مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، جمادى الثانية - رجب 1435 هـ = أبريل - مايو 2014م ، العدد : 6-7 ، السنة : 38

 

الأدب الإسلامي

 

يأتي التعبير بعد التفكير

 (2)

بقلم : أديب العربية الكبير معالي  الدكتور عبد العزيز عبد اللّه الخويطر

الرياض ، المملكة العربية السعودية

 

 

 

وسواء صح هذا الحديث، أو لم يصح، أو صح بعضه، وزيد فيه، فإن هذه الأمور، التي عددت، تتماثل الرذيلة فيها، ويتشابه الخلل؛ تدخل كلها في إطار التدني الخلقي، والتردي الاجتماعي؛ وتدل على فساد الزمان عمومًا. وقد يكون العقاب الذي قيل عقابًا يأتي على حقيقة وجه المعنى المقصود، وقد يكون رمزًا يوحي بشدة استحقاق العقاب، مقابل هذا التدهور.

     والمجتمع الإِسلامي بدت فيه هذه النواقص منذ عصور الإِسلام الأولى، تزيد بالإِهمال، وتنقص بالتِفاتات الإِصلاح في العصور المختلفة، وكأن المصلحين ينتبهون بهذا الحديث إلى واجبهم، فيقوم المسؤولون في الدول بتطهير الإِدارات، وإحياء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسعي في أن لا تكون أي نقيصة من هذه النقائص ظاهرة، تستشري في المجتمع، فتوجب غضب الله. أما إذا كانت المخالفة فردية، فإن المجتمع بطبيعته يقضي الصالح فيه على الخبيث، بالنبذ والتقويم؛ والمجتمع إذا دخل فيه خلل فهو مثل جسم الإِنسان، يقاومه، ويقضي عليه، إذا كان في حدود قدرته، وفي مدى استطاعته؛ أما إذا كان المرض عنيفًا فإن المريض يستنجد بمن حوله، ممن عندهم الأدوات النافعة في هذا، فيعاونونه من الخارج، ويعاون نفسه من الداخل، بالاستجابة للإِرشاد، والتمشي حسب النصح.

     ودليل أن العقاب الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم فيما عدده من نقائص، هو رمزي، وأنه قد يكون الكساد في الأسعار، والشح في المواد، وانتزاع الثقة في التعامل، وطمع الجار القوي في الضعيف، وانتزاع الأمن، وسيطرة الذل والخوف؛ دليل ذلك الحديث الآتي:

     «إذا ساد القبيلَ فاسقُهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل إتقاء شره، فلينتظروا البلاء»(1).

     البلاء هنا عام، ويمكن تفسيره بأي من الضائقات التي ذكرناها، وقد تداخل بعض ما جاء هنا مع ما مر في الحديث السابق، فصدق عليه الحكم نفسه، بصيغة في أول الأمر، وبصيغة أخرى فيما بعد، والمؤدى العام واحد.

     ويطل علينا العدد الرابع ليأخذ مكانه مع الأعداد التي حَظيت ببعض أقسام الحكمة، وعصارة التفكير، وهذا هو النص الذي حمل هذا العدد:

     «الناس في الخير على أربعة أقسام:

     منهم من يفعله ابتداءً.

     ومنهم من يفعله اقتداءً.

     ومنهم من يتركه حرماناً.

     ومنهم من يتركه استحساناً.

     فمن يفعله ابتداءً فهو كريم.

     ومن يفعله اقتداءً فهو حكيم.

     ومن يتركه حرماناً فهو شقي.

     ومن يتركه استحسانًا فهو رديء»(2).

     هذه عصارة فكر ركّز على أمر خَطَرَ في ذهن صاحب القول، فأداره في رأسه، وقلبه على جوانبه، وهي حركة فكرية مقدرة، أهدتنا قولاً، المنطق فيه متقن، والرأي ناضج واضح.

     فالخير يفعل أو يترك، وفعله درجات، وتركه مثلها، ولكل درجة صفة تتناسب معها، وقد أحسن القائل في تبويبه، وأجاد في إلباس كل حال لباسها.

     وتأتي ثلاثية من عيسى عليه السلام -، يرشد فيها بني إسرائيل، وفيها المنهج الذي يوضع عادة لمثل هذه الأفكار، التي يراد أن يحكمها حكم واحد، تنتظم في إطاره، لأن فيها حلقة وصل، والقول كما يلي:

     «قال عيسى عليه السلام يا بني إسرائيل الأمور ثلاثة:

     أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيّه فاجتنبوه، وأمر اختلف فيه، فإلى الله فردوه»(3).

     لن يستطيع أحد أن يضيف على هذه الأمور الثلاثة أمرًا واحدًا يشاركها هذا الإِطار، أو يدخل معها هذا الحيِّز، وحكم كل أمر لازم له، لائق به، يمشي مع العقل، ويساير التفكير السليم، ولم يأت إلا بعد تفكير عميق، وتقليب لهذه الأمور على وجوهها، حتى وصل عليه السلام إلى هذه الصيغة من القول، التي جاءت زبدة للاستقرار، ومراقبة التجارب، وأفعال الآخرين.

     ويأتينا العدد مرة أخرى محددًا بثلاثة، متلازمة تلازمًا لا يسمح بأن يدخل بينها ما يغيرها، ومتكاملة لا يتهيأ لأحد أن يضيف إليها، ومترابطة فلا يقدر أحد أن ينقص منها:

     «المعنى لا يخلو من ثلاثة أقسام:

     إما أن يكون مستقلاً بنفسه، أو يكون مقدمة لغيره، أو يكون نتيجةً من غيره»(4).

     قائل هذا لم يصف حقيقة ثابتة فقط، ولكنه أرشد إلى الطريقة التي تنظم المنهج في التفكير، وكأنه أراد لغيره أن يشاركه ما توصل إليه.

     والشعبي، وهو من هو علمه، له مشاركة في الثلاثة في أمر هو أهل لأن يتكلم فيه: العلم، وهو يقسمه إلى ثلاثة أشبار:

     «قال الشعبي:

     العلم ثلاثة أشبار، فمن نال منه شبرًا شمخ أنفه، وظن أنه ناله، ومن نال الشبر الثاني صغرت إليه نفسه، وعلم أنه لم ينله؛ وأما الشبر الثالث فهيهات لا يناله أحدٌ أبدًا»(5).

     العلم بحر عميق، لا يعرف قاعه، ولا يوصل إلى قراره، فإذا ما نال منه المرء قليلاً، وتلذذ بما استعطم منه، ظن أن هذا هو منتهى العلم؛ وهذه مرحلة من العلم خطيرة، إذا جاء منها إضاءة محدودة، فقد تأتي منا ظلمة غاشية. وقد تزيد الثقة عند صاحب هذا العلم، فيبدأ يتصرف في حدوده، ويقع في أمر يحتاج إلى علم أكثر، فإذا أفتى مُتعلِّمُ علمِ الدين، وعلمه محدود، ضر وما نفع، وإذا تصرف متعلِّمُ علمِ الطبيعة مثل الكهرباء خطأ، أو معلم للكيمياء وقام بخلط المحاليل والسوائل فقد يقع هذا وهذا في خطأٍ يودي بحياتهما، أو يقدهما حاسة من الحواس.

     والذين يفرحون بهذا العلم القليل، ويملؤون أنفسهم بالثقة، وأنهم أصبحوا خبراء فيه كثيرون في كل زمن، ولقد آذى كثير منهم نفسه، وأضر بغيره، وعانت منهم مجتمعاتهم، خاصة إذا كانت لهم صفات متدنية شاركت في تحقيق الأذى والضرر.

     ثم يصحو مبتدئ العلم بعد أن ينال حظّاً أوفر، وتتفتح أمامه الأبواب، ويلمح في رياض العلم المدى العميق، ووفرة ما أمامه ما يحتاج إلى سنوات وسنوات، وجهد وعناء، حينئذ يعرف أنه أقرب إلى الجهل منه إلى العلم، وتتلاشى الثقة الزائدة، وتصغر النفس، وكبر العلم، وهذه المرحلة تستمر معه، فكلما غرف من العلم غرفة، تطلع إلى أخرى، ولكما رشف رشفة زاد ظمؤه، وسعى سعيًا حثيثًا إلى رشفات أخرى، وأصبح لا ينظر في حاضره وزمنه، بل يتطلع إلى الأمام، وما سيحصله، أما المرحلة النهائية، التي يصبح المرء فيها عالمًا بكل شيء فإنها لا تأتي أبدًا، وما على المرء إلا أن يستزيد من المرحلة الثانية، وفيها ما لا نهاية له من العلم.

     هذا الإِدراك أوجب التخصص في العلم في هذا الزمن، وضاقت الدائرة التي يمكن أن يحصر فيها المتعلم جهده، ورغم هذا الضيق، إذا ما قورن بأفق العلم العام، فإ،ها واسعة بالنسبة لمجهود الفرد أو الجماعات المحدودة.

     وأصبح للتخصص ميزات تجعل الإِيمان به أعمق، والإِقبال عليه أكثر، لأن فيه بلوغ الهدف القريب، حينما تعذر بلوغ الهدف البعيد في الدراسة العامة. وقد قطع التخصص شوطاً بعيدًا في عصرنا هذا في المجالات المختلفة.

     وللخليل بن أحمد تقسيم للرجال مشهور، شرق وغرب، وأصبح مما يستشهد به كثيرًا، ويقتبس في كتب المطالعة والنصوص للأطفال، للاعتراف بتوفيقه في رصده؛ وهو من الأقوال التي سبقها تفكير عميق، وإدارة للفهم والتبصر، حتى وصل إلى هذا القول المتقن:

     «قال الخليل بن أحمد:

     الرجال أربعة:

     رجل يدري، ويدري أنه يدري، فذلك عالم فاسألوه.

     ورجل يدري، ولا يدري أنه يدري، فذلك ناسٍ فذكروه.

     ورجل لا يدري، ويدري أنه لا يدري، فذلك مسترشد فعلموه.

     ورجل لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، فذلك جاهل فارفضوه»(6).

     لقد أحاط الخليل الرجال وعِلْمهم بسياج، حصرهم فيه، وأعطى كل واحد صفة، ثم حكم عليه على أساسها، ثم بين للمجتمع الدواء، وأرشدهم إلى استعماله. والرجال في هذا الوصف لايخرجون عما دده الخليل في هذا القول الرصين، الذي وجد القبول من الناس، لصدقه، ولانطباقه على الواقع إذا حاول أحد اختباره.

     ويكاد يكون لكل رجل من رجال التراث المعدودين، المعروفين ببروزهم في مجتمعهم في الفكر والعلم، زبدة فكر، وهذا الحسن البصري يدلي بدلوه في إضفاء صفة مشتركة بين عناصر مختلفة، يجمعها إطار واحد، يمر به الناس عادة فلا يدركونه، ولا تبصره عيونهم، فيأتي مثل الحسن رحمه الله فيلمح فيه ما لم يلمحه الآخرون، فيديره في ذهنه، فيشكله عقله، ثم يملي على لسانه حصيلة ما توصل إلىه:

     «قال الحسن: الرجال ثلاثة:

     فرجل كالغذاء، لا يستغنى عنه.

     ورجل كالدواء، لا يحتاج إليه إلا حينًا بعد حين.

     ورجل كالداء، لا يحتاج إليه أبدًا»(7).

     لايمكن من يسمع هذا القول إلا أن يقول للحسن: صدقت. ولو مررت في ذهنك على أقربائك، واصدقائك، ومن تعرف، ومَرَّررته على هذه البوتقة، لوجدت كل واحد منهم يدخل في خانة من هذه الخانات الثلاث. وهي لا تخرج عن المقياس الأساس لكل أمر: يمين ويسار ووسط، وفوق وتحت، وما بينهما. والقدرة على التعبير الحسن، واصطياده هي التي تجعل للرأي ميزة، وتمهد لقبوله قبولاً حسنًا.

     ومن الحكماء والمفكرة من نظر في الناس، وصلتهم بالأيام، فوجد أن هناك إطارًا يمكن أن يدخل فيه خمسة رجال، يختلفون في أشياء، ولكن هناك صفة تجمعهم، لا يشاركهم فيها أحد، ولا تسمح لأحد ممن دخل دائرتها أن يخرج منها.

     «الأيام خمسة: يوم مفقود، ويوم مشهود، ويوم مورود، ويوم موعود، ويوم ممدود:

     فالمفقود أمسك الذي فاتك مع ما فرطت به، والمشهود يومك الذي أنت فيه، فتزود فيه من الطاعات.

     والمورود هو غدك، لا تدري هو من أيامك أم لا.

     والموعود هو آخر أيامك من أيام الدنيا، فاجعله نصب عينيك.

     والممدود هو آخرتك، وهو يوم لا انقضاء له، فاهتم له غاية اهتمامك، فإنه إما نعيم مقيم دائم، أو عذاب مخلد»(8).

     ويبدو أن السجع لعب دورًا في تدوين هذه الأقوال، وتسبب في حفظها وتداولها، وموضوع هذه الأقوال، والمحور الذي دار عليه الإِنسان، وصفته، وما عليه أن يعمله، هو الأيام، وهي «العامل المشترك».

     ويونس النحوي من العلماء الذي يعتد بهم، وله قول ركبه على ثلاث:

     «قال يونس النحوي:

     الأيدي ثلاث: يد بيضاء، ويد خضراء، ويد سوداء.

     فأما اليد البيضاء هي الابتداء بالمعروف، واليد الخضراء هي المكافأة على المعروف، واليد السوداء، هي المنُّ بالمعروف»(9).

     ولقد أحسن التعداد، وأجاد التقسيم، وأتقن الوصف الذي ألحقه بكل يد.

     والمعروف، وإسداؤه، له في الإِسلام منزلة عظمى، فهو من الفضائل التي تبين أن المجتمع يسعد بازدهارها فيه، وتوفرها بين أفراده، خاصة اليدان اللتان وصفَهما يونس بالبيضاء والخضراء؛ لأن الفرد في المجتمع لابد أن يتعرض لحاجة، أو يقع في عوز، وهذا فتق في المجتمع، وليس له من يرتقه إلا أحد أفراده ممن يكون التوفيق حليفه، فيأتي لنجدة المحتاج، ويمسح عنه غلواء الزمن، ومحن الدهر، فيكون البلسم الشافي، ثم يأتي الرد على المعروف بما يتناسب وحجمه أو حدته، ويكون هناك تفاوت في الأيدي في مجال رد المعروف، كما كان هناك تفاوت في إسدائه.

     ولهذا تركز قول يونس كله في المعروف بدرجاته الثلاث التي رأى أن إسداء المعروف ينقسم إليها، ولا رابع لدرجاته، فقد أقفل القوس على اكتمال تام.

     أما القول الآتي فقد قفز قائله إلى العدد «خمسة»:

     «كل الدنيا فضول إلا خمسة:

     خبز تسيغه، وماء تروى به، وثوب تستر به، وبيت تسكنه، وعلم تستعمله»(10).

     وقد أحاط هذا القول بضرورات الحياة، وترك ما يخرج عنها مما هو حشو لا يفيد، وزيادة لا تنفع؛ فإذا ما أراد الإِنسان أن يتقشف، فليس أمامه إلا هذا النهج.

     إلا أن هناك ما يرد على هذا، وهو أن الله سبحانه وتعالى أحل ما في هذه الدنيا من حلال، لحكمة بالغة، فالتمتع بما أفاء الله به من نعم في هذه الحياة، يساعد على العمل والإِنتاج، ويجد الإِنسان ما يقنعه في أن الحياة تستحق أن تُحيا، وأن يُكدح من أجلها، فيتمتع بمَا تَرُدُّ به عليه.

     والرسول صلى الله عليه وسلم كان قدوة في فعله، فلم يتقشف التقشف المرذول، ولم يتصوف التصوف المنتقد، وكان وسطاً، وقد انتقد الذّين ظنوا أن الحياة انقطاع للعبادة، فتركوا واجبهم في الدنيا، ظنًا أن هذا يسكبهم الآخرة، وإنه وإن كانت نيتهم طيبة إلا أن الغلو جرفهم إلى موقع يتسلّط عليهم منه الشيطان.

     والقول السابق أسقط كثيرًا من الأسس التي دعا إليها الدين، فالزواج عصمة، وإبقاء للجنس البشري، الذي لم يوجده الله سبحانه وتعالى عبثًا، وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على النكاح، وكثرة النسل، وقال إنه سوف يفاخر بكثرة عدد أفراد أمته يوم القيامة.

     هذا يجعل هذا القول، رغم مظهره المنطقي، داعيًا إلى ما قد لا يكون محمودًا، إلا إذا أُوِّل بأن هناك من منع الحياة الحلال ما يدخل تحت بعض العناصر المذكورة، فمثلاً يدخل الزواج تحت أمر السكن المذكور.

     وعرابة الأوسي ممن يعتد بقوله، يدل على ذلك مشاركته في رباعية فيها من الحكمة ما هو واضح، فقد قيل له:

     «بِمَ سدت قومك؟

     قال: بأربع خصال:

     أنخدع لهم في مالي، وأذل لهم في عرضي؛ ولا أحقر صغيرهم، ولا أحسد كبيرهم»(11).

*  *  *

الهوامش:

البيان والتبيين: 2/24.

تسهيل النظر: 289.

البيان والتبيين: 2/35.

أدب الدنيا والدين: 64.

أدب الدنيا والدين: 84.

أدب الدنيا والدين: 87، العقد الفريد: 2/293.

العقد الفريد: 2/293.

الكشكول: 1/155.

الكشكول: 9/2.

الشكول: 2/113.

حدائق الأزاهر: 109.

*  *  *