مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، محرم – صفر 1435 هـ = نوفمبر - ديسمبر 2013م ، العدد : 1-2 ، السنة : 38

 

الفكرالإسلامي

 

دعوة الإسلام إلى التكافل المعاشي بين المسلمين

بقلم:  د. رشيد كهوس (*)

 

 

 

        يقول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلٰوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (التوبة:71).

     ويقول عز من قائل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(المائدة: 2).

     عن النُّعْمَان بْنَ بَشِيرٍt، قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»(1).

     وعَنْ أَبِى مُوسَى t عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًاوَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ»(2).

     لقد أقام الإسلام تكافلاً مزدوجاً بين الفرد والجماعة، فجعل السعي للمصلحة العامة واجباً من واجبات كل منهما، فالفرد في مجتمع العمران مسئول تضامنيًا عن حفظ النظام العام وعن التصرف الذي يمكن أن يسيء إلى المجتمع أو يعطل بعض مصالحه، وفيما ذكرته سابقًا من الأدلة يُشَكِّل دليلاً كافياً على التكافل الواجب داخل الجماعة.

     وأما التكافل بين جميع المجتمعات الإنسانية فهو الذي يرسم طريقه قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات:13).

     فهي تعلن مبادئ تواصل عمراني أخوي وتكافل جماعي بين جميع البلدان بموجبه تنتظم كافة المجتمعات الإنسانية في رباط عالمي هدفه النهائي والحقيقي إقامة مصالح العالمين ودرء المفاسد عنهم وتبادل المنافع فيما بينهم، مادية ومعنوية، علمية وثقافية واقتصادية، مع الحفاظ على خصوصيات كل مجتمع وكيان، دون تهديد لتلك الخصوصيات بما يهدمها أو يلغيها، وأساس ذلك إحساس الجميع بوحدة أصلهم ومنشئهم ومصيرهم، والمهام المطلوبة منهم، والغاية التي وجدوا من أجلها.

     والتكافل داخل الجماعة يشمل:

1- كفالة المسنين:

     عن أَنَس بْن مَالِكٍ t قال: جَاءَ شَيْخٌ يُرِيدُ النبي صلى الله عليه وسلم، فَأَبْطَأَ الْقَوْمُ عَنْهُ أَنْ يُوَسِّعُوا لَهُ، فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا»(3).

     انطلاقاً من هذا الحديث النبوي الشريف يتبين لنا العناية التي وجهها الإسلام للمسنين واعتبرهم مستحقين الشيء الكبير من الرعاية مقابل ما بذلوه من جهود لإسعاد الجيل الذي ربوه ورعوه، وقد أناط الإسلام هذه المسؤولية بالأبناء أولاً، فهي إلزامية لهم،  أما إذا لم يكن لهم أبناء انتقلت المسؤولية عنهم إلى المجتمع ممثلاً في الدولة بصورة إلزامية، والباب مفتوح كذلك لأهل الخير والإحسان، كما رغّبت نصوص الشرع في الإحسان إلى كبار السن خاصة العاجزين منهم.

2- كفالة اليتامى:

     في الترغيب في كفالة الأيتام والعناية بهم،  والإحسان إليهم، وإعطائهم حقهم يقول الله جل جلاله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (الضحى:9-10)، ويقول عز من قائل: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْـمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْـمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْـمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْـمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلوٰةَ وَآتَى الزَّكَوٰةَ وَالْـمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُتَّقُونَ(البقرة:177).

     ويحض ربنا تبارك وتعالى على العناية بالأيتام وحفظ أموالهم والسعي في تنميتها والابتعاد عن كل تصرف ضار بها؛ فيقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ الله أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(الأنعام:152)، ويقول جل جلاله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً (النساء:2)، ويقول جل ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً(النساء:10).

     عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ t قَال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كَافِلُ الْيَتِيمِ(4) لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ(5) أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ»(6).

     سبق أن تحدثت عن التكافل داخل الأسرة وأن الإسلام يهتم برعاية الأبناء وصونهم، ويجعل المسؤولية على الآباء ويلزمهم بالنفقة والرعاية حتى بلوغ سن الرشد مع القدرة على استقلالهم بالمسؤولية .

     فإذا فقد هؤلاء الأبناء آباءهم فإن المسؤولية المذكورة تنتقل بشكل متدرج إلى الأقارب القادرين، فإذا انعدموا، قامت المسؤولية على المجتمع بأسره.

     وفيما ذكرت من الآيات كفاية فيما يتعلق بكفالة الأيتام والعناية بهم.

3- رعاية حقوق المرأة:

     إن للمرأة جملة من الحقوق في شريعتنا الغراء، فلها حق التفكير، وحق التملك والتصرف في مالها بيعاً وشراءً، وإجارة وصدقة، ورهناً وهبة، ولها حق الحماية، وفي توكيل غيرها أو ضمانه، وأن تجير من تشاء إذا آوى إليها أحد طالباً أمنه وإجارته.

     كما لها حرية التدين، مثلها مثل الرجل، أن تؤدي فرائضها كاملة غير منقوصة؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولها حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

     وللمرأة حقها في الميراث بنتًا وزوجة وأمّاً، فقد جعل الإسلام للمرأة في بعض الحالات نصف نصيب الرجل؛ ولكنه في الوقت نفسه، جعل لها الصداق، وحق الإنفاق عليها، وبهذين الحقين يكون نصيبها مساويًا لنصيب الرجل أو أكثر.

     ولها حق الشهادة في غير الدماء مراعاة لعاطفتها وخلقتها النفسية. كما لها حق العمل فيما سمح به الشرع ووفق مبادئه الأخلاقية.

4- كفالة الفقراء والمساكين:

     يقول الله تقدست كلماته: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ(البقرة:273)، ويقول تقدست كلماته: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْـمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْـمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة:60)، ويقول جل جلاله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (البقرة:271).

     عن أنس بن مالك t، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، ويل للغني من الفقير، ويل للفقير من الغني، ويل للشديد من الضعيف، ويل للضعيف من القوي»(7).

     لقد جاءت في كفالة الفقراء والمساكين آيات تحض على كفالتهم ومشاركتهم آلامهم، والإحسان إليهم، وتنفيس الكرب عنهم، وبذل العون لهم مادّيًّا ومعنويّاً، وتفتح هذه الآيات المجال أمام التطوع وترغب في الإحسان والإكثار من الخير، وفيما ذكرته من النصوص الكفاية.

     فنجد الإسلام سلك مسلكاً سديدًا يحمي المجتمع ويحصنه من الفقر والعوز، ففي الوقت الذي يفتح فيه المجال أمام الجميع للسعي والعمل، ويزيل العقبات الكأداء من طريقهم، فإنه يفرض على المجتمع المسؤولية الكاملة عن فقرائه العاطلين الذين لا يجدون عملاً أو لا تتسع مواردهم لتسديد حاجاتهم. وذلك من خلال فريضة الزكاة التي تتمثل في قيمة2،5% من ثروة المجتمع (أو أكثر حسب نوع المال المزكى) تجنيها الدولة كل عام لتردها على الفقراء والمساكين وباقي الأصناف الثمانية المذكورة في القرآن الكريم من مصارف الزكاة.

     كما يعلن مسؤولية الدولة عن توفير العمل لمن لا يجد عملاً وإيجاد ميادين العمل وفتح أبوابه أمام العاطلين، بل إنه يجعل للإمام - في الحالات التي يهدد فيها التوازن الاجتماعي وتميل فيه الكفة نحو احتكار المال في أيد محدودة- يجعل له الحق في أن يعيد الأمور إلى نصابها ويتخذ من الإجراءات ما يراه كفيلاً بإعادة التوازن إلى المجتمع.

5- مساعدة المدين المعسر:

     يقول الله عز اسمه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (البقرة:280).

     عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ t طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ. فَقَالَ: آلله قَالَ: آلله. قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ»(8).

     وعن أبي هُرَيْرَةَ t عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ الله أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ»(9).

     وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيه»(10).

     فمساعدة المدين المعسر والتيسير عليه مبدأ عظيم جاءت به الشريعة الإسلامية الغراء، رحمة بالمعسرين وتقديرًا لظروفهم القاسية وأحوالهم الصعبة، وهو عنصر قوي من عناصر التكافل الاجتماعي بين أبناء الأمة؛ حيث يسهم في وحدة المجتمع ويجعلها متينة، قائمة على الأخوة والمحبة، والتضامن والوئام، والتعاون والتراحم.

     وهذا المبدأ -التيسير على المدين المعسر- تفتقده الحضارة المادية الراكضة وراء سراب الشهوات الفانية في الوقت الذي تنعق فيه بحقوق الإنسان.

6- رعاية حق الجار:

     إن من مظاهر التكافل الاجتماعي في الإسلام رعاية حقوق الجوار فقد أكد الإسلام على البر بالجار وصلته وكف الأذى المادي والمعنوي من طريقه وإيصال الخير إليه.

     ولهذا فإن المجتمع الإسلامي يمتاز بحسن التجاور بين المسلمين. وإن من أهم ما تشكوه مجتمعات الاستهلاك المكونة من الأسر الأنانية على نمط الجاهليين أن الناس أصبحوا لا يأبه بعضهم لبعض، ولا يهتم بعضهم بببعض... فآصرة الأخوة الإسلامية الجامعة تقرب الأسر، وتربطها بحقوق ضبطها الشرع وحث عليها في الكثير من النصوص القرآنية والحديثية.

     يقول الله جل وعلا: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْـمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ  مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً(النساء:36).

     عَنْ الصِّدِّيقة ابنة الصِّدِّيق - رضي الله عنهما- عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ»(11).

     وعَنْ أَبِى شُرَيْحٍ t أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَاللهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللهِ لاَ يُؤْمِنُ، وَاللهِ لاَ يُؤْمِنُ». قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ».(12)

     وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ t عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ»(13).

     وحدد حقوق الجار في الحديث الذي رواه بَهْز بن حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنهم، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، مَا حَقُّ جَارِي عَلَيَّ؟، قَالَ: «إِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ، وَإِنْ مَاتَ شَيَّعْتَهُ، وَإِنِ اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ، وَإِنْ أَعْوَزَ سَتَرْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّأْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ، وَلا تَرْفَعْ بناءَكَ فَوْقَ بنائِهِ فَتَسُدَّ عَلَيْهِ الرِّيحَ، وَلا تُؤْذِهِ بِرِيحِ قِدْرِكَ إِلا أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا»(14).

7- إكرام الضيف:

     إن من الخصال الحميدة والأخلاق الحسنة التي حض عليها الإسلام إكرام الضيف، حيث اعتبر إكرام الضيف خلقًا طيبًا كريماً يدل على صدق إيمان صاحبه وتمسكه بسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.

     وعلاوة عن ذلك فإن إكرام الضيف بالقرى والخدمة والملاطفة، هو من سمت الدعوة، وأهم آدابها.

     عنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ»(15).

8- الإحسان إلى الغريب:

     لقد حض الإسلام على الإحسان إلى الغريب(ابن السبيل)(16) وجعل له نصيبه من الزكاة فقد ذكره في الأصناف الثمانية المستحقة لفريضة الزكاة. يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْـمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْـمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(التوبة:60)، ويقول تقدست أسماؤه: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ(الروم:38).

9-إسعاف المحتاج:

     عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنِ احْتَكَرَ طَعَاماً أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَبَرِئَ اللهُ تَعَالَى مِنْهُ، وَأَيُّمَا أَهْلِ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعٌ؛ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللهِ تَعَالَى»(17)، والإسلام يدعو إلى إسعاف المحتاجين، فعلى المسلم أن ينقذ كل محتاج إذا كان ذلك في استطاعته. كما يعطي الإسلام الحق لمن وصل إلى هذه الدرجة  المذكورة في الحديث أن يأخذ ما يدفع عنه الجوع من الآخرين.

10- رعاية حق الصديق:

     إن القيام بحقوق الصداقة لمن الوفاء الذي يدعو إليه الدين الحنيف والرأي الحصيف؛ لذلك وجب الوفاء بحقوق الصداقة؛ لأنها من المروءة والدين، كما أن خيانتها من خوارم المروءة ونواقض الأخوة، وإن من الحقوق أن يحب المرء لصديقه ما يحب لنفسه، وأن يعوده إذا مرض، ويسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، وينصح له إذا استنصحه، ويشمته إذا عطس، ويتبعه إذا مات...

     عن جابِر بْن عَبْدِ اللهِ وَأَبي طَلْحَةَ بن سَهْلٍ الأَنْصَارِيَّيْنِ رضي الله عنهما يَقُولاَنِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِماً عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلاَّ خَذَلَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ امْرَأً مُسْلِماً فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلاَّ نَصَرَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ»(18).

11- الإحسان إلى غير المسلمين الذين لم يقاتلونا:

     إن أساس التكافل الاجتماعي هو كرامة الإنسان؛ يقول الله جل شأنه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً(الإسراء:70).

     وعليه، فإن التكافل الاجتماعي في الإسلام ليس معنيًّا به المسلمون المنتمون إلى جماعة المسلمين  فقط؛ بل يشمل كل المنتمين إلى مجتمع الإسلام  على اختلاف نحلهم واعتقاداتهم، يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْـمُقْسِطِينَ(الممتحنة:8).

     عن جسر بن أبي جعفر، قال: شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة، قرئ علينا بالبصرة: «أما بعد، فإن الله سبحانه، إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام واختار الكفر عتوًّا وخسرانًا مبيناً، فضع الجزية  على من أطاق حملها. وخل بينهم وبين عمارة الأرض؛ فإن في ذلك صلاحاً لمعاش المسلمين، وقوة على عدوهم، وانظر من قبلك من أهل الذمة، قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه. فلو أن رجلاً من المسلمين، كان له مملوك كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، كان من الحق عليه أن يقوته أو يقويه، حتى يفرق بينهما موت أو عتق، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة، يسأل على أبواب الناس، فقال: ما أنصفناك إن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك، ثم ضيعناك في كبرك. قال: ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه»(19).

*  *  *

الهوامش:

صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، ح6751.

صحيح البخاري، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره؛ صحيح مسلم، باب تراحم المؤمنين وتعاتطفهم.

سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة الصبيان، ح1919. مسند أحمد بن حنبل 1/257، والبخاري في الأدب المفرد، باب فضل الكبير، ص129، قال الألباني: صحيح.

كافل اليتيم: القائم بأموره من نفقة وكسوة وتربية وتأديب وغير ذلك... وهذه الفضيلة تحصل لمن كفله من مال نفسه أو من مال اليتيم بولاية شرعية.

له أو لغيره: فالذي له؛ أن يكون قريبًا له كجده وأمه وجدته وأخيه وأخته وعمه وخاله وعمته وخالته وغيرهم من أقاربه... والذي لغيره أن يكون أجنبيًّا.

صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين، ح7660.

شعب الإيمان، البيهقي 6/47. مسند أبي يعلى الموصلي 7/80.

صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب فضل إنظار المعسر، ح4083.

صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب السهولة والسماح في البيع والشراء، ح1972.

صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، ح7028.

صحيح البخاري، باب الوصية بالجار. صحيح مسلم، باب الوصية بالجار والإحسان إليه.

صحيح البخاري، باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه. صحيح مسلم، باب بيان تحريم إيذاء الجار.

صحيح مسلم، باب الحث على إكرام الجار والضيف، صحيح البخاري، باب من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر.

المعجم الكبير، الطبراني 19/419.

موطأ مالك، كتاب الجامع، باب جامع ما جاء في الطعام والشراب، ح3434. صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ح5672.

وهو الذي انقطعت به السبل ولم يستطع الوصول إلى بلده.

مسند أحمد بن حنبل 2/33.

مسند أحمد بن حنبل 4/30.

الأموال، لابن زنجويه 1/169-170.

*  *  *



(*)  أستاذ بكلية أصول الدين بـ«تطوان» جامعة القرويين، المغرب.