ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، ربيع الأول 1436 هـ = يناير 2015م ، العدد : 3 ، السنة : 39

 

إصدارات حديثة

 

محاضرات في فن التدريس

تاليف: سعيد الأعظمي الندوي

الناشر: مكتبة الفردوس، لكناؤ، الهند

(الطبعة الأولى 1435هـ/2014م)

بقلم: رئيس التحرير

 

 

أهدى إليّ أديب العربية، العالم المتضلع، المدرس المتقن، الكاتب الإسلامي، رئيس تحرير مجلة «البعث الإسلامي» مدير دارالعلوم ندوة العلماء: فضيلة الشيخ سعيد الأعظمي الندوي حفظه الله مع الصحة ومزيد التوفيق نسخة من كتابه القيّم «محاضرات في فن التدريس» الذي صدر حديثًا بمدينة لكناؤ.

     وهو كتاب في فن التدريس كما يدلّ عليه عنوانه وهو في الأصل مجموع محاضرات عددها سبع عشرة محاضرة، ألقاها الـمُؤَلِّف في بداية الثمانينيات من القرن العشرين الميلادي المنصرم عندما كان أستاذًا شابًّا في دارالعلوم ندوة العلماء ضمن قسم تدريب المدرسين خارج مواعيد الدروس فيها.

     يقع الكتاب في 212 صفحة بالقطع المتوسط، ويزدان بطباعة فاخرة و ورق أبيض ناصع، وبخطّ عربي جميل. ويُحَلِّي الكتابَ مقدمة بقلم فضيلة الشيخ السيد محمد الرابع الحسني الندوي رئيس ندوة العلماء، ويليها كلمةٌ بقلم المؤلف.

     وغنيٌّ عن القول: أنّ مؤلف الكتاب صاحب المحاضرة لديه خبرة طويلة واسعة بالتدريس، وهو عالم متضلعٌ من اللغة العربية وعلومها وآدابها، وكاتب بليغ بها، وصحفي حَرَّرَ آلافًا من الصفحات، وإلى ذلك خطيب مصقع باللغة العربية؛ فتكوّنت لديه معرفة عميقة دقيقة بنفسيّة الطلاب والمتلقين والمستمعين، فصدر في محاضراته في فن التدريس إلى جانب دراسته للمؤلفات في الفن عن التجربة المختمرة الواسعة التي أَضْفَتْ على هاتي المحاضرات مسحةً رائعة من التميز، لاتوجد لدى المؤلف في فن التدريس، الذي يصدر عن مجرد الدراسة والتطواف بين الكتب في الفن.

     فبينما جاءت هذه المحاضرات كلها نافعة للغاية ثرّة بالمعلومات في فن التدريس التي لابدّ منها للمعلم ينصب نفسه مدرسًا يُنْشئ جيلاً من المثقفين ويُخَرِّج شبابًا مُرَبًّى على العلم وآدابه وأخلاقه ينفع نفسه ودينه وأمته ووطنه ومجتمعه عن أهليّة، إذ تَمَيَّزَتْ معظُمها بتجارب تدريسية عمليّة جَرَّبَها المؤلف المحاضر وعاشها وتعامل بها مع تلاميذه الذين تَخَرَّجُوا عليه، ويتغنّون بفضله المحاضر وغنائه في تخريج الطلاب على ما ينبغي أن يُخَرَّجُوا عليه حتى يكونوا إنسانًا في أصحّ معانيه.

     وقد أعجبني فيما أعجبني من المحاضرات، المحاضرة الخامسة التي عنوانها «الصفات التي يجب أن يحملها المدرس» حيث استفاد منها كاتب السطور بصفة خاصّة، وقد صادفت الصفات التي ذكرها مرقمة تحت عشرة أرقام مسلسلة هوى في نفسه؛ لأنه بدوره يُرَكِّز عليها خلال ممارسته للتدريس؛ حيث يحاول جهده أن يصدر عنها ويتعامل بها لدى قيامه بعملية التدريس التي أمضى فيها أكثر من 42 عامًا.

     وقد وجد كاتب السطور المحاضرة السادسة التي عَنْوَنَها المحاضر بـ«العلاقة بين التربية والتدريس» نافعة جدًّا. وهي محاضرة ذات أهمية قصوى لكل من يودّ أن يكون مدرسًا يحصد من النجاح أقصاه ويريد أن تأتي مهمته التدريسية بأكبر ما يمكن من النتائج المرجوة؛ لأن التعليم إذا خلا من التربية أو قصّر فيه أو جُعِلَ على الهامش، فإنه سيؤدي إلى نتائج وخيمة يعاني منها الجيل المثقف تلك الويلات التي نشاهدها اليوم ولاسيّما بين المثقفين بالثقافة العصرية، الذين مُعْظَمُهم يبدون بهائم وآلةَ هدم وإفساد وتدمير لإنسانية الإنسان.

     أمّا التعليمُ في الإسلام، فلم يكن إلاّ لتربية الإنسان على الأخلاق والآداب ونحته إنسانًا سويًّا يَتَوَخَّاه الإسلامُ؛ لكي ينفع نفسه و مجتمعه ويكون مرضيًّا لدى ربّه الذي خلقه فسوّاه؛ فالتدريسُ والتعليم في الإسلام وسيلة من وسائل التربية وصناعة الإنسان.

     وقد صدق المؤلف إذ قال:

     «ولذلك ظلّ التدريس والتعليم من أعظم وسائل التربية التي عُنِيَت بها أوساط التعليم والتربية في كل زمان ومكان وأولتها اهتمامًا كبيرًا... ... ولولا أن للتدريس هذه العلاقة بالتربية لما تصدّى علماءُ التعليم والتربية بإفراد الكتب في فن التدريس ووضعه في المكانة المهمة من التربية»(ص91).

     وكذلك أعجبت كاتبَ السطور المحاضرة الحادية عشرة، بعنوان «جلب اهتمام الطلاب وانتباههم» لأنه شيء يُرَكِّز عليه هو كذلك، ويعتمد عليه أساسيًّا في ضوء تجربته وباقتضاء طبيعته خلال قيامه بالتدريس؛ حيث إنّ إثارة الرغبة والانتباه لدى الطلاب تجاه المادة التي يكون المدرس بصدد تدريسه لهم، هو أهمّ شيء يجعلهم يتلقونها ويستفيدون منها بعد ما يكونون حريصين عليها ومحتضنين لها.

     فالاهتمام بالطلاب والحرص على إثارة الانتباه والرغبة لديهم في المادة التي هم بصدد دراستها أمر أساسيّ لا تتم عمليّة التلقين والتدريس إلاّ عن طريقه.

     وقد صدق المؤلف إذ قال:

     «ومن هنالك كانت قضية اهتمام المدرس بالطالب، واهتمام الطالب بدروسه وانتباهه لشرح أستاذه وبيان مدرسه ذات أهميّة كبيرة بالنسبة للمدرس النبيه. ذلك لأن المدرس مهما كان بارعًا ومتقنًا وذا كفاءة علميّة؛ ولكنه لايفيد الطالبَ؛ لأنهم ليسوا منتبهين إلى ما يقول، وليسوا مهتمين بما يُدَرِّسُهم، وإنما تشغلهم أفكار متشتة، وتصرف بهم عن شأن الدراسة أمور غير مهمة؛ فلابدّ للمدرس من تدريس تلاميذه بطريقة شيقة (شائقة) وأسلوب حكيم يجلب انتباههم إلى درسه، ويُرَكِّز اهتمامَهم على فهم مادته، والنزول إلى أغوار الموضوع، ولابدّ له من تنشيط فكر التلميذ للاستماع إلى بيانه وشرحه. والمدرسُ البارع يعرف مقدار النشاط العقلي وكيفية انتباه الطلاب؛ فلا يزيد عليه في إلقاء درسه، ولا يطالبهم بأكثر من ذلك المقدار فيما يدرسهم» (ص136).

     والمحاضرة الثانية عشرة والثالثة عشرة تتصلان بموضوع تحضير الموادّ وإعداد الدروس. وهما كذلك هامّتان جدًّا؛ حيث شرح فيه المؤلف حاجة المدرس الملحة إلى هذا الجانب الذي إذا أغفله، فشل في مهمته التدريسيّة، مهما كان ذا علم وخبرة وإتقان.

     وقد صدق إذ قال:

     «قد يغترّ بعض المدرسين بخبرته الطويلة في مجال التدريس، فيستهين بشأن الإعداد ويستمرّ في التدريس بدون أن يحضّر دروسه ويراجع مادته ويطالع موضوعه ويواجه الطلاب بنجاح؛ ولكنه هو نفسه قد يتعرض لموقف شائك سَيِّء و وضع مربك محرج، حينما يعجز عن حلّ مشكلة أو شرح مسألة، وينسدّ عليه طرق التخلص من ذلك الموقف، وتعجز كل الحيل عن إبقاء منزلته، ويخجل أمام تلاميذه الذين لا ينتظرون شيئًا في إساءة الظنّ به، وسرعان ما يحكمون عليه بما يحكمون من ضعف الكفاءة وقلة العلم، وهنالك يتزعزع مركزه» (ص145).

     ولقد أحسن المؤلف أيّما إحسان، عندما أعار اللغة العربية اهتمامًا خاصًّا، وأفرد لها محاضرته الرابعة عشرة بعنوان «اللغة العربية: أهميتها وخصائصها» وأكّد فيها أن اللغة العربية لها دورها الأساسي في بناء المجتمع الأفضل، وأن لها وظيفة مركزية في الحياة الفردية والجماعيّة، وأنها لغة عالمية، فلا تختص بشعب أو أمّة خاصّة، وأنها لغة الحياة بمفهومها الواسع.

     كما تحدّث في المحاضرة الخامسة عشرة عن تعليم اللغة العربية في الهند مشكلاتها وتطلعاتها. وركّز في المحاضرة على الأهداف التي ينبغي أن يتبنّاها مدرسو اللغة العربية في الهند، ولَخَّصَها في ثلاث نقاط كالتالي:

     1- تَعَلُّم اللغة العربية والتحمس لها والاعتزاز بها باعتبارها لغةَ الدين الإسلامي، وعنصرًا قويًّا من عناصر تكوين شخصية المسلم، وباعتبار أنها من مقومات الوحدة الإسلامية.

     2- الغيرة على أمجاد التاريخ الإسلامي، والتعلق بها عن عقيدة وإيمان، والفخر بأن أصحاب المجد الإسلامي إنما كانت لغتهم اللغة العربية؛ فلابدّ من تقليدهم واتّباع خطواتهم في هذا المجال.

     3- الحرص الشديد على الاتصال القويّ المباشر بمنابع الدين والفكر الإسلامي، والاطّلاع على حقائق الدين والعقيدة الإسلامية كما هي مشروحة موجودة في الكتاب والسنة. وذلك لا يتحقق إلاّ بتعلم اللغة العربية.

     كما أكّد أنه ينبغي أن لا يتصدّى لتعليم اللغة العربية من المدرسين إلاّ من يحمل الكفاءات التالية:

     1- أن يكون ذا قدرات لغوية بوجه خاصّ، وخبرات تدريسية في هذا المجال بالذات، كأن يكون قادرًا على أداء الفكرة بوضوح وطلاقة، وقادرًا على تطويع اللغة لمستويات الأطفال، وعلى حسن الإلقاء والأداء وعلى صياغة الأسئلة التي تتناسب سنّ الطفل وبيئته.

     2- أن يكون لديه إلمام كافٍ بطريق تعليم القراءة والكتابة، وخاصّة للمبتدئين مع الإتقان الكافي لقواعد النحو.

     3- أن يكون عنده قدرة تامّة على تعليم اللغة بنفس اللغة لا بالترجمة والنقل؛ فإن تعليم اللغة العربية للطلاب الهنود بواسطة الترجمة إلى اللغة الأردية يضرّ المبتدئين بوجه خاصّ، ويحول دون تعليم اللغة بطريق مباشر. (ص173-174).

     وقد يجوز أن يختلف أحد مع رأي المؤلف هذا الذي أبانه ضمن النقطة الثالثة الأخيرة رغم احترام رأيه وعاطفته لأن المبتدئين من الطلاّب لا يمكن تلقينهم العربية بالعربية؛ بل الأحسن تلقينهم إيّاها بلغتهم الأمّ. أما تعليم العربية بالعربية فيأتي دوره فيما بعد عندما يتمكن الطلاب من التزوّد برصيد لابأس به من اللغة العربية: مفرداتها وجملها وتعابيرها.

     على كل فالكتاب بمحتوياته القيمة ينبغي أن يدرسه كل مدرس يودّ أن يكون ناجحًا في مهمته وأن يكون تدريسه ذا نتائج مرجوة على المستوى المطلوب، ولا تذهب جهوده التدريسيّة التربويّة هباءً.

     ويمكن أن يطلب الكتاب من مكتبة الفردوس، مكارم نغر، لكناؤ، الهند؛ ومن مكتبة الشباب العلمية، شارع ندوة العلماء، لكناؤ؛ ومن المكتبة الندويّة، ندوة العلماء، لكناؤ، ص ب 93. وثمنه العام هـو 110 روبية هندية.