ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، محرم - صفر 1436 هـ = نوفمبر – ديسمبر 2014م ، العدد : 1-2 ، السنة : 39

 

دراسات إسلامية

 

من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند

(الحلقة 23)

بقلم:  الأستاذ/ سيد محبوب الرضوي الديوبندي رحمه اللّه

(المتوفى 1399هـ / 1979م)

ترجمة وتعليق: الأستاذ محمد عارف جميل القاسمي المباركفوري(*)

 

 

 

        وفاة الشيخ ذوالفقار علي: (ت 1322هـ/1904م)

     كان الشيخ ذوالفقار علي والد شيخ الهند محمود حسن الديوبندي رحمه الله (1268-1339هـ/ 1851-1920م) - من العظماء الذين ساهموا في بناء وتأسيس دارالعلوم منذ اليوم الأول. وظل عضواً للمجلس الاستشاري لها - بعد ما أقيمت - طوال حياته. وكانت خزينة دارالعلوم بيده، يتصرف فيها بكل أمانة ودين. وكان فريد عصره في العلم والفضل والديانة والجاه الدنيوي ودماثة الأخلاق. تلقى دراسته في «كلية دهلي»، واستقى من منهل شيخ المشايخ مملوك علي النانوتوي رحمه الله(ت1267هـ/1850م)، وشغل منصب مفتش التعليم بالنيابة في مصلحة التعليم، له ولع شديد بالأدب العربي، فعمل تعليقات وترجمات إلى الأردية لكل من كتاب الحماسة، وديوان المتنبئ والسبع المعلقات، وقصيدة بانت سعاد. وهي متداولة شهيرة في الأوساط العلمية. وله «تذكرة البلاغة» في علم البلاغة كتاب معروف جداً، توفي يوم الخميس في 15/رجب من عام1322هـ عن عمر85 سنة، وخير ما يدل على مكان قبره ما جاد به قريحة الشيخ فضل الرحمن العثماني رحمه الله (ت1325هـ /1907م)  باللغة الفارسية ما معناه:

     أي: أجل، قررتَ عيناً حيث أصبحت بين أخويك: «قاسم»(1) - «نادي الود»، و«أحسن»(2) أخي الأدب.

عام 1323هـ ووفاة الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي:

     لبَّى الشيخ ذوالفقار علي نداء ربه في العام الماضي(1322هـ) ثم لم يمض على وفاته عام كاملٌ حتى توفي الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي- رحمه الله- يوم الجمعة في 8/جمادى الثانية عام 1323هـ عن عمر يبلغ سبعة وسبعين عاماً بعد مرض استغرق أياماً. وكان ذلك أكبر حدث فُجِعَت به دار العلوم/ديوبند بعد الإمام محمد قاسم النانوتوي رحمه الله (ت 1297هـ/ 1880م). ونوهت التقارير الدورية بذلك بما يلي: «لقد كان الشيخ الكنكوهي- درةً يتيمةً غاليةً خرجت من الصدف الذي أخرج فحول الرجال أمثال الإمام محمد قاسم النانوتوي رحمه الله. ولقد قطعت مدرسة ديوبند بفضل تواجده الميمون فيها منازلَ راقيةً يعزُّ مثيلها في مكان آخرفلم يكن موته اليوم موته وحده؛ ولكنه موت عظماء ديوبند كلهم أمثال الإمام محمدقاسم النانوتوي، ممن ذهل المسلمون عن وفاتهم لأجل تواجد الشيخ الكنكوهي بين ظهرانيهم، فأحرِ بالمسلمين أن يقلقوا على مدرسة ديوبند»(4).

     وتوفي الإمام النانوتوي فاتفق أعضاء المجلس الاستشاري على نصب الشيخ الكنكوهي مشرفاً على المدرسة ومرجعاً لشؤونها. وكان الكنكوهي يقف من المدرسة الموقف الذي كان يقفه الإمام النانوتوي منها. فكان يشرِّف المدرسة بقدومه الميمون بمناسبة الاختبارات السنوية وتوزيع الجوائز في الغالب، ويتولى توزيع الجوائز على الطلاب الفائزين وإناطة العمائم برؤوس المتخرجين بنفسه».

     وكان الكنكوهي من الطراز القديم من أهل العلم الذين كانت حلقات تدريسهم في غنى عن قيود الوظائف. وكان ينزل في زاوية الشيخ عبدالقدوس الكنكوهي(ت 945هـ/1538م)، وتقام له حلقات تزكية القلب وتزكية النفس بجانب جمع عظيم من الطلبة يتلقون منه العلم، وكان مولعاً ولعاً شديداً بعلم الحديث خاصةً. وتتصف أماليه على الطلبة بالجامعية والإيجاز البالغ، كما يتجلى ذلك إلى حدما- من خلال أماليه على سنن الترمذي المنشور باسم «نفح الشذي». ومن خريجي مدرسة ديوبند الذين تلقوا العلم في حلقة الشيخ الكنكوهي الإمامُ محمد أنورشاه الكشميري ذلك العالم الفريد في عصره.

عام 1324هـ، وتوزيع الجوائز:

     قرر القائمون على الجامعة منذ اليوم الأول عقد حفلة توزيع الجوائز في أعقاب الاختبارات السنوية في شهر شعبان من كل عام. وكانوا يَدعون - بجانب الطلبة - أهالي ديوبند والوافدين لحضورها. واستهدفت الحفلة إبراز المساعي والجهود التي بذلها الأساتذة والطلبة طوال السنة وجلاءها للحضور. وذلك تشجيعاً وتحفيزا للطلاب الفائزين وترغيباً وتشويقاً للراسبين منهم إلى مواصلة الجهود. كما استهدفت هذه الحفلة تعريف الأمة الإسلامية وخاصة المتبرعين لصالح المدرسة بالوجوه التي تم صرف تبرعاتهم فيها. وليتأكدوا بأنفسهم من مدى نجاح المدرسة في القيام بواجبه تجاه الجيل ورأس المال اللذين وَكَلَهُما الشعب المسلم إلى المدرسة. فدأبت المدرسة على عقد حفلات توزيع الجوائز أمثالها كل سنةٍ إلا أنها-الحفلات- ربما كانت تُعقد على مستوى موسع، ويُدعى لها الناس من الأماكن البعيدة فضلاً عن ضواحيها. وعُقد هذا النوع من الحفلات أول مرةٍ عام 1290هـ، والثانية في عام 1292هـ، والثالثة في عام1298هـ وهذه هي الحفلة الخامسة، وكان أعظم ما سبقها من الحفلات. وحضرها كثيرمن المسلمين من أماكن كثيرة منها «علي كره» و«مرادآباد»، و«شاهجها فور»، و«بريلي» و«لاهور» كما حضرها ممثلون من أميرة «بهوبال» كذلك. وتم إنزال الضيوف في دارالعلوم وبيوت المدينة، وساهم أهل ديوبند في توفير التسهيلات وأسباب الراحة وقِرَاهُم كعادتهم.

     وعَرَضَت إدارةُ المدرسة تقريراً عن نشاطاتها على الحضور، وأنشد شيخ الهند محمود حسن الديوبندي- رحمه الله- قصيدة بهذه المناسبة، تناولت الأوضاع العلمية التي سبقت نشأة المدرسة وخطة إنشائها بأسلوب مؤثر جداً.

الشيخ حبيب الرحمن (ت 1348هـ / 1929م)

مديراً مساعداً:

     وفي عام 1324هـ وضع الشيخ الحافظ محمد أحمد - مدير الجامعة يومذاك - خطة موسعة تهدف إلى رفع موارد الجامعة المالية وتوسعتها توسعةً عظيمةً، وتطلَّب ذلك مساعدةَ وخدمة رجل ذي علم، ورأي سديد، يقِظ، يملك قدرة فائقةً على إدارة الشؤون، وذلك ليكون عوناً على تفعيل هذه الخطة وإعطائها ثمرتها، وليشارك إدارةَ المدرسة في الشؤون الإدارية. فاختار المجلس الاستشاري بناءً على طلب من إدارة المدرسة- الشيخ حبيب الرحمن العثماني - نجل الشيخ فضل الرحمن العثمانيالذي كان يحمل بصورة أتم -جميع المواصفات التي تتطلبها هذه الوظيفة الهامة.

مبنى مكتبة الجامعة:

     كانت المكتبة تقوم بنشاطاتها في الغرف المجاورة لمبنى «نودره» قبل أن يقام المبنى الخاص بها غير أنها-الغرف- ضاقت عن استيعاب الكم الهائل المتنامي من الكتب والمصادر العلمية فاشتدت الحاجة إلى مبنى موسع خاص بالمكتبة منذ السنوات الأخيرة، فعني بهذه الحاجة الملحة الأمير نواب يوسف علي أمير منطقة «ميندو» وأحد المتعاطفين مع المدرسة، وقدَّم تبرعاً سخياً قدره سبعة آلاف روبية تُنفق على بناء المكتبة، وعليه أطلق على مبنى المكتبة هذا يومئذ - حين الانتهاء منه «المكتبة اليوسفية». واستمر على ذلك مدة من الزمان. كما ساهم - علاوةً على الأمير نواب يوسف المذكور أعلاه- في بناء المكتبة بعضُ فاعلي الخير من أهل مدينة «ميروت». و وضِع حجر أساس المبنى في 2/صفر عام 1324هـ في جمع حاشدٍ. ويضم المبنى طابقين، يشغل الطابق الأولَ منه «دارُ الصنائع» وغيرها من الأقسام، والمكتبةُ في الطابق الثاني منه؛ حيث أقيمت الرفوف من أرضه إلى سقفه.

عام 1325هـ ، ووفياته:

     انتقل إلى رحمة الله تعالى في هذه السنة العديد من محبي الجامعة، منهم:

1.  الأمير نواب يوسف علي خان أمير ميندو-:

     من قدماء المتعاطفين مع الجامعة والمتبرعين لصالحها، كانت يده تجود بمبالغ هائلة دأبَ والده: الأمير نواب محمود علي خان على دارالعلوم، فقد تبرع في العام الماضي بسبعة آلاف روبية لإنشاء مبنى المكتبة. وجعل حظاً وافرا لدارالعلوم من غَلَّة العقارات التي وقفها في مرضه الذي مات فيه، تشرَّفَ بالبيعة على شيخ المشايخ الحاج إمداد الله قدس سره (1233-1317هـ /1817-1899م). وافاه الأجل في ربيع الأول عام1325هـ.

2.  ومنهم الشيخ محمد يسين الشير كوتي

     الأستاذ بدارالعلوم:

     من المتضلعين من علوم الرياضي، وله قدمٌ راسخة  ويد طولى في صناعة آلات الهيئة، توفي في «جدة» وهو في طريق عودته من الحج.

3.  الحاج ظهور الدين الديوبندي:

     توفي في نفس العام،كان من  أصحاب الإمام محمد قاسم النانوتوي الأوفياء، ويُعَدُّ من صفوة الصفوة من الناس بماكان يتصف به من الجدية ونقاء السريرة. وكان عضو المجلس الاستشاري عام 1311هـ.

4.   لم يتماثل هذا الجرح حتى توفي الشيخ فضل الرحمن

     في 3/جمادى الأولى عام 1325هـ

     وكانت له مساهمة في تأسيس دارالعلوم. وتقول التقارير الدورية لعام 1324هـ: «إن الشيخ فضل الرحمن من الأعضاء المحترمين الذين بُدئ تأسيسُ المدرسة على أيديهم، قضى الشيخ حياته كلها في خدمة المدرسة وتعاهدها، والاستماتة في سبيلها، والنصح لها. وصرف كل مساعيه ونشاطاته بقلبه وقالبه دائماً إلى شؤون المدرسة. وظل يُعمل الحذرَ والحيطة والأمانة والصدق والتبصر بالعواقب في شؤون المدرسة في كل حين».

     تلقى الشيخ فضل الرحمن دراسته في «كلية دهلي» على شيخ المشايخ مملوك علي قدس سره. وتضلع من علم الأدب العربي بوجه خاصٍ. وكان ناظماً وناثرا عربياً وفارسياً سلساً نقياً. له قدم راسخة في استخراج التاريخ من الحروف الأبجدية، بايع في أول حياته بعض المشايخ، ثم بايع الشيخ الكنكوهي في نهاية المطاف، وظل عضوا للمجلس الاستشاري طوال اثنين وأربعين عاماً.

*  *  *

الهوامش:

(1)   يريد به الشيخ محمد قاسم النانوتوي رحمه الله.

(2)   يريد به الشيخ محمد أحسن النانوتوي رحمه الله.

(3)   التقاريرالدورية لعام 1323هـ صفحة أخرى.

*  *  *



(*)      الأستاذ بالجامعة   Email: almubarakpuri@gmail.com