مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، رمضان – شوال 1434 هـ = يوليو - سبتمبر 2013م ، العدد : 9-10 ، السنة : 37

 

 

دراسات إسلامية

 

 

من حقيبة الأسفار

(1/2)

 

بقلم : معالي الشيخ الدكتور محمد بن سعد الشويعر/الرياض(*)

 

 

 

 

        للأسفار نكهتان: حسبما يمرّ بالمرء فيها من سرور أو متاعب، وآلام وأسقام، أو غربة عن الأهل والديار، مع الوحْدَة التي قد يكتسب بها صداقة وألفة، أو حزازات ومناكفات، ومن ذلك هجرة الإنسان بدينه خوفًا من الفتنة. وقد تكون الأسفار حُبًّا في السفر.

     واستهانة بالغربة والتّعب، وقد تكون السياحة ليكتسب بها الإنسان معرفة بالديار ومعالمها، حيث انتشر هذا اللون في العصر الحاضر، وخاصة عند الغربيين، الذين يجعلونها متعة، وراحة من العمل، ليوفّروا جزءًا من مدّخراتهم، لهذه المهمة.

     أو تكون غُربة من مشكلة أو أزمة أُسريّة أو بيئيّة، وهذا النوع في الغالب صاحبها لا يعود لمجتمعه بل يعتبر في حكم المنسيّ، أو المفقود بانصهاره في البيئة والمجتمع الذي استقرّ فيه.

     والعرب بعدما ظهر الإسلام، ومع حماستهم لنشر دين الله، من أكثر شعوب الأرض، هجرة واستقرارًا في الديار الجديدة، فالعرب عندما استقاموا بالأندلس، واستوطنوها، فتحوا بابًا في حبِّ الأسفار والمغامرة، رغبة في اكتشاف المجهول، كما حصل من الرحّالة «ابن ماجد»، الذي قيل بأنه مكتشف طريق الرجاء الصالح، الذي هو طريق الملاحة الذي يربط أوروبا بالهند وشرق آسيا، وسمّوه «طريق التوابل» قبل فتح قناة السويس، ومن ثم فتحها للملاحة، وابن بطوطة برحلاته المشهورة، حيث يضرب به المثل.

     والإنسان عندما يبحث عن شيء في مكتبته، يقع نظره على شيء ينسيه ما كان يبحث عنه، وهذا من تداعي المعرفة، وانفتاح الذهن على شيء كان في معهود صاحبه في حكم المنسيّ، وقصة الخضر مع موسى عليهما السلام، التي ذكرها الله سبحانه في سورة الكهف، نموذج للسفر في طلب العلم، وأنّ النسيان يمرُّ بالإنسان سواء كان هذا النسيان فيه مصلحة أو لا؟ ﴿.. وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ (٦٣) سورة الكهف، وهذا النسيان مرّ بفتى موسى، ثم مرّ به عليه السلام مع الخضر في اعتذاره عن عدم صبره ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (الكهف73)، ويوسف عليه السلام لَبثَ في السِّجن بضع سنين لأنّ أحد صاحبي السجن ممّا أوجب لُبْث يوسف عليه السلام بضع سنين في السجن بنسيانه.

     فالعرب من أكثر الأمم أسفارًا للتجارة، وطلب الرزق، وفي الفتوحات الإسلامية، وهذه الأسفار حققت مصالح بحُسن التعامل والقدوة الحسنة، وحُسْن الخلق الذي أدّبهم به الإسلام، وقدوتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث دخل كثير من أصحاب تلك الديار في الإسلام كما حصل في شرق آسيا وجنوبها، ووسط أفريقيا وجنوبها وغيرها من البلاد التي لم تصلها الجيوش الإسلامية بالفتوحات، التي انتشر بها الإسلام وإنما انتشر في هذه البقاع بالهجرة والتجارة من المسلمين، وفي هذا ردٌّ عمليٌّ على ما يقوله المنصّرون وأعداء الإسلام بأنه لم ينتشر إلاّ بالسيف.

     والذين يسافرون يهتم بعضهم بتدوين ما يمرُّ به، وكثرت الأسفار بالرّحالين من ديار الغرب وخاصة المستشرقين والمنصرّين بأمور لمعاكستهم مطالب المسلمين، واهتم أكثرهم بالتدوين لصالح الكنيسة التي تدفع أموالاً طائلة لمصلحتها.

     أمّا المسلمون الذين بَعُدَتْ ديارهم عن الأماكن المقدّسة، ودينهم أوجب عليهم رُكناً خامسًا من أركان الإسلام وهو الحج، فقد اهتموا بشدِّ الرحال إليه، إذْ كانوا يعانون المشاق مع التعرّض لاختلال الأمن والمدة الطويلة ذهاباً وإيابًا، فقد رصد بعضهم المعاناة والذكريات، وخاصة حجاج الأندلس، والشمال الأفريقي، إذْ رصد العلماء منها الكثير وابن جبير في رحلته نموذج لذلك، إذ قضى في حجته سنتين لم يرجع لبلاده إلاّ بعدها.

     ومنها ما جاء في الأحكام الشرعية من باب رفع الحرج على المسلمين، لأنّ للأسفار أحكامًا بحسب ما دوّن في رحلاتهم من معلومات وقد أطلق على ذلك حديثًا أدب الرّحلات، ولأهمية الأسفار عند المسلمين لأسباب متعدّدة فقد قال شاعرهم، وبعضهم ينسب ذلك للإمام الشافعي رحمه الله :

     تغرّب عن الأوطان في طلب العلا

                      وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

     تفرّج همّ واكتساب معيشــــة

                      وعلم وآداب وصحبـــة ماجد

     ويقول الآخر الذي لم يسافر إلاّ من الضِّيق والعُسرة، أو هروبًا بدين عليه:

     سافر تجد عِوضًا عمن تفارقه

                      أهلاً بأهل وإخوانًا بإخــوان

     فأقول عندما افتّش عن شيء، وقع نظري بشيء يتعلّق بالأسفار وذكرياتها إذْ وجدت أشياء من فوائد الإسلام، ومكانته في بلاد لم يدخلها الإسلام، مع توسّعه، إلاّ بمحبة هذا الدين، وصدْق بعض المسلمين في التعامل وحُسن الخلق، الذين تعاملوا مع سكان الديار في الأرض التي انتشر فيها الإسلام، وتوفرت المساجد وتلاوة القرآن فيها.

     فقد كنت قد دوّنت بعض المعلومات عن مهمة قضيتها في أستراليا حيث استغرقت الرحلة مع التعرُّض لبعض المحطات التي تتطلّبها الرحلة الطويلة، إذْ من مطار الرياض، إلى مطار سدني عاصمة أستراليا 26 ست وعشرون ساعة.

     وأول ما استرعى انتباهي أننا أقلعنا من الرياض في أول يناير حيث شدّة البرد، يوم الأحد صباحًا في أول النهار، وعندما استقبلنا أحد الإخوان هناك، وقال: نحن اليوم في يوم السبت الساعة العاشرة صباحًا، يعني الفارق يوم بالعكس، وجوّهم صيف لأنّ أستراليا في الجنوب من خط الاستواء، فمن كان جنوبه شتاؤنا صيف عندهم وصيفنا شتاؤهم وقد وصلناهم بلباس الشتاء الثقيل، فلابد من تخفيفه.

     أما عن اليوم فلأنهم أقرب لشرق أمريكا، فإن هناك قرب مثلث «برمودا» تُغيّر فيه الساعات لمن جاء من أمريكا يريد شرق آسيا ليوم كامل وبالعكس في الذهاب، وكانت أستراليا تلك السنة يحتفلون بمرور مائتي عام على اكتشافها وأظهروا سرورهم في حديثة «هايد بارك» مسمّاة على ما في لندن لكن هذه أكبر منها.

     ولن أتحدث عن أستراليا هذه المرّة ولعلّه قد يتاح في وقت لاحق لأعطي نبذة عما دوّنته عنها، لكنني سأنتقل إلى رحلة العودة التي بدأت بعد طيران متواصل قارب اربع ساعات لنصل إلى مطار جزيرة «بالي» السياحية المشهورة بأمور لا تُرضي المسافر المسلم الملتزم بتعاليم دينه، لذا لم أتمتع بما هو مباح في هذه الجزيرة، مع أنّ وكلاء السياحة يملأون جنبات الساحة، بما لديهم من مغريات، والمطار محدّد البقاء فيه 3 ساعات قد تزيد، وسمة الدخول المؤقتة مجانية لمن يريدها ويسهل المهمة سماسرة الفنادق وغيرهم، والأندية التي تستهوي السيّاح.

     نزل غالبية الركاب إلى المدينة وما فيها، والأغلب أنهم من أمريكا وبلدان أوروبا وغيرهم، فأخذت مع رفيقي فسحة في استراحة المطار وهذه الجزيرة تعتبر جزءًا من الجمهورية الأندونيسية، التي قيل بأنّ جزرها تقدّر بالآلاف.

     وفي المحطة الأولى بعد «بالي» وبعد أربع ساعات طيران أخرى كانت العاصمة جاكرتا حيث محطّ الرّحال لمدة خمسة أيام، لنا فيها لقاءات متعدّدة والحديث ذو شجون، ومن ذلك ما يتعلّق بالإسلام، وجماعة المهتدين، والكشف عن الدوافع التي أدّت بهم إلى الخروج من دياناتهم السابقة، إلى الدخول في دين الإسلام، دين الله الحنيف، وما لاقوه من أنواع التخويف لإبعادهم عنه ثم مباعدتهم عن ذويهم، إثر إشهارهم لإسلامهم.

     وجاء النموذج في جماعة المهتدين في «يوكجاكرتا» الذين دُعوا في غرة رجب عام 1407هـ الموافق غرّة مارس 1987م وهو أول اجتماع من نوعه في قاعة الاجتماع التابعة لمركز «إخوة الحجاج الأندونيسيين» وشارك فيه 250 عضوًا، الذي ألقى فيه: الكولونيل الدكتور أندوس سعيد سيسا هادي، مدير الأمن العام لمدينة «يوكجاكرتا» محاضرة عن أهمية الاجتماع في بناء الأخوة الإسلامية، لأنّ الهدف من هذا الاجتماع هو التعاون بين أعضاء جماعة المهتدين، والكشف عن الدوافع التي أدّت بهم إلى الخروج عن دياناتهم السابقة، والدخول في دين الإسلام، وما لقوه من أنواع التخويف والإبعاد عن ذويهم، إثر إشهارهم بالإسلام، وحضرنا تلك المناسبة.

     وقد اختاروا في ذلك الاجتماع خمسة من المجموعة المهتدية، وكانوا من الديانات المختلفة، ليتحدث كل واحد منهم عن رحلته القلبية والفكرية، التي انتهت بالقناعة بأنّ دين الإسلام هو الحق وهم:

     1 الدكوراندا: ماريا انستاسيا نور الاحانيّ (كاثوليكية الأصل).

     2 سلامات سواندي (بروتستانتية الأصل).

     3 بودي سيتيا غراها (كنفوسيّة الأصل).

     4 عبد الهادي (بوذيّة الأصل).

     5 سلامت سورويو (باطنية الأصل).

     وحيث كل من الخمسة تحدّث عمّا مرّ به، وذِكْر أحاديثهم لا يستوعبه الحيز، فسنأخذ من كل منهم بعضاً مما اعترضه فيدخل الإسلام عن قناعة فطرية من قلبه، وبفكرته السليمة لصحة تعاليم الإسلام السمحاء.

     - فمثلاً ماريا انستاسيا، فقد كان اسمها هذا كاثوليكيًا، بدأت رحلتها القلبية بحثًا وراء الحق بقراءة الكتب الإسلامية، وقد كانت نشيطة جدًا في أعمال الكنيسة الكاثوليكية منذ دخولها في الصف الثالث الابتدائي، عاشت في أسرة كاثوليكية متعصّبة جدًا، وفي قرية يعتنق جميع سكانها الكاثولوليكيّ وهي قرية أوغران، وقد تولّت ماريا عدّة مهام في التنصير أهمها:

     1 مدرّسة دينية في مدرسة كاثوليكية.

     2 مبشّرة للمجتمع العام.

     3 قارئة لكتاب الإنجيل في كنيسة كاثوليكية.

     4 رئيس الجمعية الكاثوليكية في كنيسة «بوغران».

     وفي يوم من الأيام قرأتْ كتابًا عنوانه «الحوار بين الإسلام والكاثوليك» وهو بين داعية مسلم وقسيس فأسلمتْ بعد القناعة.

     - أمّا سلامات سواندي فهو صينيّ الجنسية كان يعيش تحت قسيس بروتستانتي منذ صغره، وقد تنصّر في يده كثير من المسلمين لبلاغته، وفي يوم من الأيام قام بنقل جثة أبيه، من مقبرته إلى مكان آخر، وكان يشك في عقيدة أنّ المسيح هو ابن الله، فوجد أنّ عظام الجثة قد جمعت فأيقن أنّ ذلك نتيجة عذاب تتلقّاه جثة أبيه، والله أعلم، فبدأ يدرس الإسلام فدخل فيه وحسن إسلامه، بل قد أصبح داعية، يتمتع بسمعة طيبة، وأسلم عدد على يديه. ثم بدأ كل واحد من جماعة المهتدين في يوكجاكرتا، يتحدث عن المتاعب التي تعرّض لها، من أقرب الناس إليه، ومن رجال ونساء الكنائس، والمنصّرين، إلاّ أنّ المجلس الأعلى الأندونيسي للدعوة الإسلامية يرعى هؤلاء المهتدين، وسيكون الحديث إنّ شاء الله عن جهود تنشيط الدعوة بمحافظة جاوا الوسطى.



(*)   مستشار سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس تحرير مجلة البحوث الإسلامية.