مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، جمادى الثانية - رجب 1435 هـ = أبريل - مايو 2014م ، العدد : 6-7 ، السنة : 38

 

كلمة العدد

 

إنّا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد

 

 

 

 

        التصدّع الرهيب بين العالم الإسلامي الذي أدّى إليه الانقلاب العسكري النحس الذي قام به الجيش المصري بقيادة القائد العسكري المصري المدعو «عبد الفتاح السيسي» لن يشكّ إلاّ الأبله أن ذلك كان من المخطّط الكبير الذي أعدّته الصليبيّة والصهيونية، اللتان لم تكونا لتعجبهما الثورةُ الشعبية التي هبّت رياحُها في عدد من الدول العربيّة وأطاحت بعدد من الدكتاتوريّات التي أذاقت شعوبَها ويلات لحين سقوطها.

     إنّ الصهيونيّة والصليبيّة ظلّتا تَتَقَلَّبَان على أحرَّ من الجمر منذ أن وجدتا البلاد العربيّة إثر سقوط الدكتاتوريّات أنّها قد مالت إلى اختيار الإسلامية وصَوَّتَتْ شعوبُها في الانتخابات التي انعقدت فيها نزيهةً لأول مرة في تاريخها الطويل، لصالح الإسلاميين، واستبشرت جدًّا بصياغة الدستور في بلادها حسب الشريعة الإسلاميّة أو حسبما لايتعارض معها في مُعْظَمِ موادِّه وبنوده؛ ولكنّ إسرائيل والغرب وأمريكا أَسْخَطَها هذا الوضعُ فخَطَّطَتْ لتغييره من جذوره، فحَرَّكَتْ عملاءَها في تلك البلاد من العلمانيّين والليبراليّين وأذناب الدكتاتوريين السابقين ولاسيّما المنصوبين من قبلهم الدكتاتوريين في كل من الجيش والشرطة والقضاء والصحافة والإعلام وشتى المؤسسات الحكوميّة، فحاولوا جهدَهم مُؤَيَّدين ومُمَوَّلين من الغرب وأمريكا وإسرائيل، ونسجوا مؤامرة شاملة لتنحية الإسلاميين عن الحكم والسلطة، وجَنَّدُوا طاقاتهم لإثبات فشلهم في إدارة السلطة. وكانت مؤامرة عميقة اشترك في نسبحها الغرب وأمريكا وإسرائيل، وعملت على تنفيذها بدقّة وإحكام، حتى لاتلقى إخفاقًا في أيّ من فصولها وأدوارها.

     حَدَثَ ذلك في كل من البلاد العربيّة التي شَهِدَتِ الثورة على الدكتوريات فيها؛ ولكنّ ما حَدَثَ في هذا الشأن في مصر العربية الإسلامية أرض الكنانة كان أشدّ خطرًا، وأكبر أثرًا، وأوسع مدى، وأقوى إيلامًا وإضرارًا بالنسبة للإسلام والمسلمين؛ لأن مصر ليست كعامّة البلاد العربيّة، وإنما هي من دول المواجهة لإسرائيل؛ ولأنها هي التي ظلت تُمِدُّ البلادَ العربية كلها بالرجال من الأطباء والمهندسين والأساتذة والمعلمين والعاملين في شتى مجالات الحياة؛ ولأنّها غنّية بالأكفاء من الرجال في العلم والطب واللغة والأدب والفكر والثقافة والتبليغ والدعوة والتاريخ والتكنولوجيا؛ ولأنها تحتضن جامعة الأزهر من أقدم الجامعات الإسلاميّة في العالم ولذلك فظلت تقود العالمين الإسلامي والعربي قيادة علمية وثقافيّة منذ مدة طويلة من الزمان؛ ولأنّها إذا انحرفت عن المسار الصحيح أَثَّرَ ذلك تأثيرًا سلبيًّا مُبَاشِرًا خطيرًا على جميع البلاد العربيّة، وإذا صَحَحَّت جهتها فإنها تُؤَثِّر بالمقابل تأثيرًا إيجابيًّا شاملاً بعيد المدى على البلاد العربيّة خصوصًا والبلاد الإسلاميّة عمومًا.

     ولذلك فإنّ ما حدث في مصر التي ذلك هو أثرها وخطرها من الشذوذ عن الصراط المستقيم، والعودة مجددًا إلى عهد الظلام الدامس: عهد جمال عبد الناصر ومحمد أنور السادات وحسني مبارك، بل إلى أشدّ ظلامًا منه؛ لأن العصابة الإجرامية من رموز الدولة العميقة (Deep state) فاقت كمًّا وكيفًا وبكل المقاييس جميع الدكتاتوريات السابقة في مصر، في صبّ الويلات على الشعب المصري، وجرّبت معه ممارسة أنواع الجرائم التي تمارسها إسرائيل مع الفلسطينيين. ما حدث فيها حزّ في أعماق قلب الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها كما يحزّ القطيعُ الـمُحَرَّمُ.

     ولذلك كان طبيعيًّا أن تستبشر بذلك كله إسرائيل خصوصًا والغرب وأمريكا عمومًا؛ ولا سيّما لأن القيادة المصرية بعد الانقلاب على حكومة الإسلاميّين، اتَّخَذَتْ جميعَ المواقف التي تسرّ إسرائيل والقوى الصليبية كلها، فأعلنت اعتبارَ الإسلاميين ولاسيّما الإخوان المسلمين إرهابيين وفرضت على «حماس» كاملَ الحظر، وأغلقت معابر «رفح» التي كانت المتنفسَ الوحيدَ للفلسطينيين إلى مصر، وقتلت آلافًا من الإسلاميين، واعتقلت وحاكمت وسجنت كثيرًا لا يُحْصَىٰ منهم، وأصابت الكثيرين منهم بجروح لاتندمل، و وَجَّهَتْ إليهم تهَمًا إذا أُدِينُوا بها فسيُعْدَمُون شنقًا، ولاسيما رموز القيادة الإسلامية الشعبية في مصر، الذين يُنَالُون في السجون المصرية بتعذيبات احْتَجَّتْ ضدّها جميع منظمات الحقوق الإنسانية العالميّة التي رصدت كثيرًا من نوعيَّات التعذيبات التي تَقْشَعِرُّ منها الجلود بما فيها الممارسةُ الجنسيّة مع الرجال والنساء معًا، التي قامت بها الشرطة خلال الاعتقال وقام بها المسؤولون العاملون في السجون المصريّة.

     ولذلك لم يكن غريبًا أن يُصَرِّح كبارُ قادة إسرائيل على مرأى ومسمع من العالم أنّها لم تكن قطّ أوفر أمنًا من العهد الذي تعيشه اليوم إثر قيام الحكومة العسكريّة في مصر، التي أثبتت بمواقفها أنّها تحبّ الأمن والسلام والعلاقات الودّيّة الصميمة مع إسرائيل، من خلال اتخاذ خطوات عاجلة جدية نحو التشديد على الإرهابيين الإسلاميين، ومهّدت السبيل للحيلولة دون المقاومة الفلسطينية، وبالتالي لطيّ بساط القضية الفلسطينية الإسرائيلية، لأنها إنما كان بقاؤها حيّة بفضل المقاومة الإسلامية.

     إن الوضع المأساوي الأليم الذي تعيشه الأمة الإسلاميّة اليوم لم تَعِشْه في الماضي؛ لأنّه وَزَّع لأول مرة العالم العربي والإسلامي بين معسكرين هذا التوزيعَ الذي لا تُحْمَدُ عقباه؛ لأنه يُقَوِّي إسرائيل ويجعلها تفعل مع الفلسطينيين من الأفاعيل ما لم تفعله في الماضي، ولأنه يجعل بشكل أكثر وأفعل من الماضي إيران الشّيعية تنشر شرّها، وتُرَوِّج ويلَها، وتَبْسُطُ سيطرتَها ونفوذَها السياسي والعسكري في العالم العربي ولاسيّما دول الخليج، التي يُخَاف أن تتحالف بعضها مع إيران الشيعيّة متغاضية عن عقائدها الباطلة، ونواياها الشريرة ومطامعها التوسّعية نحو السنة والدول العربيّة، عندما ترى أنها صارت لاسندَ لها من قبل الدول السنيّة العربيّة.

     إنّ التصدّع بين العالم الإسلامي هو أكبر وأثمن مكسب حققته إسرائيل والغرب وأمريكا التي تتربص دائمًا الدوائر بالإسلام والمسلمين، وإن أعجب وأدهش جانب في هذا الوضع أنه يحمل درسًا وعبرة فيما يتعلق بدهاء إسرائيل والغرب وأمريكا؛ حيث إنّها تحمل قدرة تكاد تكون «خارقة» على تحويل الانتصار هزيمةً، وعلى أن تجعل كنانتها لايضيع سهمٌ من سهامها ولا يطيش عن مرماها.

     إنّ ذلك يجعل عقلاءَنا وأذكياءَنا حيارى، و قد يجعل جماهيرَنا الجهلاءَ الضعافَ الإيمان يشكُّون في قدرة الإسلام على الغلبة والانتصار على الأعداء المُسَلَّحِين بالعلم والتكنولوجيا والتفوّق العسكريّ والتقدم الاقتصاديّ والنهضة الصناعيّة.

     فليعلم هؤلاء وأولئك أن الضعف والتخلف اللذين يعيشهما العالم الإسلامي، والهزيمة الفكرية والعلمية والعسكرية والسياسيّة والاقتصادية التي يُمْنَى بها اليوم المسلمون، مرحلةٌ من المراحل الكثيرة التي تواجهها الأمم في حياتها، وقد مُنِيَت الأمة الإسلامية بمثلها في الماضي أكثر من مرة؛ ولكنها انتفضت بعدها انتفاضةً شاملةً، وتركت التقاعدَ والتكاسلَ وتداعياتِ الإغفاء الطويل جانبًا، ونَشِطَت من كبوتها، وقطعت أشواطاً بعيدة إلى التقدم، وأخذت بزمام القيادة والوصاية على العالم من جديد، وتَوَلَّتْ دورَها في قيادة سفينة الإنسانية، التي ذاقت الأمن بعد الخوف، والراحة بعد التعب الطويل، وتنفّست في أجواء مفتوحة لطيفة.

     إن الإيمان بأنّ الغرب لن يُغْلَب، وأن أمريكا لن تنهزم، وأن إسرائيل لن تسقط، وأنّ عملاءها من العلمانيين والملحدين والليبراليين، والمتثاقلين إلى نعيم الدنيا و زخارفها، والمخلدين إلى نعومة الحياة العاجلة، هم سيظلّون دائمًا أقوياءَ، باسطين أذاهم فيمن حولهم من الشعوب، باطشين بالإسلاميين والملتزمين بالدين بأيديهم الغلاّبة بتأييد الأعداء الأجانب، وأنّهم لن يُغْلَبُوا يومًا من الأيام قدّره الله في علمه المحكم للبطش بهم.. إن ذلك كلّه شكٌّ في قدرة الله، وفي عدله، وفي حبّه للمحسنين والمؤمنين الصادقين، وفي بغضه للظالمين المتنكرين أيًّا كان دينهم وعقيدتهم، والكفرين والمشركين، والمغضوب عليم والضالّين.

     إنّه تعالى لن يُقِرَّ الظلمَ والاعتداءَ، ولن ينصر الكفرةَ الفجرةَ، ولن يدع الظالمين يفعلون فعلاتِهم النكراءَ مع عباده الأبرياء أو الذين يحبّون دينَه، ويعلنون كلمتَه، ويعملون بمرضاته، ويحبّون رسولَه – صلى الله عليه وسلم - ويَتَبَنَّوْن دعوتَه ورسالتَه، ويودّون أن تروج شريعتُه بين العباد، وأن تختفِي من المجتمع الإسلامي الفحشاء والمنكر اللذان نخرا كيانَه منذ أن انتصرت الحضارة الغربيّة الفاسدة التي كانت أحدَ إفرازات النصرانية الضالّة واليهودية المغضوب عليها.

     ولكنه تعالى يريد دائمًا أن يعرف الصابرين من العجولين، والصادقين من الكاذبين، والطيّبن من الخبيثين، وقد ظلّ ذلك دَأَبُه فيمن مضى من الأمم، وتلك هي سنته الأزلية الأبدية في إدارة الكون والتعامل مع العباد. ألا! إن الدين الذي ندين به أغلى نعمة في الدنيا؛ لأنه هو الذي يشكّل الوسيلة الوحيدة لنجاتنا في الآخرة ودخولنا الجنة بإذنه تعالى وفضله وكرمه، ولعزّنا في الدنيا، ومهما طلبنا العزة بغيره أذلّنا الله؟ فَوَضَع اللهُ سنتَه في شأنه أن يكلّفنا أبهظ التضحيات بالأنفس والأموال في سبيل الثبات عليه والمقاتلة دونه؛ فلن ندخل جنته، ولن ننجو من عقابه، ولن نعزّ ونفلح في هذه الدنيا بمجرّد التمني والتحلّي، فضلاً عن الترامي على زخارف الدنيا وبهجاتها.

     وعلى قدر عظم التضحيات تتعيّن عند الله تعالى الدرجات التي يُكْرِمُ بها عبادَه، وكلّما كانت التضحية أعظم وأبهظ، كانت الدرجة أعلى وأسمى. وقد أبان هذا المعنى الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله عندما قال: «المطايا على قدر البلايا». ولولا ذلك لاختلّت المعاني والقيم الدينية، ولادّعى كل من هَبَّ ودَبَّ أنه هو أكرم عند الله وأعزّ مكانة، ولزَعَمَ كلُّ فاجر فاسق بارع في الدهاء والمكر أنّه هو الذي صَنَعَ مالم يصنعه أحد.

     إنّ الحقائق الدينية قد تلتبس في هذه الدنيا حتى على مُعْظَم العلماء والمثقفين فضلاً عن الجهلاء والأميين؛ فمعظمهم يرون إليها نظرةً سطحيَّةً ظاهرةً ولا يتعمقون فيها فضلاً عن أن يَكْتَنِهُوها ويعلموها على ما هي عليه. إنّهم إذا وجدوا رجلاً سعيدًا في الظاهر حكموا أنّه ابتسم له الحظُّ و واتاه الجدُّ وحالفه القدرُ، وأنه ناجحٌ كلَّ النجاح في كل ما يريده، على حين أنه قد يجوز أن يكون شقيًّا في الواقع لايرتاح إلى شيء في هذه الدنيا وتنبو عنه الظروف: الظروف الصحيّة، أو الظروف العائليّة، أو ظروف التعقيدات الاجتماعيّة. وإذا رأوا رجلاً بائسًا في الظاهر، قالوا: إنّه شقيّ لم يحالفه الجدُّ، ونبتْ عنه السعادةُ، على حين أنه قد يجوز أن يكون قد حاز السعادةَ كلَّها؛ فهو صحيح مُعَافًى، وعائلتُه مرتاحة في كل شيء، وأعضاؤها قرةُ عينه وطوعُ أمره، ويثني عليه الناس؛ لأنه طيّب الخلق واسع الحلم.

     كذلك إذا وجدوا جبابرة الزمان وفراعنة العصر أنهم يفعلون مع شعوبهم أفاعيل لا تُحْتَمَل مطلقًا؛ بل لا تُتَصَوَّرُ من إنسان فيه ذرة من الإنسانية؛ ولكن الله لا يؤاخذهم ولا يبطش بهم، وإنما يُمْهِلُهم يمرحون ويترفون، ويتقلَّبُون في أعطاف النعيم، ويجمعون لهم ولأسرهم كلَّ ما تُحَدِّثُهم به نفوسُهم من الوسائل الراقية التي تُنَعِّم الحياة وتُلَطِّفها، والتي تتحلّب لها الأفواه وتتلمّظ لها الشفاه، ويقول الناس عندما يرونهم وحياتهم الباذخة: ياليت لنا مثل ما أوتي هؤلاء، إنهم لذوو حظّ عظيم.

     إذا وجدوهم في هذه الحالة «السعيدة» في ظاهرها، قالوا: إنهم سعداء حقًّا؛ بل إنهم على حقّ فيما يفعلون ويتركون؛ لأنهم لو كانوا على باطل لآخذهم الله وعاقبهم، ولفَلَّ شوكتَهم، وأطاح بسلطتهم، وجعلهم نكالاً للناس والأجيال المتلاحقة.

     وهم عندما يحكمون هذا الحكمَ ينسون أن هذه الدنيا ليست دار الجزاء وإنما هي دار العمل؛ وأن دار الجزاء بل المؤاخذة والحساب كذلك هي الدار الآخرة التي لن يتخلّف عنها أيُّ جبار عنيد مهما كان ذا جنود وبنود، وجاه وسلطان، وقوة وجبروت.

     ولكنّه تعالى قد يصنع في هذه الدنيا كذلك مع كثير من الجبابرة والطواغيت ما يُزِيلُ الغشاءَ عن العيون ويكون عبرة لمن يعتبر. لا أقول ذلك فقط عن ما حَدَّثَ عنه القرآن من الجبابرة والأمم التي عَتَتْ عن أمر ربّها فحاسبها الله حسابًا شديدًا في هذه الدنيا كذلك قبل الآخرة التي مؤاخذتُها وعقابُها أشدّ وأنكى.

     وذلك قوله تعالى: «وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنٰهَا حِسَابًا شديدًا وعَذَّبْنٰهَا عَذَابًا نُكْرَا فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عذَابًا شديدًا فَاتَّقُوا اللهَ يٰأُوْلِي الْأَلْبَابِ» (الطلاق/8-10).

     ولكني أقول ذلك عن كثير من الجبابرة الذين مَضَوْا في التاريخ الإسلامي هو الآخر.

     وفي التاريخ المعاصر أيضًا حَدَثَ مع عدد من الطواغيت ما يُجْلِي الغشاءَ عن العيون وما يُمَثِّل درسًا كبيرًا لمن كان له قلب أو ألقى السمعَ وهو شهيد ومستعدّ لتلقّي الدرس. ولا حاجةَ إلى تسمية هؤلاء الجبابرة الذين صار مكانُهم اليومَ في زبالة التاريخ أو قمامته، ولم يُسَجِّلْهم التاريخ إلاّ ليكونوا عبرة وزاجرًا لغيرهم - من إخوانهم الأحياء الذين يسيرون سيرتهم السيئة - عن الغيّ والطغيان وتخطي حدود الله في شأن خلقه الذين هم عِيَالُه الذين لن يحتمل أن يظلمهم أحدٌ دون جريرة تُبَرِّر إنزالَ العقاب عليهم.

     ليعلم الجبابرة والطواغيت أنهم ليسوا ولن يكونوا بمنجاة من الله، ولو قبعوا في بروج مُشَيَّدَة، أو في صروح أشمخ من الصرح الذي أمر فرعونُ هامانَ ببنائه ليبلغ أسباب السماوات فيطّلع إلى إله موسى!.

     والجانب المؤسف للغاية في شأن جميع الطواغيت والجبابرة والدكتاتوريين أنهم لا ينتبهون للصواب مهما نَبَّهَم له الناصحون ودروس التاريخ؛ لأن سلطتهم تجعلهم يسكرون سكرة مدمن الخمر الذي يتخدّر عقلُه ويغيب عنه رشدُه، فلا يهتدي إلى سبيل إلى الصواب، إلاّ بعد ما يكون قد أضاع كثيرًا من مصالحه التي لا تُقَدَّر بثمن ولا تُشْتَرىٰ بمال، أو لا يهتدى إلى الصواب مطلقًا، حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة، وذلك لأن السيئات تُزَيِّن لهم فعلاتهم السيئة وتُقَبِّح الحسناتِ والعودة إلى الرشد والصواب ورؤية الأشياء على حقيقتها: «وَكَذٰلِكَ زُيِّنَ لَفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ» (غافر/37) «وَكَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِيْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُوْن» (يونس:12).

     إن الله مُدَاوِلُ الأيام ومُقَلِّبْ الليل والنهار، سيقلّب هذه الأيام القاسية لصالح الصابرين المثابرين من المؤمنين، شريطة أن لايجزعوا ولا يستكينوا ولا يفقدوا ثقتهم بالله الذي لايحبّ الفساد في الأرض، وهو ناصرهم اليوم أو غدًا وليس الغد ببعيد: «إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا والذين آمنوا في الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُوْمُ الْأَشْهَادُ» (غافر:40).

(تحريرًا في الساعة 10 من الليلة المتخللة بين الثلاثاء والأربعاء: 16-17/جمادى الأولى 1435هـ الموافق 18-19/مارس 2014م)

 

نور عالم خليل الأميني

nooralamamini@gmail.com