مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، محرم – صفر 1435 هـ = نوفمبر - ديسمبر 2013م ، العدد : 1-2 ، السنة : 38

 

دراسات إسلامية

 

إسرائيل وسياسة فرض الأمر الواقع

بقلم:  اللواء الركن (م) سلامة بن هذال بن سعيدان

 

 

إن المعتقد الديني لإسرائيل وسجلها التاريخي، وما ينصّان عليه من تقديس الحرب والدعوة إليها، وتحويل العقيدة الدينية اليهودية إلى نظرية سياسية تستند إلى وعود إلهية، وتطالب بحقوق تاريخية، كل ذلك يقف شاهدًا على فكر متطرف، ونهج متعسف، تنطلق مشروعيته ومبرراته من التوراة، وترسم النظرية الصهيونية أصوله وممارساته.

     والصهيونية العالمية هي التي تَبَنَّتْ فكرةَ قيام دولة إسرائيل، واعتبرت انضمام يهود العالم إليها حقيقة لا جدال، ومهما تكن جنسية اليهودي فعضويته تمنحه الالتحاق بدولة إسرائيل، وتخول له حمل جنسيتها، وتفرض عليه أينما كان الولاء السياسي نحوها، وما يعنيه ذلك من التزام المنظمة الصهيونية بتقديم الدعم المادي والمعنوي للكيان الإسرائيلي الذي يشكل نواة تجمع الشعب اليهودي.

     والدولة العبرية تجعل من غايتها القومية مطلبًا لا تحيد عنه، ولا تساوم عليه، ولا يعيقها دونه عائق، متخذة من سياسة القوة وقوة السياسة وسائل لتحقيق مصالحها الوطنية، وهذه الغاية يتمحور حولها اعتبارات عقائدية وتاريخية وفكرية تشكل قوة محركة لها وتجسد إطارها العام، كما ترسم شكل ومحتوى المهام والأهداف الموجودة في داخلها والمتفرعة منها.

     والمنابع الدينية والتاريخية والأيديولوجية للفكر العسكري الإسرائيلي هي التي دفعت الدولة الإسرائيلية إلى اعتناق مبدأ العنف المطلق واعتبار القوة فوق الحق والغاية تبرر الوسيلة على النحو الذي مكنها من تطبيق ثوابت الاستراتيجية العسكرية وحرمان الخصم من تطبيقها، وجعلها جاهزة دائماً لمباشرة مهامها الاستيطانية والقتالية، وقد تجسد ذلك بوضوح فيما أقامته إسرائيل من مستعمرات استيطانية، وما شنته من حروب عدوانية، علاوة على ممارساتها السرية، وما اقترفته من أعمال إرهابية وفي ذلك يقول ابن قوريون: (إن كل تاريخ إسرائيل القديم يرويه لنا الكتاب المقدس ان هو بالدرجة الأولى إلا تاريخ إسرائيل العسكري الصرف.. لقد حارب اليهود الأوائل الأعداء وحين هُزموا بعد معركة يائسة آثروا أن يقتلوا أنفسهم في مسعدة على أن يستسلموا.. وقد رأت إسرائيل الحديثة في مسعدة رمزًا لإرادتها، فاليوم يقسم المجندون يمين الولاء فوق قلعة مسعدة وهم يرددون لن تسقط مسعدة مرة أخرى).

     وفرض الأمر الواقع باستخدام القوة، والتحول بسرعة من حال إلى آخر عن طريق الاستيطان وتكريس الوجود المادي بما يخدم هذا الواقع المفروض، ويوفر له غطاء سياسيا، كلها عوامل تلبي مطالب إسرائيل، وتنسجم مع نهجها الاستعماري والعدواني، إذ إن المهام المطلوب إنجازها مبنية على فرضيات باطلة وحقوق مزعومة الأمر الذي لا سبيل معه إلى فرضها إلا من خلال العنف والإكراه، خاصة وأن الكيان الإسرائيلي على يقين تام أن المطالبة بهذه الحقوق تعني في الوقت نفسه جحود حق الخصم، وأخذه بالباطل، وإجباره على القبول واعتبار الوضع الجديد أمرًامفروضاً وحقيقة قائمة، لا مجال للالتفاف عليها ولا سبيل إلى رفضها.

     ونظرًا لأن إسرائيل لا تؤمن بقانونية الحرب، واهتمامها منصبٌّ على اغتصاب الأرض والهجمات المتتالية، فإن الشكل الهجومي السريع والعنيف هو الذي يحقق أهدافها البعيدة، وتستطيع من خلالها خلق مواقف جديدة كلما تطلب الأمر ذلك، ولا سيما وأن العمل التعرضي أكثر قابلية للتوسع وفرض الأمر الواقع، وبالتالي الاستفادة من الواقع الجديد، واستثمار نتائجه عن طريق تحول المكاسب الموقتة إلى مكاسب دائمة بفضل الصمود والمبالغة في القوة واستغلال الوقت شريطة أن يتسربل الواقع المفروض برداء من الدبلوماسية الذكية والسياسة المراوغة، وأن يكون له سند يدعمه من الدعاية المنظمة والموجهة، وحول المبادأة وشكل الحرب الهجومية قال أحد ضباط إسرائيل: (لا نستطيع ولو لحظة واحدة أن نتخلى عن المبادأة أو نتركها تنتقل إلى يد الأعداء فيسبقوننا بشن الهجوم أولاً، لأنه إذا حدث ذلك فسوف يحطمون عمودنا الفقري).

     ومن منطلق إدراك إسرائيل بأن مفاهيم السياسة وقواعد الحرب لا تقاس بالمسطرة ولا تحسب بالأرقام، وليست علماً جامدًا فقد نوعت أساليبها ووسائلها للتعاطي مع السياسة وخفاياها والتكيف مع ظروف الزمان والمكان والاستفادة من ثوابت ومتغيرات الاستراتيجية السياسية والعسكرية والتعامل معها بما يحقق أهدافها، فمرة تستعرض القوة وتتبجّح بها، ومرة ثانية تتظاهر بالضعف، ومرة ثالثة تعمل في العلن، ومرة رابعة تمارس عملها في الخفاء، وفي كل حالة من هذه الحالات تخلق واقعا يتلاءم مع ظروفها، ويخدم تطلعاتها، ويتداعى له حقائق جديدة تكرس سياستها وتفرض وجودها السياسي والعسكري.

     وقوة إسرائيل العسكرية التي أضفت عليها الألقاب، وكالت لها المديح، ورادعها النووي الذي غلفته بغلاف من الشك ولوحت باستخدامه في حالات الخطر، كل ذلك لم يمنعها أحيانًا من التظاهر بالضعف والتهويل من شأن خصمها وتضخيم الخطر المحدق بها، والظهور بمظهر الدولة المستضعفة والمغلوبة على أمرها بغية تبرير عدوانها واكتساب غطاء سياسي لدعم موقفها، ودفع الرأي العام العالمي للتعاون معها والوقوف في صفها وحصولها على الدعم المادي والمعنوي، أو تحييد الرأي العام على الأقل وصرف نظره عما ترتكبه من جرائم، والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها هجومها الأخير على لبنان وحربها الظالمة وعملياتها الإجرامية في قطاع غزة، ناهيك عما حفل به صراعها مع العرب من التوسع وفرض جملة من المواقف الجديدة واحدًا تلو الآخر، مستغلة بعض المزايدات والتهديدات التي أطلقها بعض المحسوبين على العرب وتلقفتها القيادة السياسية وجسمتها وجعلت منها مادة للإثارة وتصوير العرب على هيئة وحوش ضارية تتربص باليهود لافتراسهم ورمي جثثهم في البحر.

     ومن جانب آخر فإن لجوء إسرائيل إلى النفخ في بالون الخصم والتهويل من أمره وتعظيم خطره رغم ما يشوب ذلك من تأثير سلبي على المعنويات في الداخل إلا أنه يزيد من استبسال المقاتلين ويجعلهم أكثر إصرارًا على الفوز وتحقيق النصر، خاصة وإن هؤلاء المقاتلين لديهم حصانة من هذا التأثير، وسبق تطيمهم ضده، حيث زرعت قيادتهم في نفوسهم حب البقاء وأنه ليس ثمة من خيار إلا النصر أو الموت، فالنصر يعني البقاء، أما الهزيمة فتعني الفناء وسوء المنقلب، ومن هنا أدى باعث التمسك بالحياة وحب البقاء إلى إيجاد المقاتل المستميت في سبيل الحياة الذي تتوفر عنده القناعة المطلقة بما ينتظره من سوء المصير والويل والثبور، إذا ما حلت به الهزيمة، وقد قال أحد قادة إسرائيل في حرب 1967م: (إن مصير أي شعب من الشعوب يشكل سلوكه، ومصيرنا جعل منا أمة من المحاربين، لأننا لا نستطيع أن نتراجع فإلى أين يمكننا أن نتراجع، وجنودنا يوقنون أنه لا يمكنهم أن يخسروا، وإلا حكموا بالإعدام على نسائهم وأطفالهم).

     وبهذا الربط بين النصر والبقاء من جانب، والهزيمة والموت من جانب آخر عملت إسرائيل على ترسيخ عقدة الخوف في نفوس المواطنين وربط الهزيمة أو الفشل بالموت أو الفناء، وأنه لا مناص ولا مهرب من توظيف هذه المفاهيم بالصيغة التي تحفز المقاتلين على حب البقاء والاستماتة في سبيل النصر، وفي ذلك مبايعة للنفس على البقاء والاستماتة في سبيله مع التعهد بخلق ظروف جديدة تساعد على المحافظة عليه واستقراره واستمراره.

     ومجافاة إسرائيل لجانب الحق واعتمادها على الباطل اضطرها ذلك إلى ارتداء رداء السرية لإخفاء أنشطتها غير الشرعية، ووضعها الشاذ هو الذي دفعها إلى هذه السرية لأن ممارساتها قائمة على الظلم واستباحة حقوق الآخرين، وهذه الممارسات الشاذة جعلتها تميل إلى بيئة الظلام وتحبذ العمل في الخفاء، معلنة غير ما تبطن، ومهتمة بخلق المواقف والافتراضات قبل تحويلها إلى حقائق ومن ثم فرضها بعد التحويل باعتبارها أمرًا واقعًا مع التكتم على هذا الواقع ريثما تضفي عليه الشرعية لاحقاً، وفي أعقاب حرب 1967م زار أحد الكتاب الفرنسيين إسرائيل و وصف هذا الوضع بقوله: (إن كل شيء في إسرائيل سر عسكري ومثلما كان جو السرية يحيط بالمنظمات غير الشرعية لفترة طويلة فقد أصبح العمل في الخفاء طبيعة ثابتة لم يعد في وسع الإسرائيليين التخلص منها.. ولم يتغير فيهم شيء منذ ذلك التاريخ).

     ولم تعتمد إسرائيل في خلق المواقف الجديدة وفرض الأمر الواقع لها على العمل العسكري فحسب بل قرنت ذلك بالعمل السياسي، إذ عمدت إلى تسخير السياسة لتبرير الواقع المفروض وإضفاء الشرعية عليه، كما دأبت عن طريق الدبلوماسية على تعزيز فرض هذا الواقع من خلال تأكيد وجوده المادي واستمرار سريان مفعوله، واتباع السياسة الخادعة من قبل إسرائيل ساهم في خلق مواقف جديدة في ظل التأثير المعنوي للقوة العسكرية وبمعزل عن الاستخدام الفعلي لها، ويدخل في هذا المفهوم تحدي إسرائيل للقرارات الدولية واعتبار رفضها وسيلة لفرض عكسها وما ترتب على هذا الرفض من مكاسب عديدة والمحافظة على استدامة هذه المكاسب، وفي الوقت نفسه جعل قرارات الأمم المتحدة في مهب الريح وأبطل مفعولها منطبقًا عليها قول الشاعر:

     و أي اتفاق أو معاهــــدة فمـا

                لها عندهم إلا القراطيس والحبر

     فلا ذمة ترعى ولا معنويــــــة

                كلامُهم لطف ولطفُهُم سحــر

     وكثيرًا ما أظهرت إسرائيل الرغبة الكاذبة في السلام بعد كل اعتداء أو حرب لصرف الأنظار عن جرائمها، وخلق واقع جديد والتعتيم على نتائج عدوانها، حتى تفعل السياسة فعلها، وتتولى مهمة تبرير العدوان وإخفاء معالمه وطمس آثاره بفضل ضجيج الدعاية الزائفة والدعوة الخادعة إلى السلام.

     وبما أن إسرائيل استهلت وجودها في المنطقة بالاعتماد على قوى خارجية، فإن هذه القوى خلقت الكيان الإسرائيلي وحققت له الكثير من الأطماع مقابل مشاطرته إياها في المحافظة على مصالحها واعتباره قاعدة لها في هذه المنطقة الحيوية والحساسة من العالم، وهذه المعادلة بكاملها وتقادم تاريخها ما هي إلا سلسلة من المواقف المفروضة التي تداخلت حلقاتها وجعلت من الصراع العربي الإسرائيلي صراعاً دوليًا معقدًا، اختلطت فيه المفاهيم وتشابكت فيه المصالح والشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى هي التي دفعت الثمن وأكتوت بنار الفتن وعانت من آثار المحن، وما أصدق قول الشاعر:

     وما تعقـد الأحــلاف إلا تحيُّلا

                علينا وبعــد اليوم ليس لنا عذرُ

     ويبنون في طول البلاد وعرضها

                قواعد حـرب لا يهدمها الدهـر

     وكل ممارسات إسرائيل الاستيطانية وحروبها التوسعية وسياساتها المتطرفة منذ نشأتها وحتى الآن تشهد على سياسة فرض الأمر الواقع التي برعت في إدارتها، وقطفت ثمارها حتى النهاية، وصراعها الطويل مع العرب يؤكد هذه الحقيقة حيث إنه ما كاد يستقر لها فرض الأمر في موقف حتى تشرع في الموقف التالي، وهكذا مع مرور الأيام وتراكم المواقف المفروضة وتبريرها نتيجة لتقادمها وتدخل السياسة فيها أصبحت إسرائيل قوة عسكرية وصناعية وسياسة ترفع أمام خصومها عصا السلاح النووي الغليظة ولسان مقالها و واقع حالها يقول: إنها قادرة على التهديد والتصدي للتهديد وفرض السلام الذي تريد.