مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، جمادى الثانية - رجب 1435 هـ = أبريل - مايو 2014م ، العدد : 6-7 ، السنة : 38

 

الفكر الإسلامي

 

الفرار من الطاعون ضدّ التدبير

بقلم : الشيخ الكبير المربي الجليل العلامة أشرف علي التهانوي

المعروف بـ "حكيم الأمة" المتوفى 1362هـ / 1943م

تعريب : أبو أسامة نور

 

 

 

        إني أؤكد أن الفرار من الطاعون، ليس من التدبير في شيء؛ بل إنه سوء التدبير؛ لأن الفرار كما هو ناشئ عن ضعف القلب، كذلك هو منشأ الضعف؛ حيث إنّ الفارّ بفعله يجعل الضعف يسيطر على قلبه. المبدأ الطبي يقرر أن أمثال هذه الأمراض تسيطر على ضعاف القلوب قبل غيرهم. فالفارّ جعل الطاعون يسيطر على نفسه وقت فراره، وإن لم يمت في هذا المكان الذي فرّ منه، فسيموت في المكان الذي فرّ إليه، فكيف كان يا تُرَىٰ الفرار من المكان الموبوء بالطاعون التدبير؟!.

     على أني أقول: إذا كان الفرار من الطاعون نافعًا، ونجا الفارّ من الإصابة به، فإن الشريعة، لها أن تمنعه من هذا الفعل النافع؛ لأنك أيضًا أيها الإنسان قد تمنع من بعض الأفعال التي تكون نافعة. مثلاً: الفرار من الحرب الذي يعدّ جريمة لدى جميع العقلاء، وإن كان الفرار منها هو النافع لصالح الفارّ؛ حيث ينجو بذلك بنفسه؛ لكنّ ذلك لا يعدّه حتى زعماؤك «تدبيرًا» وإنما يعدّونه «لا تدبيرًا». وكذلك نعدّ الفرار من الطاعون «لا تدبيرًا»؛ لأن الفرار منه حسب الدليل الشرعي كالفرار من الحرب والجهاد؛ لأنه ورد في الحديث في شأن الطاعون: «الفارّ من الطاعون كالفارّ من الزحف»(1) وقد ورد في حديث في شأن حقيقة الطاعون: «وخز أعدائكم من الجنّ»(2) الأمر الذي يؤكد أنه وقت الطاعون يجري العراك بين الجن والبشر، والجنّ يعملون على إصابة البشر بجروح في داخل الجسم البشري، فيؤدي إلى الإصابة بالطاعون. والفرار من المعركة سوء تدبير لدى العقل كذلك؛ لذلك حرّمته الشريعة.

     واختلف الأطباء مع الشريعة في حقيقة الطاعون؛ لأنهم يرجعونه إلى الجرثومة؛ لكن معنى الحديث لايمكن أن ينفيه اختلافهم؛ لأنه يجوز أن يجتمع هذا السبب وذاك، وأن يكون السبب الحقيقي هو وخز الجنّ، وأن يكون السبب الظاهر هو ما تقوله يا جماعة الأطباء

     على أن الذين يفرون من مكان موبوء بالطاعون إلى مكان آخر، يذلّون في أنظار الناس فيه المكان الآخر ولاسيّما إذا كنتَ نازلاً، فارًّا من مكان الطاعون، لدى صديق أو قريب في مدينة، واتفق أن أصيب به أحد في بيته بعد نزولك لديه، فإنك ستذل في نظره كثيرًا، وتلمس ذلك أنت كذلك بالقرائن؛ لأنه يظن أن هذا الداء لم يكن في بيتي وأن هذا الشقي هو الذي جرّه إلى بيتنا، وإن مات فإن موته سيُجَلَّ في حسابك.

     ثم إن الفارّين هؤلاء ينشرون الطاعون في مكان آخر، لا عن طريق العدوى؛ ولكن بطريق أنهم ينشرون الأوهام في قلوب الناس في ذلك المكان، فهم يقولون مخاطبين الفارّين إليهم: لا قدّر الله ذلك لنا؛ حيث نخاف أن ينتشر الطاعون في قريتنا كذلك. وذلك مما يؤدّي إلى تأثرهم من مادة الطاعون. فما أكبر رحمة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث منع من الفرار من مكان الطاعون.

الاشتباه في أن رأي سيدنا عمر في خصوص الصلاة

على جنازة المنافقين أفضل، والردّ عليه:

     والإجابة عن هذه الشبهة أن رأي سيدنا عمر رضي الله عنه إنما كان رأي النبي – صلى الله عليه وسلم -(3) لأنه إنما اهتدى إليه بفضل النبي – صلى الله عليه وسلم -؛ حيث إنما حظي بالاغتياظ والكراهية للكفار والمنافقين ببركته – صلى الله عليه وسلم - وقد كان بدوره فقيرًا في هذا المعنى قبل أن يسعد بصحبته، وكان قد أقبل عليه  مخططاً لقتله – صلى الله عليه وسلم - فبعد إيمانه به أكرمه الله بالاغتياظ والكراهية للكفرة والمنافقين؛ ولكن عمر رضي الله عنه لم يكن إلاّ عمر فقط. أما النبي – صلى الله عليه وسلم فقد كان رسولاً وعمر كذلك؛ بل يحق لك أن تقول: إنه – صلى الله عليه وسلم - كان آدم كذلك، ونوحًا كذلك، وإبراهيم كذلك، وموسى كذلك، وعيسى كذلك.

     إنه كان يجمع المعاني كلها، فقد كان غيظًا وغضبًا على الكفار، وكانت الرأفة والرحمة على أتمهما فيه – صلى الله عليه وسلم - فكان يتعامل بهما كلما كان يجد حيلة للتعامل بهما، وإنما كان يتعامل بالغيظ والغضب إذا لم يجد حيلة للتعامل بالرأفة. وإن عبد الله بن أبي كان منافقًا، ولم يكن كافرًا مجاهرًا، وكانت الأحكام في شأن المنافقين تختلف عن الأحكام في شأن الكفار المجاهرين، فكانوا يُعَامَلُون في عامة مواقف الحياة معاملة المسلمين، ولم تنزل بعدُ أحكام الموت في شأنهم، فعامل النبي – صلى الله عليه وسلم - معه صدورًا عن رحمته البالغة معاملة أموات المسلمين قياسًا على أحكام الحياة في شأنهم. أما عمر رضي الله عنه فإنه قاس المنافقين على الكفار المجاهرين، صدورًا عن شدة اغتياظه على الكفار والمنافقين وظنًا منه أن أحكام الحياة مبنية على المصلحة والحاجة، وقد كان ذلك بفضل صحبته – صلى الله عليه وسلم - وكان قياسه أيضًا راجعًا إلى هذا الفضل، ولم يكن مخفيًّا عليه – صلى الله عليه وسلم - لكنه – صلى الله عليه وسلم - آثر القياس الأوّل على القياس الثاني برحمته البالغة؛ لأنه كلما كان يجد فرصة التعامل بالرحمة كان بها يتعامل. وموقفه – صلى الله عليه وسلم - يحمل في طيّه الشيءَ الكثير من عوامل السلوان والبشر لنا نحن المسلمين؛ حيث إنه كان كما يقول الشاعر الفارسي:

     «متى تحرم الأصدقاء وأنت تنظر نظـرة العطف إلى الأعداء».



(1)       عن عمرة قالت: سمعت عائشة تقول: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - «الفارّ من الطاعون كالفارّ من الزحف». رواه أحمد في مسنده بإسناد جيد 6/255 برقم 26183.

(2)       عن أبي موسى قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : «فناءُ أمتي بالطعن والطاعون»، فقيل: يا رسول الله، هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: «وخز أعدائكم من الجن وفي كل شهداء». رواه أحمد في مسنده 4/395 برقم 19528. قال الهيثمي في المجمع (2/312): رواه أحمد بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح.

(3)       عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما تُوفي عبد الله بن أُبَي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم - فأعطاه قيمصه وأمره أن يكفّنه فيه ثم قام يصلي عليه، فأخذه عمر بن الخطاب بثوبه فقال: تصلي عليه وهو منافق وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ قال: إنّما خيرني الله أو أخبرني الله فقال: «اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ» فقال: سأزيده على سبعين قال: فصلى عليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وصلينا معه، ثم أنزل الله عليه «وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ». رواه البخاري في صحيحه برقم 1269، 4673؛ ومسلم برقم 2474.