ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، ذوالقعدة 1435 هـ = سبتمبر 2014م ، العدد : 11 ، السنة : 38

 

دراسات إسلامية

 

من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ديوبند

(الحلقة 21)

بقلم:  الأستاذ/ سيد محبوب الرضوي الديوبندي رحمه اللّه

(المتوفى 1399هـ / 1979م)

ترجمة وتعليق: الأستاذ محمد عارف جميل القاسمي المباركفوري(*)

 

 

عام1311هـ، وخريجو«دارالعلوم»

في المدارس الدينية في البلاد:

     ولم يمض على نشأة «دار العلوم/ديوبند» أكثر من ربع قرنٍ حتى تبوأ خريجوها مقاعد التدريس في المدارس الدينية في البلاد. فتقول التقارير الدورية لعام 1311هـ: «وتبوأ خريجو «دارالعلوم/ديوبند» مقاعد التدريس في معظم المدارس الإسلامية الهندية. وامتازت «دار العلوم» ولله الحمد بإتقان تدريسها، وحسن نظامها، وكثرة طلابها، ونبوغ المدرسين فيها منذ اليوم الأول. وإن مدرسيها بمنّ الله تعالى وكرمه- على ذروة الكمال والنبوغ في العلوم النقلية والعقلية، و يسلكون مسلك أساتذتهم وسلفهم الذين لعبوا دوراً في تأسيس المدرسة، والعمل بإخلاص واحتساب. ورغم المغريات والرواتب الباهظة التي كانت تعرضها عليهم البلدانُ الأخرى، صبروا على الرواتب القليلة وقنعوا بها، وهم منصرفون إلى تدريس الطلاب وإفادتهم بقلوبهم، ويبذلون مهجهم في سبيله. ولايخفى أن «دارالعلوم» نفحت عالماً بأسره، وامتدت إليه خيراتها وبركاتها، وأخرجت بنورها العالمَ من ظلام الجهل إلى الصراط المستقيم. وغطت شهرتها في هذه المدة القليلة شرق الأرض وغربها، وانتشر علماؤها في كل شبر ٍمن أشبارها يدعون إلى الله تعالى ويبلغون الناس الدين. ومن الصعوبة بمكان أن ينكرأحدٌ  يد «دار العلوم» هذه، أو يوفيها حقهامن الشكر على هذه المنة العظيمة.

عام 12-1313هـ ، وتعديلات في الإدارة:

     أسلفنا أن الحاج فضل حق الديوبندي وُكلت إليه إدارةُ «دارالعلوم» في العام الماضي نظراً إلى ارتباطات وأشغال الحاج محمد عابد رحمه الله. فلم يمض على إدارة الحاج فضل حق سنةٌ حتى استقال من منصبه، فوُكلَت إدارتها إلى الشيخ محمد منير النانوتوي رحمه الله، فلم يمض عليه عام حتى قدّم هو الآخر استقالته من منصبه. فاحتيج لتولية إدارة الجامعة إلى من يجمع بين التجربة والعلم، والخبرة الإدراية بجانب تحليه بالصبر والمثابرة. وذلك للحفاظ على التقاليدالتي عرفت بها «دارالعلوم» في عمرها المبكر، بل ينفخ فيها روحاً جديدةً بما أعطي من القدرات والكفاءات العلمية و العملية. وهذه الخصائص كلها كان يستجمعها الشيخ محمد أحمد بن الإمام محمد قاسم النانوتوي رحمه الله-على أحسن الوجوه. فرشحه الشيخ الكنكوهي لهذا المنصب. وسيتبين في موضعه إن شاء الله تعالى مدى انسجام هذا الترشيح ونفعه لدارالعلوم.

مَقْدَمُ الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي:

     والتعديلات التي شهدت إدارة «دار العلوم» في السنوات الماضية أورثت خللاً في نظامها. فقدِمَ الشيخ المحدث رشيد الكنكوهي - رحمه الله- دارَ العلوم وكان مشرفاً عاماً عليها، وأقام بها أسبوعاً كاملاً. وتتحدث التقارير الدورية عن نزوله في دارالعلوم بقولها: «كان معظم المسلمين وأعوان «دار العلوم» على أشد من الجمر شوقاً إلى زيارة الشيخ رشيد الكنكوهي لدار العلوم هذه. فهُرِع إليها أهل العلم والصلاح وغيرهم زرافاتٍ ووحدانا ًمن المدن: دهلي، ومراد آباد، وميروت، ومظفر نغر، وسهارن فور بالإضافة إلى ضواحي مدينة ديوبند. واستصحب النواب محمود علي خان أمير «شتاري» (علي كره) معه الشيخ بشارت علي ناظر شؤون الولاية - فشهدت المدينة اجتماعاً مباركاً، وكان ذلك يوماً مشهوداً عظيماً. واطلع النواب محمود على أوضاع المدرسة ظاهرها وباطنها عن كثَبٍ، ونظر في كافة الحسابات المالية والملفات الإدارية والمكتبة العامة بنفسه وبواسطة الشيخ بشارت علي. كما نظر في الخزانة المالية الحالية بمثل عين العقاب. فلم يجد إلا ما يسر الناظرين ويشرح صدورهم.

     ثم اتجه الشيخ إلى الشؤون الإدارية، و وافقوا على ضم ستة ممن عرفوا بغزارة العلم وسداد الرأي، والجاه الظاهر، والكفاءة العلمية والإدارية إلى مجلس الشورى. وهم: الشيخ مير أحمد حسن الأمروهوي- المدرس بدرجة أولى بالمدرسة الإسلامية بـ«مرادآباد»(1)- والنواب الشيخ محي الدين خان المرادآبادي ناظر المدرسة الإسلامية بـ«مرادآباد»(2) والشيخ عبد الحق فورقاضوي- المحامي بولاية «رتلام»(3) والشيخ الشاه مظهر حسن الكنكوهي القدوسي، والطبيب محمد إسماعيل الكنكوهي نزيل بـ«ممباي» معروف بـ حكيم أجميري- والشاه سعيد أحمد الأنبيتهوي مؤد ب ولي عهد ولاية «ماليركوتله». كما اعتبروا كلَّ من يشغل رئاسة التدريس بـ«دارالعلوم» أو إدارتها عضواً من أعضاء المجلس الاستشاري.

مساعي ولاية حيدرآباد في إنشاء السكن الطلابي:

     وأبدى أنصار «دار العلوم» في حيدرآباد حماساً ونشاطاً في السعي وراء إنشاء الغرف السكنية للطلاب الوافدين في دارالعلوم. فكان الشيخ شوكت حسين الحاكم المساعد لمنطقة «ورنغل»- في طليعة القائمين بهذه الحركة. فتولى إرسال سبعة آلاف روبيةٍ هنديةٍ تنفق على إنشاء الوحدات السكنية بمساعٍ حثيثةٍ منه، وذلك تلبيةً لنداء «دار العلوم». وكتب الشيخ في تلك الأيام مقالة ضافية نشرته (Aligarh institute gazette) بينت ضرورة تقديم المساعدة إلى «دارالعلوم» بأسلوبٍ ذي تأثير بالغ، وفيما يلي قبسة من هذه المقالة الضافية، مما يكشف عن انطباعات الناس ومواقفهم من«دارالعلوم» السائدة يوم ذاك. يقول الشيخ: «والجدير بالنظر والتأمل هو أن التبرعات التي يتم جمعها هل تنفق على إنشاء عمارة جديدة لمدرسة بمفردها أو على توسعة مباني قائمة من ذي قبل؟ وتبين لنا بعد ما أشبعنا الموضوع دراسةً وتأملاً أن يتم العمل على توسعة بناء أقيم من قبلُ بدلاً من أن نستأنف البناء، وإلا فلن يكون مصير إنشاء مسجدٍ كمفحص قطاة - كما يقول المثل الأردي إلا إلى الدمار الذي شهدناه سابقاً، مما أدى إلى نقض صرح الأمة عروةً عروةً. ثم لاندري متى ما يتم جمع كميةٍ من التبرعات، تضمن لنا تحقيق المشروع الذي يلاقي رِضانا ورغباتنا. ولاندري ماذا نكسب غداً. وغير خافٍ إهمال الأمة، والعقبات في طريق جمع التبرعات، فلاسبيل إلى تحقيق الغاية في الواقع إلا إلى إنفاق ما يتجمع من التبرعات في حينها على مدرسةٍ قائمةٍ من ذي قبل، حتى تشهد المدرسة من المضي قدماً مع مرور الأيام ما يجعل الأمة تفتخر وتعتزبها. فهذه المدرسة هي مدرسة «ديوبند، التي اخترناها لتحقيق هدفنا هذا، ونظرنا نظرةً في المدارس المتواجدة في مختلف قطاع البلاد، فلم نجد إلا هذه المدرسة الوحيدة التي يقام لها وزن وقيمة. ولاتزال المدرسة تقطع بدورها أشواط تقدم ورقي منذ ثلاثين أواثنتين وثلاثين سنة مضت، وحُق لها أن تتصدر المدارس الدينية الهندية كلها بالنظر إلى قِدَمها واستقلاليتها، ونفعها العام الشامل. ولاتزال المدرسة يُقَدَّم لها ما يبلغ ألفاً ومئتي روبيةٍ هنديةٍ سنويةٍ من الخزينة الملكية للمقام السامي منذ عهد وزارة «سرآسمان جاه بهادر» (1256هـ/...). والحاصل أن هذه المدرسة لاتزال تتقدم وتسمو لحدٍ ما منذ عهدٍ طويلٍ رغم ما تعانيه من دخلٍ غيرثابت وجزئي. ولاشك أن من بركات الدعوات المستجابة أن المدرسة بدورها قامت الآن بإنشاء مبنى صغير، كما أصبح بحوزته مكتبة، وهي تسعى جاهدة ألا تترك طلابها يبيت أحدهم طاوي البطن، وتُخرِّج كل سنةٍ من تستطيع تخريجهم من حَفَظة كتاب الله، والعلماء والأفاضل. ونافلة القول: أن الهند لاتملك الآن إلا هذه المدرسة التي تمتاز عن سائر المدارس من كل جانب، وحُق لها أن تستفيد من مساعينا وتأييدنا وتتمتع بخيراتنا فيما يبدو»(4).

عام 16-1318هـ ، وإنشاء السكن الطلابي:

    وأثمر النداء الصادر في العام الماضي الخاص بإنشاء السكن الطلابي، فقدمت «نواب شاه جهان بيغم» أميرة «بهوبال»(5) مبالغ طائلة لصالح بناء السكن الطلابي. وسردت التقارير الدورية تفاصيل البناء بما يلي: «وأنشئت حجرات كثيرة لسكن الطلاب بدائرة منفصلة عن المدرسة و بجوارها، أطلقت عليها «دارالطلبة» كما تم إنشاء مباني مكتب المدير على البوابة الكبرى وحولها، ومبنى دارالضيافة ونحوها. وكلفت هذه الأبنية اثني عشر ألفاً من الروبيات، ووزعت الحلاوى على البنائين والعمال فرحاً بذلك. وألقى الشيخ ذوالفقارعلي الديوبندي عضو المجلس الاستشاري- خطبةً بهذه المناسبة، وكان فيما قال: «إن من أعظم دواعي الفرح والشكر لهذه المدينة المسكينة أنها سعدت بتعليم علوم الدين بمجرد تأييد من الله تعالى، كما يسرها أن تشهد هذا المبنى الشامخ الرائع المحكم المتين الذي تم إقامتها بيد بَنَّاء من سكان المدينة نفسها من غير تصميم وتخمين مسبقين، مما يثير عجب كبار أهل العلم بالعمارة والمهندسين ذوي التجارب الواسعة، وكلهم يبدي سروره وفرحه بذلك»(7).

*  *  *

الهوامش:

(1) هوالشيخ الفقيه أحمد بن حسن بن أكبر حسين الحسيني الحنفي الأمروهوي( 1267-1330هـ/1850-1911م): أحد العلماء المشهورين بسعة التقرير والتبحر في الكلام ولد ونشأ ببلدة «أمروهه» واشتغل بالعلم أياماً في بلدته ثم سافر إلى ديو بند ولازم الشيخ قاسم بن أسد علي النانوتوي وأخذ عنه وأخذ عن غيره من العلماء أيضاً. ستأتي ترجمته مفصلة في المجلد الثاني من تاريخ دارالعلوم2/39، راجع: (نزهة الخواطر8/1179).

(2)      من أصحاب الإمام النانوتوي رحمه الله، وكان والده من أخص حواشي الملك بهادر شاه ظفر، وعلى علاقة وديةمع الإمام النانوتوي وكان يُحَمله الإمام اقتراحاتِه في معركة «شاملي» إلى الملك «بهادرشاه». وله ترجمة في تاريخ دارالعلوم2/27 .

(3)      ستأتي ترجمته في 2/27.    

(4)      راجع: (Aligarh institute gazette) بتاريخ 18/ من سبتمبر عام1897م، ص 8.

(5)      السلطانة شاهجهان بيغم (1254-1319هـ/1838-1901م) حاكمة الدولة الأميرية في بوبهال في وسط الهند، ولدت في Islamnagar بالقرب من مدينة بوبهال. وكانت شاهجهان الطفل الوحيد على قيد الحياة من إسكندر بيغم، وكانت معترفًا بها حاكمَ بهوبال عام 1844م في سن السادسة، وكانت والدتها تمارس السلطة نائبة. وفي عام 1860م اعترف البريطانيون أمها حاكمة بوبال في حق بلدها. وأصحبت شاهجهان بيغم حاكمة بوبهال عقب وفاة أمها عام 1868. للاستزادة من ترجمتها راجع: http://en.wikipedia.org/wiki/Main_Page

(6)      راجع تقارير المجلس الاستشاري عام 1318 هـ ص 149-150.

*  *  *



(*)   الأستاذ بالجامعة   Email: almubarakpuri@gmail.com