مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، جمادى الثانية - رجب 1435 هـ = أبريل - مايو 2014م ، العدد : 6-7 ، السنة : 38

 

دراسات إسلامية

 

أركان المعاهدات في فقه الإمام محمد بن الحسن الشيباني

بقلم:  عثمان بن جمعة ضميرية

 

 

 

        ركن المعاهدة عند الإِمام محمد، كسائر العقود في الفقه الإِسلامي، هو الصيغة التي تعبِّر عن رضا الطرفين يها وما يترتب عليها من آثار؛ والصيغة قد تكون لفظاً وقد تكون دلالة.

     (أ) واللفظ: الذي يعبر به عن الصيغة قد يكون صريحًا وقد يكون غير صريح.

     فاللفظ الصريح، مثل: لفظ الموادعة، أو المعاهدة، أو المسالمة، أو المصالحة(1).

     قال الإِمام محمد: «لو أن جندًا من المشركين حاصروا بعض مدائن المسلمين، فخافهم المسلمون على أنفسهم وذراريهم وقالوا لهم: نصالحكم على أن نعطيكم عشرة آلاف دينار على أن تنصرفوا عنَّا إِلى بلادكم. أو قال المشركون للمسلمين: صالحونا على أن تعطونا عشرة آلاف دينار على أن ننصرف عنكم، فرضوا.. ثمَّ إِن المسلمين رأوا منهم عورة قبل أن ينصرفوا عنهم، وبعدما انصرفوا عنهم قبل أن ينتهوا إِلى بلادهم، فليس ينبغي للمسلمين أن يُغِيْروا عليهم حتى ينبذوا إِليهم، أو يرجع القوم إِلى بلادهم؛ للصلح والموادعة التي جرت بين الفريقين، فإِن قتالهم بعدها من غير نبذ يكون غدرًا للأمان، وذلك حرام.

     والمصالحة على ميزان المفاعلة، فيتناول الجانبين، سواء قال ذلك المسلمون أو المشركون؛ وكذلك لو قال أحد الفريقين للآخر: نسالمكم، أو نتارككم، أو نوادعكم، أو تؤمِّنونا ونؤمِّنكم...»(2).

     وأما الألفاظ غير الصريحة فهي التي تدلُّ على الصيغة بموجبها أو مقتضاها، لذلك قال الإِمام محمد:

     «وإِن قالوا: نعطيكم كذا على ألا تقاتلونا حتى تنصرفوا عنا، فهذا وذِكر المصالحة والموادعة سواء؛ لأن المقاتلة تكون من الجانبين، ففي ذكر هذا اللفظ اشتراط ترك القتال من الجانبين، وذلك يوجب الموادعة، والتصريح بموجب العقد كالتصريح بلفظ العقد»(3).

     ويترتب على ذلك: أن اللفظ إِذا لم يدلَّ على الأمان صراحةً أو دلالةً، فإِنه لا تنعقد به المعاهدة، ولايكون المسلمون ملتزمين بالكفِّ عنهم. قال الإِمام محمد:

     «وإن قالوا: نعطيكم كذا على أن لاتقتلوا منا أحدًا حتى تنصرفوا. فلا بأس للمسلمين أن يغيروا عليهم، وكذلك لو قالوا: على أن تكفُّوا عنا شهرًا، لأن في هذين اللفظين لم يشرط المسلمون على أنفسهم لأهل الحرب أمانًا صريحًا ولا دلالة»(4).

     وقال أيضًا: «ولو قالوا لهم: نعطيكم كُراعنا وسلاحنا على أن تعطونا ألف دينار وتنصرفوا عنا، فلا بأس بأن يقاتلهم المسلمون من غير نبذ، لأن ما ذكروا بمنزلة بيع جرى بينهما، والبيع لايكون دليلَ أمان بين المتبايعين، ثمَّ سألوهم أن ينصرفوا عنهم، وليس في هذا اشتراط أمانٍ على أنفسهم»(5).

     وقال أيضاً: «ولو أن أهل المدينة الذين أحاط بهم المشركون قالوا لهم: نخرج عنكم بنسائنا وذرارينا ونسلّم لكم المدينة ومافيها، فخرجوا على هذا أو لم يخرجوا، أو خرج بعضهم ثمَّ رأوا عورة للمشركين، فلا بأس بأن يغيروا عليهم ويقاتلوهم من غير نبذ، لأنهم لم يؤمِّنوهم، وإِنما أخبروهم أنهم يخرجون ويسلِّمون المدينة إِليهم. وليس في هذا ما يدل على أمان بينهم، بل فيه مايدل على تحقيق القهر، فكان لهم أن يقاتلوهم من غير نبذ إِذا تمكنوا من ذلك»(6).

     (ب) والدلالة، كالفعل والإِشارة التي تكون بتحريك عضو من أعضاء الإِنسان أو أكثر للدلالة على الرضا أو الرفض(7).

     قال الإِمام محمد رحمه الله: «ولو أن مسلمًا من أهل العسكر في منعتهم أشار إلى مشرك في حصن أو منعةٍ لهم: أن تعالَ، أو أشار إِلى أهل الحصن أن افتحوا الباب، أو أشار إِلي السماء فظنَّ المشركون أن ذلك أمان، ففعلوا ما أمرهم به، وقد كان هذا الذي صنع معروفًا بين المسلمين وبين أهل الحرب من أهل تلك الدار أنهم إِذا صنعوا ذلك كان أمانًا أو لم يكن ذلك معروفًا، فهو أمان جائز، بمنزلة قوله: قد أمِّنتكم. لأن أمر الأمان مبني على التوسُّع، والتحرَّز عمَّا يشبه الغدر واجبٌ، فإِذا كان معروفًا بينهم فالثابتُ بالعرفِ كالثابت بالنصِّ.. وإِذا لم يكن معروفًا فقد اقترن به من دلالة الحال ما يكون مثل العرف أو أقوى منه، وهو امتثالهم أمره وما أشار عليهم به، فهو من أبين الدلائل على المسالمة»(8).

     واستدل على انعقاد الأمان بذلك بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أيما رجل من العدو أشار إِليه رجل بأصبعه: إِنك إِن جئت قتلتك، فجاءه، فهو آمن فلا يقتله(9).

     وإِذا أشار إِليه بإِشارة الأمان وليس يدري الكافر ما يقول فهو آمن، لأن بالإِشارة دعاه إِلى نفسه، وإِنما يدعى بمثله الآمن لا الخائف. وما تكلّم به: إِن جئت قتلتك، لا طريق للكافر إِلى معرفته بدون الاستكشاف منه، ولا يتمكن من ذلك قبل أن يقرب منه، فلابد من إِثبات الأمان بظاهر الإِشارة وإِسقاط ماوراء ذلك للتحرز عن الغدر، فإِن ظاهر إِشارته أمان له، وقوله: «إِن جئت قتلتك» بمعنى النبذ لذلك الأمان؛ فلما لم يعلم بالنبذ كان آمناً عملاً بقوله تعالى: ﴿فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ، أي سواء منكم ومنهم في العلم بالنبذ، وأشار إِلى المعنى فيه فقال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِيْنَ (الأنفال: 58)، ومبنى الأمان على التوسُّع حتى يثبت بالمحتمل من الكلام فكذلك يثبت بالمحتمل من الإِشارة.

     وبيان هذا في حديث الهُرْمُزان؛ فإِنه لما أُتي به عمر رضي الله عنه قال له: تكلَّم. قال: أتكلم بكلام حيِّ أم كلام ميّت؟ فقال عمر: كلام حيّ. فقال: كنا نحن وأنتم في الجاهلية، لم يكن لنا ولا لكم دين. فكنا نعدّكم معشرَ العرب بمنزلة الكلاب، فإِذا أعزّكم الله بالدين وبعث رسوله منكم، لم نطعكم. فقال عمر: أتقول هذا وأنت أسير في أيدينا؟ اقتلوه. فقال: أفيما علَّمكم نبيكم أن تؤمِّنوا أسيرًا ثمَّ تقتلوه؟ فقال: متى أمَّنتك؟ فقال: قلت لي تكلّم بكلام حيّ. والخائف على نفسه لايكون حياً. فقال عمر: قاتله الله! أخذ الأمان ولم أفطن به(10). فهذا دليل على التوسع في باب الأمان(11).

     وأخرج أبويوسف عن الأعمش عن أبي وائل قال: أتانا كتاب عمر ونحن بخانقين(12): وإِذا حاصرتم حصنًا... فقال الرجل للرجل: لاتوْجَل، فقد أمَّنه، وإِن قال له: لاتخف، فقد أمَّنه، وإِذا قال له مطّرس(13)، فقد أمَّنه فإِن الله يعلم الألسنة(14).

     هذا، وقد أجمل شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله أقوال العلماء في صفة العقود وما تصحُّ به من الصِّيغ، في ثلاثة أقوال:

     أحدها: أنها لا تصح إِلا بالصيغ والعبارات التي قد يخصها الفقهاء باسم الإِيجاب والقبول، وهؤلاء يقيمون الإِشارة مقام العبارة عند العجز عنها.

     والقول الثاني: أنها تصح بالأفعال، على تفصيل في ذلك عندهم.

     والثالث: أن العقود تنعقد بكل ما يدل علي مقصودها من قول أو فعل مما اصطلح عليه الناس. وليس لذلك حدّ مستقرّ في اللغة ولا الشرع، بل يتنوع بتنوع اصطلاح الناس(15).

*  *  *

الهوامش:

انظر: «بدائع الصنائع»: 9/4324. وفيما سبق الألفاظ التي يعبّر بها الإِمام محمد عن المعاهدة.

«السِّير الكبير» مع شرح السِّرخسي: 5/1711. وانظر أيضًا: 2/418-419.

«السّير الكبير»: 5/1713.

المرجع نفسه.

«السّير الكبير»: 5/1715.

المرجع السابق: 5/1719-1720.

انظر عن دلالة الإشارة على الرضا وأحكامها: «بدائع الصنائع»: 4/814، «الأشباه والنظائر» لابن نجيم ص (343-346). وراجع تفصيلاً لأقوال العلماء في «مبدأ الرضا في العقود». على القرة داغي: 2/956 وما بعدها.

انظر: «السّير الكبير» مع شرح السّرخسي: 1/289-290. وقال الناطفيّ في «السيّر» إِملاءً: سألت أبا حنيفة عن الرجل يشير بأصبعه إِلى السماء لرجل من العدو؟ فقال: ليس هذا بأمان. وأبويوسف استحسن أن يكون أمانًا، وهو قول محمد. انظر: «فتح القدير» لابن الهمام: 4/302.

أخرجه عبد الرزاق في «المصنف»: 5/222، وابن أبي شيبة: 12/457، وأيويوسف في «الخراج» ص223، وسعيد بن منصور: 2/230، والإمام مالك في «الموطأ»: 2/49، وفي «المدونة» 2/42 وانظر: «تلخيص الحبير»: 4/122.

أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف»: 12/256-257، والبلاذري في «فتوح البلدان»: 2/469 مختصرًا.

«السير الكبير»: مع شرح السّرخسي: 1/263-264، 289-290 وهو أيضًا مذهب الإِمام مالك. انظر: «المدونة»: 2/42، «المنتقى شرح الموطأ» للباجي، 3/73-74، «القبس شرح الموطأ» لابن العربي: 2/599، «اختلاف الفقهاء»للطبري، ص(25).

بلدة من نواحي السواد بالعراق في طريق همذان من بغداد، قيل سمي هذا الموضع بهذا الاسم لأن عديّ بن زيد خُنق فيه. انظر: «معجم البلدان»: 2/340، «معجم ما استعجم»: 2/485.

مطّرس، بتشديد الطاء، معرب مترس، كلمة فارسية معناها: لا تخف.

«الخراج» لأبي يوسف، ص(22-223)، وانظر: «السّير الكبير»: 1/283 مع شرح السّرخسي.

انظر: «القواعد النورانية الفقهية» لابن تيمية ص(104-114).

*  *  *