مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، جمادى الثانية - رجب 1435 هـ = أبريل - مايو 2014م ، العدد : 6-7 ، السنة : 38

 

أنباء الجامعة

 

رئيس الجامعة فضيلة الشيخ المفتي أبو القاسم النعماني

يشارك في منتدى "تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" الذي عقد في "أبو ظبي"

في 7-8/جمادى الأولى 1435هـ = 9-10/مارس 2014م

 

 

 

 

     على دعوة من وزير الخارجية بالإمارات العربية المتحدة الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وعلى إلحاح كبير من العالم الباكستاني المعروف في العالم الإسلامي بعلمه وفضله فضيلة الشيخ المفتي محمد تقي العثماني، شارك فضيلة رئيس الجامعة فضيلة الشيخ المفتي أبو القاسم النعماني المنتدى الذي عقد بمدينة «أبو ظبي»عاصمة الإمارات العربية المتحدة يومي الأحد الاثنين: 7-8/جمادى الأولى 1435هـ الموافق 9-10/مارس 2014م بعنوان «تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة» والذي حضره ما يزيد عن 250 عالمًا ومفكرًا إسلاميًّا من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

*  *  *

     وقد كان المنتدى، رئيس لجنته العلمية العالم المعروف الشيخ عبد الله بن بيه. واقترحت اللجنة أربعة محاور كبرى: المحور الأول: لقيم الإنسانية والعيش المشترك، وتضمّن الموضوعين التاليين: 1- تدبير الاختلاف، وثقافة الحوار. 2- آليّات التعاطي مع المواثيق الدوليّة في مجال حقوق الإنسان. المحور الثاني: تصحيح المفاهيم، وتضمن الموضوعات التالية: 1- الطاعة بين الإثبات والنفي مفهـومًا ومقصـدًا. 2- الدوافع الرائجة للتكفير (الولاء والبراء، عدم تطبيق الحدود الشرعية). 3- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الوجوب إلى الحظر. 4- الجهاد: المفهوم والضوابط. المحور الثالث: الفتوى في زمن الفتن، وتضمن الموضوعات التالية: 1- شروط الفتوى وضوابطها، وصفات المفتي ومؤهّلاته. 2- الفرق بين فتوى الأفراد وفتوى الأمة. 3- مسؤولية المفتي والداعية. 4- مناهج إعداد العلماء لتمكينهم من الاضطلاع بمهمة الفتوى. المحور الرابع: إسهام الإسلام في السلم العالمي. وتضمن المعاهدات والاتفاقيات الدولية في الإسلام. 2- الإسلام وحرية التدين والعبادة. 3- دور العلماء والإعلام في تعزيز السلم. 4- المسلمون والسلم العالمي.

*  *  *

     هذا، وقد تمّ على هامش المؤتمر لقاء فضيلة رئيس الجامعة كثيرًا من العلماء والمفكرين الإسلاميين، وعلى رأسهم الشيخ عبد الله بن بيه، وكثيرًا من أعضاء الجالية الإسلامية الهندية في أبوظبي والإمارات.

     ورافقه في هذا السفر أحد أساتذة الجامعة الشيخ مزمل البدايوني القاسمي.

     وفيما يلي الكلمة التي قدّمها فضيلته في المؤتمر:

كلمة فضيلة الشيخ المفتي أبو القاسم النعماني

رئيس الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند، الهند

المقدمة إلى المنتدى

     الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلین محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

     السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

     فيسعدني أن أرفع الشكر العميق النابع من أعماق القلب، والصادر عن الإخلاص، والفائض بالحبّ الصافي الصميم إلى صاحب السمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان - حظفه الله - وزير الخارجية، وفضيلة الشيخ عبد الله بن بيه رئيس اللجنة العلمية لهذا المنتدى العالمي العظيم حول موضوع ساخن على الساحة على توجيههم الدعوة لنا لحضوره، وعلى أنهم أتَاحُوا لنا هذه الفرصة الغالية لتَقَرَّ أعينُنا بلقاء هذه الخلاصة المصطفاة من علماء الإسلام ومفكريه ودعاته في العالمين الإسلامي والعربي، فجزاهم الله خيرَ الجزاء، ووَفَّقَهم لمزيد من خدمة الإسلام والمسلمين، والثقافة الإسلامية.

     وشكرُنا يَغْزُرُ ويَتَعَمَّقُ أكثر فأكثر عندما أفَكِّر في أنّ  هذه الدعوة وجهت إلي بصفتي منتسباً إلى أكبر و أعرق جامعةٍ إسلاميّةٍ أهليّة في شبه القارة الهنديّة، وهي معروفةٌ في العالم بـ«دارالعلوم/ ديوبند». وقد كانت و لاتزال على صلة وطيدة بهذه الدولة، وخاصةً بصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله رحمة واسعةً، وإخوانه حكام الإمارات فأدعو الله أن يجعلهم مفاتيح الخير مغاليق الشر، ويجعلهم جماعة الاحتواء لاجماعة الإقصاء.

أيها الحضور:

     لقد عادت كلمة «السلام» اليوم بمثابة بضاعة تباع وتشترى، ويتصارع عليها الدول والجماعات والفرق كلها لتستقطب أنظار العالم إليها، وتستخدمها للدعاية ضد غيرها على زعم منها أنها هي الداعية إلى السلام و الجالبة للأمن والطمانينة إلى البشرية جمعاء، ولكنها - إذا ما تعمقنا النظر فيها وفي دعاياتها المُغرِضة - تبيَّن لكل ذی عينين أنها لاترمي - باستخدام هذه الكلمة: كلمة السلام العالمي - إلا إلى حماية مصالحها الذاتية ومطامعها الشخصية والاحتفاظ بسلطتها وكيانها ومستقبلها، وبصرف النظرعن أية اعتبارات أخرى تخص الآخرين. وهيهات أن يستبد الأمن بذلك في العالم أو يسود العالمَ السلامُ. وما هكذا تورد الإبل ياسعد.

أيها السادة الفضلاء:

     ليس بوسع أنصار السلام العالمي والدعاة إليه مهما بذلوا من سعي أن يُضفوا عليه من القداسة والاحترام ما أضفاه عليه الإسلامُ فقد قدَّسه تشريعاً، وتنفيذاً، وعقيدةً، حيث جعل الإسلام السلامَ في ذروتها وقمتها. فالسلام و الإسلام والإيمان والأمان كلمات آخذ بعضها بعناق بعض لغويًا ومفهومياً بصفتها مبادئ تحتاج إليها الإنسانية جمعاء عقديّا وفكريّاً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً. أليس الإسلام والسلام لفظتين اشتقت كل واحدة منهما من مادة واحدة «س ل م»، دالة على الطمانينة والأمن والسكينة؟ أليس «السلام» اسم من أسماء الله- سبحانه- الحسنى يقول القرآن الكريم: ﴿هُوَ الله الَّذِيْ لَآ إِلٰهَ إِلَّا هُوَ الْـمَلِكُ الْقُدُّوْسُ السَّلامُ[الحشر/23]. وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فما زاد أمر السلام إلا توضيحاً وشرحاً فقال: (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام).

أيها السادة:

     إن القرآن الكريم - وهو أول مصادر التشريع  الإسلامي - دعا إلى كثيرٍ من الأسس والركائز التي تُعَمِّقُ جانبَ السلام العالمي، من أبرزها مايلي:

     1- وحدة الأصل البشري: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء/1] فهذه الآية الكريمة تدعو الناس إلى التذكر بأن أصلهم واحد على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأعراقهم وبلدانهم. فالناس كلهم من آدم وآدم من طين.

     2 - أشخاص البشرية كلهم يشتركون في الكرامة الإنسانية التي امتن الله تعالى بها عليهم، فلم يخصها بجنس دون جنس أو بعرق دون غيره قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَ فَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء/70]. وقد جمعت الآية خمسَ مِنَنٍ يشترك الناس كلهم فيها: التكريم، وتسخير المراكب في البر، وتسخير المراكب في البحر، والرزق من الطيبات، و التفضيل على كثير من المخلوقات.

     3 - الاختلاف الشكلي - اللون والبشرة والألسن - اختلاف تنوع ، لا اختلاف تضاد قال تعالى: (وَمِنْ آيٰتِهِ خَلْقُ السَّمٰوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ)[الروم/22].

     فاختلاف ألسنة الناس آية. ولا شك أن اللغة كانت واحدة للبشرحين كانوا في موضع واحد وما اختلفت اللغات والألسُن إلا بانتشار القبائل في المواطن المتباعدة وتَطَرَّق التغييرُ إلى لغاتهم تطرقاً تدريجياً وكذلك اختلاف ألوانهم آية أيضاً؛ لأن البشر منحدر من أصل واحد وهو آدم، وله لون واحد لا محالة.

     4 تقريرضابطة «لا إكراه في الدين».فما كان لأحد أن يكره الناس حتى يكونوا مؤمنين بالدين الذي يرتضيه لنفسه قال تعالى: (لَآ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [البقرة/256] ففي الآية الكريمة هتاف بالناس أن لا إكراه في الدين ولا قسر عليه، وأنه قد تبين الرشد من الغي والهدى من الضلال بما أنزل الله من آيات بينات فالذي يختار الإيمان ويسلك طريق الرشد ويكفر بالطاغوت يكون قد نجَّى نفسه و استمسك بعروة متينة لا تنفصم.

     5 - وجوب العدل والقسط بين الناس جميعاً قال تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْـمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النحل/90]

     هذه هي بعض الأسس والركائزالتي دعا إليها القرآن الكريم لتعميق الصلة بين بني البشر، ولتجسير الهوة التي قد يخلقها أعداء السلام. فالإسلام نزل دستورًا سماوياً وشريعةً إلهيةً بجميع عناصرالخلود ومع سائرالأدوية لكافة أنواع العلل والأمراض الظاهرة منها والباطنة والمزمنة منها والعارضة وخلَّص وسيُخَلِّص هذا العالمَ الحائر المضطرب من مخالب الحروب والكروب، والدَّمار الشامل، والاستعباد، ويخرجه من ظلمات الجهل والأوهام و الفوضى إلى شاطئ العلم والأمن والسلام. وإن الإسلام دين سلامٍ: سلامٍ روحيٍّ ونفسيٍّ واجتماعيٍّ وسياسيٍّ و اقتصاديٍّ، يشمل كلّ صور الحياة ونواحيها. وإن السّلام في الإسلام ليس خاصًّا بالمسلمين فقط، بل إنّه يشمل كلّ من عاش على وجه هذه البسيطة التي انتشر فيها هذا الدّين. وإن هذا الدّين الحنيف يحمل قيماً ومفاهيم إنسانيّة خالدة كالحبّ والطّهارة الرّوحيّة والتّعاون والتّكافل والتّراحم، وهي قيمٌ لا تقتصرعلى المسلمين بل تتعدّاهم إلى غيرهم. وإن الإسلام لم يكتف بضمان السلام ضد الحروب، بل تعداه إلى السلام تجاه كل شيء يَحرمُ الإنسانَ سعادتَه وهناءَه، فضمِن الإسلامُ للإنسان السلامة من الجهل، ومن الظلم والعدوان ومن الأسلحة المدمرة للحياة والأحياء على هذا الكوكب الجميل. ويجب أن ندرك أنه (ليس بالعلم وحده يحيا الإنسان)، بل لابد مع العلم من غرس مكارم الأخلاق في نفوس البشر كلهم على اختلاف ألوانهم، وأديانهم، وقومياتهم، لنبني سلاماً علمياً، وإخاءً عالمياً، وتحابباً إنسانياً. وبذلك يسعنا أن نتخذ من هذا الكوكب العفِن بالحروب المحلية و العالمية: فردوساً أرضياً قبل أن ننتقل إلى فردوس السماء﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعٰلَمِيْنَ(سورة الأنبياء /107].

     وأخيراً نكرر شكرنا وتقديـرنا لجميع القائمين على المنتدى، الذي يجدر بأن يُعْقَد أكثرَ من مرة، نظرًا لأهميته وحاجـة الأمة إليـه. وَفَّقَنَا الله جميعاً لما يحبه ويرضاه وبارك في القائمين عليه ليقدموا للعالم كله الصورة الناصعة الحقيقية للإسلام بأنه دين السلم والسلام دين الأخوة الإنسانية دين الحياة، لا كما يفتري عليه أعداؤه كذباً و زُوراً: من أنه دين القتل والإرهاب. وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله و صحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

        والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

أبواٍلقاسم النعماني

رئيس الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ ديوبند

ديوبند ، يوبي ، الهند