ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، ذوالحجة 1435 هـ = أكتوبر 2014م ، العدد : 12 ، السنة : 38

 

إشراقة

نوعان من الذين أَثْرَوْا بعد الفقر

 

 

 

أحدُ نوعين من ردّ الفعل يتولّد لدى المحروم الشقيّ بعدما تُحَالِفه السعادة، وتُصَادِفه النعمة، وتبتسم في وجهه الحياة: إما أن يبقى على شحّه القديم، وتقتيره في الإنفاق؛ بل أن يشتدّ ما لديه من الشح والتقتير؛ أو يتحوّل سخيًّا يُفَرِّق الخير الذي حظي به على الأشقياء المحرومين وعلى نفسه وأولاده وعلى كل من له الحقّ عليه، ممن يعوله وممن هو من ذوي قرباه أو من معارفه.

     وكلا النوعين من الناس جَرَّبناه في حياتنا، فاعتبرنا وتلقّينا درسًا مُجْدِيًّا جدًّا استعنّا به في التعامل مع الحياة. كان عندنا عالمٌ من علماء الدين ذوي الإتقان، نشأ يتيمًا لا مال لديه يعيش به ويُغَطِّي حوائجه اللازمة، فكفله أحد ذوي قرباه الذي أساء التصرف معه، فغادره إلى مدرسة من هاتي المدارس الكثيرة التي يُمَوِّلُها المسلمون بتبرعاتهم والتي هي عِمَاد بقاء الإسلام في هذه الأقطار، فتعلّم مبادئ القراءة، وتدرج إلى الدراسات العليا في الشريعة الإسلامية، فتخرج من أكبرها عالمًا متضلعًا، فتقلب في الوظيفة التدريسية في شتى المدارس، ونظّم الله له رزقًا متصلاً، وتَوَسَّع به في المعاش وأثرى به بعد العدم، واشترى به أراضي زراعية واسعة كفلت حوائج أولاده في حياته وبعد مماته، وعاد يعيش الحياة قرير العين بعد ما كان سخينها؛ ولكن فقره الماضي ظلّ متلسطاً عليه، ولم يتخلّص من الشعور القوي به بعد ما وَسَّعَ الله عليه في الرزق. وكان مضرب المثل في البخل والضنّ بنقوده حتى على أولاده وعلى نفسه، فكان لا يغسل حتى ملابسه التي عليه بشراء صابون من عنده، وكان ينتظر من يغسلها من تلاميذه بصابونه أو بمسحوقه، وكان لا يتناول الفطورَ إلاّ أن يُوَفِّره له أحد من محبيه من التلاميذ. وكان يَتَرَصَّد من تلاميذه من يجلب له من عنده من الموادّ اللازمة لإعداد وجبتي الغداء والعشاء إذا احتاج أن يُعِدّهما في غرفته فيما إذا لم يأخذهما من المطبخ العامّ في المدرسة. وكان لظرفه وطلاقة وجهه وكونه مُدَرِّسًا مُؤَهَّلاً ينتفع به الطلاب كثيرًا يحتلمون ذلك منه؛ بل يسعدون بخدمته وتوفير ضروراته المختلفة؛ ولكنه كان قد يوجد فيهم من لا يُحِبُّون أسلوبه هذا وينتقدونه؛ ولكنه بقي على سيرته هذه حتى آخر لحظة من حياته، ولم يتحوّل عنها كأنها قيمة خلقية سامية إذا تخلّى عنها صار موضع انتقاد.

     وبالعكس من ذلك وجدنا رجلاً نشأ فقيرًا وعاش حياةَ غاية العُسر والبؤس؛ ولكنه تعلّم بجدّ وانصراف، وحصل على مُؤَهِّل علمي كبير، نال به وظيفة ذات راتب كبير، فترك أسلوبَ شظف العيش إلى إنفاق واسع على نفسه وعلى غيره، كأنه عاد ينتقم من عسره ليسره، ويستعوض ما فاته في الحياة الماضية، ويشكر الله الوهّاب على نعمته ليس فقط باللسان بل بالسلوك. وكان يقول: كنتُ مُعْسِرًا، فصرتُ مُثْرِيًا، فأنا أعرف كيف يقرص الفقر والبؤس الإنسان، وكيف يؤذيه، وكيف يُفْرَد هو لدى فقره إفرادَ البعير المُجَرَّب، ويقعد وسطَ القوم لا يتكلّم، ويُعَدُّ غبيًّا رغم ذكائه، ومُسِيئًا رغم إحسانه، كأنه بفقره وشقائه صار مُذْنِبًا كبيرًا؛ فأودّ أن أُعالج شقاءَ كلّ شقيّ، وأسدّ حاجةَ كل محتاج، وأحلّ قضيّة المحروميّة لدى كل بائس محروم؛ وأن أتبسّط في الإنفاق على حاجاتي، وأقضى على ما لديّ من الشعور بالمحروميّة، التي طالما تأذّيت بها في طفولتي وعُنْفُوَان شبابي؛ حيث ظِلْتُ أطمع أن أنال بأي حيلة ولو روبيّةً، وكنتُ أظنّها ثروة طائلة، فصرتُ اليوم لا أظنّها شيئًا، لأنها صارت لا تُمَثِّل قيمةَ كوبِ شأي.

     لاشكّ أن ردّ الفعل الأوّل سيُعَدُّ سلبيًّا، وردّ الفعل الثاني سيُعَدُّ إيجابيًّا لدى كل أحد في المجتمع؛ لأن البخل الزائد والشحّ الناشئ عن غير داعية لا يحمده أيُّ أحد في أي إنسان بأي حيلة؛ إنّه مكروه مرفوض؛ لأنه يغمط كثيرًا من الحقوق، ويُشَوِّه سيرة الإنسان في مجتمعه؛ حيث يُسْتَقْبَح رغمَ ما يكون متمتعًا به من الفضائل الأخرى الداعية إلى كيل الثناء له؛ لأن بعض الصفات السلبية تكون كالحالقة تسلب كل معنى للصفات الإيجابية الأخرى الكثيرة لدى الإنسان، وتُحَوِّله كأنه لا فضيلة فيه ولا حسنة عنده.

     والسخاء الناشئ عن المحروميّة صفة محمودة جدًّا أجدر بالإشادة من صفة السخاء الناشئة عن رغادة العيش والرفاهية التي يولد فيها الإنسان وينشأ عليها ولا يعرف بفضلها المرارة َ التي يُمْنَى بها الإنسان المُعْدِم الشقي الذي قد يُحْرَمُ حتى كسرةً من الخبز البائت يقيم بها أَوَدَه.

     فإلى أين يرجع ردُّ الفعل الإيجابيّ وردُّ الفعل السلبيّ؟ هل يرجع إلى البيئة أو التوارث أو المزاج الشخصي أو إلى نوعيّة التربية أو الصُّحْبَة؟

     نقول: يجوز أن يرجع إلى كلّ ذلك أو إلى بعضه؛ ولكننا نرى أنه يرجع أصلاً إلى التوارث – كسبب مادّي – وإلى التوفيق الإلهي وعدمه – كسبب معنويّ حقيقي – لأن التوارث يعمل فيه كما يعمل فيه هذا العامل الأكبر الأساسي المتمثل في التوفيق الإلهي. قد يولد الإنسان من والدين توارثا سلامة الطبع، وكرم الأخلاق، والجود، والتألم من ألم الآخرين، فيتوارث منهما هذه الصفات كما يتوارث غنى النفس والمروءة والشجاعة والهمة العالية. وقد يولد من أبوين لم يتوارثا أيًّا من ذلك، فذلك يعمل في تكوينه ونشأته على الصفات الإيجابية أو السلبيّة؛ ولكنه قد يحدث أنه لم يتيسّر له ذلك التوارث الأوّل ورغم ذلك يتحول في حياته الثانية – المتمثلة في رفاهية العيش والسعة في الرزق بعد البؤس – رجلاً كأنه ورث من أبويه كابرًا عن كابر ثروة كبيرة لا تنفد بسهولة على الإنفاق المتّصل. وقد يحدث أنه قد يُمْنَىٰ بالتوارث الثاني؛ ولكنه في حياته الثانية المشار إليها يصبح ذا سخاء وإنفاق ويهبّ مع حالة الرخاء ويتكيّف معها عاجلاً.

     ولذلك قلنا: إن الأمر يرجع أساسًا إلى التوفيق الإلهي الذي هو إكسير حياة الإنسان. وقد صحَّ مائةً في المائة أو بالنسبة الأكبر من ذلك أنّ الله إذا أراد شيئًا هَيَّأَ أسبابه، وإذا شاء سلب جميعَ الأسباب مفعولَها، ولم يدعها تنفع أحدًا شيئًا. وقد صدق ربنا وتعالى إذ قال: «وَلِلهِ جُنُودُ السَّمٰوٰتِ وَالْأَرْضِ» (الفتح/4) و «وَماَ يعلم جُنُودَ رَبِّك إِلاَّ هُوَ»(المدثر/31).

     على كل فكثير من الناس يَشْقَوْن وهم في نعم كثيرة وخيرات ثَرَّة، وكثير منهم يَسْعَدُون حتى في الشقاء والحرمان. النوع الأوّل منهم يُحْرَم التمتع بالغنى النفسيّ وكبر النفس والتوكّل المطلوب على الله الذي هو وحده يُغْنِي ويُفْقِر، والنوع الثاني منهم يُكْرَم بغنى النفس والشِّبع الطبيعي والإيمان بأنّ الله هو الرزّاق ذوالقوة المتين؛ فلن يُحَوِّله فقيرًا بعد ما أغناه.

     وجَرَّبْنا كلا النوعين من الناس، واستفدنا كثيرًا من الدروس، أضاءت لنا كثيرًا من طرق الحياة، وأثنينا على الله تعالى أنّه يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء.

(تحريرًا في الساعة 1 من ظهر يوم الأربعاء: 2/شوال 1435هـ الموافق 30/يوليو 2014م)

                                                                                                     

 أبو أسامة نور

 nooralamamini@gmail.com