ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، رمضان – شوال 1435 هـ = يونيو – أغسطس 2014م ، العدد : 9-10 ، السنة : 38

 

دراسات إسلامية

 

الـــرعــــي

بقلم : الأستاذ أشرف شعبان أبو أحمد / جمهورية مصر العربية (*)

 

 

قال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ سورة طه آية 53-54. تشير الآية الكريمة إلى حكمته تعالى في خلق نبات شتى فمنها ما يستسيغها الإنسان فيتخذها مأكلاً له، ومنها ما لا يستسيغها أو تفيض عن حاجته، فالحيوانات لها فيها مطعم، كما تشير الآية إلى حرفة رعي الأنعام، وهي من المهن القديمة التي مارسها الإنسان منذ نشأته الأولى، قال عليه الصلاة والسلام (بُعث موسى وهو راعي غنم وبُعث داؤد وهو راعي غنم وبُعثت وأنا أرعى غنمَ أهلي) وتمارس مهنة الرعي إما في مراعي ثابتة تحت سيقان الأشجار المعمرة أو في الأراضي التي لا تستخدم لزراعة النباتات التي يتغذى عليها الإنسان أو بجوار الآبار والعيون، قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَىٰ * الَّذِيْ خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ * فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ سورة الأعلى الآيات 1-5 أو تمارس في مراعي متنقلة، حيث يسير الراعي بغنمه وراء كل سحابة تسقط أمطارها، فإذا بهذه الأرض الميتة البور تصبح خضراء ممرعةً بالزرع، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْـمَاءَ إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ سورة السجدة آية 27 وإذ بهذه الجبال الرملية تكسوها خضرة الأعشاب، التي تنبت عند سفوحها بعد سقوط الأمطار عليها، وصدق الله العظيم في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا ومَرْعٰهَا وَالْجِبَالَ أَرْسٰهَا مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ سورة النازعات الآيات 30-33 ورعي الأنعام وهو المعبر عنه بتربية الثروة الحيوانية، هو المصدر الرئيسي والأساسي للبروتين الحيواني، الذي لا غنى عنه لأي إنسان على ظهر الأرض قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيْمَةُ الْأَنْعَامِ سورة المائدة آية 1 ومن الضروري أن يكون معدل نمو الثروة الحيوانية من 6-7٪ سنويًا لمواجهة احتياجات السكان الذين ينمون بمعدل 2٪ سنويًا أي أن معدل نمو الثروة الحيوانية لابد أن يكون ثلاثة أمثال معدل النمو السكاني ولا تتوفر هذه العلاقة أو ماهو أفضل منها إلا في 29 دولة في العالم بينها ست دول أفريقية وتسعة في أمريكا اللاتينية وسبعة في آسيا وتتصدر مورتيانيا وهي السابعة عالميًا كل الدول الأفريقية كما تتصدر بروناي الخامسة عالميًا كل الدول الآسيوية وهما دولتان إسلاميتان(1).

     ويمتلك العالم الإسلامي مساحات شاسعة من الأراضي التي تصلح للاستخدام كمراعي، والبعض يمتلك من الثروة الحيوانية ما لو أجاد تربيتها وتنميتها لكفلت حاجات العالم الإسلامي كله، وبجوار رعي الأنعام مهن أخرى تنشأ عليها، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ سورة النحل آية 66 تشير الآية إلى جواز الانتفاع بألبان الأنعام بالشرب وبالتالي تصنيعه لعمل المنتجات المختلفة. وقوله تعالى في سورة النحل آية 80: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ تشير الآية إلى جواز استخدام جلود الأنعام وأصواف الغنم ووبر الإبل وشعر المعز. قال النبي - عليه الصلاة والسلام - (الإبل عز لأهلها والغنم بركة والخيل في نواصيها الخير) خرّجه البرقاني وابن ماجه في السنن، وإنما جمع العز في الإبل لأن فيها اللباس والأكل واللبن والحمل والغزو وإن نقصها الكر والفر، وجعل البركة في الغنم لما فيها من اللباس والطعام والشراب وكثرة الولادات فإنها تلد في العام ثلاث مرات إلى ما يتبعها من السكينة، وقرن النبي - عليه الصلاة والسلام - الخير بنواصي الخيل لما فيها من الغنيمة المستفادة للكسب والمعاش وما يوصل إليه من قهر الأعداء وغلب الكفار وإعلاء كلمة الله تعالى(2).

     وقوله تعالى: ﴿وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ سورة النحل الآيات 5-8 تشير الآية الكريمة إلى استخدام الأنعام والحمير والبغال والخيل في التنقل والترحال، هذه هي بعض وظائف الأنعام التي خُلقت من أجلها وعلى كل وظيفة تنشأ عشرات الحرف ولكل حرفة رجال يعملون ويكسبون وتكون لهم مصدرًا للرزق. ويأتي بجوار رعي الأنعام صناعة تربية الطيور باختلاف أنواعها وهي من الصناعات المربحة ويمكن إقامتها برأس مالٍ محدودٍ وفي أماكن صغيرةٍ، عن أبي هريرة قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأغنياء باتخاذ الغنم والفقراء باتخاذ الدجاج. وقال عند اتخاذ الأغنياء الدجاج يأذن الله تعالى بهلاك القرى(3). وتأتي أيضًا صناعة تربية النحل لاستخراج عسل النحل والشمع وهما من الصناعات التي أصبحت تُدرَّس في الجامعات والمعاهد الزراعية وأصبح لهما متخصصين ودارسين، ومن قبل فإن الخبرة العملية هي خير مدرسة لمن يقوم بأي وظيفة، قال تعالى ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَّمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَّتَفَكَّرُونَ سورة النحل الآية 68-69.

*  *  *

المراجع

الأهرام الاقتصادي العدد 1119 بتاريخ 25 يونيو عام 1991م ص51.

الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ج10، ص79-80.

الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ج4، ص35.

*  *  *



(*)   6 شارع محمد مسعود متفرع من شارع أحمد إسماعيل، وابور المياه – باب شرق – الإسكندرية ، جمهورية مصر العربية.

      الهاتف : 4204166 ، فاكس : 4291451

      الجوّال : 0101284614

        Email: ashmon59@yahoo.com