مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، ذوالقعدة 1434 هـ = سبتمبر – أكتوبر 2013م ، العدد : 11 ، السنة : 37

 

 

دراسات إسلامية

 

 

الإمام عبد الحيّ الفرنجي محلي وأعماله في الحديث

(2/2)

 

بقلم:  محمد إرشاد الحق (*)

 

 

 

 

3 الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة:

     هذا الكتاب للعلامة عبد الحيّ وألّفه في ذي الحجة من سنة 1291 للهجرة، وقد نشر عدّة مرات في الهند، كما طبع أولاً بالمطبع المصطفائ بلكناؤ سنة 1299 للهجرة، ثم حقّق وعلّق عليه الشيخ عبد الفتاح أبوغدة ونشر بمكتب المطبوعات الإسلامية بحلب سنة 1386 للهجرة، وقد أضاف هذا التحقيق والتعليق أهمية الكتاب.

     يشتمل هذا الكتاب على مباحث علمية عميقة هامة، والأسلوب الذي اختار فيه المؤلف هو أسلوب سهل لطيف جاذب، كما يقول نفسه في مستهل الكتاب أنه أعدّها لنفائس غريبة، فتناول فيه الأجوبة عن الأسئلة العشرة التي سأله عنهابعض العلماء الكبار من أفاضل الدهر، و أماثل العصر المنتمين إلى المدينة المعروفة «لاهور» وكان نفسه حينئذ مقيمًا ببلدة «حيدر آباد»، وهذه الأجوبة العشرة أفادت الموضوع غاية الإفادة من متعدد النواحي، ومن جهة أخرى إنها تمثّل وتضيء شخصية العلامة عبد الحيّ وبراعته وتبحّره وسعة نظره في العلوم ولاسيما في الحديث أما الأسئلة التي أجابها العلامة فهي تتعلق عن مثل درجة الأحاديث الواردة في السنن وغيره من الكتب المشهورة، والعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وموقف العلماء عند تعارض الأحاديث وهل يقدم النسخ على الجمع؟، وهل يقدم الجمع على الترجيح أم يقدم الترجيح على الجمع؟، وما هي أوجه الترجيح؟ وموقف العلماء من رواية الراوي إذا ترك العمل بظاهر روايته، وهل يتوقف عن قبول الحديث الصحيح إذا عارض قول الصحابي أو فعله؟

     والباحث الكبير الشيخ عبد الفتاح أبو غدة يقول إن هذا الكتاب يتضمن أبحاثًا جامعة محررة شاملة متفقة لم ينهض لكتابتها أحد من قبله، فهذا الكتاب في طليعة كتب العلامة عبد الحيّ المثالية النادرة وقد سدّ هذا الكتاب شاغرًا كان الزمان ينتظر لمسدّها(21).

4 الرفع والتكميل في الجرح والتعديل:

     ألّفه العلامة عبد الحيّ، وهو كتاب موجز متداول يتناول الجهات المختلفة في أصول الحديث، وقد ألفه العلامة في ذي القعدة سنة 1301 للهجرة، وطبع عدة مرات في الهند وخارجها من البلدان العربية، كما طبع أخيرًا بـ«حلب» سنة 1383 للهجرة بعد أن حقّق وعلق عليه الباحث السوري الشيخ عبد الفتاح أبوغدة ثم طُبع مرة ثانية بنفس البلاد سنة 1380 للهجرة.

     استهل المؤلف في مقدمة الكتاب ببيان سبب تأليفه وصرّح أنه إذ رأى كثيرًا من علماء عصره يمشون في متن النص خبط عشواء كأنهم الحباري في الصحارى والسكارى في الصحارى، فدفعه هذا الشيء إلى تأليف هذا الكتاب ردًا لهم وتنبيهًا لما يهاونون بهذا الأمر، ثم أراد المؤلّف أن يدوّن بهذا الصدد رسالة شاملة يعالج فيها المسائل المختلفة التي تتعلق بالجرح والتعديل والمناهل المربوطة بأئمة الجرح والتعديل لتكون هذه رسالة هادية رائدة إلى الطريق النقي الصافي الصواب(22).

     فالكتاب طبعًا ذو أهمية قصوى وقد تلقّى قبولاً مشكورًا بين الأوساط العلمية واعترف بفضله وأهميته علماء كبار، يعدّ هذا الكتاب من جهة أخرى من أهم المراجع والمصادر الموجودة في علم الجرح والتعديل، ولا نبالغ إذا نقول إن هذا الكتاب در باهر من درر الإمام عبد الحيّ العلمية، ويمتاز بميزات متعددة من بقية إنتاجاته العلمية، والمنهج التحقيقي الذي التزمه فيه المؤلف منقطع المثال ما لابد لكل من يهم بالعلوم الإسلامية أن يلاحظه كل الملاحظة(23)، فالكتاب حقًا يسدّ الحاجة المسيسة في وقت ملائم؛ لأن المؤلف دوّنه عندما رأى كثيرًا من الناس حتى العلماء يناقشون ويتكلمون في الجرح والتعديل غافلين عن الكثير من مصطلحاته ومبادئه الأساسية المعروفة عند أئمة هذا الشأن حتى أنهم لايعلمون الفروق بين الجرح المبهم والجرح غير المبهم وبين ما هو مقبول وما هو غير مقبول عند الفقهاء المعتمدين، ولايعلمون مراتب الأئمة، وتشتمل مقدمة الكتاب على ثلاثة إيقاظات يذكر فيها المؤلف ملاحظات وتجارب هامة في هذا المجال، ثم يعالج مشروعية الجرح وعلله حيث أثبت بالأدلة القيمة أن الجرح ضرورة شرعية مالابد منه ثم يذكر شروط الجارح والمعدل وآدابه وما يجب له بالاهتمام، ثم يعرض أربعة مراصد، والمرصد الأول يضيء الجرح والتعديل وما يقبل فيهما وما لايقبل ويتناول المؤلف هناك أقوالاً وآراءًا كثيرة في قبول الجرح، والمرصد الثاني يتناول مسئلة تقديم الجرح والتعديل والتعارض بينهما بالتفصيل، والمرصد الثالث يشرح ألفاظ الجرح والتعديل ومصطلحاتها ودرجتهما عند المحدثين والنقاد، والمرصد الرابع يعرض فيه المؤلف فوائد مهمة حول كتب أسماء الرجال وأخبارهم وغيرها من الاصطلاحات الحديثة وبسط فيها الكلام وقسّمها في واحد وعشرين إيقاظاً.

     بالجملة أقول أن الكتاب يحوي حقّا فوائد جيدة مهمة ما لا غنى عنها لكل باحث أو محقق من يهتم بأصول الحديث وأنه طبعًا يشفى غليل الدارسين والقراء بكل المعنى، ومن ثَم اقترح الباحث الشامي الكبير عبد الفتاح أبو غدة عن هذا الكتاب نحو:

     «هو أول كتاب في موضوعه ولم يطرق هذا الباب أحد من قبله على تمادى العصور ووفرة الحفاظ والنقاد والمؤلفين في علوم الحديث»(24).

6 زجر الناس على إنكار أثر ابن عباس:

     هذه الرسالة ملحقة بمجموعة الرسائل الخمس للعلامة عبد الحيّ من رقم الصفحة 100 إلى الآخر، وطبعت لأول مرة في المطبع اليوسفي بلكناؤ في ذي الحجة سنة 1337 للهجرة، وتفرغ المؤلف من تسويدها في 27 ذي القعدة 1292 للهجرة، وكان في مكة المكرمة حينئذ، وتشتمل الرسالة على تحقيق أثر من آثار عبد الله بن عباس التي ذكرها في تفسير الآية التالية من سورة الطلاق:

     «اَللهُ الذي خَلَقَ سَبْعَ سَموَاتِ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ»(25).

     أما أثر ابن عباس الذي ورد بهذا الصدد هو نحو:

     «سبع أرضين، في كل أرض نبيٌ كنبيّكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى».

     يطلق بعض العلماء على هذا الأثر بالضعف والوضع، ويعدّونه ضعيفًا موضوعًا، وبعضهم يعدّونه منقولاً من الإسرائيليات، والبعض يعترضون عليه بطرق أخرى؛ ولكن المؤلف نفسه يعدّ هذا الأثر صحيحًا، وبذلك نراه يدافع عن أسناده وروايته في الباب الأول حيث يحاول إزالة الشبهات والشكوك المتعلقة عن أسناده ورواته، والباب الثاني من الكتاب يحوي معنى الأثر والنقاط الملحوظة فيها، أما الخاتمة فيُتمّ فيها المؤلف كلامه على النحو التالي:

     «هذا آخر الكلام من هذا المقام وكان الاختتام يوم الثلثاء التاسع والعشرين من ذي القعدة من أشهر السنة الثانية وتسعين بعد الألف والمأتين من الهجرة بمكة المكرمة».

     وبالجملة يمكن لنا بالقول إن المؤلف حاول في هذه الرسالة النادرة بإثبات أثر ابن عباس المذكور صحيحًا من ناحية المتن والسند واللفظ والمعنى بل من كل النواحي المطلوبة.

7 شرح الحصن الحصين للكنوي:

     ألف الإمام عبد الحيّ هذا الشرح أيضًا واسم الكتاب الأصلي الكامل هو «الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين» وهو من أشهر مؤلفات الشيخ شمس الدين محمد بن الجزري، وشرحه الإمام عبد الحيّ اللكنوي مباشرة دون أي تمهيد أو تقديم، ولم يذكر فيه سبب تأليفه كما كان ذلك عادته في جميع مصنفاته، إلا أنه أورد سيرة الشيخ الإمام شمس الدين محمد بن الجزري في آخر الكتاب، ثم عرض عقبها هامش المراجع والمصادر، ويشتمل هذا الشرح على 252 صفحة بالتقطيع الكبير.

     طبع الكتاب أول مرة بمطبعة «نجم العلوم» بلكناؤ سنة 1278 للهجرة، ثم أعيدت طباعته بنفس المطبع سنة 1306 للهجرة، شرح الإمام عبد الحيّ اللكنوي فيه الألفاظ ومعانيها من الناحيتين اللغوية والشرعية، وحاول إزالة الشبهات المتعلقة بكلمات الحديث ومصطلحاته كما قارن من جهة ثانية بين الآراء لمن سبقه من العلماء ولاحظ العلامة عبد الحيّ في هذا الشرح النقاط التالية.

     الأولى: شرح الألفاظ ومعانيها لغة وشرعًا.

     والثانية: جمع نسخ الكتاب المذكور ثم المقارنة بينها.

     والثالثة: عزو الأحاديث إلى مصادرها إذا استدعى إليها الأمر.

     الرابعة: إزالة بعض الشبهات المتعلقة بكلمات الحديث واصطلاحاته.

     الخامسة: نقل الآراء لمن سبقه من العلماء في شرح الكتاب.

     ومن أهم ما يحكى عن هذا الكتاب هو أن العلامة اللكنوي كان يقدم المراجع والمصادر لكل ما ينقله من آراء العلماء وأقوالهم واقتراحاتهم، فهذا يدل دلالة واضحة على أمانته العلمية، غير أن شرحه هذا يمتاز بين بقية سائر شروح هذا الكتاب بما أضاف فيه المؤلف من الفوائد القيمة الغالية الوافية التي لاتوجد في غيره من الشروح، والمنهج الإبداعي الذي اختار فيه العلامة هو حقًا جديد وتحقيقي جدير بالثناء.

8 ظفر الأماني في مختصر الجرجاني:

     كان السيد شريف من أعلام القرن الثامن للهجرة، وألف كتابًا مختصرًا في أصول الحديث سمّاه «المختصر في علوم الأثر»، فتناوله بعد ذلك الشيخ أبوالحسنات محمد عبد الحيّ الشرح القيم بعد خمسة قرون من زمانه، وسمّاه «ظفر الأماني في مختصر الجرجاني» واستكمل إعداد هذا الشرح قبل وفاته بقليل سنة 1304 للهجرة(26).

     يذكر المؤلف اسمًا آخر لهذا الكتاب في تأليفه الآخر «مقدمة عمدة الرعاية» وهو «ظفر الأماني بشرح المختصر المنسوب إلى الجرجاني»، والذي أتبعه بعد ذلك تلميذه محمد عبد الباقي الفرنجي محلي والمؤرّخ الشهير عبد الحيّ الحسني.

     وطبع هذا الكتاب سنة 1304 للهجرة بمطبعة جشمة فيض في لكناؤ، ومخطوطته موجودة بقلم المؤلف في مكتبة آزاد بجامعة عليكره الإسلامية.

     يستهل المؤلف في مقدمة الكتاب بسبب تأليفه فيقول:

     «إن أجلّ ما صُنّف في علم أصول الحديث من المختصرات هو المختصر المنسوب إلى الفاضل النبيل والعالم الجليل، الجامع بين المنقول والمعقول، الحاوي على الفروع والأصول، سيد فضلاء دهره وسند علماء عصره الشيخ السيد علي الشريف الجرجاني، تروح روحه بالكرم الرباني، لذلك تراه اشتهر كاشتهار الشمس في رابعة النهار وطار صيته في الأمصار كالطائر في الأقطار ورأيت الناس في هذا الزمان قد اشتغلوا بدرسه وتدريسه ولم أر له شرحاً يكفي لحل جليه وخفيه، فألهمني الله تعالى أن أكتب له شرحاً حاويًا لأصول المطالب، وافيًا بتحقيق المآرب، وذلك حين جاء بعض المتردّدين إلى قراءة المختصر المذكور علىّ»

     فاتضح لنا مما سبق وضوحاً تاماً أن العلامة عبدالحيّ ألف هذا الكتاب بالسببين الرئيسين، والأول أن الكتاب «مختصر الجرجاني» كان بحاجة ماسّة إلى حلّ الغوامض والأسرار، والثاني أن العلامة اللكنوي كان يحسّ ويشعر مدى الاختصار في كتاب «نزهة النظر» لابن حجر العسقلاني، ومع أن الكتاب يُعتبر من أهمّ الكتب المؤلّفة في أصول الحديث، ولكن غليل الطلبة لا يروى بسبب إيجازه الأكيد، فأراد العلامة عبد الحيّ أن يشرح متن الجرجاني ليكون حاويًا على التحقيقات النفيسة، وجامعًا لفوائد علم أصول الحديث من دون تطويل مملٍّ ليعمّ النفع به.

     ومع أن الإمام عبد الحيّ قام في هذا الكتاب بشرح قيّم متداول ممتاز لـ«المختصر في علوم الأثر» فكان الكتاب بمسيس الحاجة إلى المزيد من التحقيق والتعليق والتصحيح وكل ما كتبه العلامة عبد الحيّ فيه، فقام بأداء هذه المسؤولية سعادة الشيخ المحدث العلامة تقي الدين الندوي وأدّاها بأحسن أسلوب ما يجدر بالمدح والثناء نظرًا إلى ما وفّق إليه النظر العميق والاعتناء البالغ، وجاء تحقيقه في أحسن أوانه وأفضل زمانه، تلقاه الناس بقبول حسن، وقامت بطباعته ونشره مؤسّسة الريان في بيروت فطبعتـه بطبعـة أنيقـة، ولمـا استلم هذا الكتاب معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، كتب إلى سعادة الشيخ العلامة تقي الدين الندوي رسالة جاء فيها:

     «سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

     أما بعد:

     «فقد تلقّيت نسخة من كتاب ظفر الأماني في مختصر الجرجاني للإمام أبي الحسنات محمد عبد الحيّ اللكنوي، وإذ أشكر لكم هذا الإهداء، أقدر ما بذل في التحقيق والتخريج والتعليق من جهد متميز وأسأل الله للجميع للعون والتوفيق».

     وكذلك جاء في رسالة أخرى لمعالي الشيخ محمد بن ناصر العبودي نائب الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة:

     «فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي حفظه الله تعالى،

     سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

     فقد تسلّمت كتاب «ظفر الأماني في مختصر الجرجاني» للإمام أبي الحسنات محمد عبد الحيّ اللكنوي، أشكركم على إرساله وقد تصفّحته واستعرضت تحقيقكم له وما علقّتم به عليه من فوائد وفرائد علمية مهمة، أثابكم الله وزادكم من التوفيق إذ وجدت عملكم فيه بارزًا».

*  *  *

هامش المراجع والمصادر:

مقدمة الشيخ عبد الفتاح على الأجوبة العشرة الفاضلة، ص:7.

العلامة عبد الحيّ: الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، ص:49-50.

نفس المرجع، ص: 50.

الشيخ عبد الفتاح أبوغدة: مقدمة على سباحة الفكر في الجهر بالذكر للعلامة عبد الحيّ، ص:5.

سورة الطلاق: 12.

العلامة عبد الحيّ اللكنوي: ظفر الأماني في مختصر الجرجاني، ص:2.

 

*  *  *



(*)  طالب في الدكتوراة بجامعة عليكره الإسلامية.

         irshadul.haqq@gmail.com