مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، جمادى الثانية - رجب 1435 هـ = أبريل - مايو 2014م ، العدد : 6-7 ، السنة : 38

 

إشراقة

 

ما قمتَ به لنفسك وحدها، يموت بموتك

وما قمتَ به للآخرين، يبقى أبد الدهر

 

 

 

 

معظمُ الناس يولدون مُغْرِضين أنانيّين يحبّون ذواتهم ومصالحها، ويبحثون من وراء كل ركض في الحياة عن الأرباح التي يمكن أن يجنوها هم لأشخاصهم أو لأسرهم. ولايعرفون معنى للعمل الخيري الـمُجَرَّد من الربح الشخصي. وأمثالُ هؤلاء طينتُهم تكون معجونةً بالجشع الزائد والأنانية المفرطة والعقدة النفسية المتمثلة في التعامي عن كل شيء اسمه الحبّ والحنان للآخرين الذين إذا تقاسمهما أحد معهم فلن ينسوه ماداموا أحياء.

     إن أمثال هؤلاء لايفطنون أن أغلى شيء في الحياة وأسعده أن ينحت المرأ اسمه على القلوب، وأن يتذكّر دائمًا أن ما يقوم به في الحياة لنفسه وحدها يموت ويتلاشى معه، فلا يذكره أحد، ولا يُثْنِي عليه لسان، ولا يُسَجِّله تاريخ؛ وأن ما يقوم به من أجل الآخرين، لايموت أبدًا؛ حيث تتذكّره كلُّ الألسنة، ويُقَرِّظه كل أحد، ويحصيه كلّ سجّل خالد في الدهر، فضلاً عن الأجر الجزيل الموفور الذي يدّخره الله تعالى له للآخرة، حسب تجرد النية وعاطفة احتساب الثواب الأخروي. الإنسانُ أيًّا كان يحبّ الخير، ويُعْجَب بالمعروف، ويُسْكِره مشهدُ إسداء الجميل إلى الخلق، وبالعكس من ذلك يكره الأنانية والأثرة وحب الذات وتبنّي المصالح الشخصية على حساب المصالح العامّة.

     الحقُّ أن الأسعد الأنجح في الحياة ليس الذي يبحث دائمًا ويتساءل لدى كل خطوة يخطوها عما إذا كان هناك فائدة له من ورائها؛ بل هو الأتعس الأفشل؛ لأنه لم يدرك كيف يتعامل مع طبيعة الحياة الإنسانية والمجتمع البشري، اللذين إنما يستقيمان بالمساعدة المتبادلة بين إنسان وآخر، وإنما يسيران السير الطبيعيّ بمعاني الرأفة والعطف والمواساة والتألم للغير التي يتعامل بها بنو البشر بعضهم مع بعض. والجشعُ والأنانيةُ وحبُّ الذات والتوفَّرُ على المصالح الشخصية والانطلاقُ نحو كل عمل بدافع النفعيّة صفاتٌ سيئة جدًّا تُفْسِد مُقَوِّمات المجتمع البشري وتُضَعْضِع أركانه، وتنحرف به عن مساره الطبيعي؛ فيعود ينبو بأعضائه.

     عشتُ كُلا النوعين من الإنسان: الأسعد الأنجح والأتعس الأفشل بالمعنى الذي ذكرتُه. أحببتُ الأوّل حبًّا أشدّ من حبّي لنفسي؛ لأنه جعلني أعرف للحياة المعنى الأجمل، والقيمة الـمُثْلَىٰ، والحقيقة الكبرى، وملأ قلبي أملاً مشرقًا وثقةً ثَرَّةً بأن الإنسان لايزال يحتفظ بإنسانيته ومعانيها السامية، وأن الحياة لم تَعُدْ بعدُ عبارة عن مجرد الشرّ وإلهامات الشيطان وأفاعليه، وأنها لاتزال تحافظ على ما يُشَكِّل مُبَرِّرًا لأن يعايش الإنسانُ الإنسانَ، ويُكَوِّن مانعًا قويًّا دون أن يُقَرِّر نهائيًّا بأن يغادر للأبد هذا المجتمعَ البشريَّ إلى جزيرة منفصلة عنه بمسافات شاسعة لا تُقْطَع بسهولة.

*  *  *

     إنّه عَلَّمَني وأكّد لي أن هناك من يعيش لغيره من بني البشر، ويسعى له دائمًا، ويحاول جاهدًا أن يُسْعِد كلَّ شقي، ويُكْسِب كلَّ معدوم، وأن يمسح دمعةَ كل بائس محزون، وأن يكون سندًا لكل من خذله كلُّ من كان حوله، وأن يضع المرهم الشافي البارد الـمُبَرِّد على جراح من عضّه الدهر بنابه.

     إنّه جعلني أدرك حقًّا أن في المجتمع البشري المائج بالأنانيين المغرضين، من لم يعرف السعيَ لنفسه والركض لمصالحها، وإنما نشأ على حبّ الآخرين والسعي لقضاء حاجاتهم، والتفكير الدائم لإسداء كل خير إليهم؛ فمات ومحاسنه لم تمت، واسمه خالد، وذكره حيّ، مات وحسناته حيّة مذكورة عل أفواه الناس، ومحفورة في القلوب.

     إنّه عرف السعادة بمعانيها، وجَرَّب الحظوة بحذافيرها، وجنى الخير في أصدق مصاديقه، وخلّف من بعده مثلاً يُحْتَذَىٰ، ومنارة نور يهتدي بها كل من يهمّه أن يقتديه في تمثيل معنى الإنسانية في أصحّ دلالاتها.

     لا تزال تَمْثُلُ في مخيلتي صورةُ رجل من هذا النوع الأصيل القحّ من الإنسان، وجدتُه مَلَكاً في قالب بشري، صاغه الله إنسانًا لكي يعيش في المجتمع البشري يعايش أبناء الجنس البشري؛ لكي يتعلّموا منه درسًا في الإنسانية، ويُطَبِّقُوه في حياتهم، مُحْتَذِين حذوه، مُقْتَفِين خطاه، ومؤمنين بأنه إنسان مثلهم، فيسهل عليهم أن يسيروا سيرته في وقف نفسه على خدمة الخلق، والتخطيط والعمل المتصل على إسعادهم وتفريج كل كربةعنهم.

     كان يظلّ موجودًا لدى كل مريض، يعوده، ويُعَرِّج به على الطبيب، ويشتري له الدواء، ويُقَدِّم إليه وجبات مُحَدَّدَة منه، ويزيل عنه الهموم، ويُوَفِّر له وسائل السرور والراحة والسكينة.

     وكان يظل مُسَخَّرًا في خدمة كل أرملة لا مأوى ولا ملجأ لها على وجه الأرض سوى الله، فيشترى لها الحوائج، ويُصْلِح لها كوخها لدى المطر ينزل مدرارًا، فيلحق به أضرارًا.

     وكان يركب الدراجة العاديّة التي كان مركبَها الوحيدَ إلى السوق فيشتري حاجة كل من كان يساكنه في المُجَمَّع السكني الذي كان يسكنه، فيُثْقل بحوائجهم دراجته التي كانت تكاد تئن تحت وطأتها، فكان لايركبها وإنما كان يجرّها بيديه إلى الحارة التي كان فيها مُجَمَّعه، فيوزّع على سكانه حوائجهم. وكان ذلك دأبه كلّ يوم على مدى الأيام التي عشتُها معه وهي أيام عشر سنوات على الأقل.

     وإذا مات أحد في الحارة وما جاورها، كان السابقَ إلى بيت ورثته وأهله، يعزّيهم ويمسح دموعهم، ويشاركهم الحزنَ والألمَ، ويشاطرهم أعمالَ التجهيز والتكفين ولايفارقهم، حتى يُوَارَىٰ جثمان الميت في لحده، ويواصل الحضورَ إليهم، والمكثَ لديهم، وقضاءَ ما يحتاجون إليه في مثل هذا الوقت الحرج القاسي، ويكرم ضيوفهم ومن يحضر إليهم يواسونه في المصاب الكبير.

     ولم أره إلاّ والابتسامةُ ترقص على شفتيه، وطلاقةُ الوجه لاتزايله، وحسنُ الخلق رفيقه على درب الحياة، والتواضعُ ميزته الشاخصة، والبساطةُ معجونة بها طينتُه.

     إنّه لم يكن معروفًا من الصلحاء المعروفين، والمشايخ المشهورين، والعلماء البارزين، والخطباء البارعين، والكُتّاب المبرزين أو المفكرين المرموقين؛ ولكنه كان فوقهم عندي بالمقياس الإنساني الصحيح الدقيق، الذي به يُوْضَعُ الفرقُ بين إنسان وآخر، وبه ترجح كفّةُ أحد وتطيش كفّةُ آخر؛ لأن العمل الصالح هو الذي يزيد أكْرَمِيَّة أحد من المؤمنين لدى ربّه الشكور. أمّا الاعتبارات الأخرى فلا اعتبار لها إذا قلّ العمل الصالح، وتضاءلت التقوى، ونزر رصيد حسن الخلق اللذين هما تقوى الله وحسن الخلق أكثر ما يُدْخِل الناسَ الجنّةَ.

*  *  *

     وكرهتُ النوع الثاني: الأتعس الأفشل أي الأنانيّ المغرض الذي وجدتُه ينظر إلى كل شيء «نظرة تجاريّة»ويتعامل مع كل موقف صادرًا عن روح «النفعيّة» سواء كان الموقف يتعلّق بالدين أو الدنيا. وجدتُه داهية في استغلال المواقف واستثمار الأوضاع؛ وجدتُه يظن أن السعادة كلها هي تحقيق المكاسب الماديّة والمصالح الشخصية وأن التعاسة والشقاوة هي الفشل في هذه «المهمة الجليلة».

     إذا عاد مريضًا فإنما عاده، لكي يُسَجَّل عنه ويُرْوَىٰ ويقال: إنّه «رجل طيّب» يواسي المريض ويحنو على البائس، فيكسب من وراء ذلك المنافع التي كان يرجوها ويسعى لها. وإذا ساعد فقيرًا أو محتاجًا أو أرملة أو متعرضًا لمصيبة أو آفة؛ أو ساهم في عمل خيري، استغلّ ذلك كله لتحقيق منافع عاجلة له كان يتصدّى لها.

     إنّ هذا النوع من الإنسان وجدتُه مصابًا بعقدة نفسيّة غريبة، تُحَوِّله نوعًا غريبًا من الإنسان، لايؤمن إلاّ بالمادّية والنفعيّة، ولا يعرف قيمة ما للاحتساب والإخلاص وتجريد النية لله تعالى حتى فيما يتعلق بالأعمال الخيرية التي إنما يقوم بها الإنسان لبناء آخرته على حساب أولاه.

     الأناني المغرض النفعيّ لايثق بأحد حتى بأقرب أقربائـه وأولى الناس بــه، لأنّـه لايثق حتى بنفسه هو، إنه يعيش دائمًا سلبيّ التفكير والعمل، مُحَطَّمًا من الداخل، يائسًا من النجاح، واثقًا بالفشل، متوقعًا للإخفاق. أبنـاءُ المجتمع البشريّ كلهم لديه أدوات فعّالة لتحقيق ما يريد تحقيقه من المنافع المادية الرخيصة التي يتأكد أنّها هي مفتاح السعادة والنجاح الحقيقي في هذه الدنيا.

     إنّه يظن في نفسه أن الناس كلهم حمقى وأنه وحده الأكيس الأذكى الذي بمقدوره أن يُوَظِّفهم توظيفًا مثمرًا لتحقيق ما يريد تحقيقه من المكاسب، على حين أنه هو الأحمق الذي لايفطن أن الناس يفطنون لدهائه ونفسيته النفعيّة، ويكرهونه كراهيتهم لجيفة.

     الحقُّ أن الناس طُبِعُوا على حبّ الخير وأهله والإحسان والمحسنين، وجميع الطيبين من أفراد الجنس البشري، الذين يواسون المحرومين والمكلومين، والمسحوقين والبائسين بأنواعهم في هذه الدنيا. كما طُبِعُوا على كراهية النفعيّة والأنانيّة وإعجاب أحد بنفسه، وعلى كراهية كل من يصدر عن هذه الصفة السيئة الخبيثة في مواقف الحياة.

     والنوع الأول من الناس يبقون أحياء بعد موتهم، والنوع الثاني منهم يموتون، فلا يبقى لهم ذكر في الناس. تَذَكَّرْ دائمًا أن ما قمتَ به لنفسك وحدها يموت بموتك؛ وما قمتَ به من أجل الآخرين، لايموت بموتك وإنما يبقى أبد الدهر، يُثْرِي رصيدَ الثناء عليك والدعاء لك، ويُرَجِّح كفّه حسناتك في الآخرة حسبَ إخلاصك لله.

(تحريرًا في الساعة 10:30 من صباح يوم الاثنين: 8/جمادى الأولى 1435هـ = 10/مارس 2014م)

 

أبو أسامة نور

 nooralamamini@gmail.com