ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، ربيع الأول 1436 هـ = يناير 2015م ، العدد : 3 ، السنة : 39

 

دراسات إسلامية

 

من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند

(الحلقة 24)

بقلم:  الأستاذ/ سيد محبوب الرضوي الديوبندي رحمه اللّه

(المتوفى 1399هـ / 1979م)

ترجمة وتعليق: الأستاذ محمد عارف جميل القاسمي المباركفوري(*)

 

 

اقتراح بناء مسجد في الحرم الجامعي:

     لم يكن الحرم الجامعي يضم مسجداً فكان الطلاب يتوجهون إلى المساجد المجاورة لها لإقامة الصلوات، مما يؤدي إلى ضياع أوقاتهم، ويسبب لهم مشاكل ومتاعب، كما أن مكانة «دارالعلوم» كانت تقتضي بناء مسجد في حرمها، وكانوا يدرسون اقتراح بناء المسجد في الحرم الجامعي منذ زمان. وكان إعلان بناء السكن الطلابي عام 1316هـ إشارةً إلى توفير هذا المرفق الهام في الحرم الجامعي. و لم يتحقق هذا الأمل؛ لأن كل أمر مرهون بأوقاته، حتى دخل شهر رجب من عام 1325هـ فتقدم أحد فاعلى الخير من مدينة «ميروت» وهو الحاج فصيح الدين، وتبرع بألف وخمس مئة روبية تفي بالحاجات البنائية الأساسية للمسجد، فأنفقت على شراء قطعة أرض لبناء المسجد شمال البوابة المركزية.

عام 1326هـ وارتفاع تبرعات ولاية «بهوبال»:

     اتجهت أنظار ولاية «حيدرآباد»- التي أعادت إلى الأذهان ذكريات السلاطين القدماء في الإشراف على العلوم الدينية والعناية اللائقة بها- عام 1305هـ إلى «دارالعلوم» وبدأت تقديم التبرعات لصالحها بمئة روبية شهرية، ثم ارتفعت هذه التبرعات بمبلغ قدره خمس وعشرين روبية في السنوات الأخيرة لتصل في العام الجاري إلى250 روبية هندية.

     كما ارتفعت تبرعات ولاية «بهوبال» ارتفاعا ملحوظاً كذلك، فقد كانت في فاتحة أمرها ست مئة روبية هندية فارتفعت بمبلغ قدره مئتا روبية ثم لم يمض عليها إلا شهور حتى رفعوها إلى ثلاثة آلاف روبية هندية سنوية عقب رمضان عام 1327هـ .

انطباعات زائر:

     كان المولوي رحيم بخش رئيس ولاية «بهاول فور» ومن أبرز أعوان الجامعة - زار الجامعة و أبدى إعجابه، فنرى سرد قبسات من انطباعاته هنا، فقال المولوي رحيم بخش فيما قال: «زرت اليوم الكلية العربية في «ديوبند» واطمأن قلبي وقرَّت عيني بكل ما رأيته وشاهدته، وما أكثر المعاهدَ والكليات التي تركِّز على تدريس العربية على الطريقة القديمة في الهند، إلا أن كلية «ديوبند» تمتاز عن سواها بوجوه كثيرة. ودليلاً على ذلك أود أن ألقي نظرةً متأنية على تاريخ هذه الكلية، و أوجز بعض الأحداث التي مرت بها، فأقول: هذه الكلية من ثمار جهود كبار الحكماء والشخصيات المحترمة في الهند، تهدف إلى الحفاظ على أهداف وأغراض أهل السنة والجماعة، التي يخاف علىها الزوال و الانهيار من داخلها وخارجها خوفاً شديداً منذ سنوات عديدة. والمواد التي يتم تدريسها في هذه الكلية تتنوع أقسامها وتتعدد أنواعها. وتمتد الدراسة في الكلية على ثماني سنوات. فتقوم بتعليم الإملاء والنحو والصرف والعروض والفلسفة والمنطق والتاريخ والكلام والفقه والرياضي وقانون الشريعة، والعلم الإلهي والعلوم العقلية والذهنية. وهذه العلوم التي تشير التقارير الدورية الصادرة عن الكلية إلى تعليمها وتدريسها تعارض بعضها بعضاً إلا أن لكل واحد منها هدفاً بعينه يجمع بينها جميعاً. ويتم تعليم هذه العلوم كلها باللغة العربية انطلاقاً من الحرص على إعداد الطلبة إعداداً لغوياً عربياً كافياً، ليتلقوا بعد ذلك التعليم الذهني والعقلي وقانون الشريعة والتصلب في الدين، واتخذت هذه العلوم سبلاً وطرقاً إلى تعليم الإسلام تعليماً كاملاً غير منقوص؛ لأن الكلية قامت في الأصل على التعليم الديني المحض.

     ولاتحظى كلية في الهند بهذه الكثرة الكاثرة من الطلاب و جودة التدريس والتعليم مثل ما يشاهد ذلك في كلية «ديوبند». فأساتذتها ودعاتها كلهم من الشخصيات المحترمة وحكماء الإسلام. و يمثلون السلف الأول من الأمة الإسلامية، فكفاءتهم معترف بها ومشهورة. ويسلم عددٌ كبير من المسلمين في الهند وخارجها لما يُصدرون من الأحكام والفتاوى في الشؤون الدينية تسليماً ولايجدون في أنفسهم حرجاً مما قضوا. وإن صيت هؤلاء المشايخ وخاصة شيخ الهند محمود حسن لايقتصر على الهند. وهو من الأسباب التي رفعت ذكر هذه الكلية في المسلمين في أقصى الأرض وأدناها. و تحتضن الكلية اليوم350 طالباً، معظمهم يعيشون في سكن الكلية، وتتكفل الكلية نفقاتهم التي لاتُعَدُّ قليلةً بالنظر إلى مواردها. وينسل إليها الطلبة من مختلف ولايات الهند وخارجها. مما يكشف عن وفاء الكلية بحاجاتهم. وليس ذلك مفخرةً لمسلمي الهند فحسب، بل للحكومة الإنجليزية كذلك؛ لأن هذه الكلية من الكليات التي عمَّت خيراتها وامتدَّت بركاتها في البلاد. والمتخرج في هذه الكلية يُرَى بعين الرضا والتقدير العميقين في أوساط حزبه وجماعته. ويصل إلى أعلى سلم المنازل والدرجات و سرعان ما يعود هادياً ومرشداً لعددٍ جمٍ من أتباعه. وتَلقى أقوالُ خريجيها آذاناً صاغيةً وقلوباً واعيةً من المسلمين كلهم. فيتمكنون من توحيد صفوف كثيرة وجمع أحزاب مختلفة على كلمة واحدةٍ. و لايواجهون ضنكَ العيش وضيق الرزق لأنفسهم إلا ما شذَّ وندَرَ، وما أيسر عليهم الدخولُ في وظائف مصالح التعليم الحكومية.

     وهذه المدرسة - كما أسلفت - دراستها دراسة دينية محضة وفقاً للعصر القديم الشرقي. و أبنيتها نظيفة ذات روعة وجمال باهر. وهي في حاجة إلى أشياء غير الأبنية وفي حاجة ماسةٍ إلى مد يد العون المادي لها حتى يتسنى تطويرها والرقي بها بما ينسجم مع متطلبات العصر. وأسجل - عن رضى وطواعية - اسمي في قائمة المتبرعين لصالحها وأقدم تبرعاً قدره ألف روبية هندية.

عام 1327هـ وبناء المسجد:

     أسلفنا في ذكر أحداث عام 1325هـ شراءَ قطعة أرض يقام عليها المسجد في الحرم الجامعي، وفي هذا العام قدَّم أحد التجار من مدينة «راندير» من مديرية «سورت» [من ولاية غجرات] من فاعلى الخير وهو الحاج غلام محمد أعظم مبلغًا لبناء المسجد قدره تسعة عشر ألف روبية هندية. و وضع حجر أساس المسجد في 4/ ربيع الأول عام 1327هـ. وتقول التقارير الدورية عن مناسبة وضع حجر أسا س المسجد ما يلي:

     «وضع الصالحون من عباد الله تعالى حجر أساس المسجد في جمع حاشد من طلبة العلم، ثم وضع كل طالب حجرا حجراً بل رفعوا قواعدها الضاربة في الأعماق كثيراً بأيديهم، وشاركهم الأساتذة وأعضاء المدرسة كلهم برغبة وشوق كبيرين في حمل الأجر بأيديهم وعلى رؤوسهم، يرفعون جدرانها دون اللجوء إلى البنائين. وكان الشيخ الطبيب مسعود أحمد الخلف الحق للشيخ رشيد أحمد الكنكوهي قدس سره (ت1323هـ/ 1908م)- والشيخ عبد الرحيم الرائ فوري، وشيخ الهند محمود حسن الديوبندي (1268-1339هـ/1851-1920م) رئيس هيئة التدريس - والشيخ الحافظ محمد أحمد (1279-1347هـ/1862-1928م) يشـاركـون الطلبـةَ في حمـل الآجـر والطـين، فيـاله مـن فـرح ورغبة من الطلاب في التأسي بأسوة إبراهيم عليه السلام حين كان يبني الكعبة، وهم يرددون الأراجيز، ويدعون  بما دعا به إبراهيم عليه السلام حين كان يرفـع قواعد بيت الله الحرام؛ كل ذلك كان يخلق جواً مـؤثراً لايكاد يصفه قلم كاتب ولا لسان أديب. وتم وضع حجر أساس الجدار الشرقي على أيدي كل من الشيخ خليل أحمد السهارنفوري (1279- 1346هـ/1862-1927م) والشيخ أشرف علي (1280-1362هـ) المعروف بحكيم الأمة و الحافظ قمرالدين والشيخ أحمد الرامفوري، والشيخ سعد الدين والشيخ عبد الحق الفور قاضوي (1258-1341هـ/1842-1923م)، والشيخ ظهور علي المحامي بولاية «بهوبال». وحاصل القـول أن ذلك الوقت شهد جمعاً كبيراً من أهـل العلم والصـلاح، والحمد لله على ذلك».

     والمسجد له جزآن مسقفان، والجدار الشرقي الخارجي من الحجر، منقوش بنقوش لطيفة رائعة. كما أن المنارة كذلك منقوشة بنقوش جميلة، ومبنية من الحجر. وفي نهاية الفناء حوض من حجر، ونصب على واجهة المسجد رخام محفور فيه الأبيات التالية وهي من نسج شيخ الهند محمود حسن الديوبندي، معناها:

     بُنيَ المسجد في الحرم الجامعي

                سمعتُ ذلك من أفواه خُلَّاني

     قرأتُ في حجر في واجهة المسجد

                الاسم الأعظم حين ولجت في فنائه

     خررت ساجداً لله شكراً له

                فطــرق سمعي هـــذا النشيد

     اقترنت العبــادة بالعلـــم

                فإذا مدرسةٌ في زاوية الصلحاء

الشيخ أنور شاه الكشميري والشيخ المدني

على مقاعد التدريس:

     تقدم كل من العلامة أنور شاه الكشميري (1292-1352هـ/1875-1933م) والشيخ حسين أحمد المدني (1296-1377هـ /1879-1957م) اللذان تخرجا في الجامعة في السنوات الأخيرة  برغبتهما في التدريس بالجامعة لأعوام من غير أن يتقاضوا راتباً عليه، فوُكِلَ إلى كل منهما- نزولاً عند رغبتهما - مهنةُ التدريس في الجامعة. وسبق أن قام شيخ الإسلام حسين أحمد المدني بالتدريس أعواماً في المسجد النبوي الشريف مما رفع شخصيته أهمية ومكانةً.

نشأة جميعة الأنصار:

     بدعوة من الشيخ عبيد الله السندي (1298-1333هـ/1880-1914م) أنشأ خريجو دارالعلوم في رمضان عام 1327هـ جمعية سموها «جمعية الأنصار»(1). وأبرز الأهداف التي دعت إلى إنشاء الجمعية تعميمُ نفحات الجامعة ومدُ تأثيرها في العالم كما استهدفت الجمعية تقديمَ المساعدات المالية لها. وعقدت «جمعيةُ الأنصار» عام 1329هـ حفلاً عظيماً في مدينة «مراد آباد» سمَّتها «مؤتمر الأنصار». ثم لم يمض على ذلك إلا قليل من الزمن حتى نشأت فروع «جمعية الأنصار» باسم «قاسم المعارف» في كثير من مناطق البلاد. وأكد القائمون على الجمعية أن الهدف من ورائها الوقوفُ بجانب المدرسة العالية المركزية في «ديوبند» وشدُّ أزرها، ونشر نفحاتها وتفعيل نشاطاتها. فتقول التقارير الدورية: «نشر خيرات المدرسة وبركاتها وتعميمها، والتعبير الصحيح عن معاني الكتاب والسنة النبوية. وإلى نشر البحوث العلمية التي قام بها الإمام محمد قاسم النانوتوي في أكناف العالم قد يحقق أهدافاً كثيرة. وأرى أن الشكوك التي تثيرها الفلسفة اليوم قد كشفها الإمام محمد قاسم النانوتوي منذ زمان. وعلم الكلام الجديد بالنسبة لنا يتمثل في ضرورة دراسة كتابات الشيخ النانوتوي بإمعان وتأنٍ مثل دراستنا لكتب المنطق والفلسفة. وتشهد التجارب بأنه لم تُعرض البحوثُ العلمية التي قام بها الإمام النانوتوي على فلسفي من الفلاسفة إلا اقتنع بها وانشرح صدره لما نطق به النانوتوي كله. ويتحتم على الجمعية خدمة الإسلام مستلهمة من بحوث الإمام النانوتوي رحمه الله(2).

     علاوةً على ذلك استهدفت الجمعية أهدافاً هامةً علميةً، شرحتها تقاريرالجمعية وتقارير «دارالعلوم» إلا أن عمر الجمعية سرعان ما انقضى بسبب مصادفات الدهر، ولم يتحقق حلمها في تطوير «دار العلوم» والرقي بها.

*  *  *

الهوامش:

 (1)  للاستزادة منه راجع: تقارير جمعية الأنصار عام1327هـ ط: خيرية عامة، لاهور،ص 2،3.  

(2)   التقارير الدورية الصادرة عن دارالعلوم عام 1328هـ ص2.

* * *



(*)      الأستاذ بالجامعة   Email: almubarakpuri@gmail.com