·                           ترجمة الكتب العربية إلى اللغة الأردية حاجة دينية وضرورة ثقافية 

·                           حقوق الرعاية الدينية تجاه المُسِنِّين في ضوء القرآن الكريم

·                           الصحوة الإسلامية في الأندلس اليوم جذورها ومسارها

·                           الوحــي النبـــوي شبهات وردود

 

 

 

ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، رمضان – شوال 1435 هـ = يونيو – أغسطس 2014م ، العدد : 9-10 ، السنة : 38

 

دراسات إسلامية

 

ترجمة الكتب العربية إلى اللغة الأردية

                                                                حاجة دينية وضرورة ثقافية                                                                                            

إعداد: محمد ساجد القاسمي(*)

 

 

بحث مقدم في ندوة «اللغة العربية في الهند» المنعقدة في جامعة همدرد بدهلي الجديدة، يومي السبت والأحد: 27-28 من ذي الحجة الموافق 2-3/نوفمبر 2013م بتنظيم و تنسيق: منظمة الإيسيسكو (ISESCO)، رباط، المغرب، ومجمع الفقه الإسلامي (الهند)، دهلي الجديدة

 

     الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

     فإن الترجمة كانت ولاتزال- دعامة من دعائم النهضات الفكرية والثقافية للأمم، وبواسطة الترجمة بدأت النهضة العلمية والثقافية في عصور الإسلام الأولى، حيث أدرك الخلفاء الأمويون والعباسيون حاجة الأمة الإسلامية إلى الغذاء الفكري والثقافي، فترجموا كثيرًا من الكتب من اليونانية والسريانية إلى اللغة العربية، مما أفسح المجال لتدفق وديان من مختلف الثقافات العالمية إلى النهر العربي.

     وهكذا كانت عند ما نهضت أوربا من سباتها العميق، فرأت أن أجدى وسيلة لنهضتها أن تنحو نحو الترجمة، فاندفع الناقلون منهم يترجمون حسب حاجتهم من أمهات الكتب اللاتينية واليونانية و من أصول الكتب العربية التي لعبت دورًا كبيرًا في ازدهار الثقافة الأوربية الحديثة.

تعريف الترجمة:

     هي نقل ما يقوله الآخر ويكتبه من لغته إلى لغة المتلقي أو المستمع(1).

"Translation is the process of facilitating written communication from one language to another"(2)

بواعث الترجمة:

     إن البواعث التي تدفع الأمم والمؤسسات والأفراد إلى الترجمة كثيرة متنوعة، وأهمها يتلخص بما يلي:

1- الحاجة:

     هي من أهم هذه البواعث وأبلغها فعالية و تاثيرًا، وقد تكون هذه الحاجة دينية أو علمية أو سياسية أو اقتصادية أو غير ذلك. فحركة النقل في الغرب كانت وليدة الحاجة لنقل علوم العرب المتطورة والتي كان الغرب يفتقدها. سواء كان من علوم الفلك والرياضيات والهندسة المعمارية والشعر والأدب وغير ذلك، كما أن حركة النقل في العصر العباسي خاصة كانت أيضاً وليدة الحاجة؛ فقد نقل العرب الفلسفة والطب وغيرهما من العلوم التي كانوا يحتاجونها.

2- التواصل:

     عرف الإنسان المتحضّر فضل الترجمة منذ زمان بعيد، فهي الجسر الذي تعبر عليه ثقافة الأمم بعضها إلى بعض، فتتواصل - عن طريقها - الأمم، وتزيد المعرفة، وتعمق متعة الحياة في هذا العالم.

3- خدمة المعرفة الإنسانية:

     أحد بواعثها خدمة المعرفة الإنسانية، لينتفع بها جمهور القراء من فنون المعرفة الحديثة والإنتاج الحديث.

4- المتعة وصقل الذوق:

     هي أحد بواعث الترجمة، وقد لعب هذا الباعث دوراً رئيسًا في توجيه حركة الترجمة، فقد ترجم الأدباء والمترجمون أعدادًا ضخمة من القصص المتنوعة تحقيقًا لمطلب القراء الذين يتلهفون شوقًا إليها.

5- الثقافة:

     إن الثقافة هي أحد البواعث إلى الترجمة، والذي يتميز بخصوصية تتعدى الحاجة والمتعة والبواعث الأخرى، بل هو خليط من كل منها. تتزايد أهمية الثقافة بتزايد انفتاح الشعوب بعضها على بعض، وهذا الانفتاح لايتم إلاّ بالترجمة، لأنه عن طريقها يتاح لكل فرد منهم أن يقرأ بلغته علوم الغرب والشرق، واكتشافاته الحديثة، فأصبحت الترجمة هي السبيل إلى الاطلاع على كل جديد في الفكر والعلم والفن والأدب.

الشروط التي يجب أن يتوافر في المترجم:

     ليست الترجمة أمرًا سهلا، بل هي صعبة جدًا، وقد تكون أصعب من التأليف؛ لأن المؤلف طليق في اختيار معانيه وألفاظه وتراكيبه، وليس المترجم كذلك؛ لأنه حينما يشرع في عمله يكون أسير معاني غيره، فهو مقيد ومضطر إلى إيرادها كما هي، وحتى على علاتها إذا لزم الأمانة في الترجمة.

     ويجب أن يتوافر في المترجم  الشروط الآتية، حتى تكون ترجمته فنية:

     1- أن يكون المترجم أبرع في اللغة المترجَم إليها من اللغة المترجم منها.

     2- أن يكون أمينا في الترجمة والنقل.

     3- أن يكون قادرًا على نبش حقيقة المعنى المطلوب وإيجاد المصطلح الموافق، والتمحيص والتدقيق في صبر وطول أناة.

     4-أن يكون متمكنًا من التنسيق والربط بين المعاني والجمل.

     5- أن يكون قادرًا على التعبير عن معنى الكلمة للغة الأجنبية بكلمة من اللغة المترجم إليها مطابقة لها نصاً وروحاً(3).

طريقتي في الترجمة:

     طريقتي في الترجمة التي توصلت إليها خلال رحلتي الطويلة لترجمة العديد من الكتب من الأردية إلى العربية وبالعكس(4) و التي أتبعها خلال عملية الترجمة، وألقنها الطلاب في قسم الأدب العربي بالجامعة الإسلامية دارالعلوم، ديوبند، هي أني إذا أردت أن أترجم نصا أو مقالا أوكتابا أقرأه مرة، حتى أصل إلى ما في النص أو المقال أو الكتاب من فكرة أساسية، ثم أقرأ فقرة منه أو صفحة قراءة متكررة مركِّزة، مما يُثير في ذهني الفكرة والمفردات والتراكيب باللغة المترجم إليها تتقابل النص المترجم منه، فإذا أقوم بذلك كله، فما علي إلا أن  أتناول القلم وأنقله إلى القرطاس. فعملية الترجمة تتم في الذهن قبل أن تُنقل إلى حيز الكتابة.

     وأنا لا أزال أحتفظ بوصية أستاذي فضيلة الأستاذ وحيد الزمان الكيرانوي - صاحب القواميس المعروفة ورئيس قسم اللغة العربية وآدابها بالجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند سابقًا - وأنقلها إلى الطلاب، وهي: أنه يجب أن يضع المترجم - خلال عملية الترجمة- نصب عينيه اللغة المترجم إليها وأفعالها وأزمانها وتراكيبها وتعبيراتها دون اللغة المترجم منها. فلكل لغة طبيعة تخالف طبيعة لغة أخرى، ولكل لغة تراكيب وتعبيرات تستخدم فيها، ولا تستخدم في غيرها.

شيء عن اللغة المترجم منها: اللغة العربية:

     إن اللغة العربية هي لغة الإسلام الرسمية، ولغة المكتبة الإسلامية العامرة، ولغة التواصل والتفاهم بين المسلمين في العالم، ولغة الحضارة الإسلامية الخيرة، وإحدى اللغات العالمية المعترف بها رسميًا في المؤسسات الدولية، فعلاقة المسلمين- عربًا وعجما- باللغة العربية علاقة عقدية وعلمية وحضارية.

     لقد اختارها الله تعالى وعاءً لوحيه الخالد الأخير، حيث قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾(يوسف/2)، ونطق بها رسوله الخاتم محمد العربي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الكرام رضي الله عنهم، فجاء كتاب الله وسنة رسوله وأقوال أصحابه كلها باللغة العربية، مما أكسبها قداسة ومسحة دينية كبيرة.

     ثم قامت الحكومة الإسلامية وكثرت الفتوح ودخل الناس في دين الله أفواجا، فتوسع نطاقها لعوامل دينية وسياسية وعلمية، ونقل إليها ما في اللغات الأخرى من علم وطب وهندسة  وما إليها من العلوم ، وذلك في العصرين الأموي والعباسي حتى أصبحت لغة عالمية.

     لقد استطاعت اللغة العربية أن تستوعب الحضارات المختلفة: العربية و الفارسية والهندية واليونانية، وأن تجعل منها حضارة واحدة، عالمية المنزع، إنسانية الرؤى، وذلك لأول مرة في التاريخ في ظل القرآن أصبحت العربية لغة عالمية، واللغة الأم لبلاد كثيرة(5).

     ظلت اللغة العربية متمتعة بمكانتها العالمية قرونًا من الزمان، ثم كثرت فيها اللهجات وطرأ عليها الضعف والفتورلعوامل مختلفة حتى فقدت مكانتها العالمية.

     ثم تغيرت الأوضاع، فكثرالاهتمام بها في القرن العشرين ، وتم الرجوع إلى تراثها القديم في الأساليب، حتى استعادت مكانتها العالمية مرة أخرى. فهي تستخدم اليوم فيما يقارب 10% من دول العالم، حيث أنها تستخدم في الدول العربية كلغة أولى وفي كثيرمن الدول الإسلامية كلغة ثانية(6).

     كما أنها أصبحت لغة رسمية في عدد من المؤسسات العالمية، يجيئ في مقدمتها الأمم المتحدة، فقد جاء في القرار: 219 في عام 1973م أن الجمعية العامة إذ تدرك ما للغة العربية من دور مهم في حفظ حضارة الإنسان وثقافته، كما تدرك أيضا أنها لغة تسعة عشر عضوًا من أعضاء الأمم المتحدة (آنذاك) تقرر إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل في الجمعية العامة ولجانها الرئيسة(7).

علاقتنا نحن المسلمين الهنود باللغة العربية:

     إن علاقتنا نحن المسلمين الهنود باللغة العربية علاقة دينية، وهي أقوى العلاقات تأثيرًا وفعالية، لذلك فقد عُنيَ بها العلماء الهنود عنايةً كبيرةً، وعكفوا على دراستها وإتقانها محتسبين. واتخذوها لغة التاليف والكتابة لهم، فخلفوا بها آثارًا علمية تزدان بها المكتبة الإسلامية العامرة، مثل: سواطع الإلهام في التفسير، وفيض الباري، ولامع الدراري، وفتح الملهم، والكوكب الدري، والعرف الشذي، ومعارف السنن، وإعلاء السنن، وبذل المجهود، وأوجز المسالك، وتحفة الأحوذي في الحديث. والفتاوى التاتارالخانية، والفتاوى الهندية في الفقه، ومشكلات القرآن في غريب القرآن، والعباب الزاخر، ومجمع بحار الأنوار في غريب الحديث، وحجة الله البالغة في مقاصد الشريعة وأسرارها، وتاج العروس شرح القاموس، والقاموس الوحيد في اللغة، وما إليها.

     كذلك لهم سليقة مدهشة لقرض الشعر بالعربية، فقالوا قصائد في مديح الرسول صلى الله عليه وسلم، أو مراثي للعلماء والمشايخ تبدو عليها مسحة الشعر الجاهلي.

     كما أن المدارس والجامعات الإسلامية الأهلية تهتم بتدريس المقررات الدراسية في مختلف العلوم الإسلامية من العقيدة والتفسيروأصوله، والحديث وأصوله، والفقه وأصوله، والنحو والصرف والبلاغة والإنشاء والأدب، وهي كلها بالعربية.

     ولهذه المدارس والجامعات أقسام خاصة لتعليم اللغة العربية وآدابها، فهي تعنى بتدريس الأدب العربي وتاريخه، وعلوم العربية، وتعليم الإنشاء والكتابة.

     وأما النوادي العربية التابعة للمدارس والجامعات فلها دور كبير في خلق الجو العربي في محيطها، وتدريب الطلاب على النطق والخطابة عن طريق عقد الحفلات الأسبوعية، وعلى إيقاظ قدرات الإنشاء والكتابة لهم عن طريق الصحف الجدارية.

     وكذلك كثيرمن هذه المدارس والجامعات تصدر مجلة عربية كلسان حالها، تُعنى بالبحوث والدراسات الإسلامية والأدب العربي وقضايا الأمة الإسلامية، وشؤون المسلمين في الهند خاصة وفي العالم عامة.

تاريخ حركة ترجمة الكتب العربية في الهند:

     إن العامل القوي المؤثر وراء إقبال علماء الهند على اللغة العربية تعلماً ونشرًا وتأليفًا - كما قلت- هوالعامل الديني لاغير؛ فاختاروا للترجمة إلى اللغة الأردية من التراث العربي ما ينفع عامة المسلمين في الهند ويسد حاجتهم الدينية والعلمية، فترجموا القرآن، وكتب التفسير، والحديث، والفقه الإسلامي، والأدب العربي، واللغة، والتاريخ، والإصلاح والدعوة والتربية.

     فأول من ترجم معاني القرآن الكريم إلى اللغة الأردية في الهند هو الشيخ رفيع الدين الدهلوي- نجل الإمام أحمد بن عبد الرحيم المعروف بولي الله الدهلوي- وذلك في 1776م، وكانت هذه الترجمة حرفية أمينة.

     ثم قام شقيقه الصغيرعبد القادر الدهلوي بترجمة معاني القرآن التي طبعت عام1795م، وهذه الترجمة فصحية سهلة البيان أحسن من أختها. ثم تسلسلت حركة ترجمة معاني القرآن حتى بلغ عددها أكثرمن خمسين ترجمة، أحسنها وأوثقها وأكثرها تداولا ترجمة معاني القرآن لشيخ الهند محمود حسن الديوبندي، والشيخ عبد الماجد الدريا بادي، وفضيلة المفتي محمد تقي العثماني.

     ويلي ترجمة معاني القرآن ترجمةُ كتب التفسير مثل: تفسير القرآن العظيم لابن كثير، والتفسير المظهري للقاضي ثناء الله الفاني فتي، وقبس من القرآن الكريم للصابوني، وما إليها.

     وأما كتب الحديث، فترجموا صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن الترمذي، وسنن أبي داود، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، ومشكاة المصابيح، ورياض الصالحين، ومشارق الأنوار، وموطا الامام مالك، وما إليها.

     كما ترجموا كتب الفقه الإسلامي المتداولة في الأوساط  الدينية والعلمية، مثل: نورالإيضاح، ومختصر القدوري، وشرح الوقاية، والهداية، والدر المختار، والفتاوى الهندية، وبداية المجتهد، وفتاوى الدكتور يوسف القرضاوي والموسوعة الفقهية وما إليها.

     وأما الأدب العربي فقد ترجموا المعلقات السبع، وديوان سيدنا علي رضي الله عنه ، وديوان الإمام الشافعي، وديوان الحماسة، وديوان المتنبي، والمقامات للحريري. بالإضافة إلى كتب اللغة، مثل: المنجد في اللغة، والمعجم الوسيط.

     وأما كتب التاريخ فقد تم ترجمتها مثل: تاريخ ابن خلدون، وفتوح البلدان للبلاذري وغيرهما.

     وأما كتب الإصلاح والدعوة والتربية والفكر الإسلامي فقد نُقِلَ كتب كثير من الدعاة والأدباء والمفكرين في العصر الحديث، مثل علي الطنطاوي، وعباس محمود العقاد، والدكتورمصطفى السباعي، والشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي، والدكتور عائض القرني، والشيخ عبد الرحمن العريفي، ومن إليهم.

حاجة ترجمة البحوث والكتب العربية:

     فهذا ضوء خاطف على ما أنجز من ترجمة الكتب العربية في الهند، غير أن هذا القدر قليل جدًا بالنسبة إلى التراث العربي الضخم. هذا في جانب، وفي جانب آخر أن اللغة العربية لغة عالمية، وحركة التاليف والإنتاج والإبداع فيها مستمرة، والكتب فيها في الموضوعات الإسلامية وغيرها مستجدة متوفرة، فنحن قراء الأردية- أحوج ما نكون إلى ترجتمها إلى اللغة الأردية. وذلك لأمرين:

     الأول: أن ترجمة الكتب الحديثة في الموضوعات المتنوعة لاسيما الدينية من العربية أولى وأفضل لنا من الترجمة من اللغات الأخرى، لكون العربية لغتنا الدينية والعقدية، وتوفر مترجميها عندنا في الهند.

     الثاني: أن اللغة الأردية تعتبر لغة دينية وثقافية للمسلمين الهنود، لذلك فتزهد فيها الحكومة الهندية وتعامل معها بالجفاء، بينما تسعى على تطوير اللغة الهندوسية ونشرها بأساليب متنوعة، مما جعل اللغة الأردية قابعة في أوساط المسلمين؛ فالأردية في أمس حاجة إلى تطويرها ونشرها وإثرائها بالثروة الدينية والأدبية والعلمية عن طريق الترجمة.

     ثم إن الإنجازات التي تمت في مجال ترجمة الكتب العربية حتى الآن معظمها نتيجة الجهود الفردية. ونظرًا إلى أهمية الترجمة وضخامتها يجب أن تُنشأ مؤسسات وأكاديميات تقوم باختيار الكتب من التراث العربي الكبير وفق ما يحتاج إليه قراء الأردية، وترجمتها إلى الأردية، وطباعتها ونشرها في أوساط القراء. كذلك تنتدب لهذه المهام المترجمين البارعين، وتستفيد من فنهم وتجاربهم في مجال الترجمة، وتدرِّب الناشئين منهم، فيكون لديها فوج من المترجمين، فتنشط حركة الترجمة وتؤتي ثمارها. 

*   *   *

الهوامش:

(1)        الترجمة في خدمة الثقافة الجماهيرية للدكتور سالم عيس منشورات اتحاد الكتاب 1999م.

(2)        English Russian translation.com

(3)        الترجمة في خدمة الثقافة الجماهيرية.

(4)        قد قام كاتب السطور بترجمة أكثر من عشرة كتب من الأردية إلى العربية وبالعكس. أما الكتب المترجمة إلى العربية فأهمها حجة الإسلام، وردود على اعتراضات موجهة إلى الإسلام ، ومحاورات في الدين للإمام محمد قاسم النانوتوي. وأما الكتب المترجمة إلى الإردية فهي الإسلام في نظر أعلام الغرب لحسين عبد الله باسلامة (اسلام مغربي دانشورون كي نظر مين) والهدية السنية في ذكر المدرسة الديوبندية(دارالعلوم ديوبند كى ابتدائي نقوش) للشيخ ذو الفقار على الديوبندي.

(5)        فضائل اللغة العربية، ص:76، دارالمعارف ديوبند الهند.

(6)        مجلة الحج، السنة 56، الجزء التاسع والعاشر ربيع الأول وربيع الثاني 1422هـ

(7)        المصدر السابق.

 

 

ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، رمضان – شوال 1435 هـ = يونيو – أغسطس 2014م ، العدد : 9-10 ، السنة : 38

 

دراسات إسلامية

 

حقوق الرعاية الدينية تجاه المُسِنِّين في ضوء القرآن الكريم

(1/2)

إعداد : مجموعة من الباحثين(*)

 

 

ملخص البحث

     يركز هذا البحث على بيان اهتمام القرآن الكريم بالحقوق الدينية تجاه المسنين، واحتياجاتهم والتغيرات التي تمر بهم. واستخدم الباحثون المنهج الاستقرائي، وتم ذلك عن طريق جمع آيات القرآن والأحاديث التي تتناول المسنين، والمنهج التحليلي، تم عن طريق تحليل الآيات والأحاديث المتعلقة بالموضوع. وتوصل البحث إلى أهم النتائج، منها: المسنّ من تجاوز عمره الستين سنة، ولابد لكل مسلم ومسلمة من تعلُّم الإسلام من حيث الأمور العقدية، والفقه الذى  يشمل الفروض، والواجبات، والحلال، والحرام، ومعرفة الله (حتى يحسن الظن به سبحانه وتعالى، ومن ثم، تدريس بعض الأحكام الشرعية التي رخص فيها الإسلام للمسنين.

     الكلمات الرئيسية: المسن- القرآن الكريم-الرعاية  الدينية - الرخصة.

مقدمة

     إنّ الله جعل حياة الإنسان تمر بمراحل عديدة في رحلته الدنيوية، فيبدأ وليدًا ضعيفًا، ثم شابًّا قويًّا، وأخيرًا شيخًا ضعيفًا. والأصل في ذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضُعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضُعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضُعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾[الروم:54]. ومعنى قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضُعْفًا وَشَيْبَةً﴾ أي: ثم أحدث لكم الضعف بالكبروالهرم عما كنتم عليه أقوياء في شبابكم(1). والهرم معناه - من هرم يهرم إذا كبرت سنه أي بلغ أرذل العمر، وفيها يصير الإنسان أشْبَهَ ما يكون بالطفل الصغير في كثير من أحواله(2). وأشار إلى هذه المرحلة قوله - عزّ وجلّ-: ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل:70]، يقول: ومنكم من يهرم فيصير إلى أرذل العمر(3).

     فالإسلام جعل للمسنين منْزلتهم وكرامتهم، واختص الوالدين بهذه المنْزلة والكرامة، حيث جعل الله برهم ورعايتهم فرضًا وحقًّا على أولادهم، والأصل في ذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُل لَّهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُل لَّهُما قَوْلاً كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيٰنِيْ صَغِيراً﴾[الإسراء: 23-24]. ففي الآيات الكريمة أكّد الله على برّ الوالدين دون أفٍّ في كل حال، لكنها أوكد و أوجب في حالة الكبر وبلوغ سن الشيخوخة، وكل من كان في منْزلة الوالدين من الأجداد والجدات(4). هذه الآيات التي تأمر ببر الوالدين خاصة في حالة الشيخوخة تشير إلى الاهتمام بهذه المرحلة خاصة للآباء وهى تعُمُّ مَنْ دونهما الذين كانوا بهذا السن. والإسلام رحِيم بهم بالرخصة على بعض الأحكام الشرعية. وبناء على ذلك سيحاول هذا البحث بيان القول في المسنين، و الرعاية الدينية تجاههم.

تعريف المُسِنّ لغةً ومترادفاته:

     استعمل العرب كلمة «المُسِنّ» للدلالة على من كبرت سنه وعُمِّرَ في الحياة الدنيا، وعلى الرجل الكبير والمعمر الطاعن في السن وصاحب الشيبة(5).

     جاء في لسان العرب لابن منظور: «أَسَنَّ الرجلُ: كَبِرَ، وفي المحكم كَبِرَتْ سِنُّه يُسِنُّ إِسْناناً، فهو مُسِنٌّ، وهذا أَسنُّ من هذا أي أكبر سنًّا منه»(6). كما تستخدم العرب ألفاظاً مرادفة للمسن:

     منها: «هَرِم» الرجل هرماً ومهرماً ومهرمةً: بلغ أقصى الكبر وكبر وضعف فهو هرم (ج) هرمى وهرمون وهي هرمة (ج) هرمى وهرمات «هَرِم»، وهو: أقصى الكبر(7).

     ومنها: «شيخ» الشيخ: الذي استبانت فيه السن وظهر عليه الشيب. وقيل: هو شيخ من خمسين إلى آخره. وقيل: هو من إحدى وخمسين إلى آخر عمره. وقيل: هو من الخمسين إلى الثمانين، والجمع أشياخ وشيخان وشيوخ وشيخة ومشيخة ومشيخة ومشيخة ومشيوخاء ومشايخ(8).

تعريف المُسِنّ اصطلاحاً:

     من خلال أقوال الباحثين في تعيين تعريف المُسِنّ نجد بعضهم يتخذ متعدِّدًا من المكاييل لتخصيص هذه المرحلة، فيتخذ العمر البيولوجي، وهو مِعْيار وصفي يتناول الجوانب العضوية للإنسان، والعمر الزمني يتعامل به مع عدد السنين، والعمر الاجتماعي، ويتناول فيه الأطْوار الاجتماعية التي يمارسها الفرد وعلاقاته بالآخرين، والعمر النفسي، ويحدد بالخصائص النفسية والتغيرات في سلوك الفرد وحاجاته ودوافعه(9). سأذكر بعض أهم تعاريف المسن منهم كما يلي:

     1- أما المسن في تعريف الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية فقد عرّفتاه بـ«من تجاوز عمره الستين سنة»(10).

     2- عرّف كمال أغآالمُسِنّ بأنه: «من دخل طَوْر الكِبَر»، ثمَّ يحدد الكبر بأنه: «حقيقة بيولوجية تميز التطور الختامي في دورة حياة البشر»(11).

     3- كما نجد من يُعَرِّف المرحلة التي يصل إليها المسنّ تعريفاً وظيفياً، حيث يرى إسماعيل أنها: «حالة يصبح فيها الانحدار في القدرات الوظيفية البدنية والعقلية واضحاً يمكن قياسه وله آثاره على العمليات التوافقية»(12).

     4- أما  الدكتور أحمد زكى بدوى فعرَّفه: بـ«الشخص الذى تقدمت به السن والذى يفترض فيه عدم قدرته على العمل»(13).

     5- المُسِنّ هو: «كل فرد أصبح عاجزاً عن رعاية نفسه وخدمتها، إثر تقدمه في العمر، وليس بسبب إعاقة أو شبهها»(14).

     إذا نظرنا في هذه الأقوال لا نجد بينها تناقضاً ولا تعارضاً، بل نجد بينها تشابهاً وتقارباً، بعضها يتداخل في البعض، بيد أن القول الثالث ليس مجرداً من الإشكال؛ لأن المِكْيال لتخصيص هذه المرحلة عندهم هي الانحدار في القدرات الوظيفية البدنية والعقلية، إلا أن السبب الرئيس لهذا الانحدار في القدرات هو كبر السن. فلا يكفي نقص القدرات الوظيفية البدنية والعقلية لتحديد المسن دون ذكر العمر؛ لأن النقص في القدرات أحياناً يوجد في مرحلة الشباب والكهولة أيضاً بسبب المرض.

     التعريف الراجح: هو التعريف الأول؛ لأنه متوافق مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ»(15). وأقلهم من يجوز ذلك أي: السبعين فيصل إلى المائة وما فوقها(16).

     تعريف الحقوق: جمع حق وهي «الحقوق المستمدة من مبادىء العدالة والإنصاف والمساواة أمام القانون. وقد اتسعت هذه الحقوق فأصبحت تتضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية»(17).

     حق التعليم: تتساوى المرأة والرجل في كثير من الحقوق العامة منها: حق التعليم، للمرأة حق التعليم مثل الرجل(18): عن أنس بن مالك t قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»(19). وهو يصدق على المسلمة أيضاً(20).

     مفهوم تعليم الكبار: الجهود التربوية المنظمة التي تُبذل نحو من تَعَدَّوْا سن الدراسة بالمدارس، وتنظيم برامج هذا التعليم بما يتناسب مع احتياجات هؤلاء الكبار، وينمي قدراتهم على تحصيل المعلومات والمهارات الضرورية للحياة في المجتمع(21).

     تعريف الرعاية: «الجهود التي تُبذل لتحقيق الحاجات الأساسية للفرد والمجتمع من غذاء وتعليم وصحة وتأمين الخ»(22).

     تعريف رعاية المسنين: «الخدمات الاجتماعية التي تؤدى إلى المسنين»(23).

الرعاية الدينية تجاه المسنين:

     يحفظ الإسلام للإنسان كرامته وحقوقه الدينية كما يحفظ عرضه وسمعته ومشاعره، وعواطفه وماله وحياته، ومع هذا فقد جاءت الشريعة الإسلامية لتحفظ حقوق الإنسان في دينه ونفسه، قال I: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيٰوةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوٰـهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:28]. قال سيد طنطاوي في تفسيره لهذه الآية وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها: أنها نزلت في أشراف قريش، حين طلبوا من النبى صلى الله عليه وسلم أن يجلس معهم وحده، ولا يجالسهم مع ضعفاء أصحابه كَبِلال وعمار وابن مسعود. وليفرد أولئك بمجلس على حدة، فنهاه الله I عن ذلك. وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء الضعفاء فقالI: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. وصبر النفس معناه: حبسها وتثبيتها على الشيء، يقال: صبرَت فُلانا أصْبِره صَبْراً، أي: حبسته.والغداة: أول النهار. والعشى. آخره. والمعنى: عليك أيها الرسول الكريم أن تحبس نفسك وتعودها على مجالسة أصحابك ﴿الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ أي: يعبدونه ويتقربون إليه بشتى أنواع القربات، في الصباح والمساء، ويداومون على ذلك، دون أن يريدوا شيئًا من وراء هذه العبادة، سوى رضا الله I عنهم ورحمته بهم(24).

     عَنْ سَعْدٍ t قَال:«كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سِتَّةَ نَفَرٍ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا قَالَ وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلالٌ وَرَجُلانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مَاشَاءَ اللهُ أَنْ يَقَعَ فَحَدَّثَ نَفْسَهُ»(25) فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:52]. ففي الآية الكريمة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يطرد هؤلاء الضعفاء من مجلسه. وأن هؤلاء الضعفاء من المؤمنين قد وصفهم خالقهم بأنهم يتضرعون إليه في كل أوقاتهم ولا يقصدون بعبادتهم إلا وجه الله(26). فأكرمهم صلى الله عليه وسلم في مجالس الدين والخير.

تدريس علوم الدين:

     قال الله U: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:132]. قوله U: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أي: اختار لكم دين الإسلام ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ نهى عن ترك الإسلام وأمر بالثبات عليه إلى مصادفة الموت. أي: مؤمنون مخلصون فالمعنى دوموا على إسلامكم حتى يأتيكم الموت وأنتم مسلمون؛ لأنه لا يعلم في أي وقت يأتي الموت على الإنسان. وقيل: في معنى وأنتم مسلمون أي محسنون الظن بالله عز وجل(27) يدل عليه ما روي عن جابر t قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ»(28). وعن أبي هريرة t قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي»(29). وروى ابن أبي الدنيا عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته، لكي يحسن ظنه بربه. وقد قال بعض أئمة العلم: إنه يحسن جمع أربعين حديثاً في الرجاء تقرأ على المريض فيشتد حسن ظنه بالله تعالى، فإنه I عند ظن عبده به(30). فمِن خلال تفسير قوله U: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وشرح الحديث النبوي صلى الله عليه وسلم، لابد لكل مسلم ومسلمة تعلُّم الإسلام من حيث عقيدته، وفروضه، ووجوبه، وحلاله، وحرامه، ومعرفة ربوبية الله U حتى يحسن ظنه بربه. يدل عليه ما روي عن أبي رقية تميم بن أوس الدَّاريِّ t أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدِّينُ النَّصِيحةُ، قلنا: لِمَنْ؟ قَالَ: للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ»(31).

شرح الحديث:

     «الدين»: دين الإسلام. «النصيحة»: تصفية النفس من الغش للمنصوح له. «قلنا»: معشر السامعين. «لله» بالإيمان به ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، وتنزيهه عن جميع النقائص. والرغبة في محابه بفعل طاعته، والرهبة من مساخطه بترك معصيته، والاجتهاد في رد العصاة إليه. «ولكتابه»: بالإيمان، بأنه كلامه وتنزيله، وتلاوته حق تلاوته وتعظيمه، والعمل بما فيه والدعاء إليه. «ولرسوله»: بتصديق رسالته، والإيمان بجميع ما جاء به وطاعته، وإحياء سنته بتعلمها وتعليمها، والاقتداء به في أقوله وأفعاله، ومحبته ومحبة أتباعه.

     «ولأئمة المسلمين»: الولاة بإعانتهم على ما حملوا القيام به وطاعتهم وجمع الكلمة عليهم، وأمرهم بالحق ورد القلوب النافرة إليهم، وتبليغهم حاجات المسلمين، والجهاد معهم والصلاة خلفهم، وأداء الزكاة إليهم وترك الخروج عنهم بالسيف إذا ظهر منهم حيف، والدعاء لهم بالصلاح. وأما أئمة العلم فالنصيحة لهم بث علومهم ونشر مناقبهم، وتحسين الظن بهم. «وعامتهم»: بالشفقة عليهم، وإرشادهم إلى مصالحهم، والسعي فيما يعود نفعه عليهم، وكف الأذى عنهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، و يكره لهم ما يكره لنفسه(32).

     هذا واضح في المجتمع أن كثيرًا من المسلمين ليس لديهم علم بأحكام الإسلام ومنهم الشباب وكذلك المسنُّون أيضاً، وهذا السبب الجذر لعدم قيامهم بحكم الشرع. فلذلك تدريس علم الدين أهم جوانب من رعاية المسنين. وهو معرفة أركان الإسلام تفصيلاً، يدل عليه ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلى خَمْسٍ؛ شَهادَةِ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقامِ الصَّلاةِ، وَإِيتاءِ الزَّكاةِ، وَْحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»(33). فهذه دعائم الإسلام وقواعده، لا يتم إسلام من جحد واحدةً منها(34).

حلقة تلاوة القرآن الكريم مع المسنين:

     حلقة القرآن الكريم مفيدة وضرورية لكل الفئات العمرية من الناس مثلا الأطفال، والشباب، والكهول، والمسنون. فقال السيد حسين نجيب محمد: «إن الإنسان مركَّب من جسد وعقل وروح، وأنَّ المرض هو خلل في أحد هذه الثلاثة وأنَّ الصحة هي الانسجام فيما بينها»(35). أكّد الطب الحديث خطورة الأمراض النفسية على صحة الإنسان، فالقلق والكآبة والحزن والغضب والاضطرابات النفسية لها آثار سيئة على أنسجة أعضاء الجسم وصحته(36). وإن بعض أسباب المرض النفسى متعلقة خاصةً بالمسنين بالتقدم في العمر يحمل في طياته بعض الأحداث والتغيرات التي قد تكون سلبية. مع كبر السن أيضا يبدأ الأنسان في فقدان أصدقاء والأقارب بالموت وخاصة هؤلاء الذين هم في سن مقارب له والذين كان يلعب معهم في الصبى والشباب(37).

     ولقد أدرك عالم النفس الأمريكى وليم جيمس William James أهمية الإيمان للإنسان لتحقيق التوازن النفسي ومقاومة القلق، أما عالم النفس الأشهر كارل يونج Carl Jung فقد قال: «لم أجد مريضاً واحداً من مرضاي الذين كانوا في المنتصف الثانى من العمر، من لم تكن مشكلته الأساسية هى افتقاره إلى وجهة نظر دينية في الحياة»(38).

     فلذلك يهتم علماء النفس بعامل علاج النفسي هو تلاوة القرآن الكريم، من هولاء: الدكتور زهير أحمد السباعي أستاذ الطبّ الأسرة والمجتمع(39)، والدكتور شيخ إدريس عبد الرحيم أستاذ الطبّ النفسي(40)، والدكتور رامز طه، استشاري الطب النفسي(41).

     لأن القرآن الكريم كلام اللّه المعجزفيه الهدى والنور يزيد به الإيمان بالله ورسوله وملائكته وكتبه والبعث بعد الموت. فإحياء القلوب بتلاوته. ويظهر حسن الخلقَ مَن الذي يقوم بأوامره ويحفظ نفسه مِن نواهيه؛ مثل الماء الذي يحيي الأرض بعد موتها ويخرج منها نبات كل شيء. فتلاوة القرآن الكريم تبعث في النفس السكينةَ والهدوءَ. وهذا عمر بن الخطاب t أسلم بعد أن سمع آيات من القرآن تتلى عليه، وهذا مثال حي على أن القرآن علاج لكل مرض خاصةً علاج ما في الصُّدور كقوله I: ﴿يَآ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس:57]. وقوله I: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]. قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:82]. كذلك القرآن دعا إلى الهدى والرشاد قوله U: ﴿طٰسٓ تِلْكَ اٰيٰتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُّبِينٍ هُدىً وَّبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[النمل:1-2]، فسر صاحب تفسير المنير(42) ﴿هُدىً﴾ أي: إن القرآن هاد للناس من الضلالة، ومبشر المؤمنين الطائعين بالجنة وبرحمة اللّه تعالى. ومعنى كون القرآن هدىً للمؤمنين: أنه يزيدهم هدى على هداهم، كما قال U: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً، وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:124]، وأنه يهديهم إلى الجنة، كما قال U: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:175]. قوله U: ﴿إِنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ اٰيٰتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:2] وقوله U: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَّثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر:23]. المراد بذكر الله دلائله سبحانه الدالة على وحدانيته عز و جل والاطمئنان عن قلق الشك والتردد(43).

ما جاء به السنة النبوية:

عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْـمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ»(44). وعن أبي أمامة t قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ»(45). وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْـمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ»(46). وفي الرواية الأخرى وهو يشتد عليه له أجران. السفرة جمع سافر ككاتب وكتبة والسافر الرسول والسفرة الرسل؛ لأنهم يسفرون إلى الناس برسالات الله وقيل: السفرة الكتبة والبررة المطيعون من البر وهو الطاعة، والماهر الحاذق الكامل الحفظ الذي لا يتوقف ولا يشق عليه القراءة بجودة حفظه وإتقانه قال القاضي: يحتمل أن يكون معنى كونه مع الملائكة أن له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقا للملائكة السفرة لاتصافه بصفتهم من حمل كتاب الله تعالى قال: ويحتمل أن يراد أنه عامل بعملهم(47).

     فمع تدريس علم الدين وتعليم قراءة القرآن الكريم أيضاً ضرورة مجاملتهم بلطيف الكلام والمؤانسة، والإكثار من الدعاء لهم بطول العمر والصحة والقوة؛ لأن في ذلك تطييبًا لخواطرهم وإراحتهم نفسيًا واجتماعيًا(48). ومن ثم، مواصلة تعريفهم بالأحكام الدينية التي يحتاجها في عبادتهم ومعاملاتهم وأحوالهم، وتقوية صلتهم بربه وحسن ظنهم بعفو ربهم ومغفرتهم(49).

*  *  *

الهوامش:

(1)        الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي أبو جعفر، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر (د.م: مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ/2000م)، ج20، ص118. انظر: عددمن أساتذة التفسير تحت إشراف الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، التفسير الميسر (د.ن، د.ط، د.ت)، ج1، ص237.

(2)        طنطاوي، محمد سيد، التفسير الوسيط (القاهرة: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1997م)، ج1، ص3352.

(3)        الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج17، ص251. وانظر: طنطاوي، التفسيرالوسيط، ج1، ص2544.

(4)        القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي، تفسير القرطبي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1413?/1993م)، ج10، ص241. وانظر: الموسوعة الفقهية الكويتية(الكويت: دار السلاسل، ط2، 1427?)، ج6، ص257 (ويعتبر الأجداد آباء، والجدات أمهات).

(5)        انظر: مجلة مجمع الفقه الاسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي بجدة، محمدعبداللطيفصالحالفرفور،حقوق الشيوخ والمسنين وواجباتهم،ج12، ص1810.

(6)        ابن منظور، محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، لسان العرب (بيروت: دار صادر، ط1، د.ت)، باب دردح، ج13، ص222.

(7)        إبراهيم مصطفى، المعجم الوسيط، تحقيق: مجمع اللغة العربية (د.م، د.ط، د.ت)، ج2، ص888.

(8)        ابن منظور، لسان العرب، ج3، ص31.

(9)        انظر: عبد الله بن ناصر بن عبد الله السدحانرعاية المسنين في الاسلام، (د.م، د.ن، د.ط، د.ت)، ص 4.

              انظر: مجلة مجمع الفقه الاسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي بجدة، باب حقوق الشيوخ والمسنين وواجباتهم، ج12، ص1811.

(10)     السدحان، رعاية المسنين في الاسلام، ص4.

(11)     انظر: مجلة مجمع الفقه الاسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي بجدة، باب حقوق الشيوخ والمسنين وواجباتهم، ج12، ص1811. عبد الله بن ناصر بن عبد الله السدحان السدحان، العقوق: (تخلِّي الأبناء عن الوالدين) دراسة اجتماعية على المسنِّين المقيمين بدور الرعاية الاجتماعية في المملكة العربية السعودية، (د.م، د.ن، د.ط، د.ت)، ص5.

(12)     السدحان، رعاية المسنين في الاسلام، ص 4. انظر: مجلة مجمع الفقه الاسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي بجدة، باب حقوق الشيوخ والمسنين وواجباتهم، ج12، ص1811.

(13)     أحمد زكى بدوى، معجم مصطلحات الرِّعاية والتنمية الاجتماعية (القاهرة: دار الكناب المصرى، ط1، 1407هـ/1987مـ)، ص17.

(14)     السدحان، العقوق: (تخلِّي الأبناء عن الوالدين) دراسة اجتماعية على المسنِّين المقيمين بدور الرعاية الاجتماعية في المملكة العربية السعودية، ص 5. انظر: مجلة مجمع الفقه الاسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي بجدة، باب حقوق الشيوخ والمسنين وواجباتهم، ج12، ص1811.

(15)     القزويني، محمد بن يزيد أبو عبد الله، سنن ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي (بيروت: دار الفكر، د.ط، د.ت)، ج2، ص1415، رقم الحديث: 4236. قال الشيخ الألباني: صحيح

(16)     الملا على القاري،  مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (د.م، د.ن، د.ط، د.ت)، ج15، ص185.

(17)     بدوى، معجم مصطلحات الرِّعاية والتنمية الاجتماعية، ص131.

(18)     الموسوعة الفقهية الكويتية، باب حق التعليم، ج7، ص76.

(19)     ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجه، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم (د.م، د.ن، د.ط، د.ت)، ج1، ص260، رقم: 220.

(20)     الموسوعة الفقهية الكويتية، باب حق التعليم، ج7، ص76.

(21)     بدوى، معجم مصطلحات الرِّعاية والتنمية الاجتماعية، ص26.

(22)     المرجع السابق، ص274.

(23)     المرجع السابق، ص274.

(24)     طنطاوي، التفسير الوسيط، ج1، ص2710.

(25)     أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، صحيح مسلم، باب فضل سعد بن أبي وقص (، ج12، ص144، رقم الحديث: 4434.

(26)     طنطاوي، التفسير والوسيط، ج1، ص1463.

(27)     جلال الدين محمد بن أحمد المحلي، و جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تفسير الجلالين (د.م، د.ن، د.ط، د.ت)، ج1، ص140. أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي الخازن ، لباب التأويل في معاني التنزيل، (د.م، د.ط، د.ت)، ج1، ص103.

(28)     أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، مسند أحمد، باب مسند جابر ابن عبد الله رضى الله تعالى، ج29، ص6، رقم الحديث: 13957.

(29)     أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، الجامع الصحيح المختصر، باب قول الله ( ويحذركم الله نفسه، ج6، ص2694، رقم الحديث: 6970.

(30)     محمد بن إسماعيل الأمير الكحلاني الصنعاني، سبل السلام (د.م: مكتبة مصطفى البابي الحلبي، ط4، 1379هـ/ 1960م)، ج2، ص90.

(31)     أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، الجامع الصحيح المسمى صحيح مسلم، باب بيان أن الدين النصيحة، ج1، ص53، رقم الحديث:205.

(32)     إسماعيل بن محمد الأنصاري، التحفة الربانية في شرح الأربعين حديثا النووية ومعها شرح الأحاديث التي زادها ابن رجب الحنبلي، (د.م، د.ن، د.ط، د.ت)، ج8، ص1.

(33)     أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، الجامع الصحيح المختصر، باب بني الإسلام على خمس، ج1، ص11، رقم الحديث:7.

(34)     ابن بطال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك، شرح البخاري، (د.م، د.ن، د.ط، د.ت)، ج5، ص436.

(35)     انظر:السيد حسين نجيب محمد، النظام الصحي بين الطب الإسلامي والطب الطبيعي. ص569.

(36)     حمد حسن رقيط، الرعاية الصحيّة والرياضيّة في الإسلام، ص118.

(37)     انظر موقع:الأمراض النفسية لكبار السن.

 http://www.drsafan.com/Article,4,79.html .Accessed: 12/July/2012.

(38)     انظر موقع: العلاج النفسي الذاتي بالقرآن، د. رامز طه.

http://www.rameztaha.net/al%203elag%20al%20nafsy%20bel%20koraan.htm. Accessed: 10/July/201

(39)     انظر: زهير أحمد السباعي، وشيخ ادريس عبد الرحيم، القلق وكيف تتخلص منه بحث يوضح علاج القلق بالقرآن الكريم، وبالعلاج النفسي والتفكير الإيجابي، دار القلم- دمشق،  والدار السامية-بيروت (ط1، 1412هـ/1991مـ)، ص86-94. وانظر: د. عبد الرحمن العيسوى، الإسلام والعلاج النفسيُّ (الاسكندرية: دار الفكر الجامعى، د.ط، 1986مـ). وانظر: د. إدريس عبد السلام شاهري الوزاني  استشاري الطب النفسي،تقديم أ.د مالك بدري، أستاذ علم النفس وكبير المستشارين بالعيادة النفسية، قسم علم النفس وعلم النفس التطبيقي، بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، العلاج النفسيُّ وخطورة المنطلوق الأبعاد النفسية لعلم السلوك الإسلامي (دار ابن حزم، ط1، 1429هـ/2008مـ).

(40)     انظر: زهير أحمد السباعي، وشيخ ادريس عبد الرحيم، القلق وكيف تتخلص منه بحث يوضح علاج القلق بالقرآن الكريم، وبالعلاج النفسي والتفكير الإيجابي (دمشق: دار القلم، بيروت: والدار السامية، ط1، 1412هـ/1991مـ)، ص86-94.

(41)     انظر موقع: العلاج النفسي الذاتي بالقرآن، د. رامز طه.

http://www.rameztaha.net/al%203elag%20al%20nafsy%20bel%20koraan.htm. Accessed:

10/July/2012.

(42)     الزحيلي، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، ج19، ص257.

(43)     محمود الألوسي أبو الفضل، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ط، د.ت)، ج13، ص149.

(44)     أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، صحيح مسلم، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، ج4، ص2074، رقم: 2699.

(45)     أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، صحيح مسلم، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، ج4، ص 231، رقم: 1337.

(46)     المرجع السابق،باب فضل الماهر في القرآن والذي يتتعتع فيه، ج4، ص219، رقم: 1329.

(47)     النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (بيروت:دار إحياء التراث العربي، ط2، 1392هـ)، باب فضيلة حاقظ القرآن، ج6، ص84.

(48)     مجلة مجمع الفقه الاسلامي، باب حقوق الأطفال والمسنين، ج12، ص1800.

(49)     المرجع السابق، ج12، ص1976.

 

ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، رمضان – شوال 1435 هـ = يونيو – أغسطس 2014م ، العدد : 9-10 ، السنة : 38

 

دراسات إسلامية

 

الصحوة الإسلامية في الأندلس اليوم جذورها ومسارها

(الحلقة 3/7)

بقلم:  د. علي المنتصر الكتاني

 

 

محاولات تنظيمية خارج منطقة الأندلس

     تعد «الجماعة الإسلامية في أسبانيا» بشارع أخنيو كاشس بمجريط، أقدم جمعية إسلامية أسبانية خارج الأندلس. وقد سجلت في وزارة العدل في 17/12/1979م من طرف البارو ما تشوردوم كوتر (أمين عام)، وخابير نيكولاس كوبيوس نييطو، وطوماس باريو غبريال (الرئيس)، وكلهم من سكان مجريط. وبعد أحمد عبد الله ما تشوردوم كومينز، أمينها العام، مؤسسها الأساس، وهو كاتب وصحافي أصله من بلنسية، كتب عددًا من المقالات في الجرائد الأسبانية يدافع فيها عن الإسلام وقضاياه، كما كتب كتابا حول سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وله علاقة وثيقة بوزارة الخارجية الأسبانية كمستشار في الشؤون الإسلامية، كما له علاقات طيبة مع السفارات العربية بمجريط.

     ويجدد نظام هذه الجمعية الأساس أن هدفها هو: «نشر الإسلام كما جاء في القرآن والسنة، بين جميع مسلمي أسبانيا، والتعريف به لدى جميع الأشخاص الذين يودون الحصول على معلومات عنه؛ وتأسيس فروع «الجماعة الإسلامية في أسبانيا» في كل مناطق المساحة الوطنية؛ وتشجيع تعليم اللغة العربية، لغة القرآن ولغة 21 دولة تربطنا معها علاقات قوية من الصداقة التاريخية؛ وربط العلاقات الأخوية في جميع المجالات بين الشعوب الإسلامية والشعب الآسبانين؛ وإعانة جميع المسلمين الأسبان على بناء شخصية إسلامية حقيقية باتباع أركان الإسلام وقراءة القرآن وفهمه والاقتناع بتعاليمه، الخ...»

     وفي 26-28/12/1989م، أقامت الجمعية أول مؤتمر للمسلمين الأسبان بفندق براغا بمجريط. ويحتوي مركز الجمعية بمجريط على مسجد ومكاتب، ولها به نشاط محدود.

     وفي سنة 1980م، توصلت الجمعية إلى اتفاق مع بلدية قرطبة حول مسجد «المرابطون» الذي بناه فرانكو بقرطبة في ساحة حديقة «المرسد» بقرطبة للجنود المغربة. وقد سلمت البلدية المسجد لهذه الجمعية تحت الشروط التالية: (1) يستعمل البناء للعبادات الإسلامية فقط؛ (2) تكون كل أعمال الترميم أو التغيير على حساب الجمعية بموافقة البلدية المسبقة؛ (3) يدوم استعمال المركز لخمس سنوات؛ (4) على الجمعية الحفاظ على المسجد بحالة جيدة؛ (5) يرجع البناء وكل الاصلاحات التي أُجريت عليه للبلدية بعد فترة الخمس سنوات دون تعويض للجمعية.. وبعد انتهاء المدة، استرجعت البلدية البناء وسلمته في شهر مارس سنة 1986م إلى سفير المملكة العربية السعودية بمجريط(1) الذي سلمه بدوره إلى جمعية «المركز الإسلامي في أسبانيا»، بهذا أصبح المسجد الصغير فرعًا لتلك الجمعية في قرطبة.

     لـ«الجماعة الإسلامية في أسبانيا» حوالي مئة عضو في أسبانيا كلها، ويقول مسؤولوها: إن لهم أتباعًا في المرية وبلنسية وبرشلونة. وللجمعية فرع في مدينة سبتة يرأسه أحمد الزبير، رئيس الجماعة الحالي. وبصفة عامة، فتأثير هذه الجماعة محدود اليوم على مركزها في مجريط وبنشاط رئيسها بسبتة وأمينها العام بمجريط بالكتابة والنشر والدفاع عن الإسلام في الصحابة. وليس لهذه الجماعة تأثير في منطقة الأندلس، خاصة بعد إعادتها لـ«المرابطو» إلى بلدية قرطبة.

     وفي 23/7/1983م تأسست «جماعة بلنسية الإسلامية» من طرف عبد الرحمن عباد أبالوس (رئيس)، وفرنسسكو مرين رودريخز (أمين عام)، ويوسف عباد أبالوس (أمين الصندوق). وحدد نظام الجمعية أهدافها بالدعوة إلى الإسلام حسب القرآن الكريم وسنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وفي شهر فبراير سنة 1984م فتحت الجمعية مركزًا لها في شقة كبيرة، بشارع سان مارتين ببلنسية(2).

     وكان عبد الرحمن عباد أبالوس، مؤسس الجمعية، صحافيا يعمل في برشلونه ثم سكن مالقة، مسقط رأسه. وقد عمل في الجيش الأسباني بتطوان في الحقبة 1953-1954م وتعرف لأول مرة هناك على المجتمع الإسلامي. وبعد عودته من تطوان أخذ يقرأ عن الإسلام، فاعتنقه سرًا سنة 1959م بعد اقتناع، ولم يشهره إلا سنة 1977م، وأسلم بإسلامه جميع أهله. وفي سنة 1978م، زار القاهرة حيث التقى بعدد من المفكرين المسلمين. ثم رجع إلى مالقة حيث عمل صحفيا بجريدة «سور» (الجنوب). وانضم عبد الرحمن عباد إلى «جمعية عودة الإسلام إلى أسبانيا» ثم انفصل عنها وأسس الجمعية المذكورة.

     وظلت هذه الجمعية ذات نشاط محدود لصعوبات مالية عانتها منذ البداية، فلم يزد عدد أفرادها على العشرة. وأساء السيرة الإمام المغربي الذي أتت به الجمعية لتعليم أفرادها أمور دينهم. ثم غيرت الجمعية مقرها إلى مكان آخر، ومنذ سنة 1989م ظلت بدون مقر.

     تأسس كذلك بمجريط سنة 1982م «المعهد الغربي الإسلامي للثقافة» كمؤسسة ثقافية برئاسة الدكتور المغربي عبد الرحمن جاء الشريف. ينتمي لهذا المعهد عدد من المفكرين الأسبان المسلمين، وله مركز ثقافي بشارع فرانسسكو رتي. ويقوم المعهد بمجهود مشكور في التعريف بالحضارة الإسلامية خارج منطقة الأندلس بأسبانيا. ومن أهم نشاطاته تحضيره لمؤتمرين ثقافيين مهمين، أحدهما سنة 1987م بطليطلة (عاصمة قشتالة مانشا) تحت اسم «الأندلس الإسلامية، تاريخ ثمانية قرون»، والثاني في 22-25/9/1988م بطرويل بأراغون تحت اسم «أراغون تستعيد تاريخها». ركز المؤتمر الأول على دراسة الإسلام في قشتالة، والثاني على دراسته في أراغون. وينوي المعهد إنجاز دراسات وبحوث حول الثقافة الإسلامية في أسبانيا في مجالات التاريخ والفنون الإسلامية، وربطها بالواقع الأسباني المعاصر، ونشر نتائجها وتوزيعها.

     ويلخص رئيس المعهد فلسفته بما يلي: «إن العلاقة القائمة بين اهتمامنا الثقافي والواقع الأسباني تتحدد من خلال الوعي بأسس الحضارة الإسلامية في هذا البلد ونشر حقائق الإسلام في الأوساط الأسبانية، لأن الثقافة الإسلامية تمثل ثقافة الشعب الأسباني كذلك رغم أن الظروف التاريخية التي مر بها تجعله يجهل هذه الثقافة»(3).

     أما الجمعية الإسلامية الموجودة في مرسية فهي تابعة «للجماعة الإسلامية في الأندلس» التي تعد منطقة مرسية تابعة للأندلس الطبيعية، رغم أنها ليست تابعة لمنطقة الأندلس ذات الحكم الذاتي؛ بل هي تكون منطقة ذات حكم ذاتي قائمة بنفسها. وسندرس نشاط هذه الجماعة مع «الجماعة الإسلامية في الأندلس» في الفصل القادم.

     ويستحسن أن نعطي الآن موجزًا عن الوجود الإسلامي المعاصر في البرتغال، حيث إنها كانت قسمًا من بلاد الأندلس. كما أن التأثير الإسلامي لا زال واضحًا في المنطقة الواقعة جنوب الأشبونة، في مقاطعات شنتمرية الغرب (فارو اليوم) وباجة، ويابورة.

     يوجد بالبرتغال حوالي عشرون ألف مسلم (سنة 1990م)، هاجر إليها معظمهم من المستعمرات البرتغالية التي حصلت على استقلالها بعد سنة 1974م. ولمعظمهم الجنسية البرتغالية، ولهم بذلك كامل حقوق المواطنة. ويمكن تصنيف مسلمي البرتغال إلى خمس فئات: (1) الأفارقة المتأصلون من موزبيق؛ (2) الآسيويون المتأصلون من شبه الجزيرة الهندية والقادمون من غوا ومكاو وتيمور؛ (3) الأفارقة المتأصلون من غينيا بيساو؛ (4) العرب، خاصة المغاربة والجزائريون والمصريون؛ (5) والبرتغاليون الراجعون إلى الإسلام حديثًا.

     تأسست سنة 1968م «جماعة الأشبونة الإسلامية»، أول جمعية إسلامية في البرتغال، وسجلت رسميًا في 28/3/1969م. ونعتت الجمعية نفسَها أنها دينية ثقافية غير سياسية. وحددت أهدافها في بناء جماعة إسلامية برتغالية متكاملة، وتأسيس أول مسجد في البلاد، والدفاع عن الإسلام ونشر تعاليمه باللغة البرتغالية، ونشر تعليم اللغة العربية والمبادئ الإسلامية في البرتغال. ومؤسس الجمعية ورئيسها إلى اليوم هو الدكتور سليمان ولي محمدي، وهو من أصل موزمبيقي، ذو نشاط كبير، وهو مؤسس جمعية الصداقة العربية البرتغالية كذلك. أما أعضاء مجلس الإدارة الآخرون فهم: الدكتور إدريس محمد وكيل (أمين سر)، وعبد الستار داؤد جمال (أمين الصندوق)، وفاروق علي جادت، ومحمد حسين موسى.

     وفي يوليو سنة 1978م، نشرت الجمعية، لأول مرة، ترجمة لمعاني القرآن الكريم باللغة البرتغالية في مجلدين، ونشرت طبعة ثانية للترجمة في سبتمبر سنة 1979م. ومنذ سنة 1980م، أخذت تنشر مجلة إسلامية باللغة البرتغالية اسمها «الإسلام». وقامت الجمعية بنشر سلسلة من الكتب الإسلامية باللغة البرتغالية منها: «من أجل فهم الإسلام»، و«السلام تحت الضوء»، و«القرآن المعجزة الأخيرة» لأحمد ديدات، و«مصدر القانون الإسلامي»، و«محمد والإسلام»، و«الإسلام والقانون»، و«الإسلام في البرتغال اليوم»، و«فلسطين مأساة العصر»، و«الفكر الإسلامي»، و«القرآن والثقافة البرتغالية»، و«الإسلام في العالم»، و«الزواج في الإسلام»، و«النهضة في العالم الإسلامي»، و«علاقات البرتغال بالعالم العربي»، الخ... معظمها من تأليف الدكتور سليمان ولي محمدي، رئيس الجمعية.

     وفي 22/6/1979م، حصلت الجمعية من الحكومة البرتغالية على مسجد مؤقت. وهو عبارة عن قصر قديم في وسط مدينة الأشبونة. وعملت الجمعية بالتعاون مع السفارات الإسلامية في البرتغال على تأسيس مركز إسلامي في أرض بالقرب من ساحة أسبانيا، بتكاليف قدرت بحوالي أربعة ملايين دولار أمريكي، وتأسس من أجل إنجازه مجلس للسفراء المسلمين المقيمين في الأشبونة. ولم ينته بعد بناء المركز(4).

     للجمعية هيئة إدارية، وجمعية عمومية، وهيئة المراقبة، كما تتبعها لجان مختلفة لتدبير شؤون المسجد المؤقت، والشؤون الاجتماعية، والرياضة، والمقبرة الإسلامية. وللجمعية إمامان، أحدهما مبعوث من رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية، والثاني من الهند. وتقوم الجمعية على إحياء الشعائر الإسلامية من صلاة الأوقات الخمس والجُمَعِ والأعياد والاحتفال بالمناسبات الإسلامية.

     وفي 27/1/1984م، تأسست «جماعة جنوب التاجه الإسلامية»، كما تأسست جمعيات إسلامية أخرى في ضواحي الأشبونة: كأوديبلاش، وبوابوا، وشنت أندريان، وشنت أنطونيو دوش كبليروش، وكلينا دو سول، وبوتيلا دو سكييم، وفورت دي كاسا أي بيالونغا، وكذلك في الجنوب، خاصة مدينة يابورة. كما يوجد مسجد ثاني مؤقت في بلدة المادا المجاورة للأشبونة في منطقة لانجيرو قرب طريرو (مقاطعة ستوبال). ويوجد مسجد ثالث في كلينا دو سول، ومسجد رابع في أديبلاش في بناء قدمته عائلة مسلمة للجماعة الإسلامية.

     وفي سنة 1988م، تكونت في بلدة لورش، شمال الأشبونة، جمعية إسلامية، قدمت لها بلدية لورش أرضاً لبناء مسجد، في منطقة شنت أنطونيو دوش كباليروش. وتنشر الجمعية مجلةً مستقلةً اسمها «الفرقان» يُديرها محمد يوسف آدمجي. وينتمي إلى هذه الجمعية عدد من المسلمين من أصل آسيوي وكذلك بعض الراجعين إلى الإسلام من البرتغاليين، من بينهم الدكتور محمد لويس مادوريرا، وهو أستاذ رياضيات اعتنق الإسلام سنة 1983م.

     تنتمي كل الجمعيات البرتغالية التي ذكرناها إلى المذهب السني، ومعظم مؤسسيها من الوافدين. وتوجد مجموعة من الإسماعيليين من أصول هندية. ومن جهة أخرى أسس مركز الدراسات العربية في جامعة يابورة.

     يظهر أن التنظيم الإسلامي في البرتغال، رغم أنه ابتدأ قبل أسبانيا، ظل متأخرًا عليه، إذ لا زالت معظم التجمعات في يد الوافدين بينما بقي البرتغاليون الراجعون إلى الإسلام أفرادًا في الجمعيات الإسلامية القائمة. غير أن هناك إرادة، خاصة في الجنوب، لتأسيس جمعيات إسلامية بين الراجعين إلى الإسلام شبيهة بالتي أسست في الأندلس.

     أما جبل طارق فحوالي عشرة في المئة من سكانه الثلاثين ألف، مغاربة مسلمون، غير أنهم ليسوا مواظنين لجبل طارق، وبالتالي ليست لهم الحقوق الكاملة في المستعمرة، وأهمها حق الإقامة. فمعظمهم رجال دون عائلاتهم، كما أنهم يمتهنون أدنى المهن. ولهم مسجد في مقر سكانهم الذي هو قشلة قديمة بوسط البلدة، وهو عبارة عن مخزن كبير رتب كمسجد تديره جماعة التبليغ.

     ويظهر أن الوجود الإسلامي في جبل طارق قديم، إذ ذكر مولانا الجد سيدي محمد الزمزي الكتاني في مذكراته عند زيارته لجبل طارق سنة 1934م ما يلي: «وبهذا البلد اليوم من المسلمين جماعة قليلة، أجلهم الشرفاء مولاي أحمد ومولاي الهادي أولاد ابن عجيبة الذين يتجرون هناك في مصنوعات المغرب الوطنية، والذين كنا في ضيافتهم، ثم الشريف سيدي عبد السلام بن علال العمراني، ونحو العشرين آخرين من تطوان وطنجة وغيرهما، يبيعون البيض والخضر. وبها محل بدار القنصلية المغربية سابقًا، يدعى مسجدًا، وهو عبارة عن بيت صغير أمامه ميضة وبئر ومحل للوضوء، بقي بهذا الخال على ما كان عليه أيام المخزن والاستقلال المغربي، وأمامه أيضا غرفة قد جلس بها اليوم فقيه يعلم ولد العمراني السابق الذكر القرآن».

     ولا يظهر أن المسلمين تنظموا في جبل طارق حديثًا رغم وجود المصلى المذكور، ولا أن عددًا من مواطني جبل طارق حديثًا رغم وجود المصلى المذكور، ولا أن عددًا من مواطني جبل طارق عادوا إلى الإسلام.

الأيام الأولى في إشبيلية

     انبثقت «الجماعة الإسلامية في الأندلس» عن تجربة أندلسية بحتة، وتكونت كنتيجة طبيعية للحركة القومية الأندلسية ذات أصالة في أرض الأندلس، وترى في بلاس انفانتي مؤسسها الأول، ووالدها الروحي. وتعتقد «الجماعة» أن القوميين الأندلسيين المعاصرين المدعين اتباع أنفانتي، لم يطبقوا إلا بعض أفكاره السياسية، وتجاهلوا أفكاره حول الهوية الأندلسية، وضرورة استعادتها بتعريف أهل الأندلس بتاريخهم الإسلامي، وبالعقيدة الإسلامية، وتعليمهم اللغة العربية، وفتح مجال الرجوع إلى الإسلام لمن يريد ذلك.

     مر مؤسسو «الجماعة» بثلاث مراحل: ابتدأوا حياتهم العامة في الأحزاب اليسارية، ثم تحولوا إلى الأحزاب القومية الأندلسية، ومنها إلى الإسلام. وانحدر معظمهم من عائلات مثقفة، كان لها نشاط في الحركات اليسارية والأناركية والقومية. وولد معظمهم بعد سنة 1950م أو 1960م. وبعد سنة 1965م، انضم عدد منهم إلى «اتحاد الشبيبة الشيوعية»، أو «لجان الشبيبة العمالية»، أو «الحزب الشيوعي الأسباني». وكانت الأحزاب اليسارية آنذاك، خاصة الحزب الشيوعي، تستقطب الشبيبة الأندلسية، المتأثرة بانتفاضة مايو عام 1968م للحركة الطلابية الفرنسية، والتي كانت تؤمن بقدرتها على مجابهة حكم فرانكو الدكتاتوري.

     وعندما تحررت الساحة السياسية الأسبانية، بعد وفاة فرانكو سنة 1975م، أخذ بعض الشباب الأندلسي، المنخرط في الحزب الشيوعي، يشعر بخيبة الأمل فيه، ويرونه كالأحزاب الأخرى في تنظيمه الهرمي، ودكتاتوريته الداخلية، كما اكتشفوا عدم وجود برنامج خاص بالأندلس له، ولا أي شعور بالهوية الأندلسية المميزة. فانضم بعض هؤلاء الشباب إلى أحزاب أكثر يسارية، كـ«شباب الحراس الحمر لأسبانيا» و«حزب العمل الأسباني»، وأسس بعضهم الآخر حركة ثقافية لاسترجاع الثقافة الأندلسية.

     وفي سنة 1976، تحولت الحركة الثقافية إلى حركة سياسية، تحت اسم «حزب الأندلس الاشتراكي الموحد». ولم يعش هذا الحزب طويلاً، فانحل واجتمعت بعض عناصره بعناصر منشقة من «الحزب الأندلسي» في مالقة، وغرناطة، وإشبيلية، وأسسوا جميعًا، في نفس السنة، «جبهة تحرير الأندلس»، كحزب ذي اتجاه قومي صريح، يطالب باستقلال الأندلس، والعودة إلى أصالتها.

     وفي سنة 1977م، توسع هذا التجمع في اجتماع عام، ضم جماعات منفصلة عن «اتحاد الشبيبة الشيوعية في الأندلس»، و«شباب الحراس الحمر لأسبانيا»، و«الحزب العمالي للتوحيد الماركسي»، و«الكنفدرالية القومية للعمل» ذات الاتجاه الأناركي، فتحولت «جبهة تحرير الأندلس» بدخول العناصر المذكورة إلى «الجبهة الأندلسية للتحرير» برئاسة أنطونيو مدينة مليرة، وأصبحت أهم منظمة شبابية أندلسية. وقد أضطهدت حكومة سوارز هذه الجبهة، وتابعت أفرادها، خاصة رئيسها. وواجهت الجبهة صعوبات مادية جمة، أدت بعد مدة وجيزة إلى انقسامها إلى ثلاثة فصائل:

     1- القوميّون الأندلسيون، الذين يطالبون بتعريب الأندلس لغويًا، واسترجاع الهوية الأندلسية على أساس عقيدة التوحيد.

     2- البيئيون ذووالصلة الوثيقة بالحركات الأوروبية البيئية (الخضر) والحركات التي تسمى بالجديدة.

     3- مجموعة صغيرة من التابعين للحركات العمالية التقليدية في تنظيمها وبرامجها وطريقة نضالها.

     وفي سنة 1978م، أدت هذه الانشقاقات إلى حل «الجبهة الأندلسية للتحرير»، كما انحل «حزب العمل الأسباني»، فتوحدت عناصر من الحزبين المنحلين في تنظيم جديد: «حزب التحرير الأندلسي». وكان داخل الحزب الجديد اتجاهان سياسيان، أحدهما قومي أندلسي، والثاني شيوعي. وأصبح القوميون يستعملون داخل الحزب الشعارات الإسلامية، ورسموها مرة على إحدى كنائس إشبيلية، فعارض ذلك شيوعيو الحزب، مما أدى إلى انشقاق الحزب وحله سنة 1980م. فكوّن القوميون «مجموعة الأزهر» بهدف العمل على إعادة بناء أندلس مستقلة، عن طريق البحث عن الهوية الضائعة، دون العمل السياسي، وركزوا على دراسة كتابات «بلاس أنفانتي» و«اقناسيو ايلاكوي» وغيرهما.

     وفي شهر غشت عام 1981م أشهر أنطونيو مدينة مليرة إسلامه في مركز «جماعة إشبيلية الإسلامية» وانضم بذلك إليها، وسمى نفسه عبد الرحمن. وصل عبد الرحمن مدينة مليزة إلى الإسلام، بعد نضال طويل، واقتناع كامل بمبادئه. فقد ولد في 5/8/1952م بمدينة غافق (مقاطعة قرطبة)، من رفائيل مدينة مسة، أحد تجار غافق الميسورين، ومارية مليرة قومس. وتعتز عائلتا أمه ووالده بجذورهما المورسكية، كما كان لها نشاط في الحركات الأناركية. وقد نشأ عبد الرحمن نشأة علم ودراسة، وتخرج من أفضل الجامعات في التاريخ الأندلسي، ومقارنة الأديان.

     وفي سنة 1965م، ابتدأ عبد الرحمن مدينة حياته العامة، ولا يزيد عمره عن 13 سنة، كعضو في «لجان الشبيبة العمالية»، و«اتحاد الشبيبة الشيوعي»، و«الحزب الشيوعي»، وسجن وعذب أيام فرانكو. وفي سنة 1975م، كان مدينة رئيس الجماعة التي تركت «الحزب الشيوعي»، لتكوين «حزب الأندلس الاشتراكي الموحد»، ثم «جبهة تحرير الأندلس»، ثم «الجبهة الأندلسية لتحرير». وفي سنة 1978م، ترأس «حزب التحرير الأندلسي». ثم ابتعد مدينة عن السياسة، وأسس شركة نشر سماها «مكتبة المنشورات الأندلسية» حيث نشر كتابيه «تاريخ الأندلس العام» في ست مجلدات، و«المعجم الأندلسي». وبعد محاولة جديدة لإحياء «جبهة تحرير الأندلس» سنة 1979م، توصل مدينة إلى الاقتناع بالإسلام كدين متكامل، لتحرير الإنسان من الظلم والعدوان، وفي غشت سنة 1981م، قرر إشهار إسلامه والانضمام إلى «جماعة إشبيلية الإسلامية»، واختار اسم عبد الرحمن تيمنا باسم عبد الرحمن الغافقي.

     كان قرار عبد الرحمن مدينة باعتناق الإسلام قرارًا فرديًا، ولم يكن يفكر أول الأمر في دعوة أصدقائه للإسلام. وبعد شهور، أخذ زملاؤه في الحركة القومية الأندلسية يسألونه عن سبب تغيره. وفي 17/1/ 1982م، قرر اثنان آخران من زملائه اعتناق الإسلام، هما محمد المعتمد سانشس كستيانوس (كان اسمه الفونسو)، وابو ياسر رينا أندرادي (كان اسمه سالبطور)، وذلك بمركز «جماعة إشبيلية الإسلامية» على يد عبد الحق اسبينوزا، وعبد الهادي سانز كيمنو. ولد محمد المعتمد في 10/5/1961م في إشبيلية من المهندس فرانسسكو سانشس دلفيون وروزارو كستيانوس كوركويرة. وفي سنة 1975م، ابتدأ نشاطه السياسي في «شباب الحراس الحمر لأسبانيا»، و«حزب العمل الأسباني». وانضم سنة 1972م إلى «حزب التحرير الأندلسي». وفي سنة 1980م، كان ممن أسسوا مجموعة «الأزهر». وولد أبو ياسر بإشبيلية في 11/4/ 1962م من سلبطور رينا كالدرون، وهو مدير صناعي أصله من بلدة مورور، وروزاريو أندرادي غانولفو، أصلها من رندة. وفي سنة 1979م، ابتدأ حياته العامة بالانضمام إلى «حزب التحرير الأندلسي».

     ثم اعتنق الشباب القومي الأندلسي، الواحد تلو الآخر، الإسلام: فتحية بيادراس مارتش، وأمية لاهوس بارياس، وأختها مريم، ومنصور القرطبي، الخ... وأدى دخول هذه الأعداد الجديدة في «جماعة إشبيلية الإسلامية» إلى مشاكل جمة: فمؤسسو «الجماعة»، قدِم معظمهم من أوساط ذات مستوى ثقافي محدود خارج الأندلس، من مجرط، وأوسكادي، وسبتة وغيرها، وكانوا لا يرون في تاريخ الأندلس فائدة لعودة الإسلام لها، ويعتقدون أن الانتماء الأندلسي إنما هو عصبية قومية، تفتت من وحدة مسلمي أسبانيا، وأن الأندلسيين القدامي أضاعوا الأندلس لضعف إسلامهم. وكان تنظيمهم هرميًا، ينتخبون أميرًا ينظم أمورهم. أما المجموعة الأندلسية الجديدة، فكان معظمهم جامعيين ذوي تاريخ في الحركة القومية الأندلسية، رغم صغر سنهم. وكان تنظيمهم شوريًا، يكرهون كل ماله صلة بمركزية في السلطة. وكانوا يرون في الإسلام قوة محررة لأشخاصهم، وبلدهم الأندلس. فهم، مع إيمانهم بعالمية الإسلام، يرون أن الأندلسيين المعاصرين شعب مسلم، اضطر إلى نسيان عقيدته، وهويته، نتيجة الجهل الذي أجبر عليه، بعد قرون من الاضطهاد. فواجب المسلمين الأندلسيين هو الاندماج في المجتمع الأندلسي ومساعدته، على التعرف على جذوره، لذا اعتقدوا، من أول وهلة، أن الحركة القومية الأندلسية لا محالة تصل إلى الإسلام، وأنهم هم نخبة المجتمع الأندلسي بقبولهم الإسلام، كقوة محررة، بعد قرون من الجهل والظلم، وأن من واجبهم مساعدة مواطنيهم على اتباع نفس الطريق.

     وفي يناير سنة 1982م، أدت هذه التناقضات إلى انشقاق الطرفين، حيث توقف الأندلسيون عن الذهاب إلى مركز «جماعة إشبيلية الإسلامية». وفي 22/6/1982م، فتح الأندلسيون مركزًا خاصًا بهم، في بيت برقم 3 شارع بردي (الأخضر) بإشبيلية. وكان عددهم آنذاك لا يزيد على الستة المذكورين أعلاه، وأصبحوا يسمون أنفسهم «الجماعة الإسلامية في الأندلس» (ويستعملون دون غيرهم اللفظ العربي لكلمة الجماعة).

     أخذت أعداد «الجماعة الإسلامية في الأندلس» تتكاثر بعد الانتقال إلى مركزها الخاص، بانضمام أعداد متزايدة من الشباب الأندلسي لها، بينما لم يزد أعضاء «جماعة إشبيلية الإسلامية»، مما أزّم العلاقة بين المجموعتين. وعملت «الجماعة الإسلامية في الأندلس» على تعلم الدين الإسلامي، بمجهود طالب فلسطيني عضو في فرع إشبيلية لـ«الجمعية الإسلامية في أسبانيا» اسمه هلال أبوجمل، عمل معلمًا للجماعة، ومرشدًا لها، وإمامًا.

     وأخذت تظهر «الجماعة الإسلامية في الأندلس» في الصحافة عن طريق كتابات عبد الرحمن مدينة. وذلك أن أحد المؤرخين المتعصبين، وسامه كلاوديو سانشس البرنص، كتب مقالاً في شهر أبريل سنة 1982م في جريدة «دياريو16» حول «إعادة احتلال الأندلس» (أي من طرف المسلمين)، قال فيه عن التاريخ الأندلسي: «كان المجتمع الإسلامي في أسبانيا عقيمًا، همجيًا، عديم الحضارة والحريات، فاسدًا. ومن حسن الحظ أن المسلمين طُرِدُوْا!». ثم قال: «لا، يا أصدقائي الأندلسيين، انسوا تلك الساعات القائمة الماضية! وأنتن، يا لولا ويا كارمن، ويا روزاريو، ويا آنا، انتن اللائي يتغنى بكن مانولوماشادو، اللاتي تضئن الأندلس، هل تردن من جديد أن تصبحن أدوات لذة بين الحريم؟ هل تردن العودة إلى سوق النخاسين؟».

     وأتبع البرنص مقاله بسلسلة من المقالات المعادية للمسلمين الأندلسيين والإسلام، وانضم إليه جماعة من طينته، في حملة مسعورة ضد الإسلام، والجمعيات الإسلامية الأندلسية. ففي مقال «بدياريو16»، نشر البرنص مقالاً تحت عنوان «المسلمون الأندلسيون الجدد»(5) يرد فيه على رد المسلمين على مقالاته الصليبية. ابتدأ مقاله بدعوة: أن الإسلام أخذ ينتشر في الأندلس بسبب «دولارات البترول»، وادعى أنه كان طوال حياته من دعاة حرية العقيدة، بما فيها العقيدة الإسلامية. ولكنه قال: «إن من حقي وواجبي الوقوف في وجه الإخوة في الوطن، الذين يبيعون ضمائرهم، ويتحولون عن دينهم التاريخي، لينضموا إلى دين لا يعرفونه، كل ذلك من أجل حفنة من الدولارات!». وذهب على هذا المنوال المضل إلى أن قال: «كل من قضى حياته، كما قضيت، في دراسة القرون الوسطى الأسبانية، يعرف الخيانة الثلاثية التي أتت بالإسلام إلى أسبانيا: خيانة أبناء بيزيتا، الذين أتوا بالمسلمين المغاربة ليرثوا عرش أبيهم، وخيانة أتباعهم في معركة وادي اللت، الذين تحلوا إلى صفوف الأعداء، وخيانة طارق الذي أعلن في طليلطلة ارتداده عن الأمير الذي أتى لخدمته عند عبوره لمضيق جبل طارق، إلى الخليفة في دمشق». وبعد هجومه على المسلمين الأندلسيين، أنهى البرنص مقاله بقوله: «لا للإسلام... ولا حق للمسلمين الأندلسيين بالتكلم عن الحرية السياسية... لأن جميع الجماعات الإسلامية المعاصرة تجهل هذه الحرية اليوم».

     وفي 18/5/1982م، نشر البرنص مقالاً آخر في نفس الجريدة تحت عنوان «في حرم الخليفة»(6) كـ«إنذار للأندلسيات المعاصرات لكي لا يعتنقن العقيدة الإسلامية الغابرة وعاداتها». قال البرنص في أول المقال: إنه أتى ببعض القصص من كتاب «المقتبس» لابن حيان القرطبي «لكي أقدمها للنساء الأندلسيات اللاتي ينجذبن إلى الإسلام، واللاتي استهزأت إحداهن، وهي صيدلية من قرطبة، بتقدم سني». وأتى بأتهامات مغلوطة عن عبد الرحمن الناصر، ومعاملته لنسائه، ومنها قصة إعدامه لجارية استاءت من مغازلته لها. ثم أنهى المقال قائلا: «يا صديقاتي الأندلسيات اللاتي يحنّ إلى أسبانيا الإسلامية، يمكنني أن أقص عليكن قصصًا لا تقل سوءًا حول حياة النساء تحت حكم خلفاء، وملوك الأندلس المسلمين. ألجمن حنانكن واشكرن الغزاة النصارى، الذين رفعوا كرامتكن، وحرروكن من الحالة البائدة والظالمة، التي كانت تعيشها نساء الأندلس المسلمات».

     وفي 8/1982م، نشر جواكيم إيبارس سلسلة من المقالات الحاقدة في جريدة «لا بانكارديا» البرشلونية(7)، تحت عنوان «القرآن ستار للوصول إلى أهداف غير واضحة»، تدل عناوينها الثانوية على حقد على الإسلام وأهله: «أسلمة الأندلس حلم خيالي»، و«المستشرقون ضد الحملة»، و«الإسلام يود الرجوع إلى مسجد قرطبة»، و«الأحمدية فرقة مضطهدة»، و«الطريقة الصوفية: طرق في غسل الدماغ»، و«البيازين ملجأ الإسلام الأسود». ولم يتورع الكاتب في الدخول في حياة عدة مسلمين أندلسيين ومسلمات، كعلياء سولي، من أهل «ترامب» بقطلونية، والمقيمة بقرطبة مع زوجها أحمد الجنيد هرنيرو، وعبد الرحمن روانو هينوخوزا ومصطفى شيكا ومحمد دل بوسووفرنسينة بوش وزوجها أنخيل فوسمليانو، وغيرهم.

     فرد عبد الرحمن مدينة على كلا وديوسانشس البرنص ردًا مقنعًا، كان له الأثر الطيب، كما رد عليه غيره من زعماء المسلمين الأندلسيين. ثم نشر مدينة سلسلة من المقالات في الصحافة الأسبانية، يدافع فيها عن الإسلام والشخصية الأندلسية، ويربط بينهما، كالمقال الذي كتبه حول موقف السلطة الأسبانية الحاكمة من الأندلس، إذ قال في افتتاحيته(8): «كانت الأندلس دائمًا ضحية الأشكال المحددة التي يطلقها عليها الاحتكار القيادي، الثقافي والسياسي من مجريط، خاصة فيما يخص منبع الحضارة الأكثر ضياء التي عرفتها أوروبا: الثقافة الإسلامية الأندلسية». ثم أنهى مقاله بقوله: «نحن الأندلسيين لم يعد يُنظر إلينا كمجموعة بشرية لها شخصيتها الخاصة، ولكن كمجموعة مندمجة في كتلة بشرية متشابهة، لا شخصية لها، وذلك منذ أن صاح «الله أكبر» آخر مؤذن أندلسي من أعلى منارته، منذ ذلك الحين قطر الندى من فوق الياسمين كالدموع المنهمرة من الجفون».

     وفي يناير سنة 1983م، وصل عدد «الجماعة الإسلامية في الأندلس» إلى 60 مسلمًا، من بينهم 15 طفلاً، فضاق مركز «الجماعة» بها، فانتقلت إلى مركز جديد أكبر من الأول بشارع لبيس. ومن جهة أخرى، ساءت علاقتها مع «جماعة إشبيلية الإسلامية»، وقد هيأ الله في 23/1/1983م الاتفاق التالي: «بسم الله الرحمن الرحيم، نحن ممثلو الجمعيتين، نتعهد أمام الله على احترام المبادئ الإسلامية، التي تطلب التعاون والتآخي بينهما، وعلى توحيد مجهودهما للدعوة إلى القرآن الكريم والسنة المشرفة، والعمل على صلاة الجمعة مجتمعين. نطلب من الله أن يضيء شؤوننا، ويلهمنا الطريق السوي، آمين. عن «الجماعة الإسلامية في الأندلس»عبد الرحمن مدينة، ويحيى ريس، وهلال أبو جمل، وعن «جماعة إشبيلية الإسلامية» عبد الهادي سانز، ومحمد أحمد، وعثمان برسابي، والشاهدان محمد الحلو وعلى الكتاني. في إشبيلية 23/1/1983م». واستعدت «الجماعة الإسلامية في الأندلس» لانطلاقة جديدة.

*  *  *

الهوامش:

(1)        “Trigo va a Ceder La Mezquita del Morabito a un Grupo Saudi Diario”-16, 20/3/1986.

(2)        “Musulmanes Valencianos Abren un Nuevo Centro Islamico” Gevant, 4/5/1984.

(3)        «أسبانيا حلقة وصل بين الغرب والعالم الإسلامي»، الشرق الأوسط، 8/9/1989م.

(4)        محمد قشتيليو، «انبعاث الإسلام في البرتغال»، دعوة الحق (المغرب)، نوفمبر عام 1980م.

(5)        Claudio Sanchez Albornoz “Los Nueves Musulmanes” Diario-16 (Madrid), 3/5/1982.

(6)        Claudio Sanchez Albornoz “En el Haren del Califa” Diario-16. 18/5/1982.

(7)        Joaquin ibarz “El Coran, Una Pantalla Para Lograr Objetivos poco Claros” La Vanguardia (Barcelona), 11,12,13/8/1982.

(8)        Antonio Medina Molera “Milenarismoy Misterio Andaluz” Diario-16, 10/12/1982.

*  *  *

ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، رمضان – شوال 1435 هـ = يونيو – أغسطس 2014م ، العدد : 9-10 ، السنة : 38

 

دراسات إسلامية

 

الوحــي النبـــوي

شبهات وردود

(الحلقة الثالثة)

بقلم: د. حسين عبد الغني سمرة (*)

 

 

الشبهة الثالثة

إنكار ربانية الوحي المحمدي لما فيه من نسخ(***)

مضمون الشبهة:

     يُنكر بعض المشككين إلهية الوحي المحمدي وربانيته، ويستدلون على ذلك بوجود النَّسخ في أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله، لا سيما في الأمور التعبُّدية، ويرتبون على ذلك وقوع التناقض في تشريعات القرآن على لسانه صلى الله عليه وسلم، ويمثِّلون لذلك بحدث «تحويل القبلة». هادفين من وراء ذلك إلى التشكيك في مصدر الوحي الإلهي؛ لوجود النسخ فيه.

وجوه إبطال الشبهة:

     1- إن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله كلها مستندة إلى وحي إلهي، فليست الأحكام المنسوخة والناسخة إلا جزءًا من تعاليم الإسلام التي بلِّغها النبي صلى الله عليه وسلم  كلَّها عن ربه - جل جلاله-، ولو كان النسخ من اختراعه صلى الله عليه وسلم لما أبقى صلى الله عليه وسلم على بعض الآيات المنسوخة تُتْلى جنبًا إلى جنب مع الآيات الناسخة.

     2- ليس في حدث تحويل القبلة أيّ تناقض، ثم إنه كان بوحي من الله - جل جلاله-، ولعل إحساس اليهود بنكسة دينية كبرى عندما خالفهم النبي صلى الله عليه وسلم في قبلتهم، هو ما دفعهم إلى اختلاق الافتراءات الكاذبة على النبي صلى الله عليه وسلم.

     3- ليس الإسلام بدعًا من الشرائع في أمر النسخ؛ وذلك أنه كان موجودًا في الشرائع السماوية السابقة. ثم إن ثمة حِكَمًا إلهيةً جليلةً تقف وراء النسخ في الشريعة الإسلامية.

التفصيل:

أولا: النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهَوَى:

     لا ينكر أحد من المنصفين أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج نطقه إلا بوحي من الله - جل جلاله-؛ فأقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله كلها مستندة إلى وحي رباني، وهو صلى الله عليه وسلم بريء كلَّ البراءة من نسبة أمر النسخ لبعض أحكام التعاليم الإسلامية إليه صلى الله عليه وسلم، يقول الله -جل جلاله-: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ اٰیَةٍ اَوْ نُنْسِهَا نَاْتِ بِخَیْرٍ مِّنْهَاۤ اَوْ مِثْلِهَآ﴾ (البقرة:١٠٦).

     يقول القرطبي في معرض تفسيره لهذه الآية: «هذه آية عظمى في الأحكام، وسببها أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة، وطعنوا في الإسلام بذلك، قالوا: إن محمدًا يأمر أصحابه بشيء، ثم ينهاهم عنه، فما كان هذا القرآن إلا من جهته، ولهذا يناقض بعضُه بعضًا، فأنزل الله - جل جلاله-: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ اٰیَةٍ اَوْ نُنْسِهَا نَاْتِ بِخَیْرٍ مِّنْهَا اَوْ مِثْلِهَآ﴾ (البقرة:١٠٦)، فمعرفة هذا الباب – النسخ – أكيدة وفائدته عظيمة، لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلّا الجهلة الأغبياء، لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام ومعرفة الحلال من الحرام»(32).

     وواضح من الآية السابقة أن وقوع النسخ في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله لم يكن من عند نفسه صلى الله عليه وسلم، ولكنه من عند الله - جل جلاله-، وليس النبي صلى الله عليه وسلم إلا مبلِّغًا عن ربه جل جلاله، فكل تصرفاته صلى الله عليه وسلم مستندة إلى وحي إلهي.

     ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ (النجم)، «يقول قتادة: وما ينطق بالقرآن عن هواه، إن هو إلا وحى يوحى»؛ أي: ما يخرج نطقه عن رأيه، إنما هو بوحي من الله - جل جلاله-، وفي هذه الآية دلالة على أن السُنَّة كالوحي المنزَّل في العمل(33)؛ لأن كليهما وحى من عند الله - جل جلاله-.

     وإنا نخاطب مثيري هذه الشبهة قائلين لهم: هلَّا درستم علم «الناسخ والمنسوخ» - وهو أحد علوم القرآن الهامة – وتعلمتموه، قبل أن تفتروا على القرآن الكريم، وعلى مَنْ أُنْزِل إليه!!

     ونخاطبهم مرة ثانية قائلين لهم: لو سلمنا جدلاً بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو مخترع مبدأ النسخ لإزالة ما يخالف هواه، أما كان من الأولى – والحال هكذا – أن يقوم بحذف الآيات المنسوخة وإزالتها من المصاحف المكتوبة؟! أليس من الغريب أن تترك بعض الآيات المنسوخة جنبًا إلى جنب مع الآيات الناسخة؟!

     والحق أن ذلك ليس من الأمور الغريبة كما نظن؛ لأن الأمر ببساطة، غير متعلق بإرادة محمد صلى الله عليه وسلم بل هي إرادة الله - جل جلاله - فهو الذي ينسخ ويُبقي، وهو الذي يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، يقول - جل جلاله- ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ اٰیَةٍ اَوْ نُنْسِهَا نَاْتِ بِخَیْرٍ مِّنْهَاۤ اَوْ مِثْلِهَآ﴾ (البقرة:160)، ويقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ اٰيَةً مَّكَانَ اٰيَةٍ وَاللهُ أعْلَمُ بِمَا نُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (النحل).

     والمتأمل في القرآن الكريم يجد الكثير من الآيات التي نُخست في الحكم، ولكنها بقيت تُتْلَى مع سائر الآيات، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿یٰٓاَیُّهَا الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا اِذَا نَاجَیْتُمُ الرَّسُوْلَ فَقَدِّمُوْا بَیْنَ یَدَیْ نَجْوَـٰكُمْ صَدَقَةً﴾(المجادلة12)، فقد نسخ بقوله تعالى: ﴿ءَاَشْفَقْتُمْ اَنْ تُقَدِّمُوْا بَیْنَ یَدَیْ نَجْوَ ـٰكُمْ صَدَقٰتٍ فَاِذْ لَمْ تَفْعَلُوْا وَ تَابَ اللهُ عَلَیْكُمْ فَاَقِیْمُوا الصَّلٰوةَ وَ اٰتُوا الزَّكٰوةَ وَ اَطِیْعُوا اللهَ وَ رَسُوْلَه وَ اللهُ خَبِیْرٌ بِمَا تَعْمَلُوْنَ﴾(المجادلة:13).

     وقوله تعالى: ﴿وَ عَلَی الَّذِیْنَ یُطِیْقُوْنَهُ فِدْیَةٌ طَعَامُ مِسْكِیْنٍ﴾(البقرة:184) نسخ بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْیَصُمْهُ﴾ (البقرة 185). وقول الله - جل جلاله-: ﴿وَ الَّذِیْنَ یُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ یَذَرُوْنَ اَزْوَاجًا وَّصِیَّــةً لِّاَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعًا اِلَی الْحَوْلِ غَیْرَ اِخْرَاجٍ﴾ (البقرة:240)، نسخ بقوله - جل جلاله-: ﴿وَ الَّذِیْنَ یُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ یَذَرُوْنَ اَزْوَاجًا یَّتَرَبَّصْنَ بِاَنْفُسِهِنَّ اَرْبَعَةَ اَشْهُرٍ وَّ عَشْرًا﴾ (البقرة:234).

     وقوله - جل جلاله-: ﴿وَ اِنْ تُبْدُوْا مَا فِیْ اَنْفُسِكُمْ اَوْ تُخْفُوْهُ یُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ (البقرة:284)، منسوخ بقوله - جل جلاله-: ﴿لَا یُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا اِلَّا وُسْعَهَا ﴾ (البقرة:286). وقوله: ﴿اِنْ یَّكُنْ مِّنْكُمْ عِشْرُوْنَ صٰبِرُوْنَ یَغْلِبُوْا مِائَتَیْنِ﴾ (الأنفال:65) نسخ بقوله: ﴿اَلْـٰٔنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ اَنَّ فِیْكُمْ ضَعْفًا فَاِنْ یَّكُنْ مِّنْكُمْ مِّائَةٌ صَابِرَةٌ یَّغْلِبُوْا مِائَتَیْنِ ﴾ (الأنفال:66)، وغير ذلك من الآيات الكثير الذي نسخ حكمه، وبقيت تلاوته(34).

     وما ذكرناه كافٍ للتدليل على بطلان دعوى المشككين الذين يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم هو مخترع النسخ؛ ليغير ما شاء أن يغيره، ويزيل ما لا يوافق هواه؛ لأن الأمر – كما سبق أن قلنا – لو كان بيده صلى الله عليه وسلم لحذف الآيات المنسوخة من القرآن الكريم ولما أبقى عليها، وقد صدق الله - جل جلاله - إذ يقول عن نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ مَا یَكُوْنُ لِیْ اَنْ اُبَدِّلَه مِنْ تِلْقَآئِ نَفْسِیْ اِنْ اَتَّبِعُ اِلَّا مَا یُوْحىٰٓ اِلَیَّ اِنِّیْ اَخَافُ اِنْ عَصَیْتُ رَبِّیْ عَذَابَ یَوْمٍ عَظِیْمٍ﴾ (يونس:15).

ثانيًا: إلهية الأمر بتحويل القبلة:

     لقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «بينما الناس بقُبَاء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آتٍ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُنْزِل عليه الليلة قرآن، وقد أُمِرَ أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة»(35).

     وعن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت، وأنه صلَّى أول صلاة صلَّاها العصر وصلَّى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلَّى معه صلى الله عليه وسلم فمرَّ على أهل المسجد، وهم راكعون، فقال: أشهد بالله، لقد صلَّيت مع النبي صلى الله عليه وسلم قِبَل مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت(36).

     فأنزل الله سبحانه وتعالى في حديثه عن هذا الحدث التاريخي – حدث تحويل القبلة – قوله - جل جلاله-: ﴿سَیَقُوْلُ السُّفَهَآءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلّٰهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِیْ كَانُوْا عَلَیْهَا قُلْ لِّلهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ یَهْدِیْ مَنْ یَّشَآءُ اِلٰی صِرَاطٍ مُّسْتَقِیْمٍ﴾ (البقرة:142).

     والمراد من «السفهاء» جميع من قال «ما ولاهم». و«السفهاء» جمع، واحده «سفيه»، وهو الخفيف العقل، من قولهم: ثوب سفيه، إذا كان خفيف النسج، وقيل: السفيه البهَّات والكذَّاب المتعمِّد خلاف ما يعلم، وقيل: الظلوم الجهول.

     وقد اختلف المفسرون في بيان المقصود من قوله جل جلاله: ﴿اَلسُّفَهَآءُ﴾ في هذه الآية؛ فقال بعضهم: اليهود الذين بالمدينة، وقال بعضهم: المنافقون، وقال الزجَّاج: كفار فريش لما أنكروا تحويل القبلة قالوا: قد اشتاق محمد إلى مولده، وعن قريب يرجع إلى دينكم، وقالت اليهود: قد التبس عليه أمره وتحيَّر، وقال المنافقون: ما ولاهم عن قبتلهم، واستهزؤوا بالمسلمين(37).

     ونوضِّح ما ذكره المفسرون بما ذكره الدكتور أحمد شلبي في موسوعته «التاريخ الإسلامي» مختصرًا، يقول: أما المكان الذي اتجه له المسلمون في صلاتهم قبل الهجرة، فهو الكعبة؛ لأنها بيت الله العتيق، وبناء إبراهيم، وموضع فخار العرب. ويقول في الهامش: الصلاة قبل الهجرة كانت اجتهادًا من الرسول صلى الله عليه وسلم واستمرارًا لتعظيم الكعبة.

     غير أن بعض المسلمين الأُول ظنوا في اتجاههم للكعبة أن المكان نفسه معظَّم، فأراد الله - جل جلاله- أن يعلمهم أن ااتجاههم إنما هو في الحقيقة لوجهه تعالى، وليس فضل الكعبة إلا لأن هذا المكان شهد دين سيدنا إبراهيم u، وشهد عبادة الله منذ آلاف السنين، ولكن إذا تعلَّق بعض العرب بالكعبة تعلقًا ذاتيًّا، وغفلوا عن أن الاتجاه إنما هو لله - جل جلاله-، فقد اتجهت حكمة الله أن يختار مكانًا آخر؛ ليختبر عمق إيمان المسلمين وطاعتهم، وليثبت في نفسوهم هذه الحقيقة الهامة، وهي أن الاتجاه يجب أن يكون لله - جل جلاله-.

     ولهذا اختار الله - جل جلاله - للمسلمين قبلةً جديدةً عقب الهجرة، وهي الاتجاه لبيت المقدس، ثم ظهرت عوامل أخرى، فقد كان بيت المقدس قبلة اليهود، فإذا بهؤلاء يأخذون من اتجاه المسلمين إلى قبلتهم وسيلة للسخرية منهم، وانطلقوا يقولون: محمد لا يتبع ديننا، ويتبع قبلتنا، وشقَّ على المسلمين أن يتجهوا إلى قبلة اليهود، ولكنهم استجابوا بكل قوة وإيمان لأمر ربهم، متحملين سخرية اليهود.

     وقد توقع الرسول صلى الله عليه وسلم ووقع في روعه أن الله - جل جلاله - سيحوله إلى الكعبة مرة أخرى، وكان صلى الله عليه وسلم يتطلع إليه تعالى في صمت ودون دعاء، آملاً أن يحقق له ذلك؛ إرضاءً للمسلمين وردًّا على سخرية اليهود، وقد عبرَّ الله عن ذلك بقوله - جل جلاله-: ﴿قَدْ نَرٰی تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِی السَّمَآءِ فَلَنُوَلِّیَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰىهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَ حَیْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوْا وُجُوْهَكُمْ شَطْرَه﴾ (البقرة:144).

     وكان ذلك إذنًا للمسلمين بالعودة إلى قبلتهم الأولى. وكان تحول القبلة إلى بيت المقدس بعد الهجرة بقليل، وصرفت القبلة عن الشام إلى الكعبة في شهر رجب على رأس سبعة عشر شهرًا من مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة(38).

     إذن فليس تحويل القبلة إلى الكعبة الشريفة تبعًا لهوى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو بأمر الله له ولأصحابه، ولا بد للجميع أن ينقاد لأمر الله - جل جلاله – حتّى ينال الأجر والثواب.

*  *  *

 



(*)   أستاذ قسم الأدب العربي بالجامعة الإسلامية: دارالعلوم ديوبند (الهند)

        sajidqasmideoband@gmail.com

(*)           1-  محمد سراج الإسلام بن محمد سلطان أحمد، قسم دراسات القرآن والسنة،كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزية.

             E-mail:sirajulislam1981@ yahoo.com

             Hp: 006-016-2907981

             2-  الأستاذة المساعدة الدكتورة صفية بنت شمس الدين، قسم دراسات القرآن والسنة،كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية، الجامعة الإسلامية العالمية  بماليزية.

              E-mail: sofiahs@iium.edu.my

             Hp: 006-019-214356

              3-  الأستاذ المشارك الدكتور سعد الدين منصور، قسم دراسات القرآن والسنة،كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية، الجامعة الإسلامية العالمية  بماليزية.

             E-mail: ahmad7009@yahoo.com

             HP: oo60169002946

(*)       رئيس قسم الشريعة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة.

(***)      شغب اليهود على الأنبياء، د. محمد عبد القادر أبو فارس، دار الفرقان، عمان، د. ت.

(32)      الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، مرجع سابق، ج2، ص61، 62.

(33)      المرجع السابق، ج17، ص84، 85.

(34)      انظر: مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، مكتبة وهبة، القاهرة، ط13، 1425هـ/2004م، ص 235: 237.

(35)      أخرجه البخاري في صحيحه، أبواب القبلة، باب ما جاء في القبلة ومن لا يرى الإعادة على من سها (395)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة (1206).

(36)      أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان (40)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة (1204).

(37)      الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، مرجع سابق، ج2، ص148 بتصرف.

(38)      موسوعة التاريخ الإسلامي، د. أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية، مصر، 1989م، ج1، ص294: 296 بتصرف يسير.