مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، ذوالقعدة 1434 هـ = سبتمبر – أكتوبر 2013م ، العدد : 11 ، السنة : 37

 

 

دراسات إسلامية

 

 

النميمــــــــة

 

بقلم:  محمد أبرار كليم القاسمي(*)

 

 

 

 

        من آفات اللسان التي يفرح بها الشيطان النميمة، و النميمة: نقل الكلام بين الناس على وجه الفساد،  وحكمها محرمة شرعًا وعرفًا وعدها كثير من أهل العلم من كبائر الذنوب للوعيد الشديد الذي جاء في حـق مرتكبها، قال تعالى: «وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَــلَّافٍ مَهِيــنٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ»(1)، ولشدة عظمها عند الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لايدخل الجنـة نمّام»(2)، فإن النمّام من الموحدين المقيمين بشعائــر الله، فمعنى الحديث أنه لن يدخلها مع أول الداخلين إن لم يغفر له حتى يتطهر في النار؛ لأن الموحد المقيم للفرائض قد يعاقب على معاصيه بدخول النار ثم يكون مآله إلى الخروج منها ودخول الجنة؛ ولكن المؤمن لا يرغب في دخول النار ولو لحظة، ويفر من ذلك؛ لأن عقوبة النار لا تطاق، قال تعالى: «فَيَوْمَئِذٍ لَّايُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ، وَلَا يُوْثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ»(3)، فلا يستهين أحد بعقوبة النار ولولم يكن مخلدًا فيها، نسأل الله العافية. ولقد أحسن من قال:

     تنحَّ عن النَّمِيمَةِ واجتنبْها

                      فإنَّ النمَّ يحبــطُ كلَّ أجـرِ

     يثيرُ أخو النَّمِيمَةِ كلَّ شرٍّ

                      ويكشفُ للخلائقِ كلَّ سرِّ

     ويقتلُ نفسَه وسواه ظلمًا

                      وليس النَّمُّ مِن أفعالِ حُرِّ

     النميمة أذى للمؤمنين والمؤمنات، وقد حرم الإسلام الأذى بشتى أنواعه، ومنه النميمة. والنمام ذو الوجهين؛ لأنه يظهر لكل من الفريقين غير الوجه الذي يظهر به للطرف الآخر، وصاحب الوجهين شر الناس يوم القيامة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية، خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا، وتجدون خير الناس في هذا الشأن، أشدهم كراهية له، وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه»(4)،  ورحم الله من قال:

     من نمَّ في الناسِ لم تؤمنْ عقاربُه

                على الصديقِ ولم تؤمنْ أفـاعيـه

     كالسيلِ بالليلِ لا يدري به أحدٌ

                من أين جاء ولا من أين يأتيـــه

     الويلُ للعهدِ منه كيف ينقضُه

                والويلُ للودِّ منه كيف يُفنيــه(5)

     وأخبر النبي: صلى الله عليه وسلم أن «النمّام لا يدخل الجنة وأنه يعذب في قبره»، وقال: «ألا أنبئكم ما العضة؟ هي النميمة القالة بين الناس»(6)، وكل من حملت إليه النميمة يجب عليه ستة أمور، الأول: أن لايصدق النمام؛ لأنه فاسق. والثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصح له ويقبح له فعله، والثالث: أن يبغضه في الله. والرابع: أن لاتظن بأخيك الغائب السوء، والخامس: أن لا يحملك ما حكي على التجسس، السادس: أن لا ترضى لنفسك ما نهيت النمام عنه ولاتحكي نميمته، ولقد أحسن من قال:

     لا تقبلـنَّ نميمـةً بُلِّغتَهـا

                وتحفَظَّنَّ مِــن الــذي أنبأكـها

     إنَّ الذي أهدى إليك نميمةً

                سينمُّ عنك بمثلِها قد حاكها(7)

     و قال الإمام الشافعي رحمه الله «إذا أراد الكلام فعليه أن يفكر قبل كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلم، وإن شك لم يتكلم حتى يتطهر». وينبغي على المسلم أن يسكت عن كل ما رآه الإنسان من أحوال الناس مما يكره إلا ما في حكايته فائدة لمسلم أو دفع معصية، وقد حرم الله عز وجل المشي بالنميمة لما فيها من إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين ورخص في الكذب في الإصلاح بين الناس، ورغب في الإصلاح بين المسلمين قال تعالى في سورة الأنفال: «فَا تَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ».

     و قال الصنعاني رحمه الله «انظر في حكمة الله ومحبته لاجتماع القلوب كيف حرم النميمة - وهي صدق - لما فيها من إفساد القلوب وتوليد العداوة والوحشة، وأباح الكذب - وإن كان حراماً - إذا كان لجمع القلوب وجلب المودة وإذهاب العداوة.

     ويروى عن بعض أصحاب جعفر بن محمد الصادق، قال: دخلت على جعفر، وموسى بين يديه، وهو يوصيه بهذه الوصية، فكان مما حفظت منها، أن قال: يا بني! اقبل وصيتي واحفظ مقالتي، فإنك إن حفظتها، تعش سعيدًا، وتموت حميدًا، يا بني! من قنع بما قسم له استغنى، ومن مدّ عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرًا، ومن لم يرض بما قسم الله له اتهم الله في قضائه، ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه، يا بني! من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته، ومن سلّ سيف البغى قتل به، ومن احتفر بئرًا لأخيه سقط فيه، ومن داخل السفهاء حقر، ومن خالط العلماء وقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم، يا بني! إياك أن تزري بالرجال فيزري بك، وإياك والدخول فيما لا يعنيك فتذل لذلك، يا بني! قل الحق لك وعليك، تستشار من بين أقربائك، يا بني! كن لكتاب الله تالياً، وللسلام فاشيًا، وللمعروف آمرًا، وعن المنكر ناهياً، ولمن قطعك واصلاً، ولمن سكت عنك مبتدئًا، ولمن سألك معطيًا، وإياك والنميمة، فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال، وإياك والتعرض لعيوب الناس، فمنزلة المتعرض لعيوب الناس كمنزلة الهدف، يا بني! إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه، فإن للجود معادن، وللمعادن أصولاً، وللأصول فروعاً، وللفروع ثمرًا، ولايطيب ثمرإلا بفرع، ولا فرع إلا بأصل، ولا أصل ثابت إلا بمعدن طيب، يا بني! إذا زرت فزر الأخيار، ولاتزر الفجار، فإنهم صخرة لا يتفجر ماؤها، وشجرة لايخضر ورقها، وأرض لا يظهر عشبها.

     و قال صلى الله عليه وسلم: «لايدخل الجنة القتات»(8) والقتات هو النمام والذي يسمع إنسانا أو يغيبه فيوصل كلام المسبوب له بغية الوقيعة حتى لو كان صادقاً فيما نقل، ولا شك أن تشريع الله لكل هذه الأمور إنما هو للحفاظ على وحدة الجماعة الإسلامية وتنقية صفوفها من الفرقة والخلاف.

     والنميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحــريش بين الناس، وتفريق قلوب المؤمنين، فهذا حــرام متفق عليه. فأما إن كانت على الإصلاح بـين الناس، وائتلاف كلمـــة المسلمين كما جاء في الحـديث «ليس الكذاب من ينـم خيرًا» أو على وجــه التخذيل والتفـريق بين جمـوع الكفرة، فهذا أمر مطلوب كما جاء في الحديث «الحرب خدعة» وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين قريظة جاء إلى هؤلاء ونمى إليهم عن هؤلاء، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر، ثم لأم بين ذلك فتناكرت النفوس وافترقت، وإنما هو يحذو على مثل هذا الذكاء ذوالبصيرة النافذة. والله المستعان.

     فاحذر أخي المسلم من النميمة؛ فإنها من أمراض النفوس، وهي داء خبيث يسري على الألسن، ويفرق الأحبة ويقطع الأرحام.

     واتفق العلماء على وجوب كف اللسان عن كل محرم مثل الكذب والغيبة والنميمة وقول الزور وشهادة الزور واللعن والسب والشتم ونحوهما.

     ويروى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «النميمة والشتيمة والحمية في النار  ولا يجتمعن في صدر مؤمن»(9).

     فمن ابتلي بشيء من المعاصي سواء عن طريق اللسان أو غيره فليحذر من عذاب الله فما عنه مفر لمن لم يغفر له، وكل سيجد ما قدم أمامه، فلتتقوا النار ولو بشق تمرة.

*  *  *

الهوامش:

(1)        سورة القلم 

(2)        رواه أبو داود

(3)        سورة الفجر

(4)        صحيح ابن حبان بتحقيق شعيب الأرناؤوط برقم 5757

(5)        روضة العقلاء - ابن حبان .

(6)        رواه البخاري في الأدب وقال الألباني صحيح برقم 425 .

(7)        نهاية الأرب في فنون الأدب   (أبو الأسود الدؤلي ).

(8)          رواه البخاري في الأدب وقال الألباني صحيح 322 .

(9)        المعجم الكبير للطبراني برقم 13440.

*  *  *



(*)      مدرس الثقافة الإسلامية بدولة الكويت.