مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، جمادى الثانية - رجب 1435 هـ = أبريل - مايو 2014م ، العدد : 6-7 ، السنة : 38

 

دراسات إسلامية

 

­

 

الحقوق المزعومة التي تدَّعيها اليهود في فلسطين 

المستشرقون والتاريخ

الصحوة الإسلامية في الأندلس اليوم جذورها ومشارها

الوحي النبوي شبهات وردود

 

 

الحقوق المزعومة التي تدَّعيها اليهود في فلسطين

(الحلقة 1/2)

بقلم:  الدكتور نعمان عبد الرزاق السامرائي

 

 

 

1 – الحق التاريخي

     1- يدّعي الصهاينة وما أكثرَ ما يدَّعون بأن لهم حقوقًا.. تاريخيةً.. في فلسطين؛ لأن أجدادهم سكنوها فترة، إلا أنهم لا يقولون إن كانت فلسطين في ذلك الوقت خاليةً أم مسكونةً من قبل شعوب عدة، أعتقد أنه لولا خشية الفضيحة لقالوا ذلك، ولسوء حظهم فالتوراة تذكر تلك الشعوب بأسمائها، كما تذكر المعارك التي خاضوها مع اليهود، ومازال أبناء أولئك لم يغادروا أرضهم، ولا هجروا وطنهم، أما اليهود فأقاموا مدةً ثم هاجروا وتفرقوا في الأرض، وهم كاذبون في دعواهم أن الأجانب أجلوهم بالقوة عنها، فهم قبل سقوط ملكهم كان ثلاثة أرباعهم خارج فلسطين، يوم أن سقطت القدس، فمن أجدادهم؟؟.

     وإذا كان كل شعب أقام في مكان تثبت له مثلُ هذه الحقوق، فعلى هيئة الأمم أن تعيد توزيع الشعوب من جديد على الكرة الأرضية، وعندها قد لا تجد شعبًا يبقى في مكانه الحالي.

2 – الحق الديني

     يدعي اليهود بأن نصوصًا في توراتهم التي قال عنها أبا إيبان يومًا وهو (خرفان): إنها كتبت في السبي ووعودًا تقول: بأن الله وعد إبراهيم عليه السلام بأن يعطيه أرض كنعان، ووعودًا أخرى يفوح منها رائحة الكذب اليهودي بأن الله قال لليهود كل شبر أرض تطأه بطون أقدامكم أعطيه لكم.

     هذه الوعود في كتابهم الذي أصابه التحريف والتبديل، باعتراف من(3) آلاف من القسس، كلفوا بدراسته، فقالوا بأن كلام الرب قد اختلط بكلام البشر. وقد نسخ بعد قيام السيد المسيح عليه السلام، ونزول القرآن وعلى فرض صحة النصوص، فهل هي مشروطة أم لا؟؟ فاللهُ تعالى حين وصف الأمة الإِسلامية بالخيرية جعلها مشروطة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالمَعْرُوْفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُوْنَ بِالله﴾ (سورة آل عمران:110) فهذه الخيرية مشروطة بشروط متى فقدت، زالت صفة الخيرية، وهذا مقتضى العدل الإِلهي.

     لكن اليهود يرفضون كل شرط، بل تعلل توراتهم الأمر تعليلاً غريبًا جدًا، جاء في سفر التثنية وهو من الأسفار التي أطلق عليها جارودي صفة: أسفار العنصرية (ليس لأجل برك وعدالة قلبك تدخل لتمتلك أرضهم، بل لأجل إثم أولئك الشعوب يطردهم الرب إلهك من أمامك، ولكي يفي بالكلام الذي أقسم الرب عليه لآبائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فاعلم أنه ليس لأجل برك يعطيك الرب إلهك هذه الأرض الجيدة لتمتلكها، لأنك شعب صلب الرقبة) التثنية الإصحاح 9/5-6.

     فإذا كان الشعب المدلل.. صلب الرقبة.. فلم هذه الوعود؟ وبماذا يستحقها؟ إن هذا مخالف للعدل الإِلهي.

     والأعجب من كل ذلك دعواهم بأن هذه الوعود أزلية، علمًا بأنها لم تتحقق إلا لعشرات السنين، على عهد داؤد وسليمان عليهما السلام، ومن بعدهما انتهت السيطرة الإسرائيلية، وتشرد اليهود، بينما بقيت تلك الشعوب في مكانها تزرع أرضها، وتعيش على خيراتها.

     والأمر الملفت للنظر أن هذه الشعوب لم تتعرض للسبي والتشريد كما تعرض اليهود، فلماذا؟؟.

     ولنفرض أن اليهود تركوا دينهم، وتحولوا حتى لعبادة الأصنام كماتذكر التوراة، فهل تبقى هذه الوعود بعد الكفر؟ وإذا بقيت فأين وجه العدالة في ذلك؟؟ أمن أجل سواد عيون اليهود فقط؟؟!! وهذا سفر التثنية يضع النقاط على الحروف فيقول: (قد جعلت اليوم قدامك الحياة والخير والموت والشر، بما أني أوصيتك اليوم أن تحب الرب إلهك وتسلك في طريقه، وتحفظ وصاياه، وفراضه وأحكامه، لكي تحيى وتنمو، ويباركك الرب إلهك في الأرض، التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها، فإن انصرف قلبك ولم تسمع، بل غويت وسجدت لآلهة أخرى وعبدتها، فإني أنبئكم أنكم لا محالة تهلكون) التثنية الإِصحاح 20/15-18.

     وقد تكرر هذا في أسفار أخرى كالخروج 19/5 والملوك الثاني 9/2 وكيف يتصور رضى الرب يقول كتابهم: (وعمل بنو إسرائيل سرًا ضد الرب إلههم، أمورًا ليست بمستقيمة... وأقاموا لأنفسهم أنصابًا وسواري.. وأوقدوا هناك على جميع المرتفعات، وعملوا أمورًا قبيحة لإِغاظة الرب... وعبدوا الأصنام ورفضوا فرائضه وعهده الذي قطعه مع آبائهم، وشهاداته التي شهد بها عليهم، وساروا وراء الباطل، وتركوا جميع وصايا الرب، وعملوا لأنفسهم مسبوكات عجلين(1)، وعملوا سواري وسجدوا لجميع جند السماء، وعبدوا البعل، وباعوا أنفسهم لعمل الشر في عين الرب لإِغاظته) الملوك الثاني الإِصحاح 17/9-17.

     فماذا بقي من الجرائم والآثام لم يرتكب؟ وهل بعد الكفر ذنب؟؟ كيف يعهد الله لأمة تغيظه وتصنع عجلاً وتعبده، وعتبد صنمًا أو أصنامًا؟! فهل لمثل هذه الأمة حق، وحق ديني؟!! وهي الكافرة بدينها؟؟ لنستمع (لأرميا) يصرخ (ها أنذا أطعم هذا الشعب أفسنتينًا وأسقيهم ماء العلقم، وأبددهم في أمم لم يعرفوها ولا أباؤهم، وأطلق وراءهم السيف حتى أفنيهم) أرميا الأصحاح 9/15-16.

     وما دمنا في الحديث عن أرميا فلنقرأ قوله (هكذا قال الرب، وإن نقضتهم عهدي مع النهار وعهدي مع الليل، حتى لا يكون نهار ولا ليل في وقتهما، فإن عهدي مع داود عبدي ينقض... إن كنت لم أجعل عهدي مع النهار والليل، فرائض السماوات والأرض، فإني أرفض نسل يعقوب وداود عبدي، فلا آخذ من نسله حكامًا لنسل إبراهيم، وإسحاق ويعقوب...) أرميا الأصحاح 33/20-26.

     هذا هو المنطق السليم: متى نقض اليهود عهدالله، فإنه تعالى لا ينفذ وعده وعهده لهم، لأنهم إنما يستحقون الوعد والعهد بالاستقامة، فإن عزفوا وكفروا فلا عهد لهم..

     هذه الأمة هل يعقل أن تكون لها حقوق دينية؟؟

     لو فتح باب «الحق» الديني ألا يكون من حق النصارى المطالبة بفلسطين، ففيها ولد السيد المسيح عليه السلام وعاش، ومارس الدعوة، ثم صُلب ودُفن، ثم رُفع إلى السماء حسب اعتقاد النصارى. أما موسى عليه السلام فقد وُلد بمصر وماتقبل أن يدخل فلسطين، ودُفن عند التلة، الحمراء كما تقول التوراة، فمن أحق فلسطين من هذا الوجه؟؟

3 – الحق القومي

     مماأخذه الصهاينة عن مواطنهم في أوروبا «القومية»، فادعوا أنهم شعب واحد، حتى قال هرتزل (إن اليهود بقوا شعبًا واحدًا وعرقًا متميزًا، إن قوميتهم المتميزة لا يمكن ولن، ويجب أن لا تتقوض، لذلك لا يوجد غير حل واحد فقط للمسألة اليهودية، هي الدولة اليهودية) الصهيونية والعنصرية 1/24.

     وما أظن أن في العالم خارج اليهود من يصدق أن اليهودي العربي والكردي والتركي والفارسي والهندي والصيني والياباني والأوروبي والفلاشة، كل هؤلاء ينتمون لقومية واحدة، وينحدرون من تلك القبائل العبرانية البدوية، التي غزت فلسطين واستوطنتها حينًا من الدهر. خصوصًا إذاأخذنابتعريف اليهودي بأنه (من كانت أمه يهودية) في ضوء هذاالتعريف المعتمد أدعو لقراءة هذا النص من التوراة (.. فسكن بنو إسرائيل في وسط الكنعانيين والحثيين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين، واتخذوا بناتهم لأنفسهم نساء، وأعطوا بناتهم لبنيهم، وعبدواآلهتهم) القضاة الإِصحاح 3/5-6 فإذاتزوج اليهود من كل هذه الشعوب، فأبناؤهم ليسوا يهودًا، لأن الأمهات غير يهوديات، وأبناء غير اليهود ليسوا يهودًا بالطبع، ومن ولد لتلك الشعوب هو اليهودي، فهل هناك مفارقة أغرب من هذه، سوى ادعاء الشعب الواحد؟!!.

     بل التوراة تذكر أنبياء بني إسرائيل، وبمن تزوجوا من النساء، فكلهم تزوج أجنبية.. والتوراة تقول بصراحة.. واختلط الزرع المقدس.. فهذا الاختلاط يقضى على.. نقاء.. العرق، ذلك الشيء الذي أخذه اليهود عن رجال العنصرية، أو علّمه اليهود لهم، يقول «أحمد نسيم سوسه» وهو مهندس عراقي يهودي الأصل أسلم ومات مسلمًا(2) (انتشر الدين اليهودي بين مختلف الأمم والأجناس، وهذه الأمم اعتنقت الدين اليهودي، وهي تعيش في ديارها وأوطانها، وتتكلم بلغاتها، وتمارس عاداتها وتقاليدها، فقد بدأ التبشير بالدين اليهودي، منذ تكوين الديانة اليهودية، بعد كتابة التوراة، واستمر حتى العصور الوسطى، وعندما أغلق باب التبشير في أواسط القرن الثالث عشر الميلادي، فقد قضى اليهود أكثر من عشرين قرنًا، يعملون بجد ونشاط لنشر ديانتهم، بين شعوب وأمم لا تمت إلى قوم موسى بأدنى صلة، وليست لهم علاقة بفلسطين أو سكان فلسطين، لا من بعيد ولا من قريب، وهؤلاء الدعاة إلى الدين، لم يكونوا دائمًا من فلسطين، بل ممن اعتنقوا الدين اليهودي وتحمسوا له). هذه شهادة خبير لا يجادل فيها أحد. وقد رأيت بنفسي، خلال رحلة في أفريقيا، جماعة من اليهود السود، ينفخون بالبوق، ويعلمون الشباب الأفريقي، الديانة اليهودية، ولهم أكثر من مركز للتبشير باليهودية.

     وأختم هذا بما قاله عالم الانثربولوجي (أوجين بتار) أستاذ علم الأجناس بجامعة (جنيف)(3) (إن اليهود عبارة عن طائفة دينية، اجتماعية، انضم إليهم في جميع العصور أشخاص من أجناس شتى، جاؤوا من جميع الآفاق، فمنهم الفلاشة سكان الحبشة، ومنهم الألمان ذو السحنة الجرمانية، ومنهم التامل السود في الهند، والخزر، والمفروض أنهم من الجنس التركي، ومن المستحيل أن نتصور أن اليهود ذوي الشعر الأشقر الكستنائي والعيون الصافية اللون، الذين نلقاهم في أوروبا الوسطى، يمتّون بصلة القرابة قرابة الدم إلى أولئك الإِسرائيليين القدماء، الذين كانوا يعيشون بجانب نهر الأردن).

     ويذهب الكاتب اليهودي «إبراهام ليون» لأبعد مما ذهب غيره فيقول(4): (إن اليهود يشكلون في حقيقة الأمر خليطاً عرقياً متنافرًا، والسبب الرئيس في ذلك هو طابع التشتت، الملازم لليهودية، وحتى في فلسطين كان اليهود بعيدين عن تشكيل عرق صاف).

     والخلاصة: من كل ما تقدم يمكن القول بأن اليهود طائفة دينية وليست شعبًاولا قومية، فلا عرق يجمعهم، ولا لغة واحدة، ولا ثقافة موحدة، فادعاء الحق القومي أيضًا لا قيمة له ولا سند.

4 – الحق الإنساني

     يقول اليهود: لكل شعب دولة ترعاه، وقيام دولة لهم هو الحل الأمثل لمشاكلهم، حيث الاضطهاد يلاحقهم، والمصائب تنهال عليهم، ابتداءً من هدم دولتهم وانتهاءً بالنازية التي قتلتهم وهجرتهم، وإن كافة الشعوب تختزن قدرًا من العداء لهم، لذا لا حل سوى جمع هذا الشتات وتخليصه من الاضطهاد، وتلك حاجة إنسانية ملحة، وحق إنساني لا يجادل فيه أحد.

     والسؤال: كان على الدوام في فلسطين أكثر من شعب فلماذا أنصب الاضطهاد على اليهود دون غيرهم؟.

     يجيب هرتزل(5) (إن المشكلة اليهودية قائمة، ومن السخف أن ينكر ذلك، فهذه المشكلة تقوم وتوجد حيث يعيش اليهود، مهما قل عددهم، وهي إذا خلا منها مكان استوردها اليهود المهاجرون إليه، إننا معشر اليهود نتجه بطبيعة الحال إلى البلاد التي لا نلقى فيها، اضطهادًا، غير أن مجرد وجودنا في بلد يثير ضدنا الاضطهاد حتمًا).

     فهل الإِجابة كافية؟؟ لا أعتقد..

     إن نظرة اليهود لأنفسهم ولغيرهم، وتجمعهم المريب، وطقوسهم المتزمتة ومحاولة السيطرة على اقتصاديات البلاد التي يحلون فيها، واحتكارهم وتعاونهم، واشتغالهم بالربا، كل هذا وغيره سبب لهم الاضطهاد، ليس لهم فقط، بل لكل من يفعل مثلهم، وتقدم أن الهنود في شرق أفريقيا واللبنانيين في غربها يعانون من مثل ما يعاني اليهود معفارق، أن هؤلاء يشكلون فقط كتلة اقتصادية ينظر لهابعين الحسد.

     ونظرًا لغرابة الظاهرة واستمرارها، سوف استعرض بعض الأفكار على أمل إلقاء الضوء عليها وعلى الحق المدعي:

     أ توينبي: يرى أن ليس من العدالة أن يدفع عرب فلسطين ثمن الجرائم التي قام بها الغرب ضد اليهود، والغرب صاحب إمكانات كبيرة، قياسًا على الإِمكانات الفلسطينية(6) (أما بالنسبة لادعائهم بأنهم أصحاب حق في المطالبة بتعويضات عن الجرائم التي اقترفها الألمان بحقهم، فإن لهذا الادعاء ما يبرره تبريرًا تامًا، ولكن ادعاءهم بأن ما اقترفته النازية بحقهم من جرائم تقضي بإعطائهم وطنًا خاصًا بهم، فهو ادعاء مردود من أساسه، فإذا وجد لهذا ما يبرره، فإن هذا الوطن الخاص يجب أن يمنح لهم في الأرض الألمانية، لا في الأراضي العربية، التي يمتلكها أهلهامنذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا) اهـ.

     ويبدو أن الصهاينة استهدفوا إصابة عصفورين بحجر واحد، وهم خير من يحسن ذلك، فحصلوا في فلسطين على الوطن، وحصلوا من الألمان على الملايين التي استثمروها في تعمير هذا الوطن، وهناك في العالم من يشجعهم ويعاونهم، ومن يسمي عدوانهم «حقاً» ويصفق لضربهم الفلسطينيين بالقنابل الفراغية والعنقودية وسواها.

     ب: رسل: يلاحظ الفيلسوف البريطاني «رسل» أن الصهاينة وهم يشكون العدوان، قد اتخذوه مبررًا للعدوان على أهل فلسطين وغيره(7) (كثيرًا مايقال لنا: إن علينا أن نتعاطف مع إسرائيل بسبب ماعاناه اليهود في أوروبا على يد النازيين، ولكني لا أرى في هذا القول مايبرر إبقاء أية معاناة أخرى، فما تفعله إسرائيل اليوم أمر لا يمكن أن يغتفره، فاتخاذ فضائح الماضي مبررًا لارتكاب فضائح الحاضر هو نفاق ورياء. فإسرائيل لا تقف عند حد إخضاع عدد ضخم من اللاجئين للبؤس والشقاء، ولا تكتفي بإخضاع عدد كبير من العرب للاحتلال العسكري، بل هي تحكم أيضًا على الدول العربية، التي لم يكد يمضي وقت يذكر على خلاصها من الاستعمار، بالتعرض لحالة من الإِفقار المستمر، لأنهامضطرة إلى إعطاء الأولوية للمطالب العسكرية وتقويمها على مقتضيات التنمية الاقتصادية الوطنية).

     ج: يقول اسحاق دويتشر(8): (إن المسؤولية بشأن مأساة يهود أوروبا والمذابح التي مورست في مراكز تجمعهم تقع كليًا على عاتق «حضارتنا» الغربية، التي تشكل النازية ابنًا شرعيًا وإن كان فاسدًا لها، ومع ذلك فإن العرب قد دفعوا ثمن الجرائم، التي ارتكبها الغرب تجاه اليهود، وهم لا يزالون مرغمين على دفع الثمن كل يوم، ذلك الضمير الغربي المذنب الذي يحس، هو بالطبع مؤيد لإسرائيل ومعاد للعرب). وبفضل تأييد الغرب لإسرائيل كثر عدوانها وعظم استهتارها، ولو وقف الغرب موقفاً محايدًا أو لائمًا، لخففت إسرائيل الكثير من عدوانها.

     د يقول الفيلسوف الصهيوني مارتن بوبر(9) (إن أغلبية الشعب اليهودي قد فضلت أن تتعلم من «هتلر» أكثر مما تعلمت من «موسى» ذلك أن هتلر أثبت أن التاريخ ليس من نصيب من يملك الإِيمان، ولكنه من نصيب من يملك القوة، وإذا ملك القوة، فإنه يستطيع أن يقتل دون حياء) وهذا ما دأبت عليه إسرائيل، فالطفل الذي يلقي حجارة يقتل، والمسكن يهدم، والأشجار تقلع، والأرض تصادر، والكبار يصفقون لهذا الوليد المدلل، فهو يصنع المعجزات.

     هـ - وأخيرًا يقول الكاتب اليهودي الأمريكي «موشى مينوهين»(10) (إن النماذج الجديدة من اليهود التي ظهرت في إسرائيل أخيرًا، لا تنتمي إلى اليهود الذين انتمي إليهم، هؤلاء نازيون فقدوا كل شعور إنساني).

     فما هو إذن هذا الحق الإِنساني؟؟

     إن كان لكم حقوق فاطلبوها عند من اعتدى عليكم أو ظلمكم؛ أما أن تساوموا فتقبضوا من الألمان الملايين من الماركات، وتستولوا على الأراضي الفلسطينية وتصادروا المزارع، ثم تقوموا بإرهاب مدروس، تشردون به العرب ثم تلاحقونهم بالطائرات وبكل ما زودكم به الغرب، فهذه نازية جديدة أقبح وأصلف من نازية هتلر، واليوم ما يزال حاخامات ينادون بوجوب طرد الشعب الفلسطيني كله خارج فلسطين، ليفسح المجال أمام يهود قد استقروا في وطن، ويطلب إليهم الهجرة، حتى إذا هاجروا دخل ربعهم فلسطين وثلاثة أرباعهم، راحت تتعبد الله في بورصة لندن أو نيويورك، ثم تدّعون الحقوق الإِنسانية، فالأجدر أن يطلق عليكم، وعلى من يشجعكم أعداء الإنسانية.

*  *  *

الهوامش:

المعروف عجل واحد، تقول التوراة بأن صانعه هو (هارون) فمن أين جاء الثاني؟ هل ولده الأول؟؟

العرب واليهود في التاريخ/ سوسة ص 551.

الاستعمار والمذاهب الاستعمارية/ د. محمد عوض ص 154.

الماركسية والدولة الصهيونية أديب ديمتري ص 32.

الصهونية بين الدين والسياسة/ الهراوي ص 271.

توينبي: مؤرخ إنكليزي من مواليد لندن، تخرج في أكسفورد ومارس التدريس فيها حتى عام 1915 ثم التحق بقسم الاستخبارات السياسية في الخارجية البريطانية، ثم عين أستاذًا للتاريخ واللغة الاغريقية بجامعة لندن ثم أستاذًا وباحثًا ومديرًا للدراسات بالمعهد الملكي للشؤون الدولية عرف بمواقفه الشديدة تجاه اليهود والصهاينة وشنوا عليه أكبر الحملات. اشهر كتبه «دراسة في التاريخ» طرح خلاله نظريته في التحدي والاستجابة.

الموسوعة العربية الميسرة ص 566.

عقدة النزاع العربي الإسرائيلي/ د. مجيد خدوري ص 49.

رسل: ولد عام 1872م وتعلم بجامعة كامبرج ثم اشتغل بالتعليم، وكان من المعارضين للحرب العالمية الأولى فسجن بسبب ذلك وبعد الحرب راح يكتب في الإِصلاح الاجتماعي. وهو يجمع بين الفلسفة والمنطق الرياضي، ويعتبر مرجعًا في المنطق الرمزي الحديث، ومن كبار الفلاسفة.

(الموسوعة العربية الميسرة ص 1867).

الصهيونية، حركة عنصرية ص 20.

إسحاق دويتشر: مفكر ومؤرخ ماركسي العقيدة من مواليد بولندا زار روسيا عام 1931م ففرضوا عليه تدريس الاشتراكية في جامعة موسكو فرفض، طرد من الحزب الشيوعي عام 1932، وكان من معارضي «ستالين» والحزب الشيوعي البولندي. وفي عام 1939 تحول إلى لندن وراح ينشر مقالات ودراسات عن ستالين وسياسته وتروتسكي، ثم راح يدرس في الجامعات البريطانية والأمريكية، وقد عرف بإدانته للصهيونية ومن آرائه أن الحروب لا تحل مشاكل إسرائيل... (موسوعة السياسة 2/735).

الصهيونية والعنصرية 1/212.

مجتمع الكراهية/ سعد جمعه ص 157.

الصهيونية والنازية / عصام شريح ص 112.

المستشرقون والتاريخ

(الحلقة 1/2)

بقلم:  الدكتور عبد العظيم محمود الديب

 

 

 

أهمية التاريخ:

     للتاريخ أهمية عظمى في بناء الأمم، والمحافظة على هويتها وشخصيتها، بل على قوتها، وقدرتها على الشموخ، والاستطالة، والاستمرار، فهو جذور الأمة التي تضرب بها في الأعماق، فلا تعصف بها الأنواء، ولا تزلزلها الأعاصير، ولا يفتنها الأعداء.. وهو ذاكرة الأمة، والذاكرة للأمة كالذاكرة للفرد تماماً، بها تعي الأمة ماضيَها، وتفسر حاضرَها، وتستشرف مستقبلَها.

     فالإنسان الذي يفقد ذاكرته، يرتد على ضخامة جسمه طفلاً غرًّا لا يعي شيئًا مما حوله، عاجزًا عن أن يتبصر في أمسه، أو يشعر بيومه، أو يتطلع إلى غده، وكذلك الأمة حين يضيع منهاتاريخها، ويشوش في عقول أبنائها، ويشوه في عيونهم، عندئذ يضيع منها الطريق، وتسلم مقودها لمن يوجهها، ويعود يملأ ذاكرتها بما يوجه خطواتها حيث يريد.

     فالتاريخ ليس علم الماضي، بل هو علم الحاضر والمستقبل في واقع الأمر وحقيقته؛ فالأمة التي تستطيع البقاء، هي الأمة التي لها ضمير تاريخي، ومعرفة بالتاريخ، وعشق له.

     والتاريخ أيضًا (عرض الأمة) كما سماه كاتب العربية الأكبر عباس محمود العقاد، ورحم الله أمير الشعراء حين قال:

     مثل القوم أضاعوا تاريخهم

                      كلقيطٍ عيَّ في الحي انتسابـا

     ولذا لم نعجب حين حدثت أزمة عالمية بين الصين واليابان، أدت إلى حشد الجيوش الصينية على الحدود وقطع العلاقات الدبلوماسية، والتهديد بقطع العلاقات الاقتصادية، وبشن الحرب، كل ذلك بسبب عدة أسطر في كتاب من كتب التاريخ المدرسية، أرادت اليابان أن تغيرها(1).

     وأصل قضية تاريخ اليابان هذه، ترجع إلى عام 1945م، يوم انتهت الحرب العالمية الثانية، ودخل الجنرال الأمريكي (مكارثي) قائد القوات المنتصرة طوكيو المستسلمة، ويومها لم يشغل (مكارثي) زهو الانتصار عن المستقبل، فأرسل يستدعي من أمريكا بعثة تربوية تضع مناهج تربية جديدة لمدارس اليابان، وكان مما غيرته مناهج التاريخ، لتضمن صياغة أجيال جديدة من اليابانيين غير قادرين على إشعال الحرب مرةً ثانيةً.. هذه المناهج المفروضة على اليابان، هي التي حاول اليابانيون تغييرَها، فكانت الأزمة المشار إليها.

     ونختم هذه اللمحة عن قيمة التاريخ بكلمة المفكر المسلم مالك بن نبي: (إن نظرتنا إلى التاريخ لا تؤدي إلى نتائج نظرية فحسب، بل إلى نتائج تطبيقية تتصل بسلوكنا في الحياة، فهي تحدد مواقفنا أمام الأحداث، وبالتالي أمام المشكلات التي تنجم عنها)(2).

أهمية التاريخ الإسلامي

     وإذا كنا قد ألمحنا إلى أهيمة التاريخ بصفة عامة، فأهمية التاريخ الإسلامي لاشك تفوق كل أهمية، ذلك أن التاريخ الإسلامي في واقع الأمر، هو الإسلام مطبقًا منفذًا، واقعًا، فتشويه التاريخ الإسلامي يؤدي بالضرورة إلى تشويه الإسلام، ودع عنك ما يقوله بعض الذين سقطوا أسرى تشويه التاريخ الإسلامي: (من أن هناك فرقًا بين الإسلام والمسلمين، وأن الإسلام يحكم على المسلمين، ولا يحكم المسلمون على الإسلام) فهذا القول على وجاهته غاية ما يصل إليه أصحابه، أن الإسلام منهاج رباني سماوي ولكنه (مثالي) ينوء البشر بتطبيقه، وتقعد بهم نوازعهم، وشهواتهم عن القيام به والسمو إلى ما يدعو له، ويرمي إليه.

     هذا غاية ما يمكن أن يصلوا إليه، وهو كما ترى خطر ماحق، ولذلك رأينا فعلاً وواقعًا من يحاج الدعاة إلى تطبيق الإسلام وتحكيمه بهذا التاريخ المشوه وهم في نفس الوقت يعظمون الإسلام، ويمجدونه، بل يعتقدون أنهم بوقوفهم في وجه الدعاة، ومقاومتهم تحكيم الإسلام، وتطبيق شرائعه، يدفعون عن الإسلام، ويحمونه من التشويه والتضليل، كتب أحدهم وهو ليس من أصحاب الأقلام المعروفة بمناوأتها للإسلام، بل معروف بعداوته للأقلام المنحلة، والمنحرفة، والملحدة، كتب مقالا طويلا جاء فيه: (على مدى ألف وأربعمائة عام، والملوك والخلفاء يدّعون أنهم يحكمون بالإسلام، فإذا هم يجعلون الشريعة وسيلتَهم إلى كل ما تعرف أنهم صنعوه بعباد الله الأبرياء المسلمين، وغير المسلمين.

     أذكر هارون الرشيد وسرفه، أذكر المأمون، وفقهاء الإسلام، وما صنع بهم من أجل قضية كلامية، أيّ إسلام تريدون؟ إسلام بني أمية الذين فعلوا ... إسلام العباسيين الذين فعلوا... إسلام المماليك الذين فعلوا... إسلام العثمانيين الذين فعلوا... إسلام ... أم إسلام... إن عمر بن الخطاب كان فلتة... ألا ترى أن دين الله الأقوم ينبغي أن يظل صلة بيننا وبين الله بغير قسر ولا إجبار وإذا كان الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم، في آيات شريفة كثيرة، عليك البلاغ، وعلينا الحساب، فمن سمح لكم أن تبلغوا، وما أنتم بمبلغين، أو أن تحاسبوا وما أنتم بآلهة)(3).

     ولتتأكد أن تشويه التاريخ الإسلامي، هو تشويه للإسلام نفسه، نسوق لك ما قاله الكاتب المصري سلامة موسى الذي يجعلونه أحد (الشوامخ) وأبطال عصر التنوير، قال بعد أن تحدث عن الاستبداد، وطبيع البداوة العربية، التي ترضاه وتقبله، وتعيش به، قال: (ومن جهة أخرى، نرى أممًا مسلمة كثيرة، بعدت عن الروح العربية، ولكن بقي لها استبداد الخلافة.

     وقد يقال: إن القرآن لم ينص على الخلافة، وهذا صحيح، ولكن الإنجيل أيضًا لم ينص على البابوية، فكما أنه لايمكن تخلي المسيحية من تبعات البابوية، فكذلك لايمكن أن يخلى الإسلام من تبعات الخلافة، والحقيقة أن البابوية والخلافة ترجعان إلى التقاليد المأثورة لا إلى الانجيل ولا إلى القرآن.

     وقد انتفع الإسلام من عدم وجود الكهنة في نظامه ولكن بقاء المسحة الدينية على الخلافة، كاد يزيل هذه الميزة التي للإسلام على المسيحية(4)، هكذا تبعات الخلافة وفسادها سببه الإسلام، وهو المسؤول عنها، والخلافة هي البديل الإسلامي، للكهنوت والفساد البابوي) أرأيت؟؟!!.

اتجاه المستشرقين للتاريخ

     لأهمية التاريخ هذه، ولأثره في الأمة، اتجه المستشرقون في أبحاثهم إلى التاريخ، حتى جاءت معظم أعمالهم، سواء الأبحاث أم التحقيق والنشر، أم الترجمة، معظمها في مجال التاريخ(5)، ونعني التاريخ بمعناه العام، التاريخ السياسي والتاريخ الحضاري، والاجتماعي، وتاريخ الفرق والمذاهب، والفكر والفن والعلم، وتاريخ الرجال والطبقات، ومعاجم البلدان.

     وفي اهتمام المستشرقين بالتاريخ، وتوظيفهم له، واعتمادهم عليه لتحقيق مآربهم، اختذوا مناهج وطرقًا تؤدي بهم إلى مايريدون.

     ويمكن أن نتبين ملامح هذه المناهج إذا ميزنا فيها بين جانبين:

     أ المنهج من حيث الشكل الخارجي (ونعني بذلك اختيار الموضوعات، وترتيب الاهتمام بها، وطريقة تناولها بصفة عامة).

     ب المنهج من حيث استكمال شروطه، والالتزام بقواعده.

     وسنحاول أن نلقي نظرات سريعة على الجانبين نتبين بعضَ الملامح في كل منهما، على قدر ما تسمح به هذه العجالة.

أولاً: المنهج من حيث الشكل:

     (أ) الاهتمام بتاريخ الفرق والصراع بينها، وعوامل نشأتها، ومحاولة إثارة أخبارها، ووضعها في بؤرة الشعور، لدى الأمة الإسلامية، وتلك مكيدة، كادها أسلاف لهم من قبل، حين جلس ذياك اليهودي يحكي أخبار (يوم بعاث) حتى أو قد نار العداوة بين الأوس، والخزرج من جديد، وكادت تكون فتنة، لولا أن تداركهاالنبي صلى الله عليه وسلم.

     (ب) العناية بتاريخ الزندقة والزنادقة، وإبرازهم في صورة أصحاب الفكر الحر، وقادة الفكر، ولهم في هذا الباب دأب عجيب غريب وتستطيع أن تمد يدك إلى أي كتاب مما يتناول أعمال المستشرقين لترى ذلك واضحًا جليًّا، فهذا (هنري كوربان) يعيش حياته مع رفيق عمره على حد تعبير الدكتور عبد الرحمن بدوي(6) (السهروردي المقتول) فيدرس كتبه ويترجم رسائله، ويحقق وينشر مؤلفاته وكأنه وجد في هذا (السهروردي) الزنديق، الذي عاش زمن الحروب الصليبية، ولم يتورع عن أضاليله وأباطيله، التي كان ينفثها في المجتمع الصامد المثابر المصابر، أمام الهجمة الصليبية الشرسة، مما استحق عليه القتل جزاء زندقته، كأن هذا المستشرق (كوربان) وقع على كنز، فراح يعكف على تراث هذا الزنديق، وكان من أثر ذلك أن تسربت هذه الأفكار على أسنة أقلام المثقفين المعاصرين، فإذا بأحدهم وهو يكتب عن بعض القضايا الأدبية يطالعنا بعنوان بارز لإحدى مقالاته:

     (إعدام حكيم الإشراق.. كان أبشع ما اقترفته يدا صلاح الدين الأيوبي).. وهكذا استطاع (كوربان) أن ينتقم من صلاح الدين الأيوبي أبشع انتقام، وأن يحدث في ثقافة هذا الكاتب المسلم، هذا الصدع الخطير وأن يضع المثقفين أمام هذه المفارقة العجيبة المؤلمة: بين قهر حرية الفكر والرأي، وقهر الصليبيين.. فصلاح الدين قاهر الصليبيين، هو في الوقت نفسه قاتل (السهروردي) قهرًا للرأي، ووأدًا لحرية الفكر، وعليكم أن تختاروا معشر المثقفين، بين قهر الفكر، وقهر الصليبيين!!.

     وكنت قد كتبت تعليقًا بمجلة الأمة القطرية عدد 50 ص 96، بعنوان (أصول الأفكار، وجذورها) حاولت فيه أن أبحث عن أصل هذه الفكرة اتهام صلاح الدين، بوأد الفكر، وقتل السهروردي وردها إلى منبتها وجذورها، ويومهاوقفت بها عند سلامة موسى(7)، حيث رأيتها في كتابه (حرية الفكر وأبطالها في التاريخ: 133) إذ قال: (ويجب ألا ننسى أن السهروردي قتل بأمر صلاح الدين الأيوبي.. فقد كان رجلاً كردياً غير مثقف، فاستطاع الفقهاء أن يؤثروا فيه، ويزينوا له قتل السهروردي)..

     ويومها لم أكن قد اطلعت على ما كتبه المستشرق (كوربان) عن السهروردي؛ لأعلم أن (سلامة موسى) متكئ عليه في هذا الكلام، وأن أصل الفكرة، وجذورهاترجع إلى أبعد من سلامة موسى، ترجع إلى (كوربان).

     وهكذا إذا استحال عليهم أن يجدوا مغمزًا في صلاح الدين الأيوبي عن طريق التاريخ السياسي، واستعصى عليهم إنكار بطولاته، وفروسيته ونبله، ومروءته، وكرمه، وشرفه، نقبوا في تاريخ الفكر لذلك العصر ليجدوا حادثة (السهروردي) الملحد، فيضخموها، ويكبروها ويجعلوا من الملحد بطلاً، ومثالاً لحرية الرأي، والفكر، التي لم يصبر عليها صلاح الدين الأيوبي، (الكردي الجاهل) فأمر بقتل ذلك (الحكيم)!!!.

     ومما يدخل في هذا الباب أعني توظيف تاريخ الفكر واستخدامه ما قام به (ماسينيون) من دراسات وأبحاث حول (الحلاج)، يقول أستاذنا الدكتور محمود قاسم: (.. إن الاستعمار الفرنسي للجزائر استطاع بجبروته وعسفه أن يفرض لغته على كثير من المثقفين في الجزائر وشمال إفريقية، غير أنه لم يستطع أن ينال كثيرًا من العقيدة الإسلامية، رغم ما بذل المختصون في شؤون الثقافة من محاولات لفصم العقلية الجزائرية عن طريق تمجيد التصوف الكاذب، وإشاعة الخرافات والأباطيل، على نحو ما نراه في مؤلفات (لويس ماسينون) الذي خصص حياته للكتابة في الحلاج(8) فجعله صورة من المسيح في الإسلام، وأعتقد أن ماسينيون، ما كان يعنى بالحلاج بتنفيذ مخطّط استعماري أحكم صنعه، فقد ملأ كتابه الضخم عن الحلاج بحشد هائل من الخرافات والترهات والأباطيل، حتى يعمق الهوة بين طائفتين توجدان بالجزائر، طائفة تتمسك بالقديم فتناسق حسب ظنه، إلى اعتقاد أن هذه الخرافات والهذيانات، هي صميم الإسلام، وطائفة مثقفة بالثقافة الحديثة تتجه من جانبها إلى السخرية، والزراية بهذا الإسلام الخرافي، بل من الإسلام كله)(9).

     ومن المعروف أن (لويس ماسينيون) هذا (كان مستشار وزارة المستعمرات الفرنسية لشؤون الشمال الإفريقي، والراعي الروحي للجمعيات التبشيرية الفرنسية في مصر، وحين قامت الحرب العالمية الأولى وكان قد تزوج منذ شهور التحق بالجيش الفرنسي، وخاض معركة الدردنيل ضد الخلافة العثمانية، برتبة ضابط في جيش المشرق، ثم رأيناه مع الجيش الذي دخل القدس في سنة 1917م بقيادة اللورد (اللنبي)(10).

     ولعل من هذا الباب عبثهم بتاريخ الفكر والعلم ما قام به المستشرق (كراوس)، ذلك الصهيوني التشيكي الأصل، الذي عمل أستاذًا للغات السامية في جامعة القاهرة من سنة 1936-1944م حيث عثر عليه وقد شنق نفسه في مسكنه بالزمالك.

     عُني هذا المستشرق بتاريخ العلوم عند المسلمين، (وأكب على دراسة الكيمياء عند العرب، وركز بحثه على رسائل جابر بن حيان في الكيمياء، وانتهى في بحث نشره 1930م بعنوان (تحطم أسطورة جابر بن حيان) إلى القول: بأن الرسائل العديدة المنسوبة إلى جابر بن حيان، هي في الواقع من تأليف جماعة من الإسماعيلية)(11).

     هكذا، إنكار لوجود جابر بن حيان عبقري الكيمياء المسلم، وتمجيد (للإسماعيلية) تلك الفرقة الباطنية المنشقة المنحرفة، عن عقائد الإسلام وتعاليمه.

     فإذا علمنا أن هذا المستشرق كان عضوًا في عصابة (اشترن) الصهيونية، التي عملت مع زميلتيها (عصابة الهاجاناه) و (عصابة أرجوان زفاي) على إنشاء إسرائيل في سنة 1948م وذلك بالقتل والإرهاب وسفك الدماء، ويرجع الدكتور عبد الرحمن بدوي، وقد كان صديقًا لهذا المستشرق، ومساعدًا له في بعض أبحاثه، أن السبب في انتحاره هو (أن القرعة وقعت عليه، لتكليفه من العصابة بقتل (اللورد موين)، الوزير البريطاني المقيم في الشرق الأوسط، الذي خيل إلى عصابة (اشترن) أنه عقبة في سبيل النشاط الصهيوني، لإيجاد دولة إسرائيل، بدعوى أنه يمالىء العرب(12)، أو في القليل يحارب الإرهاب الصهيوني ضد الإنجليز في فلسطين آنذاك، التي كانت ماتزال تحت الانتذاب البريطاني، وتبعًا لذلك كان على (كراوس) أن يختار بين الاشتراك في عملية الاغتيال، أو أن ينتحر، وهو على الحالين مقتول، فيبدو أنه آثر الاختيار الثاني، أعني أن يقتل نفسه بنفسه، بدلاً من أن يشترك في قتل (اللورد موين) مما سينجم عنه إعدامه أيضًا، كما حدث لمن نفّذوا عملية الاغتيال)(13).

     فهذا التاريخ (الناصع) لهذا المستشرق، يدلك على قيمة أمانته العلمية، حين ينكر شخصية (جابر بن حيان) ويدعي أنه أسطورة على حين ينسب علمه إلى فرقة منحرفة، ضالة مضلة، وهي فرقة (الإسماعيلية)! والذي يجمع الأعمال الاستشراقية حول الإسماعيلية، من أبحاث ودراسات، وتحقيق لرسائلها، وترجمات لها، وتاريخ لرجالها، يهوله لا شك حجم هذه الأعمال، ويدرك بأدنى تأمل ما يريده المستشرقون من وراء هذه الأعمال، وهذه الفرقة.

     (ج) القفز وراء العصر الإسلامي، والاهتمام بالتاريخ القديم، لأقاليم دار الإسلام إحياء للفرعونية، والبابلية، والآشورية، والفينيقية، ونحوها، إثارة للنعرات الإقليمية، وتمزيقًا لجسد الأمة الإسلامية.. ونظرة إلى أعمال أحد المؤتمرات الدورية التي يعقدها المستشرقون وهو المؤتمر الخامس عشر، الذي انعقد في (كوبنهاجن) سنة 1908م تريك صدق ما أقول، فقد كان جدول أعمال هذا المؤتمر على النحو التالي:

     (1) التاريخ البابلي.

     (2) آثار مصر التاريخية.

     (3) تاريخ مصر القديم واكتشاف البردي.

     (4) المدافن الملكية من السلالة الرابعة عشرة.

     (5) المدافن الملكية من السلالة الخامسة.

     (6) اكتشاف الكرنك.

     (7) أميرات مصر وملكاتها القديمات.

     (8) ما بين الكتب المقدسة والآثار المصرية.

     (9) مشروعات اليهود الدينية.

     (10) حفريات أريحا والآثار الكنعانية.

     (11) النظام الكنائسي في آسيا في القرن الرابع عشر.

     (12) رسوم الملك جوستينيان.

     (13) فضل الكنيسة في إبطال الرق في القرون الوسطى.

     (14) تاريخ الشرق والإسلام.

     (15) اقتصاد العرب المالي في يد الفتح المصري.

     (16) تاريخ بني إسرائيل.

     (17) هيكل جزيرة أسوان وآثارها المكتشفة(14).

     وقد بذلوا جهودًا مضنيةً في البحث والتنقيب، والدراسة، والإشادة بهذه الحضارات البائدة، والتنويه بشأنها، وإغراء أهل كل إقليم بماضيه القديم حتى صارت الفرعونية في مصر مثلاً تناطح العروبة، وأصبح قرن الشر يطلع علينا من آنٍ لآخر، في صورة هذا السؤال:

     فرعونيون أم عرب؟ وهكذا في كل أقاليم ديار الإسلام!!.

     وعلى حين كانت الثقافة، وكان التعليم، يتجاوز العصور التي قبل الإسلام ويوجز الحديث عنها، بدأ الاهتمام بها، ووضعها في مركز الشعور وتستطيع أن تتبين ما أقول إذا قرأت هذا الكلام لـ«طه حسين»، قال: (ولم ينس الفتى يقصد نفسه يومًا خاصم فيه ابن خالته، الذي كان طالبًا في دار العلوم، ولج بينهما الخصام، فقال الدرعمي للأزهري: ما أنت والعلم، إنما أنت جاهل لا تعرف إلا النحو والفقه، لم تسمع قط درسًا في تاريخ الفراعنة، أسمعت قط باسم رمسيس أو أخناتون؟ وبهت الفتى حين سمع هذين الاسمين.. وحين سمع ذكر هذا النوع من التاريخ، اعتقد أن الله قد كتب عليه حياة ضائعة لا غناء فيها، ولكنه يرى نفسه ذات ليلة في غرفة من غرفات الجامعة يسمع الأستاذ أحمد كمال رحمه الله، يتحدث عن الحضارة المصرية القديمة، ويذكر رمسيس وأخناتون، وغيرهما من الفراعنة، ويحاول أن يشرح للطلاب مذهبه في الصلة بين اللغة المصرية القديمة وبين اللغات السامية، ومنها اللغة العربية، ويستدل على ذلك بألفاظ من اللغة المصرية القديمة يردها إلى اللغة العربية مرةً وإلى العبرية مرةً، وإلى السريانية مرةً أخرى، والفتى دهش ذاهل، حين يسمع كلّ هذا العلم.. وهو يعود إلى بيته ذلك المساء، وقد ملأه الكبر والغرور، ولا يكاد يلقى ابن خالته حتىيرفع كتفيه ساخرًا منه ومن دار علومه، التي كان يستعلي بها عليه، وهو يسأل ابن خالته، أتتعلمون اللغات السامية في دارالعلوم؟ فإذا أجابه بأن هذه اللغات لا تدرس في دارالعلوم، أخذه التيه، وذكر العبرية والسريانية، ثم ذكر الهيروغليفية وحاول أن يشرح لزميله كيف كان المصريون القدماء يكتبون)(15).

     وهكذا كان الأزهريون لا يسمعون باسم رمسيس وأخناتون، وكانت دار العلوم تمر على تاريخ الفراعنة مر الكرام، فلما جاء الجامعة المصرية، وجاءت مناهج المستشرقين، صار تاريخ الفراعنة، وحضارة الفراعنة، ولغة الفراعنة محل عناية بالغة، جعلت للفرعونية مكانًا ومنزلة، مما أدى إلى أن تصير الفرعونية توجهًا مطروحًا بين التوجهات، ثم إحياء لإقليمية ضيقةذات حدود محصورة مقصورة، وما حدث في إحياء الفرعونية حدث مثله مع البابلية، والآشورية، والفينيقية، وأخواتها، مما نجني ثماره علقمًا بهذا التشرذم الذي نعيشه الآن.

     (ذ) تمزيق تاريخ الأمة الإسلامية، طولاً وعرضًا بتقسيمه طولاً إلى تواريخ أسر: الأموية، والعباسية، والمماليك، والعثمانيين، الخ... وعرضاً بتقسيمه إلى تواريخ أقاليم ومناطق، يمدها في العمق قبل الإسلام كما أشرنا لإثارة عوامل الفرقة، ومظاهر الاختلاف، ومؤكدًا إياها، ومذكرًا بالصراعات والحروب والخصومات والإحن.

     على حين الأصل في تاريخ دارالإسلام، أن يدرس إذا أردنا دراسةً علميةً منهجيةً صحيحةً على أنه صراع بين المسيحية الشمالية المعتدية التي جاء الإسلام فوجدها مسيطرةً على الشام ومصر، والشمال الأفريقي، فخلص هذه الديار من سلطانهاوردها إلى عقر دارها، فاندحرت تحمل ذل الهزيمة على جباهها ونار الحقد والثأر في قلوبها، ثم كان الجهاد الإسلامي استجابة للأمر بتبليغ رسالة الإسلام للعالمين، فكان فتح الأندلس، ومحاولات فتح القسطنطينية، ثم الصراع الدائم على الحدود والثغور، ثم جولة الحروب الصليبية التي استمرت نحو قرنين، ثم سقوط القسطنطينية، ودخول الإسلام إلىقلب أوروبا، ودخول كثير من أقاليمها في الإسلام، ثم محاولة الصليبية الالتفاف حول ديار الإسلام، وعقد الأنشوطة حوله على حد تعبير (توينبي) مؤرخهم ثم محاولة اختراق ديار الإسلام منذ القرن التاسع عشر، على أيدي (نابليون) وحملته على الشرق، (وليس على مصر كما يلقنوننا) ثم حملة (فريزر) التي أرادت الدخولَ من بوابة مصر أيضًا، ثم حملة فرنسا على الجزائر سنة 1830م... الخ.. هذا هو تاريخ الإسلام إن أردنا أن ندرسه على حقيقته، بمنهج علمي سليم.

     أما معركة الجمل، ومعركة صفين، والتحكيم، والخوارج، ووقعة الحرة، وكربلاء ومقتل أبي مسلم الخرساني، وصراع الأمويين والعباسيين.. الخ.. فتلك عثرات على الطريق، وهي لازمة للقصور، والضعف البشري، فنحن لا نزعم أن أسلافنا ملائكة، وهي على أية حال جزئيات تظهر في الصورة، ولكنها لايمكن عند المنهج العلمي السليم أن تغطي على عمود الصورة الكلية أو تؤثر في بنائها، كما أنها واقعًا وحقًا لا يجرؤ أن ينكره منكر لم تؤثر في تدفق نهر تاريخ أمتنا، ولم تكدره، بل ظل أكثر من ألف عام تدفقا معطاء.

     ولا يتوهمَّن أحد أننا نريد أن نخفي شيئًا من تاريخنا، فنحن نعي أننا نكتب تاريخ بشر، لا تاريخ ملائكة، وإنما الخطر في ذلك المنهج الذي يقف عند هذه العثرات، ويصوغ منها تاريخنا، ولذا نشأت أجيال لا أقول من عامة المثقفين، بل من خاصتهم، بل من خاصة الدعاة إلى الإسلام، ممن لا نغمطهم في علم ولا في خلق ولا في دين ولا في غيرة، واحتراق من أجل الإسلام، أقول نشأت أجيال من هؤلاء، ولم يبق في ذهنهم من تاريخ أمتنا إلا هذه المآسي التي انطبعت في أعماق أعماقهم، وهم في أول الطريق، فجاء جيل بعد جيل، وهم يمقتون تاريخهم، ويتخيلونه ساحةً مظلمةً، يسيطر عليها الجهلُ والطغيانُ، والقتلُ، والظلمُ الاجتماعيُّ(16).

     ولو نظرنا في تاريخ أوروبا، لوجدنا أن ما دار بينهم من صراع، وما كان عندهم من مآس، وماصبغ أيامهم من دم، وما غطى عصورهم من جهل، وما ران على تاريخهم من ظلم، وما تردت فيه خطواتهم من وحل، لوجدنا أن ما كان عندهم يفوق بعضُ بعضِه، كلَّ ما كان عندنا، بل إن ما كان عندنا أبدًا لا يذكر في مقابلة ما كان عندهم، (ولكن التاريخ الأوروبي عثر على مؤرخين أعادوا إليه الحياة، وقدموه في إطار حي بصورة فنية رائعة بكل. عناصرها، الخلفية والتكوين والأضواء والظلال، والألوان والمساحات)(17).

     وبقينا نحن نتطلع إلى تاريخهم بإعجاب، معتقدين أنهم لم يعرفوا هذه المآسي التي لم يبق غيرها مستقرًا في أعماقنا، من تاريخ أمتنا.

          ولم يقتصر تقسيمهم التاريخ إلى فترات زمنية، على التاريخ السياسي فقط، بل شمل ذلك تاريخ الأدب العربي أيضًا، فقسموه إلى العصر الجاهلي ثم صدر الإسلام، ثم العصر الأموي، والعصر العباسي،.. الخ، على نحو ما هو معروف، يؤكد ذلك الدكتور أحمد أمين، حيث يقول في كتابه (حياتي): (إن فكرة تصنيف الأدب العربي إلى عصور مختلفة مع تحديد خصائص كل عصر، وتحليل سير مؤلفيه، لم تكن معروفةً بمصر لحين وصول المستشرقين)(18).

(هـ) اختزال تاريخ الإسلام والمسلمين:

     فقد أُلفت كتبٌ كثيرة في تاريخ العالم، أو تاريخ الحضارة الإنسانية، فكان مؤلفوها الغربيون، يختزلون تاريخ الإسلام والمسلمين، اختزالاً يوحي بقيمته ومكانته في نفوسهم؛ بل يوحي بانحراف منهجهم، وسوء قصدهم، ويكفي مثالاً على ذلك الكتاب الذي كتبه (هـ. ج. ويلز) باسم (معالم تاريخ الإنسانية) وترجمه إلى العربية عبد العزيز توفيق جاويد، وطبعته لجنة التأليف والترجمة والنشر بمصر، ولا تجد في الكتاب إلا تاريخ الجاهليات، والوثنيات، أما تاريخ الإسلام وأثره في (معالم تاريخ الإنسانية) فلم يذكره إلا بفصل من 53 صفحة.

     والسر في ذلك أنهم دائماً يكتبون التاريخ من مركز الدائرة الأوروبية، أي ينظرون من زاوية أوروبية، وبعيونٍ أوروبيةٍ، فتاريخ العالم هو تاريخ الغرب وأما ما سوى الغرب، فهو لا يذكر إلا بمقدار ما يتصل بالغرب، أو يتأثر به، أو يأخذ عنه، فما سوى الغرب نقاط متناثرة حول صلب التاريخ وعموده.

*  *  *

الهوامش:

كان ذلك في 18 سبتمبر 1982م راجع جريدة الأهرام القاهرية الصفحة الأخيرة.

تأملات: 26.

بتصرف يسير من مقال الأستاذ ثروت أباظه – أمين اتحاد الكتاب (جريدة الأهرام) القاهرية 12/4/1987م، وتأمل العبارات لترى النظرة الغبية للدين ولصلته بالحياة.

وانظر أيضًا: أحمد بهاء الدين: جيدة الأهرام 15/5/1987م لترى نفس الرؤية النصرانية الغربية للدين ولدوره في الحياة.

 حرية الفكر وأبطالها في التاريخ: 66، 67.

انظر بحثا لنا بعنوان: المستشرقون والتاث – لترى مدى هذا الاهتمام في مجال التحقيق والنشر، حيث بلغت نسبة المنشور في التاريخ 73٪.

راجع موسوعة المستشرقين: 335-341.

كاتب مصري، توفي سنة 1958م ذو نزعة صليبية تغريبية، لا يخفي عداوته وتحقيره، لكل ما هو شرقي، كان صاحب هدف وغاية، تتولى دار المستقبل للنشر بالقاهرة والاسكندرية، نشر مؤلفاته، واذاعتها، تحت عنوان (تراث من الكفاح الهادف)، واقرأ عنه بعض إشارات في كتاب أستاذنا محمود محمد شاكر (أباطيل وأسمار) وعندها تعرف طبيعته وغايته وهدفه.

مما يذكر بأسى، أن عالماً جليلاً مستنيرًا، أسرف على نفسه وعلى قرائه، ذات حديث إلى مجلة إسلامية كبرى، فمجد المستشرقين، وما قاموا به من عمل في سبيل خدمة ثقافتنا وتاريخنا، ولما أراد أن يستدل على قوله لم يجد إلا عمل (ماسينيون) في تراث الحلاج ودراسته، وهذا يشهد بما وقعنا فيه من تغرير وخداع.

د. محمود قاسم – الإمام عبد الحميد بن باديس الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية: ص 7 وانظر الفصل الثاني من ص 35-70 دار المعارف القاهرة – 1979م.

لمزيد من التفصيل، انظر: عبد الرحمن بدوي – موسوعة المستشرقين 365-370 دكتور محمد البهى – الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي 556، دونالدمالكولم رابد، جامعة القاهرة، والمستشرقون، ترجمة: صلاح الدين عثمان هاشم، بحث منشور بمجلة الثقافة العالمية عدد 38 ص 18، 19، تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت.

د. عبد الرحمن بدوي، موسوعة المستشرقين 326.

قلت: بل كان قتله في القاهرة لمجرد إحراج مصر مع بريطانيا، وتحميل مصر – التي كانت في صراع مع بريطانيابسبب الجلاء – مسؤولية قتله، الذي كان ممكنا أن يؤدي لولا أن لطف الله بمصر وقبض على قاتليه الصهيونيين – إلى تذرع بريطانيا بهذا الحدث، كما تذرعت بأمثال له من قبل – إلى فرض سيطرة وقيود تأديبية على مصر.

د. عبد الرحمن بدوي – معجم المستشرقين: 325-330.

نجيب العقيقي – الاستشراق والمستشرقين: 1103، 1104.

انظر: دونالدمالكولم رايد – جامعة القاهرة والمستشرقون – ترجمة: صلاح الدين عثمان هاشم – بحث نشرته مجلة الثقافة العالمية عدد 38 ص 11 يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت.

عماد الدين خليل، في التاريخ الإسلامي: فصول في المنهج والتحليل 197.

المصدر السابق: 207.

عن دونالد مالكولم رايد – جامعة القاهرة والمستشرقون، مرجع سبق ذكره.

*  *  *

 

الصحوة الإسلامية في الأندلس اليوم جذورها ومشارها

(الحلقة 1/7)

بقلم:  د. علي المنتصر الكتاني

 

 

 

جمعية قرطبة الإسلامية

     نشأت فكرة تأسيس جمعية إسلامية في قرطبة، عند زيارتي لمجريط في 19-21/11/1973م في إطار رحلتي لتقصي شؤون الأقليات الإسلامية في أوروبا وأمريكا(1)، حيث اطلعت على موضوع مسجد رطبة الجامع. وكان عمدة قرطبة حينذاك، كوزمن رانية، قد طلب في مارس 1972م، باسم المجلس البلدي القرطبي، من منظمة اليونسكو، أن تعتبر مسجد قرطبة الجامع، أثرًا إنسانيًا، وترجعه إلى أصله كمسد، مما أثار نقاشًا حادًا في الصحافة الأسبانية. ففي مقال بجريدة «الأ بي سي» بتاريخ 10/12/1972م، طلب رفائيل كاستيغون دي الرسالة، مدير المجمع الملكي الأسباني للعلوم والفنون الجميلة، إعادة المسجد إلى أصله الإسلامي بنقل الكتدرائية المقامة فيه إلى مكان مناسب، وإعادة المسجد لقيمته الدولية، وقدَّر مصاريف هذا النقل بحوالي عشرة ملايين دولار أمريكي. فاهتم الملك فيصل رحمه الله، ملك المملكة العربية السعودية، بالموضوع، وأرسل مع الشيخ محمد أحمد النعمان رسالةً شفويةً للجنرال فرانكو، في شهر يوليو سنة 1973م، مبديًا استعداده لتحمل مصاريف النقل. وكان تقديري للموضوع أن ذلك غير ممكن أصلاً بسبب ملكية المسجد للكنيسة الكاثوليكية، التي لن تتخلىٰ عنه بأي حال. لكن موقف مجلس قرطبة البلدي أثار انتباهي، وجعلني أعتقد أن أهل قرطبة يعطفون على الإسلام، وأن من بينهم من هم مسلمون سرًا.

     وصدر سنة 1979م الدستور الأسباني الجديد محتويًا على مادة تتعلق بتنظيم الأديان، وضعت تفاصيله بعد ذلك. وفي 5/7/1980م، وافق الكورتس على أول قانون لحرية الأديان، ولم يعد هناك سبب للتقية بين مسلمي الأندلس. وفي يوم الأربعاء 26 شعبان عام 1400هـ (9/7/ 1980م)، زرت قرطبة، واجتمعت بعدد من مسلميها، منهم الأسبان، ومنهم المغاربة المقيمون، فطرحت عليهم فكرة تأسيس «جمعية قرطبة الإسلامية» حسب القوانين الأسبانية الجديدة، فتزعم العمل على إنشاء الجمعية «خايمي سيان»، الموظف في بلدية قرطبة، وهو مسلم متجنس أسبانيًا، من مواليد تطوان (15/11/1922م)، كان يعرف بها باسم عبد الحميد بن عبد السلام البلغيثي، وانتقل سنة 1971م إلى سكنى قرطبة، وتسمى بها باسم «خايمي سيان». وهو يتقن الأٍبانية إتقان أهلها، ومندمج في المجتمع القرطبي الاندماجَ الكاملَ، ويحفظ القرآن الكريم، وله معرفة جيدة بالمبادئ الإسلامية. وجدير بالذكر أن بأسبانيا الآلاف من اظلأسبان من أصول مغربية حديثة، غيروا أسماءهم واعتنقوا المسيحية، على الأقل ظاهرًا، للحصول على حق البقاء في البلاد، فاندمج أبناؤهم في المجتمع الأسباني، وأصبحوا أسبانًا لغة، ونصارى دينًا.

     وفعلاً، تابعت النواة التي بدأت في قرطبة عملها. ففي 30/9/1980م، سجلت «الجمعية الإسلامية العربية»باسم خايمي سيان التلمساني، وخوزي خوان دلكادو فرناندس دي سانتائيلا، وأنطونيو سالسيدو بخرانو، وزهرة الفاسي الرياحي (زوجة الأول)، وكلهم أسبانيو الجنسية. وفي 6/11/1980م، غير الاسم إلى «جمعية قرطبة الإسلامية ومقاطعتها». وفي 5/11/1981م، تسجلت الجمعية رسميًا في وزارة العدل.

     ثم ابتدأت بيني وبين خوليو انغيتا كونزالز، عمدة قرطبة، سلسلةٌ من الرسائل. ففي 24/8/1980م، كتبت له من الظهران (السعودية) أحثه على مساندة تجمع المسلمين بقرطبة، فأجابني بتاريخ 18/9/1980م، قائلاً: «منذ مدة إني أرى باهتمام مصالح الجالية الإسلامية، ونحن باتصال مع ممثل لها بمجريط، ولقد أنهينا تسليم مسجد لها في قرطبة، ليتمكنوا من مزاولة شعائرهم. فعلاقتنا التاريخية مع العالم الإسلامي هي السبب في رغبتنا لربط معكم صلات الأخوة والصداقة والمحبة». فأجبته بتاريخ 11/10/1980م شاكرًا. وفي 6/10/1980م كتب إلي العمدة أنغيتا يخبرني بتأسيس «جمعية قرطبة الإسلامية»، ويستدعيني لزيارته في قرطبة للتدارس معه في إمكانية تسلم مسجد القاضي «أبوعثمان» (كنيسة سنتا كلارا) التاريخي ليكون مركزها الإسلامي، وأكد دعوته برسالة أخرى بتاريخ 11/11/1980م. فأجبته بتاريخ 10/11/1980م شاكرًا على الدعوة، وزرته لأول مرة في قرطبة يوم الإثنين 24/11/1980م(2). وكان اجتماعًا وديًا رائعًا، بَيَّنَ فيه العمدة أنه معتزّ بارتباط مدينته بالإسلام، وأنه حريص على تنظيم الجالية الإسلامية بالمدينة، وأخبرني أن مجلس قرطبة البلدي، وافق على إعطاء مسجد القاضي «أبوعثمان» لجمعية قرطبة الإسلامية، على شرط أن يرمم ويصبح مركز إشعاع إسلامي.

     وافقنا على الاجتماع يوم 26/12/1980م، مع سيدي الوالد الشيخ محمد المنتصر الكتاني لاستلام المسجد رسميًا، وتدشينه بالصلاة فيه.

     بني مسجد القاضي «أبوعثمان» أيام الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر في الحي العتيق من مدينة قرطبة، على بعد حوالي مائة متر من المسجد الأعظم. ومساحته حوالي ألف متر مربع، في شارع يسمى اليوم «ري هيريديا». وعندما احتل النصارى مدينة قرطبة، حولوه إلىكنيسة سموها «سنتا كلارا». ثم باعت الكنيسة البناء العتيق إلى بلدية قرطبة، التي تمكنت بذلك من التصرف فيه. وهو مسجد كبير يحتاج إلى ترميم كبير، معالمه الإسلامية لازالت قائمة، فيه طابقان ومئذنة، ويصلح أن يكون مركزًا إسلاميًا متكاملاً.

     وفي صباح يوم الجمعة 26/12/1980م، سُلم مفتاح المسجد في حفل بمجلس قرطبة البلدي لرئيس «جمعية قرطبة الإسلامية» ثم توجه الجميع إلى المسجد حيث صلينا صلاة الجمعة، وأذن من أعلى مئذنة المسجد(3).

     لم يعجب ما حدث السلطات الكنيسة، ففي 6/1/1981م، كتب انفانتس فلوريدو، مطران قرطبة، رسالة مفتوحة إلى خوليو أنغيتا كونسالز، عمدة قرطبة(4)، قائلاً: «إن تسليم المساجد والبناءات التاريخية من طرف البلدية لجماعة إسلامية، عمل خطير.. يجعلنا نشعر بتيار إسلامي على مدينتنا القرطبية». واتهم المطران الإسلامَ بأنه يعتقد أن «الجنة تحت ظلال السيوف»، وقال: بأن تشجيع الإسلام في قرطبة من طرف السلطات المحلية، هو غلط تاريخي، وكذلك النزول بالقرطبيين من «مستوى نرصاني رفيع» إلى «مستوى إسلامي متأخر». واتهم المطران عمدة قرطبة والمجلس البلدي بالاستهتار بمشاعر القرطبيين المسيحية.

     فرد العمدة على المطران في اليوم التالي برسالة قوية قاسية نشرتها الصحف(5)، قال فيها: إن الدستور الأسباني يحترم معتقدات جميع المواطنين، ويضمن حرية العقيدة، وأن لا فرق بين الدين الكاثوليكي، والديانات الأخرى، أمام الدستور الأسباني.. وقال بأنه كعمدة منتخب، من واجبه تطبيق الدستورفي مدينة قرطبة، وأنه سبقت لبلدية قرطبة، أن ساعدت الكنيسة الكاثوليكية، وأصبح من واجبها أن تساعد المسلمين. وقال العمدة للمطران: إنه انقضى عهد تحكم الكنيسة في الأهالي والدولة بدون رجعة، وأن الكنيسة الكاثوليكية ليست في مستوى أخلاقي، يسمح لها بانتقاد الإسلام في أسبانيا. أما عن شعور أهل قرطبة فقال العمدة: «هم قد انتخبوني عمدةً، ولم ينتخبك أحد من أهل قرطبة، يا السيد المطران، مطرانًا عليها»، وقال العمدة: إن موقفه وموقف المجلس البلدي هو العدل لمصلحة المدينة، وأنه شخصيًا لا انحياز له لأي دين، إذ ليس نصرانيًا ولا مسلمًا. وأنهى العمدة رسالته المفتوحة بقوله: «أنا عمدتك، وأنت لست مطرانيًا».

     وقامت بعد ذلك حملة صحافية حول الموضوع بين معارض للعمدة، ومساند له، دامت شهورًا، وعمت جميع صحف أسبانيا. وكان لهذه الحملة، في أول الأمر، تأثير طيب على الجمعية الجديدة، إذ اشتهر وجودها، فتكاثر أعدادها من بضعة أفراد، إلى حوالي الخمسين شخصًا، في بضعة شهور، وأصبحت الصحافة تتكلم عن الجالية الإسلامية في قرطبة، كواقع بدهي، بعد أن كانت منعدمةً، وحاربت الجمعية الجديدة بدون هوادة عدة أوساط: أولاً اليمين الأسباني، والكنيسة بالطبع؛ ثانيًا، وهذا مما يدعو للأسف، «الجمعية الإسلامية في أسبانيا» و «المركز الإسلامي في أسبانيا»، وذلك بكتابة التقارير السلبية التي تشوه بالجمعية للبلاد العربية والمؤسسات الإسلامية؛ ثالثًا الإرساليات الدبلوماسية العربية في مجريط.

     وعملت «جمعية الرجوع إلى الإسلام في أسبانيا» إلى ربط الصلة مع «جمعية قرطبة الإسلامية»، فوقعت عدة اجتماعات بين الجمعيتين كانت تحرص فيه الأولى ضم الثانية إليها. ولم يمكن ذلك بسبب شكل تنظيم الجمعية الغرناطية الهرمي، على خلاف الجمعية القرطبية. وفي 1/5/1981م، توصلت الجمعيتان إلى توقيع اتفاق تعاون بينهما في غرناطة هذا نصه، بعد البسملة والتصلية: «نقسم بالله العلي العظيم، وبهذا القرآن الكريم، على العمل يدًا واحدةً، على نصرة الإسلام في أرض الأندلس (أسبانيا والبرتغال)، وإعادة شريعة الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيها، وأن نكون كما أمرنا الله إخوةً في الله، وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألا يخذل بعضُنا بعضًا، وألا يغتاب بعضُنا بعضًا، والله خير شاهدٍ لنا على هذا، وهو نعم الولي، ونعم النصير». ووقّع عن الجمعية الأولى أميرها منصور عبد السلام، وعن الثانية رئيسها خايمي سيان، وشاهدان هما كاتبه، والمحامي محمد بن إدريس الحلو من الدار البيضاء.

     وكان على «جميعة قرطبة الإسلامية» القيام بثلاثة أعمال ضرورية، هي: 1- التوصل إلى اتفاق خطي مع بلدية قرطبة للحصول على مسجد القاضي أبي عثمان وشروطه، وجمع الأموال لترميمه؛ 2- الحصول على مركز مؤقت للجمعية؛ 3- استدعاء إمام لتعليم الداخلين في الإسلام أمورَ دينهم. ففي 17/7/ 1981م، قدمت وزارة الثقافة متطلباتها لترميم مسجد القاضي أبي عثمان. وقدمت الجمعية للبلدية دراسةً متكاملةً لترميم المسجد، كلفتها أكثر من خمسة ملايين بسيطة، ردت عليها البلدية بتاريخ 29/9/1981م، محددة رأيها في المشروع. ولم يكن هناك مشكل كبير من الناحية الفنية للوصول إلى اتفاق مع البلدية. المشكلة الكبرى كانت في شروط الحصول على المسجد. ففي 20/6/1981م، قدمت البلدية مشروع اتفاق فيه نقاط مجحفة لا يمكن قبولها، منها: إجبار الجمعية ترك المسجد للسياح، وفتح باب التنافس مع أي جمعية أخرى تود الحصول على المسجد، وتحديد استعمال المسجد لمدة 49 سنة، يعود بعدها للبلدية، وحق البلدية في استعادة المسجد أبان الحقبة المذكورة عندما تشاء، إلخ.. مما جعل المفاوضات تصل إلى باب مقفول. فأخذت الجمعية تفكر في بناء مسجد يكون ملكاً لها، وترك مسجد القاضي أبي عثمان أمام هذه الشروط الناتجة عن ضغوط الأوساط المتطرفة. كما أن البلدية أرادت أن تسلم للجمعية بناء «القلعة الحرة» لاستعماله كمؤسسة دينية. ولم تتابع الجمعية الموضوع لعدم مقدرتها عليه.

     وفي 14/8/1981م، ابتدأت حملة صحفية ضد خايمي سيان، اشترك فيهاعرب وأسبان، فنشرت الصحافة شهادة اعتناقه المسيحية بتاريخ 6/12/1979م وإعادة زواجه في الكنيسة، وشتمه مناوئوه بكل الشتائم(6). فأجاب خايمي على الاتهامات بأنه أجبر على اعتناق الكاثوليكية ظاهرًا لأنهم «سحبوا من زوجتي جنسيتها الأسبانية التي كانت تتمتع بها منذ 27 سنة عند زواجها بي، ورفضوا إعطاء الجوازات لأبنائي، ورفضوا تجديد الورقة الوطنية لواحد منهم، فأجبروني على عمل ما عملته، ولكنني مسلم الآن كما كنت مسلمًا في الماضي، وسأبقى مسلمًا إلى أن ألقى الله»(7).

     وفي 1-2/1/1982م، نظمت «جمعية قرطبة الإسلامية»، في مركز البلدية، بقصر الخليفة القديم بقرطبة، «لقاء الصداقة العربي القرطبي»، أول مؤتمر لها، افتتحه العمدة أنغيتا، واشتركت فيه شخصيات عربية وأسبانية. افتتح المؤتمر بقراءة القرآن الكريم، تبعته محاضرات لكاتب هذه السطور، وللأساتذة عبد السلام الهراس، واسماعيل الخطيب من المغرب، وانطونيو رباسكو، وانطونيو سالسيدو، ولاورو الموس من أسبانيا، وغيرهم(8). وأقام مرة أخرى المطران النفانتس فلوريدو، ضجةً في الصحافة، ظلت عدة أسابيع، بسبب صلاة بعض الحاضرين تحية المسجد في المسجد الأعظم، وعد ذلك إهانة للكاثوليكية(9).

     وفي 11/1/1982م، زار الرئيس الجزائري الأسبق، السيد أحمد بن بلا، وزوجه، السيدة زهراء السلامي، قرطبة بدعوة من «جمعية قرطبة الإسلامية»(10). وفي أواخر يناير عام 1982م، زار المغرب وفد من الجمعية اجتمع بعدة شخصيات رسمية وغير رسمية(11).

     وفي أوائل 2/1982م، زار المغرب وفدٌ قرطبيٌّ برئاسة العمدة انغيتا وزوجه، وعضوية خايمي سيان، وعدد من أعضاء المجلس البلدي، بدعوة من بعض العائلات الأندلسية لشكر العمدة، وأهل قرطبة، على مواقفهم الشجاعة في مساندة الإسلام بها. وألقى أنغيتا محاضرة بالدار البيضاء عن «قرطبة: ماضيها، وحاضرها، ومستقبلها»، وكان لها أعمق الأثر. كما استقبلت عدة شخصيات مغربية، الوفد في بيوتها، منهم الدكتور عبد الكريم الخطيب بالرباط، والأستاذ عبد الله كنون رحمه الله بطنجة، والحاج إدريس الحلو بالدار البيضاء وغيرهم. وانتهت زيارة الوفد في مدينة فاس حيث احتفل به أهلها(12). ثم زار وفد «جمعية قرطبة الإسلامية» برئاسة سيان، بعض دول الخليج، واجتمع بالمسؤولين فيها، من بينهم الشيخ أحمد المبارك رحمه الله، رئيس القضاء الشرعي بأبوظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة.

     وفي يونيو سنة 1982م افتتحت «جمعية قرطبة الإسلامية»، مركزًا لها في شقة مؤجرة بشارع أنخيل سابدرا، وسط مدينة قرطبة، بعد أن كان أعضاؤها يجتمعون في بيت رئيسها، بعد أن يئست من استرجاع مسجد القاضي أبي عثمان بشروط معقولة. ثم فكرت الجمعية في استقدام إمام من المغرب، يعرف الأسبانية والتربية الإسلامية، لتعليم أعضاء الجمعية أمور دينهم. وبعد الاستشارة، أختير الإمام الذي التحق بعمله في يوليو عام 1982م.

     ثم تعرضت الجمعية لخلافات ونزاعات، أدت إلى تجميدها وانضمام بعض أفرادها إلى الجماعة الإسلامية في الأندلس، في شهر مايو 1990م.

     ويجدر بنا أن نستنتج بعد هذا العرض، أسباب فشل «جمعية قرطبة الإسلامية»، وإيجابيات هذه التجربة. كان تأسيس هذه الجمعية مفيدًا للغاية في إرجاع الإسلام إلى الأندلس. فقد أثبتت الوجود الإسلامي لأول مرة في قرطبة. واعتنق الإسلام عن طريقها، عدد مهم من القرطبيين، ظلوا مسلمين بعد فشلها كتنظيم، مما سهل إعادة تنظيم مسلمي قرطبة على أسس أفضل. كما أظهر وجود هذه الجمعية القوى القرطبية العاملة، المعارضة للإسلام منها، والمساندة له.

     لم تنجح «جمعية قرطبة الإسلامية» في أن تكون انطلاقة الانبعاث الإسلامي في الأندلس لأسباب متعددة، منها ما هو داخلي للجمعية، وما هو خارجي عنها، فأما الداخلي فيعود إلى ضعف الاحتياط في إدخال عناصر غير أندلسية للجمعية، ورئيس الجمعية المشرقي الذي جمدها، وكان من الأحوط عدم قبولهما أملاً في الجمعية، كما أن رئيس الجمعية، الأول، والثاني، قاما بأخطاء كبيرة استفاد منها أعداء الإسلام في الأندلس. ومن جهة أخرى لم تتمكن الجمعية من تبنّي برنامج واضح إسلامي أندلسي، يستجلب للإسلام الجماهير الأندلسية. أما السبب الخارجي، فيعود إلى مناهضة كثير من الأوساط المسلمة الوافدة لهذه التجربة.

*  *  *

الهوامش:

على المنتصر الكتاني، «المسلمون في أوروبا وأمريكا»، دار إدريس، 1976م، الجزء الأول.

“Interes Arabe por la Cesion de Uso de ia Antigua Mezquita de Santa ClaraCordoba, 25/11/1980.

“Entregada la Llave de la Antigua Mezquita de Santa Calara al Senor al-Kettani” Cordoba, 27/12/1980.

“Precisiones Historicas sobre la Iglesia de Santa ClaraCordoba, 8/1/1981.

Cordoba: El Alcalde Replica Al Obispo Sobre las Cesiones de Edificion a Los Musulmanes” A.B.C., 7/1/1981.

“Jaime Sellan es Catiolico” Cordoba, 14/8/1981.

“Conozco a Jaime Sellan desde pue Llego a CordobaCordoba 20/8/1981.

“Se Celebro el I Encuento de Amistad Arabe-Cordobes” Cordoba, 3/1/1982.

“Protesta del Obispado por los Resos Musulmanes en la Mezauita Catedral” Cordoba, 3/1/1982.

“El Expresidente Argelino Ben Bella Visito Ayer Nuestra Ciudad” Cordoba, 12/1/1982.

“Mr. Hachmi Filali Recoit une Delegation de l’Association Islamique Autonome de Cordoue” le Matin, 21/1/1982.

“Sans la Tolerance entre les Communautes…” Maroc-Soir, 12/2/1982.

 

 

الوحــي النبـــوي

شبهات وردود

(الحلقة الأولى)

بقلم: د. حسين عبد الغني سمرة (*)

 

 

 

الوحي الإلهي أهم عنصر يُميِّز شخصية النبي أو الرسول عن غيره من سائر البشر، وهو أكبر الدعائم التي ترتكز عليها حقيقة النبوة، بل لا نبالغ إذا قلنا: إن الوحي هو أصل الأديان السماوية وجوهرها، ولِمَ لا، وهو كلمة الله - جل جلاله - إلى خلقه ليخرجهم من الظلمات إلى النور.

     ولا شك أن المهمة الكبرى التي من أجلها بعث الله الأنبياء والرسل هي تبليغ هذا الوحي إلى العباد من غير زيادة ولا نقصان، ولا تبديل ولا تغيير: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلٰغُ﴾ (المائدة:99) ولا تقف مهمة الرسل عند حد بيان الحق وإبلاغه، بل عليهم دعوة الناس إلى الإيمان برسالتهم، والاستجابة لها، وتحقيقها قولاً وعملاً.

     هذا، ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم نبي الإسلام بدعًا من الأنبياء والرسل - عليهم السلام - في شيء من ذلك، بل كانت مهمته أثقل، ومسؤوليته صلى الله عليه وسلم أضخم من غيره من الأنبياء والرسل.

     ولا عجب في ذلك، فقد اصطفاه الله جل جلاله برسالته، واختصَّه بنزول الوحي عليه، وكلَّفه بتبليغ وحيه ورسالته الخاتمة إلى الخلق أجمعين، واختصَّه دون سائر الرسل بعالمية رسالته ودوامها إلى يوم الدين. فيا لها من مهمة! ويا لها من مسؤولية!

     ومنذ أن بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالامتثال لتكليف ربه، والجهر بدعوة الإسلام وتلاوة ما أُوحي إليه من قرآن على الناس، أدرك أعداؤه خطورة هذاالوحي القرآني على تقاليدهم البالية، وأطماعهم الدنيويَّة، فاتخذوا منه هدفًا لسهامهم وخناجرهم المسمومة، واجتهدوا بكل الوسائل لهدمه، لعل صرح الإسلام ينهار على إثره، إذا الوحي هو أساس الإسلام، فإذا انهار انهار بلا شك الإسلام.

     ومن ثم وجدناهم قد كثَّفوا حملاتهم وهجماتهم المغرضة على الوحي المحمدي، وبذلوا قُصارَى جهدهم في إثارة الشبهات حوله؛ لنفي إلهيته، وحاولوا بشتى الطرق إثبات أنه نتاج بشري، وليس من عند الله تعالى، فافترضوا كل الاجتمالات التي لا تستند إلى دليل واقعي أو عقلي التي يمكن أن تصل بهم إلى هذه النتيجة الجائرة، معرضين بذلك عن منهج البحث العلمي النزيه.

     ويكفي أن نعلم أن معظم من أثاروا هذه الشبهات لنفي إلهية الوحي المحمدي بدعوى أنه من الأمور التي لا يتصورها العقل وتخرج عن إطار العادة هم من المبشرين والمستشرقين من أهل الكتاب الذين يؤمنون بحدوث الوحي لموسى وعيسى وسائر الأنبياء عليهم السلام، ولكنه التعصب الأعمى، والحقد الدفين على نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم.

     ومن ثم جاء هذا الكتاب للتصدِّي لهذه الحملات الظالمة والهجمات المغرضة على الوحي والدعوة المحمدية، ولمناقشة بعض هذه الشبهات المثارة من خصوم الإسلام، وتفنيدها، وكشف زيفها، وردِّ باطلها، وإماطة اللثام عن وجه الحق.

     وفي النهاية، فإننا نقرر أن البشرية منذ آدم u إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لم تشهد ولن تشهد رجلاً أخلص في دعوته إلى الله جل جلاله كما أخلص محمد صلى الله عليه وسلم، كما أنها لم تشهد ولن تشهد رجلاً كان حريصًا على هداية الناس أجمعين مثل محمد صلى الله عليه وسلم، حتى كاد أن يهلك نفسه أسفًا على من لم يؤمن، حتى عاتبه ربه قائلاً: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلٰىٓ اٰثٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوْا بِهٰذَا الْحَدِيْثِ أَسَفًا﴾ (الكهف:6).

     وقد شهد له بذلك بعض الغربيين المنصفين أمثال توماس كارليل إذ يقول: «كان محمد صلى الله عليه وسلم مثلاً للإخلاص، والوقوف بجانب الحق والعدالة في كل ما يفعل، وكل ما يقول، وكل مايفكر فيه. لم يكن محبًّا لنفسه، بل كان محبًّا لغيره أمينًا في أداء رسالته».

           ولنعرض لتلك الشُّبه على النحو التالي:

     الشهبة الأولى:

الزعم أن الشيطان هو مصدر الوحي المحمدي(*)

مضمون الشبهة:

     يزعم بعض المتقوِّلين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متصلاً بالجن، وأن من كان يأتيه ويَظُنُّ أنه جبريل المَلَك ما هو إلا شيطان كان يتمثَّل له على صورة جبريل u، ويبر هنون على ذلك بما كان من خلوته صلى الله عليه وسلم بغار حراء قبل البعثة، فإن ما كان ينزل عليه من وحي في تلك الخلوة ما هو إلا من تأثير مس الجن له صلى الله عليه وسلم. ويرمون من وراء ذلك إلى جَعْل الوحي شيطانيًّا محضًا، بدلاً من كونه وحيًا سماويًّا وربانيًّا إلهيًّا، نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليكون من المنذِرين.

وجوه إبطال الشبهة:

     1- من الواضح الجلي أن القرآن والسنة قد أكدا على صدق الاتصال الحسي بين النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل u، وقد تمثَّل هذا في النفي المتكرر لأن يكون الوحي القرآني من كلام الشيطان، ناهيك عن أن الشيطان لا يتصور بصورة مَلَك.

     2- لقد اشتمل القرآن على غيبيات كثيرة، والغيب لا يعلمه إلا الله، ولا علم لأحد به من جنٍّ أو إنسٍ، فكيف يصدر عن هذا الشيطان المُدَّعَى مثل هذه الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله؟! ثم إن القرآن يدعو إلى الهُدَى والصلاح، أما الشيطان فإمام الفساد والضلال، فكيف يكون هذا القرآن من الشيطان؟!

     3- أجمعت الأمة على عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من كيد الشيطان، فكيف يستلهم القرآن الكريم منه؟!

     4- إن هؤلاء الذين يشككون في القرآن ومصدره، يؤمنون بنزول الوحي على موسى وعيسى عليهما السلام فكيف يفرقون في إيمانهم بين نبي وآخر؟ إن هذا أكبر دليل على تحاملهم على نبي الإسلام خاصة.

التفصيل:

أولاً: نَفْي القرآن والسنة لأن يكون الوحي المحمدي كلام شيطان:

     لقد ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة النفي المؤكد المتكرر لأن يكون الوحي القرآني كلام شيطان؛ فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطٰنِ رَّجِيْمٍ﴾ (التكوير:25)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشّيٰطِيْنُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (الشعراء:210-211). يقول القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيٰطِينُ﴾ (الشعراء210) يعني القرآن، بل ينزل به الروح الأمين: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ (الشعراء: 211-212)، أي برمي الشهب(1).

     وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى الشَّيْطٰنُ فِيٓ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ اٰيٰتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطٰنُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّـٰلِمِينَ لَفِي شِقَاقِ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِيْنَ أُوتُوْا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِيْنَ اٰمَنُوٓا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الحج:52-54). إن هذه الآيات في سور الحج تُعدُّ نموذجًا لبيان عناصر هذا النفي، المزيل للشُّبهة المثبِّت لفؤاد المبلِّغ، ومن ثم لفؤاد أتباعه، وفؤاد طالبي الحق من بعده.

     هذا، ومن الثابت أن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل في صورة النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي بشر، فهو من باب أولى لا يستطيع أن يتمثل في صورة مَلَك، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من رآني في المنام فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتمثَّل بي»(2).

     وليس منع الشيطان من أن يأتي بصورة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا لإمكان خصوصية كونه مصدر نقل الوحي من بين البشر، فمصدر نقل الوحي السماوي إذن أولى بالمنع، ولذا قال الآلوسي: «وإذا يتمثل منامًا، فلأن لا يتمثل يقظة من باب أولى».

ثانيًا. القرآن فيه غيب كثير والجن لا يعلمون الغيب، فكيف تكون الشياطين مصدر القرآن؟ والشياطين من طبيعتهم الفساد بينما القرآن يدعو للهداية والصلاح:

     كيف تكون الشياطين مصدر القرآن وفي القرآن غيب كثير، والجن لا يعلمون الغيب، حتى إنهم ما علموا بموت سليمان u وهو أمامهم حتى سقط على الأرض، بعد أن أكلت دابة الأرض عصاه التي يستند عليها، قال الله جل جلاله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْـمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَآبَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْـمُهِينِ﴾ (سبأ:14). وقد تحدَّى الله تعالى بالقرآن الكريم الإنس والجن جميعًا فعجزوا عن الإتيان بمثله، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلٰىٓ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْاٰنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء:88).

     فكيف ينسب القرآن إلى الجن وهم لا يستطيعون الإتيان بمثله(3)؟

     وهل يُعْقَل أن الجن التي يزعمون أنها مصدر القرآن تُنْزِلُ القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ثم تتحدى نفسها فيه بمثل هذه الآيات؟!!

     فمن المعروف أن الله جل جلاله قد قصر علم الغيب على نفسه دون غيره من الإنس والجن والملائكة، قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمٰوٰتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ﴾ النمل: 65)، وقال أيضًا: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إلَّا هُوَ﴾ (الأنعام: 59)، وقال: ﴿عَـٰلِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهٓ أَحَدًا﴾  (الجن:29).

     فهذه أدلة على أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وقد حفل القرآن الكريم بكثير من الغيبيات، فكيف يعلمها الشيطان؟!

     وإذا كان الجن لا يعلمون الغيب، فبالله عليكم أي جنٍّ هذا الذي يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن غيبيات وحقائق علمية لم تُعْرَف إلا في القرن العشرين، من كروية الأرض بشكل بيضاوي، ونظرية انتشار الكون، وأن عناصر المادة في الكون واحدة، وأن كمية الهواء في الأجواء تقل إلى درجة أن الإنسان يضيق صدره فيها، وأن الشمس والقمر يسبحان في هذا الفضاء، أي جن هذا الذي يستطيع معرفة ذلك كله؟! ولماذا خص به محمدًا صلى الله عليه وسلم دون غيره؟! بل ولماذا لا يخبر جان بمثل هذا أحد المعاصرين؟!

     وكيف يدَّعى هؤلاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استلهم القرآن من الشيطان، على الرغم من أن القرآن ينبهنا إلى عداوة الشياطين للإنسان، قال جل جلاله: ﴿إِنَّ الشَّيْطٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوْا حِزْبَهُ لِيَكُونُوْا مِنْ أَصْحٰبِ السَّعِيرِ﴾ (فاطر:6)، وقال تعالى ﴿فَدَلّٰهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَرْتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفٰنِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (الأعراف:22).

     فكيف يكون القرآن من وحي الجن والشيطان؟! وهو يدعو إلى معاداة الشيطان؛ لأنه يريد أن يضل الإنسان عن ربه فيهلك معه.

*  *  *

 



(*)          رئيس قسم الشريعة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة.

(*)          تلقي النبي ألفاظ القرآن الكريم، عبد السلام مقبل المجيدي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1421هـ/2000م.

(1)          الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/1985م، ج13، ص142.

(2)          أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير، باب من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام (6592)، ومسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من رآني في المنام فقد رآني»(6056)، واللفظ له.

(3)          عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، د. محمد أبو النور الحديدي، مطبعة الأمانة، القاهرة، 1399هـ/1979م، ص41،42.