مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، شعبان 1434 هـ = يونيو - يوليو 2013م ، العدد : 8 ، السنة : 37

 

 

دراسات إسلامية

 

 

الصهاينة .. والحقوق الصهيونية الـمُدَّعَاة في فلسطين

(3/3)

 

بقلم : الدكتور نعمان عبد الرزاق السامرائي

 

 

 

 

قرار التقسيم

     في 29 تشرين الثاني عام 1947م عرض قرار تقسيم فلسطين بين العرب واليهود، فوافق عليه (33) دولة ورفضه (13) وامتنع عن التصويت (10) وتغيبت دولة واحدة، فمن مجموع (57) دولة وافق (33) على التقسيم.

     وتضمن القرار إقامة دولة عربية، وأخرى يهودية، على أن تكون القدس، وبيت لحم تحت إدارة دولية. ويومها أعلنت إسرائيل (أقرت الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة قرارًا يدعو إلى تأسيس دولة يهودية مستقلة في بلاد إسرائيل...) وبموجب هذا القرار نعلن تأسيس الدولة اليهودية).

     وهكذا قامت دولة غريبة، ومع ذلك لم تسمح إلى اليوم بقيام دولة عربية، كما تسمح لنفسها بالخروج على قرارات الأمم المتحدة. وحين أقرت الهيئة عام 1975م بأن اسرائيل «دولة عنصرية» ما زاد مندوبها أن وقف ومزق القرار، معلناً احتقاره واحتقار الهيئة التي أصدرته، ولولا «الفيتو» الأمريكي لطردت هذه الدولة منذ سنوات من هيئة الأمم، لأنها تستخف بها ولا تنفذ قراراتها.

     فالدولة التي لا تحترم هيئة الأمم، ولا تنفذ قراراتها، بل تمزق بعض هذه القرارات علنًا، أيحق لها أن تأخذ منها ما يحلو لها، وتترك ما لا تحب؟؟ كنت في الثمانينات في جمهورية جنوب أفريقيا، فرأيت الصحف تحرض الحكومة على عدم الاهتمام بهيئة الأمم وقراراتها، وعدم الالتزام بشيء منها، والحجة أن ثمة دولة صغيرة، ولا تنفذ قراراتها؛ بل لا تحترمها، فلماذا نخاف نحن، لماذا لا نفعل كما تفعل أسرائيل؟؟.

     إن الاستناد لقرار هيئة الأمم بتقسيم فلسطين، يعني الاعتراف والرضا بتلك الهيئة وبما أصدرت، وهي اليوم تعاديها كما تعادي اليونسكو وغيرها فكيف يقبل عقلاً وقانونًا «هذا الانتخاب» بأخذ شق ورفض شقٰ قد يقال بأن العرب رفضوا هذا القرار، نعم رفضوه، لأنه سلبهم أرضًا لهم، وأعطاها لمهاجرين ليس لهم علاقة بها، وهاهم اليوم عادوا يطالبون بإنفاذ المشروع كما جاء، وإسرائيل ترفضه، لأنها ابتلعت كل فلسطين.

     فكيف تكتسب دولة حقًا من قرار ترفضه هي على الدوام؟؟

     ومن هيئة تعاديها وتحتقرها، وترفض كل ما تقرره؟؟

6 الحق الإنشائي:

     اخترع الصهاينة حقًا أسموه «الحق الإنشائي» مدعين أنهم قاموا بأعمال وإنجازات حققوها في فلسطين، وأخرى يتطلعون إليها، وأهمها التفوق الحضاري، وملء الفراغ الذي تعيشه فلسطين والشرق، وذلك عن طريق المكاسب أو «المكاسر» التي سيجنيها العرب من وجود الصهاينة في فلسطين ونشاطهم فيها.

     وهذا المنطق مستعار من دهاقين الاستعمار.

     أما ما استفاده أهل فلسطين فشيء عظيم حقًا يتمثل بتحويل الملايين من إلى لاجئين، بعضهم في الداخل والبعض في الخارج، ونهب أرضهم وممتلكاتهم، وما زال الصهاينة يمدونهم بأسباب الحضارة والتقدم، فتزورهم الطائرات وتهديهم القنابل العنقودية وغيرها كما تغير قواتهم يوميًا لتقتل منهم من تستطيع، وأما من بقي منهم في الداخل، فتداهمه قواتهم يوميًا، تعتقل من تشاء، وتعذب من تشاء، وتفرض منه التجول كما تشاء، تغلق المدارس، وتقتل الصبيان، وهذا ما تقدمه لأهل فلسطين، أما ما قدمته الصهيونية لشعوب المنطقة، فهي الحروب المتصلة والغارات التي لا تنقطع، وحرب لبنان خير دليل، ثم إجبار الحكومات على شراء السلاح، واستهلاك الثروة القومية كلها في هذا الميدان، إضافة إلى إغراء الكبار بالتدخل، فالاستعمار الذي رحل، عاد مجددًا بسبب إسرائيل، وسياستها العدوانية، وإشعالها الحروب، وتهديدها للمنطقة بأسرها، حتى وصلت طائراتها إلى بغداد وإلى تونس، وقد سبق أن نقلت شهادتين للفيلسوف رسل وتوينبي توضح بجلاء دور إسرائيل الحضاري.

     ومن صور الكذب والنفاق ما قاله الزعيم الصهيوني «ماكس نوردو»(1).

     (سوف(2) نبذل ما في وسعنا لكي نعمل في الشرق ما عمله الإنكليز في الهند بل أوسخ وأقذر منهم أعني بذلك النشاط الثقافي والحضاري، وليست السيطرة والتسلط، فنحن ننوي الذهاب إلى فلسطين بمثابة الحملة المعتمدين للمدنية والتحضر، ورسالتنا هي توسيع الحدود الخلفية حتى تصل إلى الفرات) ولماذا يقف التحضر والبركات عند الفرات فقط؟؟ هل لأن هذه حدود إسرائيل التوراتية أم ماذا؟؟

     ومع ذلك فقد وصلت طائراتكم إلى بغداد موسعة «الحدود الخلفية» إلى دجلة، وليس للفرات، فهل حصل خطأ من الطيارين؟؟ ومن الأكاذيب الكثيرة قولهم أن أرض فلسطين خالية من الزرع، وتسكنها بعض القبائل البدوية، وقد جاءوا لتعميرها. إلا أن صهيونيًا انبرى لتكذيبهم هو «آحاد هعام»(3) حيث قال(4) (اعتدنا أن نقول في التاريخ بأن أرض فلسطين شبه صحراوية، وأنها لا زرع فيها ولا ضرع وعلى من يشاء الحصول على أرض أن يأتي هنا ويأخذ ما يشاء، غير أن الواقع مخالف لذلك تمامًا، فيصعب أن نجد في طول البلاد وعرضها أرضاً بلا زرع، والمناطق الوحيدة غير المستزرعة هي مساحات من الرمان وجبال صخرية، يمكن أن تنمو بها أشجار الفاكهة بعد جهد شاق من استصلاح الأرض وإعدادها).

     وقد شهد العالم عند تسليم سيناء للمضريين، ما فعله الصهاينة، حيث نسفوا المباني، ولم يتركوا شيئًا، فهذه هي رسالة الحضارة التي وعدونا بها، وباقي الرسالة سطرت في حرب بيروت، وفي مذابح دي ياسين، وفي تعذيب السجناء حتى الموت، هذه الرسالة الحضارية التي لمسناها ورأيناها، إن الصهيوني ولو كان من أصحاب الملايين، فهو في أعماقه «شحاذ» والشحاذ معتاد على الأخذ لا العطاء، بل هو يجعل العطاء، ويده دومًا مفتوحة للأخذ. قد يتبرع الصهيوني لصهيوني آخر، لكنه لم يتعود العطاء للأغيار، ولن يتعود أبدًا.

     فالادعاء بحق «إنشائي» هو لعب بالألفاظ، كما كان الاستعمار يقول أتينا لتمدينكم وتحضيركم، ثم تكون النتيجة فتح النار على الشعوب، ونهب خيراتها.

     والصهاينة تلاميذ السيد المستعمر، ولن يتجاوزوه في هذا إلا في المزايدة والكلام المعسول المنمق.

     أنصح القارئ المحب للتوسع في باب «الحقوق الإسرائيلية» أن يطلع عليها في رسالة الأخ «أحمد عبد الله الزغيبي» والتي كانت تحت عنوان «الفكر الصهيوني وأهدافه في المجتمع الإسلامي»، والأمل أن تطبع قريبًا بإذن الله.

الهوامش:

(1)      ماكس نوردو: 1849-1923 واسمه «سيمون ماكسيميليان سودفيلد» ولد في المجر ودرس أولاً على أبيه الحاخام ثم عمل بالصحافة، ودس الطب في بودابست وكتب عام 1883م كتابه أكاذيب في حضارتنا التقليدية، حيث حمل فيه على الدين والحضارة باسم العلم والفلسفة، وهذا شأن الكثير من الصهاينة يلحدون ويؤيدون قيام دولة دينية، في نفس الوقت. تعرف على هرتزل وأعجب به وبأفكاره وصار من أخلص تلاميذه، لذا خلفه على رئاسة المؤتمر الصهيوني، وهو زعيم صهيوني من أخطر زعمائهم. (موسوعة المفاهيم ص400).

(2)      القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني ص 184.

(3)      آحاد هعام: واسمه «آشر جينز برج» ولد عام 1856-1927م في أوديسا وانضم أولاً إلى (احباء صهيون) إلا أنه رفض سياسة الاستيطان الفوري، كما هاجم الصهيونية السياسية؛ ودعا إلى إحياء اليهودية أولاً ثم الدولة بعد ذلك وليس العكس وأسس جماعة سرية تحت اسم «بنو موسى» لنشر المثل اليهودية الخلقية، ومن المهتمين بوضع البروتوكولات الصهيونية، وخلال استقراره في لندن ساهم في إصدار وعد بلفور، وحين رأى ما يفعله اليهود بعرب فلسطين تألم وراح يطالب بحقوقهم، وينتقد الحقد والكراهية من اليهود لهم، هاجر إلى فلسطين وسكن تل أبيب واختلف مع الصهاينة وراح يهاجمهم، من كتبه (في مفترق الطرق) وكتب أخرى موسوعة المفاهيم ص58.

(4)      ملف إسرائيل/ جارودي ص44.

*  *  *