مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، ذوالحجة 1434 هـ = أكتوبر - نوفمبر 2013م ، العدد : 12 ، السنة : 37

 

 

كلمة المحرر

 

 

شهر ذي الحجة بجدد كلّ عام إيمان المسلم بالتضحية والفداء لدينه

 

 

 

 

 

 

        نمرّ بأشهر الحجّ التي احترمها الإسلام أوفى الاحترام، ولاسيّما شهر ذي الحجة الذي تؤدى فيه شعائر الحج ومناسكه، وهو عبادة بدنية مالية تحوّل المسلم بريئًا من الذنوب كيوم ولدته أمه، والحج إذا كان مبرورًا ليس له جزاء إلاّ الجنة، وهذا الشهر يذكر المسلم بصفة خاصّة بأنه مُطالَبٌ لكي يعيش مسلمًا حقًّا أن يقدم تضحيات بأنواعها إذا اقتضتها حاجة دينية ومصلحة إسلامية، تضحيات بالمال وبالراحة وبالوقت وبالنفس وبأغلى الأشياء لديه، وأنه لايتلكأ في تقديم أي تضحية يقتضيها منه دينه وعقيدته اللذان يؤثرهما دائمًا على نفسه.

     إن تقديم التضحية بالحيوانات التي رضيها الإسلامُ أضاحي، إنما هو درس يُعَلِّم الإسلام أبناءَه من خلاله أن حياتهم كلها ينبغي أن تكون عبارة عن التضحية، يقدمونها كلما يطلبها منهم دينهم الذي هو أغلى لديهم من نفوسهم وأهلهم ومالهم وكل شيء في الكون. وكلما طلع ذو الحجة يتذكر المسلم هذا الدرس، ويراجعه ويجدده في ذهنه، ويؤكد العهد بالتضحية الذي قطعه على الله عز وجلّ أنه لن يتردّد في الاستجابة لدواعي التضحية لدى أي حاجة دينية ومصلحة عقدية وضرورة إسلامية. ولو أن المسلم ظلّ على مستواه من الوفاء بالعهد بتقديم التضحيات الذي يقطعه مع ربّه من خلال إسلامه، لما شعر بأي صعوبة في طريق العمل بدينه، ولهانت عليه المصائب كلها التي تعترض سبيلَه في شأن تنفيذ شريعة الله على نفسه أو على المجتمع حوله. ألا إنما تشق عليه الصعاب المعترضة سبيلَ دينه وعقيدته؛ لأنه ينسى هذا الدرس العظيم: درس تقديم التضحيات بأنواعها في سبيل دينه وعقيدته؛ لأنّ العمل بالدين بنحو صحيح هو التضحية بعينها، وقد بدأ الإسلام مسيرته بالتضحية، وإن الحياة الملكية كلها عبارة عن التضحيات الجسيمة؛ حيث إن السابقين الأولين من الصحابة رضي الله عنهم قد قطعوا سبيلَهم إلى الدين على الشوك والقتاد، وجميعُ لحظاتهم كانت تضحيات لا يُتَصَوَّرُ ما فوقها. ولو شاء الله لجعل انطلاقة الإسلام الأولى هذه هينة لينة؛ ولكن الله تعالى شاءت حكمته أن يجعلها درسًا لكل من يأتي بعد من أجيال الإسلام إلى يوم القيامة ليتعلم من بلال، وعمار، وصهيب، وسمية، وغيرهم درس التضحية والفداء. ولو ألقينا نظرة على حياة الصحابة في مكة وفي المدينة وفي كل مكان توجهوا إليه لنشر الدين وإعلاء كلمة الله، لعلمنا أنّها كانت مثالاً للتضحية والفداء.

     إنّ الإسلام ليس دين راحة واستجمام ومكاء وتصدية كغيره من الأديان البالطة، وإنما هو دين اختبار وامتحان متصلين مستمرين «أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمنَّا وَهُمْ لاَيُفْتَنُونَ» (العنكبوت/2). «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَ الثَّمَرٰتِ وَبَشِّرِ الصّٰبِرِيْنَ» (البقرة/155). «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِيْنَ أُوتُو الْكِتٰبَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كثيرًا وإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» (آل عمران/186).

     إنّ ما يحدث اليوم في العالم كله حتى في داخل العالم الذي يُصَنَّف «إسلاميًّا» ضدّ الإسلام والمسلمين ولاسيما الملتزمين بالدين الذين يُدْعَون «إسلاميين» من صنوف الابتلاء حتى التضحية بالأنفس فضلاً عن الأموال والممتلكات، إنما هو اختبار وامتحان لا معدى لهم عنه حتى يعلم الله الصابرين من غيرهم والصادقين في الدين من غير الصادقين. وتلك هي سنّة الإسلام مع أبنائه التي أرادها الله تعالى لحكمة يعلمها ولا يعلمها الإنسان.

     لقد شاءت حكمته أن يَدَّخِر لأعدائه من الكفرة الفجرة ومن ينحو نحوهم ممن يَتَسَمَّوْن بأسماء إسلاميّة من معاداة الله ورسوله ومحاربة أوليائه والحيلولة دون العمل بالإسلام وشرائعه، ويتقلّبون في البلاد ويفرحون ويمرحون بتعذيب الإسلاميين وتقتيلهم واعتقالهم وتشريدهم واتهامهم ومحاكمتهم ومعاقبتهم؛ أن يدخر لهم عذابًا أليمًا في الآخرة وافتضاحًا مخزيًا في الدنيا، فهم لايحبهم أي مسلم صادق الولاء لله ولدينه ولرسوله ولكتابه، وإنما يزدادًا حبًّا للإسلاميين ونقمة على هؤلاء الكفرة وأوليائهم وعملائهم الفسقة المتنكرين للإسلام الذين يزدادون ظلمةً في وجوههم وقلوبهم، وقد تتحوّل نِعَمُهم الدنيوية التي من أجلها يتنكّرون للإسلام ويحاربون الإسلاميين، جحيمًا لا تُطَاق.

     إن المسلم يُجَدِّد إيمانَه ويَشْحَذُ يقينَه ويُثْرِي هممه بشهر التضحية والفداء: شهر ذي الحجة، شهر الأضاحي التي هي سنة أبيه إبراهيم، شهر أداء شعائر الله ومناسك عبادته العظيمة الجليلة: عبادة الحج التي تحوله بريئًا من ذنوبه، وتجعله يولد ولادة جديدة، فيصبح إنسانًا غير ما كان من ذي قبل.                                     [التحرير]

(تحريرًا في الساعة 11 من صباح يوم الثلاثاء: 3/ذوالقعدة 1434هـ = 10/سبتمبر 2013م)