مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، جمادى الثانية - رجب 1435 هـ = أبريل - مايو 2014م ، العدد : 6-7 ، السنة : 38

 

دراسات إسلامية

 

الثروة البحرية

بقلم : الأستاذ أشرف شعبان أبو أحمد / جمهورية مصر العربية (*)

 

 

 

        قال تعالى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرٰنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ سورة فاطر آية12 تشير الآية الكريمة إلى قدرة الله عز وجل في خلق الأشياء منها خلقه للبحرين، الأول المقصود به الأنهار العذبة والتي هي قوام الحياة لكل كائن، فمن مائها نرتوي ونسقي الزرع والبهائم، والمقصود بالثاني البحار والمحيطات ذات الماء المالح، ويعمر الماء المالح نحو ثلاثة أرباع سطح الكرة الأرضية، ويتصل بعضه ببعض، ويشغل اليابس الربع الباقي، وهذا القدر الواسع من الماء المالح هو اللازم بدقة لتطهير جو الأرض وحفظه دائمًا صالحاً للحياة...(1) كما أن هذه المساحات الفسيحة يتبخر ماؤها، ويعود سقوطها بعد ذلك في صورة أمطار عذبة صالحة للاستعمال، ومنها تتكون الوديان والأنهار والتي تصب بدورها بما تحمله من معادن وأملاح في البحار لتحافظ على نسبة ملوحتها وهكذا تستمر الدورة الكونية. كما أن الآية تشير إلى بعض سبل الرزق التي تضمها المياه، ففي قوله تعالى  ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُوْنَ لَحْمًا طَرِيًّا يعني السمك والحيوانات البحرية على اختلافها، وفي آية أخرى قال المولى عز وجل : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُه سورة المائدة آية 96 وهذا حكم بتحليل صيد البحر، والمقصود بطعامه ما قذف به البحر، وصيد الأسماك يسبقها ويلحقها صناعات كثيرة تشكل مصادر للرزق متنوعة. وما زال استغلال الثروة السمكية في السواحل البحرية العربية، دون الاستغلال الأمثل من النواحي الاقتصادية البيولوجية، وكذلك فإن البنية الأساسية للصناعات السمكية مازالت هي الأخرى غير متطورة، ولا تتناسب مع حجم وأهمية هذه الثروة، وتعتبر الموارد السمكية العربية، من الموارد الغنية، وتحتل أهمية كبيرة في مصايد الأسماك العالمية، حيث يقدر طول السواحل البحرية العربية في المحيطين الهندي والأطلسي والبحر الأحمر والبحر المتوسط وبحر العرب وخليج عمان وخليج عدن والخليج العربي حوالي (22،7) ألف كيلو متر مربع وتبلغ مساحة الجرف القاري حوالي (608) ألف كيلو متر مربع. وتشير دراسات ومسوحات المنظمات والهيئات العربية والدولية، مثل منظمة الغذاء والزراعة، والبرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة، وبالتعاون مع حكومات دول المنطقة، إلى أن تقديرات المخزون في المياه البحرية العربية تبلغ حوالي (8،7) مليون طن، وعلى هذا الأساس يقدر الإنتاج الممكن الوصول إليه عمليًا بحوالي (5،2) مليون طن، وهذا يشكل 59٪ من المخزون، وذلك على أساس الاستغلال الأمثل للثروة السمكية والأحياء البحرية علميًا وعمليًا، دون التأثير بيولوجيًّا على المخزون السمكي والتوازن الطبيعي قدرت إحصائيات المنظمة العربية للتنمية الزراعية، إنتاج الأقطار العربية من الأسماك والأحياء البحرية لعام 1987م بحدود (2) مليون طن، وهذا يشكل حوالي 38٪ من الإنتاج الممكن تحقيقه، و 26٪ من المخزون السمكي، في حين تقدر منظمة الغذاء والزراعة الدولية، الإنتاج السمكي للأقطار العربية بحدود (1،42) مليون طن. وإلى جانب المصايد البحرية يمتلك الوطن العربي مساحات واسعة من المسطحات المائية الداخلية كالبحيرات والأنهار والمستنقعات والتي تقدر مساحتها بحدود (8،3) مليون هكتار بلغ إنتاجها عام 87 حوالي (302) ألف طن من الأسماك والتي تشكل 15٪ من إجمالي الإنتاج السمكي، وهذا مما يؤكد على أن الإنتاج العربي من الأسماك والأحياء المائية في الوقت الحاضر لا يتناسب مع مساحة وإنتاجية وإمكانية ما يملكه الوطن العربي من مصايد بحرية غنية وواسعة. وبالإضافة إلى هذا المستوى المتدني من الإنتاج، فإن هناك خسائر في كميات الأسماك الطازجة بعد صيدها تنشأ من التلف الذي يحدث أساسًا بسبب عدم وجود مرافق التبريد الفوري وقلة مرافق التخزين والتوزيع والتسويق وتقدر هذه الخسائر بحوالي 15٪ من الأسماك الطازجة ولكن الرقم الحقيقي أكبر من ذلك. وهناك أيضًا فقد كبير في المصيد الثانوي وهي كميات الأسماك والأحياء التي ترمي من مركب الصيد إلى البحر وتتراوح ما بين (5) مليون طن و (16) مليون طن على المستوى العالمي، وعلى هذا الأساس تتراوح ما بين (100-300) ألف طن على مستوى الإنتاج العربي، والمصيد الثانوي يمثل الأسماك الصغيرة والأسماك التي تظهر عرضيًا في الصيد مع أنواع الأسماك الجيدة في عمليات صيد القشريات والرخويات. ويقدر مستوى استهلاك الفرد في الوطن العربي من الأسماك بحوالي (6،2) كيلو جرام عام 1986م وهذا دون المستوى العالمي لاستهلاك الأسماك البالغ نحو (13) كيلو جرام سنويًا للفرد....(2). وفي عصرنا الحالي تحولت صناعة صيد الأسماك إلى مزارع يتم إنشاؤها وتربية الأسماك فيها، ثم صيده وإذا تم تعميمها ونشر المزارع السمكية في الكم الهائل من الأراضي غير المستغلة بالطبع سيعود علينا بالرزق الوفير.

     ومن المجالات الأخرى، التي أوضحتها الآية الكريمة التي صدرنا بها موضوعنا، وتعتبر من ضمن سبل الرزق التي تضمها المياه البحرية، هي كما في قوله تعالى (وَتَسْتَخْرِجُوْنَ حِلْيَةً تَلْبَسُوْنَهَا) وكما في قوله تعالى في سورة الرحمن آية 22 (يَخْرُجُ مِنْهُما اللُّؤْلُؤُ وَالْـمَرْجَانُ) وتشير الآية إلى مجال استخراج ما في البحر من لؤلؤ ومرجان وحلي على اختلاف ألوانه وأشكاله واستخراج الأسفنجيات والرخويات والتقشريات والأصداف؛ وأخيرًا استخراج ما في باطن البحار والمحيطات من معادن وأملاح وفلزات ونحن في هذا المجال مازلنا في طور البداية تنقصنا الخبرة والعزيمة. ومن المجالات الأخرى التي تعتبر سبل الرزق في البحار والأنهار كما في قوله تعالى: (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيْهِ مَوَاخِرَ) أي تجد السفن تشق البحار والأنهار في الذهاب والإياب، وهذه الآية تفتح المجال لمن يعمل في النقل البحري، ومن يعمل في صناعة وإصلاح السفن، وكلاهما يحتاج إلى جمع غفير من المسلمين، وقوله تعالى: (وَالْفُلْكُ الَّتِيْ تَجْرِيْ فِيْ الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ) سورة البقرة آية 164 فاستخدام السفن فيما ينفع الناس، وهو لفظ عام لكل ما فيه مصلحة شرعية للناس سواء لنقل الناس أو المتاع أو للسفر للتجارة أو الحج أو الجهاد، كل ذلك ليبتغوا عباد الله من فضله، وكلها توسعة من المولى - عزو وجل - على عباده في وسائل الرزق، فلا يقفوا عند وسيلة واحدة وأن يشكروه على تسخير هذا الخلق العظيم لهم.

*  *  *

المراجع:

في ظلال القرآن سيد قطب ج6 ص34، 52.

مجلة شؤون عربية العدد 62 ذو القعدة عام 1410هـ الموافق يونيو عام 1990.

*  *  *



(*)   6 شارع محمد مسعود متفرع من شارع أحمد إسماعيل، وابور المياه – باب شرق – الإسكندرية ، جمهورية مصر العربية.

      الهاتف : 4204166 ، فاكس : 4291451

      الجوّال : 0101284614

        Email: ashmon59@yahoo.com