مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، شعبان 1434 هـ = يونيو - يوليو 2013م ، العدد : 8 ، السنة : 37

 

 

الفكر الإسلامي

 

 

الردّ على من يقولون: ينبغي أن يكون الصيام في شهر رمضان لثلاثة أيام فقط

 

بقلم : الشيخ الكبير المربي الجليل العلامة أشرف علي التهانوي

المعروف بـ "حكيم الأمة" المتوفى 1362هـ / 1943م

تعريب : أبو أسامة نور

 

 

 

 

        قرأتُ نشرةً بعينيّ وَرَدَ فيها أنّ الصيام في شهر رمضان ينبغي أن يكون لمدة ثلاثة أيام فقط، أي في اليوم الحادي عشر واليوم الثاني عشر واليوم الثالث عشر، وما أَحْسنَ الاستدلال على ذلك؟ اسمعوا ما يقولون، يقولون: إن الآية نزلت في كتاب الله في خصوص الصيام بقوله تعالى: «أيّامًا مَعْدُودَاتٍ» (البقرة/184) وكُلُّنا يعلم أن الله تعالى أراد بهذه الكلمات تشجيعنا على الصيام، أي أن الصيام أيامُه معدودة فلا حاجة إلى المخافة؛ ولكن النشرة استدلّت بأن الله في شأن الحج أيضاً قال: «أيّامًا مَعْدُودَاتٍ» (البقرة/203) وأريد هناك بـ«أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ» هذه  الأيام الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، فلَمَّا أريدت هناك هذه، فلابد أن تراد بها في الصيام أيضاً هذه الأيام نفسها؛ لأن القرآن يُفَسِّر بعضُه بعضاً، على حين إن قاعدة «القرآنُ يُفَسِّر بعضُه بعضًا» إنما تُوَظَّف في المكان الذي يُعْلَم فيه تفسيرُ آيةٍ دون تفسير أخرى، وههنا تفسيرُ كلتا الآيتين معلومٌ على حدة؛ ولكنّ هذا الأعمى أخَذَ بتفسير آية وتَرَكَ جانباً تفسير أخرى. ولو أريد بـ«أيّاماً مَعْدُودَاتٍ» ههنا بقرينة آية أخرى أيام 11، 12، 13، لكان صيام الأيام الثلاثة: الحادي عشر، الثاني عشر، الثالث عشر من شهر ذي الحجة مفروضاً ثابتاً بالقرآن الكريم، وتلك هي أيام التشريق التي حُرِّمَ فيها الصيامُ بالإجماع. وبذلك يَثْبُت فرضيّةُ صيام الأيّام التي الصيامُ فيها حرامٌ بالإجماع؛ فما أَظْرَفَ هذا الاجتهادَ الذي قام به صاحبُ النشرة؟!.

     ثم إني أقول: إذا كان المراد في كلّ مكان بـ«أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ» الأيام الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر؛ فهل كان المراد من قول اليهود: «لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ» (آل عمران/24) ثلاثة أيام فقط؟ ليدلّني أحد صادرًا عن اليقين: هل اليهود أرادوا ههنا بـ«أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ» أنهم لن يمكثوا في النار إلاّ الأيام الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة فقط. ولو كان المراد ههنا أيضاً هذا الذي تَسَاءَلْنا عنه، لَصَدَقَ عليه المثلُ الأرديّ الذي معناه بالعربية كلُّ من كان أسود فهو أخو زوجة والدي.

     وجملة القول: إن الناس هكذا أثاروا فتناً كثيرة، إلى أيّ حدّ يمكن أحدًا أن يكافحها، إنّ مكافحتها بالمجموع ليست إلاّ بمقدور الحكومة. لو كانت هناك حكومةٌ إسلاميّةٌ لكان بوسعها أن يكافحها جميعًا (أجر الصيام من غير انصرام، ج1، ص9).

الإجابة عن أنه هل التبليغ يسقط عن عذر أم ماذا؟

     والإجابةُ عن ذلك هي أن تبدأ أولاً الأمرَ بالمعروف، فإذا بدأتَه ثم واجهتَ عائقاً ما في الطريق، سألتَ عن الأسلوب الذي تزيل به العائقَ.  وليس لك أن تسائل ابتداءً عن الحكم الوارد في شأن الأعذار؛ لأن ذلك يعني أنك تبحث عن حيلة ما تُنْقِذك من المسؤوليّة. والمسلمون كلهم يعلمون أنّ الشريعة لم تكلف في مجال ما إلاّ قدرَ الوُسْع؛ ولكن أحدًا لا يقدم عذرًا في شأن أعمال أخرى. مثلاً الوضوءُ يسقط أحيانًا عن عذر، والقيامُ في الصلاة يسقط عن عذر؛ ولكنه عندما يؤمر أحد بالصلاة، لايقول أبدًا: أولاً أَخْبِرْني بأن الوضوء والقيام في الصلاة يسقطان عن أيّ من الأعذار؟ لأنه يرى أداء الصلاة لازماً ويرى العذر عارضاً.

     وكذلك فيما يتعلق بالأكل لم يسأل أحد طبيباً: أولاً أَخْبِرْني بشروط الأكل، وأَخْبِرْني بالأوقات التي لابدّ فيها من تركه؛ لأنه يراه لازماً لابدّ له منه، ويرى تركه شيئًا عارضاً. وكذلك من يلتزم الصيامَ في رمضان لا يسائل أحدًا من العلماء: أخْبِرْني ما هي الأسباب التي تُسْقِط الصيام؛ بل إذا سأل أحد أحدًا عن ذلك أُسِيءَ به الظن في الأغلب بأنه لايريد أن يصوم. على كل فالواجبُ عليك كان أن تبدأ القيام بالأمر بالمعروف ثم إذا حدث لك عائق لدى تقديم الدعوة إلى ذي وجاهة أو إلى غير مسلم، كان بوسعك أن تسائل عالماً عن الوجه الذي يتعامل به في مثل هذا الموقف. ومالك لم تأمر بالمعروف حاكماً ولا محكوماً، ولا مسلماً ولا كافرًا، ولا زوجتَك ولا أولادك، ولكنّك رُحْتَ تسأل عن الحكم في الأعذار. ولعلّك تقول: إن الأعذار لا تقع في الصيام والصلاة إلاّ قليلاً؛ ولكنها تقع كثيرًا في الأمر بالمعروف، فأقول: إنّ هذا التفكير غير صحيح؛ لأنه ليس هناك عذرٌ في القيام بالأمر بالمعروف في الأهل والأولاد. إذا تركتِ الزوجةُ الصلاةَ، فأيُّ مخافة تمنعك عن أمرها بها، هل كانت لتقتلك، وكذلك إذا لم يُصَلِّ ولدُك، فماذا يصنع معك إذا أمرتَه بالصلاة. وإذا قلتَ: إنه لايسمع لأمرك. أقول: إنه عندما يَفْشَلُ في الامتحان، فلماذا تتناوله بالضرب واللوم؟ ولماذا تُعاقِبُه؟ كيف يستعد في هذا الموقف أن يستمع لك ويطيعك. فهذه الحِيَلُ كلُّها لاغيةٌ، والحقيقةُ أنّك لا ترى الأمر بالمعروف أمرًا ضروريًّا. إذا راح صديقٌ لك يتناول السُمَّ أمامك، أفلا تمنعه عن ذلك؟ إنك ستمسك بيده وتهزّها بقوة وتسلبها السمَّ. وإذا لم تقدر على ذلك وحدَك ستدعو غيرك ليساعدك على ذلك. فما هو السبب في أنك لا تمنع أحدًا عن الأعمال التي هي ضارّة له فيما يتعلق بالدين، ولا ترى ذلك ضروريًّا. إنّ ذلك داءٌ عضالٌ لابدّ من علاجه بالضدّ، ولكن المؤسف أن الغفلة في هذا بلغت مداها الذي لايعلمه إلاّ الله، ولا يهتم أحد بعلاجه، إلاّ في القليل النادر. (التواصي بالحق، ج1).

أَسْلَمُ أُسلوب لتبليغ الإسلام:

     وهو أن يُكَوَّنَ مجلسٌ لتبليغ الإسلام في كل من المديريات، ولا حاجةَ إلى اتخاذ تسميةٍ له، وكذلك لاحاجةَ إلى تسمية مسؤولين عنه؛ لأنه جرت العادة اليوم أنه يُسَوَّد السجلُّ لصياغة قوانين الجمعيّات والمجالس وتسجيل القائمة بأسماء ذوي المناصب؛ ولكنه لايتمّ عملٌ ما. إنّ الواجب أن نعمل، أن يَعْمَلَ كلٌّ منّا ما يسعه، لايُفَكِّر في القيام بعمل ما على مستوى عالٍ؛ بل ينبغي أن يبدأ العملَ من مستوى سافلٍ. إنّنا عدنا إما أن نعمل عن الأُبَّهَة والفَخْفَخَة أو لانعمل مطلقاً. ويصدق على ذلك المثلُ الأرديّ الذي معناه بالعربية «إمّا أن نأكل بإدام السمن، أو أن ندع أنفسنا تهلك». إنه لخطأ كبير. اِعْلَمَنَّ أن بداية كل أمر تكون ضعيفة عاديّة، ولا يشهد التطور إلاّ تدريجاً. إن الله تعالى أيضاً قد أبدى أفعالَه في الكون بأسلوب تدريجي؛ حيث تستقر أولاً النطفةُ، ثم يُولَدُ المولودُ بعد تسعة شهور، ثم يقطع مراحلَ النشوء مرحليًّا، حتى يبلغ وهو في الخامس عشر من عمره، على حين إنه تعالى يقدر على أن يصنع في شأنه كلَّ شيء في دقيقة واحدة، كما سيحدث في الجنّة، حيث إنّ من يرغب في ولد فما إن يباشر زوجته حتى تعود حاملاً به، ويصير المولود مثل أبيه في الوقت نفسه. فامتناع الله تعالى عن إبداء هذا النموذج الأخرويّ في الدنيا، وعملُه بالتدريج في أفعاله، ليس إلاّ ليُعَلِّمنا أن لا نستعجل ولا نطالب بالتطور وبلوغ الأوج في بداية العمل، بل الواجب أن نعمل من المستوى السافل، وأن نزاوله وندوم عليه، ثم نبلغ الكمال يوماً ما مع مرور الأيام، وأن نعمل ما هو بوسعنا، ولسنا مكلفين إلاّ إيّاه، إن الله سيبارك لنا فيه.

     فالإعلان بالجمعيّة، والإعلان بمسؤوليها لايفيد شيئًا، كما لا تفيد الدعايةُ عَبْرَ الصحف والمجلات. وإنما الفائدة تحصل بالعمل، فابدؤوا العملَ ولو بإثنين من الزملاء أو أربعة منهم، ولا تنظروا إلى قلتكم، ألا ترون أن الله تعالى قد نشر الإسلام بشخص واحد في العالم كله بدءًا من الجزيرة العربيّة وبلاد العرب، وهو تعالى موجود بقدرته الواسعة، فابدؤوا العمل متوكلين عليه واثقين به.

مثال الصحابة رضي الله عنهم:

     وقد ضرب الله مثلاً للصحابة رضي الله عنهم، قائلاً: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَه فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ﴾ (الفتح/29) إن بذرة واحدة متواضعة تتحول شجرة ضخمة ممتدة حتى تُظِلَّ الحيَّ كلَّه. وإذا كانت البذرةُ المتواضعة هذه حالتها في الجمادات، فإن الإنسان إذا عَمِلَ اثنان أو أربعةٌ منهم واثقين بالله تعالى، ويتقوى عملهم ويتوسع ويتقدم، فليس بمستغرب؛ ولكنّ المصيبة اليوم أنه لايتمّ عملٌ ما؛ ولكنه منذ اليوم الأوّل يهمّون أن ينشروه في الصحف، وأن يصدروا نشرةً به. أيها السادة! أليس ذلك هو الرياء، أو ليس الرياء منهيًّا عنه، وهل النهي الوارد عن الرياء مُوَجَّهٌ إلى الكفار والمشركين، لا وكلاَّ؛ بل المسلمون هم الذين نُهُوْا عن ممارسة الرياء والتلبّس به؛ لأن الكفار ليسوا مُخَاطَبِين بالفروع. وبعضُ الناس يقولون: إنما نلجأ إلى الإعلانات والإشهار في الصحف، حتى يكون ذلك دافعاً للآخرين إلى أن يَنْحُوا مَنْحَانا. فأقول لهم: يا سادةُ! إليكم، إن ذلك ليس إلاّ الاعتماد على التأويل، وإذا راجعتم أنفسَكم وَجَدْتُم أنّ ذلك ليس إلاّ رغبةً في الظهور وكسب السمعة. إنّه إن كان هناك من لديه رغبة في تحريض الآخرين على فعل الخير، فإنه ينبغي له أيضاً أن يسائل العلماء عن الإعلانات والدعايات بذلك في الصحف. (التواصي بالحق، ج1، ص40).

*  *  *