظهر بطش السنوسيين، بل سبقت لهم حروب مع الفرنسيين في مملكة كام ومملكة واداي من السودان استمرت من سنة 1319 إلى 1332هـ(2) يعني أربعة عشر عاماً.

     وكان السيد المهدي عنده خمسون بندقية خاصة به، كان يتعهدها بالمسح والتنظيف بيده، يفعل ذلك متعمدًا ليقتدى به أتباعه ويهتموا بأمر الجهاد.

     وكان يخصص يوم الخميس من كل أسبوع للأعمال اليدوية فيترك الطلاب الدراسة، ويشتغلون بأنواع المهن من بناء ونجارة وحدادة ونساجة وصحافة، وكان السيد المهدي يشاركهم ليبعث فيهم النشاط والمنافسة.

     وكان يوم الجمعة مخصصاً للتمرينات الحربية، من طراد ورماية، وكان طلبة العلم نتيجة لذلك فرسانا ورماة لكثرة ما يأخذهم به من المران.

     ولم يكن أمر الزراعة بأقل شأناً مما سبق، فكان السيد المهدي وأبوه من قبله يعملان على تحويل الصحراء إلى جنات، فكانت الزوايا تحيط بها البساتين وتزرع فيها أصناف الأشجار المستقدمة من أقصى البلاد، إلى جانب الاهتمام بتأمين المياه للشرب والزراعة فكانوا يحفرون الآبار ويتعارفون على أماكن العيون في جوف الصحراء يقيمون من حولها زواياها حتى إن الأمير شكيب أرسلان قال إنه قام مع غيره برحلة من الإسكندرية إلى بنى غازي في الصحراء في طريق يعرف بالطريق السطاني، فكانوا يجدون زاوية من حولها البساتين والآبار كل ثلاث ساعات أو أقل عدا الزوايا المنبثة في أماكن أخرى بعيدا عن الطريق.

     وقد بلغ عدد الزوايا في أيام السيد المهدي 146 زاوية وكان السيد المهدي يشجع الشباب على الجد والعمل فكانوا يسألونه أن يعلمهم الكيمياء، فيقول لهم، الكيمياء تحت سكة المحراث، وأحيانًا يقول، الكيمياء هي كد اليمين وعرق الجبين، وكان يدعو إلى الحياة العملية، ويقول «يكفيكم من الدين حسن النية والقيام بالفرائض الشرعية، وليس غيركم بأفضل منكم، وظل هكذا داعياً عاملاً موجهاً قدوة في العلم والعمل والسلوك الأخلاقي حتى لقي ربه راضياً مرضيًّا عام 1902م(3).

الدوافع التي دعت السنوسي الكبير إلى القيام بدعوته

     أثر عن السنوسي الكبير رحمه الله كلام سجل فيه الأسباب التي دفعته إلى القيام بدعوته والعمل على نشرها فقال:

     أفكر في العالم الإسلامي، فعلى الرغم من سلاطينه وأمرائه ورؤسائه وعلمائه، فهم لا يزيدون عن أن يكونوا كقطيع من الغنم لا راعي له، في كل محال من محلات الإسلام تجد المسلمين وعلماء الدين، ولكنك لا تجد في العالم الإسلامي مرشدًا حقيقيًّا تكون غايته سوق الجميع إلى هدف واحد؛ ولكن الخلاف والتفرق قد سادا جميع النواحي؛ لأن العلماء والمشايخ ليست لهم غيرة دينية حتى ينشروا العلوم والمعارف، انظروا أحوال أهل السودان والصحراء تجدوا أمواجاً من الشعوب يعبدون الأوثان، ويوجد في كل مسجد من مساجد المعمورة جماعة من العلماء غير العاملين، ولا هم لهم غير راحة أجسادهم، حريصين على لذاتهم، غير قائمين بواجباتهم، لا ضمائرهم تؤنبهم على إهمالهم إرشاد هؤلاء المساكين، وقد اتصل بنا خبر أحوال العالم الإسلامي من القوافل التي ترد إلى بلادنا، وإننا مغلوبون في كل محل وأن المقاطعات والخطط المعمورة تذهب من أيدي المسلمين في كل وقت وبسرعة البرق، فالإسلام في حالة من التدهور المخيف وقد فكرت فيه.

     من هذا النص نتعرف أن الدوافع التي دعت السنوسي ليقوم بدعوته هي:

     1 الفرقة وعدم الاتحاد بين قادة المسلمين وعلمائهم.

     2 عدم وجود دعاة حريصين على تبصير الناس بدينهم.

     3 انعدام الغيرة الدينية عند العلماء والشيوخ.

     4 الانصراف إلى خدمة الذات وعدم الاهتمام بالمسلمين.

     5 تغلب أعداء المسلمين على بلادهم وانتزاعها منهم.

     انطلاقاً من الإحساس بواقع المسلمين السيئ الذي شخصه السنوسي في كلماته السابقة فإنه أخذ يضع الأسس لدعوته التي يحاول أن يجمع الناس من حولها ليسترد المسلمون حقوقهم، وتعود إليهم مكانتهم، وقد وضع أسسا أربعة لدعوته.

     1 العودة بالإسلام إلى منابعه الأولى.

     2 فتح باب الاجتهاد.

     3 نشر الإسلام في البلاد التي لم ينتشر بها.

     4 مقاومة النفوذ الأجنبي والتصدي له حتى لا تقع بلاد المسلمين ومقدراتهم لقمة سائغة في أيديهم.

السيد أحمد الشريف السنوسي

     هو خاتم المجاهدين من هذه الدوحة المباركة دوحة السنوسية الذين قاموا على خدمة الإسلام والمسلمين وقد آلت إليه قيادة الحركة السنوسية بعد وفاة عمه المهدي عام 1902م، فنهض الرجل بعبء الدعوة وإعداد الرجال على خير وجه، وكافح القوى الاستعمارية من فرنسيين وإيطاليين وإنجليز وكانت له مواقف مشهودة تحتاج إلى مجلد ضخم لتسجل مواقف ذلك الرجل العظيم وجهاده، وقد كتب عنه الأمير شكيب أرسلان فقال: هو خاتمة مجاهدي الإسلام إلى هذا الوقت.. ولولا السيد أحمد الشريف رحمه الله لكانت إيطاليا استصفت قطر طرابلس وبرقة من الشهر الأول من غارتها الغادرة عليهما، وإننا لانزال نتذكر كلام القواد ورجال السياسة الأوروبية عن الحملة الإيطالية يوم جردتها على ذينك القطرين إذ قال بعضهم: إن إيطاليا ستقبض على ناصية الأمر وتستكمل هذاالفتح، في مدة خمسة عشر يوماً، وقال أشدهم تشاؤماً وأقلهم تخيلاً وأبصرهم بأمور الشرق، وهو اللورد كتشتز المشهور إن هذاالفتح الذي يستسهله الناس على إيطاليا أمامه من الصعوبات أكثر مما يظنون وقد يستغرق ثلاثة أشهر بالأقل فليتأمل أولوا الألباب كيف أن هذه الأشهر الثلاثة امتدت عشرين عاماً ورزأت الدولة الإيطالية بمائة وخمسين ألف عسكري قتلى عدا الجرحى، وبثلاثمائة مليون جنيه من الذهب الوضاح.

     وقد واجه السيد أحمد الشريف السنوسي هذه القوة الغادرة وحاول الاستعماريون استمالته وخطب وده ولكنه اعتصم بإسلامه ودينه الذي نذر حياته من أجله، وظل يحارب حتى كاد يقع في الأسر، وبعدها ذهب إلى «تركيا» في غواصة ركبها من شواطئ البحر الأبيض وظل في «تركيا»، وعرضت عليه الخلافة فأبى ولما تحولت «تركيا» إلى العلمانية كادوا له وطلبوا خروجه منها، فاتجه إلى «سوريا»ثم إلى الحجاز وظل هناك حتى لقي ربه عام 1933م فرحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا بما قدم من قدوة حسنة ومثال فذ لشباب المسلمين كي يحذوا حذوه ويعيدوا لأمتهم مجدها.

*  *  *

الهوامش:

راجع حاضر العالم الإسلامي ج1، ص295، 296، الطبعة الثالثة.

راجع حاضر العالم الإسلامي، ج1، ص162.

راجع حاضر العالم الإسلامي، ج6، ص146.

 

 

 

 

 

 

كيف ينبغي أن يؤدي الدعاة رسالتهم متجاوزين التحديات

 

بقلم: أ. د. أحمد عمر هاشم

 

 

 

     إن أمتنا الإسلامية بوأها الله تعالى مكانة علية فجعلها ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ولم يمنحها القدر هذه المكانة محاباةً وإنما منحها هذه الخيرية؛ لأنها الأمة التي كلفت بأكثر مما كلفت به الأممُ السابقة. فالأمم السابقة كان يرسل إليها رسول من الرسل يدعوها إلى شيء واحد هو الإيمان والطاعة أما هذه الأمة فإلى جانب ما كلفت به من الإيمان والطاعة فهي مكلفة بأن تقوم برسالة رسولها بعد أن يلحق بالرفيق الأعلى فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتدعو إلى الإيمان بالله وهذا هو مناط خيريتها على الأمم السابقة حيث قال رب العزة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُوْنَ بِالْـمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ آل عمران: آية 110.

     لذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن علماءها هم ورثة الرسل «العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر». وكان ذلك كذلك؛ لأن هذه الأمة هي خاتمة الأمم السابقة ولأن رسالتها السماوية التي أنزلت على خير البرية هي خاتمة رسالات السماء ولأن القرآن الكريم هو آخر الكتب المنزلة وكلمة السماء الأخيرة لأهل الأرض ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين فلا رسول بعده ولا نبي بعده ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ الأحزاب: آية40.

     وقد قال صلى الله عليه وسلم مخبرًا عن مكانته من إخوانه السابقين من الأنبياء والمرسلمين «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأجمله وأحسنه إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه. فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين»، وجعل الله تعالى ذكره شائعاً بين كل الأمم وبين جميع الرسل فمنذ الأزل ومنذ القدم وآدم بين الجسد والروح كانت بعثة هذا النبي صلى الله عليه وسلم معروفة ولذلك يقول: «كنت نبيًا وآدم بين الجسد والروح»، «كنت نبيًا وآدم منجدل في طينته» حتى يشيع نبؤه وخبره بين الرسل والأنبياء وبأن الله سيختم به الأنبياء والمرسلين، ومن أجل ذلك بعثه رب العزة سبحانه وتعالى بأكمل الأوصاف وبمكارم الأخلاق وجعله متممًا لمكارم الأخلاق وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ القلم: آية4، ومن أجل ذلك أيضاً كمله رب العزة وجمله وجعله خير المرسلين وخاتم النبيين ووصفه بمكارم الأخلاق وجعل اصطفاءه معروفاً منذ الأزل فهو مصطفى عند الله ليختم به رسالة الرسل منذ الأزل ورحم الله القائل:

     يَا مُصْطَفَىٰ مِن قبلِ نشأةِ آدمِ

                      والكونُ لَـمْ يُفْتَحْ لَهُ إِغْلاَقُ

     أَيَرُومُ مخلوقٌ ثناءَك بَعْدَ مَـا

                      أَثْنَىٰ عَلَىٰ أَخْلاَقِكَ الْخَلاَّقُ

     ولهذه المكانة العظيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم رفع الله ذكره في الأولين وفي الآخرين وقال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ الشرح: آية4، ويروي ابنُ جرير بالسند عن أبي سعيد يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل فقال أتدري يا محمد أتدري يا محمد كيف رفع الله ذكرك؟ قلت: الله أعلم. قال جبريل: يقول رب العزة: لا أذكر إلا ذكرت معى».

     فحيث يذكــر رب العزة يذكر حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم. ففي الشهــادة التي يدخل الإنسان بها الإســلام لا يكفي أن يشهد بالتوحيد لله بل لابد أن يشهد بالرسالة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي التشهد في الصلاة لا يكفي أن تقول أشهد أن لا إله إلا الله بل لابد وأن تقول: وأشهد أن سيدنا محمدا رسول الله.

     ومن فوق مآذن الإسلام في كل صلاة في مرات في كل يوم يقـولها المؤذنون في كل الأرض والله تعالى جعل الآذان في كل لحظة وجعل التوقيت مختلفاً بينما يكون الظهر الآن يكون العصر في بلد آخر والمغرب في بلد آخر والعشاء في بلد غيره، بحيث يظل الآذان وكلمة التوحيد تتـردد ويشدو بها الكون في كل لحظة ليل نهار ومن أجل ذلك يقرن الله تعالى اسم حبيبه في كل أذان.

     أَغَـــرَّ عَلَيْـــهِ لِلنُّبـــوَّةِ خَـاتَمٌ

                مِنَ اللهِ مَيْمُــونٌ يَلُوْحُ وَيَشْهَــدُ

     وَضَمَّ الْإِلٰهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ

                إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْـمُؤذِّنُ أَشْهَدُ

     وَشَقَّ لَهُ مِن اسْمِـــهِ مَا يُجِلُّـــهُ

                فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهٰذَا مُحَمَّـدُ

     هذه المكانة العظيمة لهذا الرسول العظيم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وهذه المكانة العظمى لهذه الأمة الإسلامية توّجها الله تعالى بفضل هذا النبي صلى الله عليه وسلم فجعلها خيرَ أمة أخرجت للناس وحفظها الله مما كان يأخذ به الأمم السابقة من عذاب الاستئصال حين كان يعجل لهم العقوبة في الدنيا قبل الآخرة فكانت الأمة من الأمم السابقة إذا عتت عن أمر ربها أو تنكرت لمنهاج السماء أخذتها صيحة أو أنزل عليها حاصبًا أو جعل عاليها سافلها أو أمطرها بحجارة أو أغرقها إلى آخر ما كان يحدث للأمم السابقة. وهذه الأمة نجاها الله من عذاب الاستئصال بفضل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيْهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْفَغْفِرُونَ الأنفال: آية33، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم «إن الله أعطى هذه الأمة أمانين من العذاب ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيْهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْفَغْفِرُونَ﴾»، ثم يقول: فإذا مضيت اي إذا لحق بالرفيق الأعلى وانتقل إلى جوار ربه - «فإذا مضيت تركت فيكم الاستغفار» فجعل الله الاستغفار وجعل من قبل وجود خير البرية صلى الله عليه وسلم نجاة لهذه الأمة من الاستئصال، ولذلك فكل مخلوقات الله على ظهر الأرض تريد أن تعلن ثورتها على ابن آدم الذي يجحد نعم الله تتنزل عليه ويقابلها بالنكران فيأتي الحديث «ما من يوم تطلع شمسه إلا وتنادي السماء تقول يارب إئذن لي أن أساقط كسفا على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك وتقول الأرض يارب إئذن لي أن أبتلغ ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك وتقول البحار يارب ائذن لي أن أغرق ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وتقول الجبال يارب ائذن لي أن أطبق على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك فيقول رب العزة لمخلوقاته دعوهم لو خلقتموهم لرحمتموهم إنهم عبادي فإن تابوا إلى فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم. هذه الأمة التي جاءت رسالتها عالمية في الزمان والمكان».

     لقد كانت الرسالات السابقة والأمم السابقة يبعث كل رسول لقوم معينين في مكان معين وزمان معين أما هذه الرسالة فهي عامة في الزمان والمكان هذه الأمة لها القيادة والريادة على سائر الأمم هذه هي المكانة التي وضع الله تعالى فيها هذه الأمة الخاتمة فما بالها تتقهقر في ذيل القافلة؟ وما بالها تتعرض لسياسات القمع والتنكيل والإبادة والتصفية لأقلياتها الإسلامية ثم ما بالها يضيق عليها في الأرض. إن التحديات التي نواجهها من أعداء هذه الأمة يريدون أن يضيقوا عليها يريدون أن يصفوا الأقليات الإسلامية وينكلوا بها في سياسة القمع والإبادة في كل مكان يبعثون بظواهر تدعوهم إلى التحلل والإباحية تمثل في كل مكان يبعثون بظواهر تمثل التطرف والإرهاب والاستعداء على الأنظمة القائمة في الأمة الإسلامية لونا من ألوان التحديات يبعثون بتلك السموم البيضاء وغيرها من المخدرات وهي لون من ألوان التحديات يبعثون بكتب أو كتابات أو يزرعون في بعض المجتمعات الإسلامية بعض سماسرة الغزو الفكري الذين يبثون الأفكار الضارة بالأمة القاتلة لأخلاقياتها وقيمها وهو لون من ألوان التحديات الاستعمارية في كل زمان ومكان والغزو الفكري في كل زمان ومكان إلى غير ذلك كل هذا يمثل ألوانا من ألوان التحديات التي تواجهها الأمة الإسلامية وإذا كانت هذه هي مكانة أمتنا الإسلامية وإذا كانت تلك هي التحديات التي نواجهها من أعداء حاولوا أن يكونوا قوة ويعيشوا عصرا الكيانات الكبرى في سوق أوروبية مشتركة وفي تكتل يوصف بكذا وكذا، فالعجب كل العجب أن ترى الأمة الإسلامية تتفرق بددا أما هذه التحديات.

     إن واجبنا كدعاة إلى الله أن نبصر أمتنا بما يجب عليها وأن ندعو إلى الله على بصيرة وهدى وأن نقول لأمتنا الإسلامية في كل مكان آن الأوان أن تكونوا قوة كما أرادكم رسولكم صلى الله عليه وسلم فقد رغب ورجا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون أمته أكثر الأمم حين قال: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطى من الآيات مامثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة»، وفعلاً أصحبنا أكثر الأمم عتادا ومالا لكن الفرقة هي التي أودت بنا ووصلت إلى هذا الضعف فنحن أكثر الأمم تابعا، فلو نظرت إلى تعداد الأمة الإسلامية ترى أنها تمثل أكثر من خمس سكان العالم كله ولو نظرت إلى مساحة الأمة الإسلامية ترى أنها تمثل أكثر من ربع مساحة العالم كله إذن الرسول عليه الصلاة والسلام حين رجا أن تكون أكثر الأمم تابعاً تحقق ذلك وكنا كذلك ولكنه في الوقت نفسه حذرنا ألا نكون غثاء كغثاء السيل حين قال: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأَكَلَة على قصعتها، قيل أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا. بل أنتم يؤمئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن. قيل وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت». إذن فالعلاج لما تتعرض له الأمة من تصدعات وإهانات وتضييق عليها وتصفية لأقلياتها هو أن تكون على قلب رجل واحد، هو أن نجمع الصفوف، هو أن نوحد هذه الأمة، هو أن نتلاقى ونكون قوة ردع إسلامية ترد الغاشمين وترد الظالمين وتجعل من هذه الأمة فعلا كما قال الله ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرَجَتْ لِلنَّاسِ ويوم أن تتحد صفوفنا ويوم أن تجتمع كلمتنا ويوم أن نكون على قلب رجل واحد ستكون الأمة الإسلامية صاحبة القرار الضاغط والمؤثر في المجتمع الدولي بأسره. من أجل ذلك كان علينا أن نعرف مكانة أمتنا وأن نعرف في الوقت نفسه التحديات التي تواجه أمتنا وأن نعرف كذلك العلاج لأمراض أمتنا والتي تتمثل في عدم الفرقة وعدم الخلافات التي زرعها أعداء أمتنا والتي يحاولون أن يبثوها بين الشباب وبين القائمين بالدعوة وبين الشباب وبين الأنظمة القائمة يريدون أن يفرقوا صفوف أمتنا وأن يزرعوا الخلافات وأن يرموا ببذور الفرقة بين ماهو أولى أو خلاف الأولى مع أن الإسلام واضح في أن نكون جميعا وحدة واحدة حين قال رب العزة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا آل عمران: آية103، وحين قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال».

     ما أحوج أمتنا الإسلامية إلى التعارف والتواصل، إلى التضامن والتواد إلى المحبة والصفاء إلى نبذ الكراهية والبغضاء إلى نبذ الفرقة والاختلاف. إن هناك أمورا قد يختلف فيها بعض المسلمين أو بعض المذاهب أو بعض البلاد الإسلامية وهي أمور هينة لا تتعدى أن تكون خلافا بين ما هوأولى وخلاف الأولى ولا يكون ذلك سببا للفرقة بين الأخ وأخيه بل يجب أن نتجاوز هذه الخلافات وأن نصفى قلوبنا وأن نصطلح على ربنا وأن نتوب إلى خالقنا يجب علينا أن نصون دماءنا وأعراضنا وألا نستجيب لدعوات أهل التحديات الذين يريدون أن يصوّبوا سهامهم إلى أمتنا الإسلامية. يجب أن تعرف أن الإسلام يدعو إلى توحيد الصف يدعو إلى صفاء القلوب يدعو إلى المحبة بين الناس أجمعين تلك هي رسالة الإسلام وهي رسالة عالمية لا تقتصر على زمان دون زمان ولا على مكان دون مكان، فعالمية هذا الدين اتسمت بالسماحة واليسر واتسمت بالمحبة والدعوة إلى الإخاء بين المسلمين قاطبةً وواجبنا أن نكون كذلك مطيعين لله ورسوله ولأولي الأمر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ النساء: آية59.

     إن واجبنا أيها الإخوة أن نكون عندما تدينا إلى هذا الدين الحنيف لنحقق خيريتنا على هذه الأرض كما أراد الله تعالى.

*  *  *