ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، ربيع الثاني 1436 هـ = يناير-فبراير 2015م ، العدد : 4 ، السنة : 39

 

دراسات إسلامية

 

دور الحديث النبوي الشريف في توسعة نطاق النثر العربي

بقلم: محمد سعيد الله بن شيخ نور عين(*)

 

 

 

نال النثر العربي في محيط الجزيرة العربية رواجاً عاماً وانتشاراً مدهشاً في كل جانب من جوانب الحياة الفردية والاجتماعية، وبلغ قمّة التطور والازدهار إذ أن أعظم وأهم العوامل الباعثة على هذه النهضة الأدبية والنثرية الحاسمة في المجتمع العربي المليء بإنشاد الشعر وقريض الشعراء كان بزوغ شمس الإسلام الساطعة الوهاجة حاملة رسالة الهداية والسعادة للبشرية جمعاء ونداء رسول الإسلام - عليه الصلاة و السلام - من قرن جبل فاران بمكة المكرمة يا صباحاه وقولته المدوية المجلجلة «يا أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، ونزل القرآن الكريم في ثوب نثري محكم متين من البيان المعجز الرائع.

     وكان هذا الانقلاب الجوهري والحركة الإسلامية الضاربة بكل منكر وباطل في أمس حاجة إلى بث أفكارها ونشر مبادئها وتقديم مناهجها في المجتمع البشري مع تقويض المبادئ الجاهلية واجتثاث أسسها وفحص زيفها وتشخيص فسادها ودحض أوزارها ومكافحة أتباعها ومجادلة معتنقيها بالدلائل القاطعة والحجج الساطعة وتزييف مزاعمهم الباطلة إلى النثر السلسال والكلام المرسل السهل الممتع. وفي الواقع كان النثر بهذا المقام أقدر وسيلة وأهمّ أداة للقيام بهذه الوظائف الربانية والمسؤوليات الدعوية المزدوجة، ومن هنا أصبحت الخطابة والبيان بأسلوب سهل جذاب وسيلة مهمة وأداة فعالة لنشر الدعوة الإسلامية العالمية والصدع بما جاء القرآن الكريم من أوامر الله سبحانه وتعالى وكان رسولنا العربي محمد –صلى الله عليه وسلم- قد مكث ثلاثة عشر عاماً بمكة المكرمة يدعو الناس إلى دين الإسلام وينافح عن حظيرة الإسلام وحوزته ولا يكاد يسنح له فرصة أو مناسبة ملائمة إلا ويقوم في الناس من أبناء عشيرته أو غيرهم ويتحدث بالخطب البليغة والكلمات الساحرة تفسيراً للقرآن الكريم وتأويلاً لوحيه. وكان ذلك بالنثر العربي البليغ والكلام المرسل الفصيح، يفهمه كلٌ من الداني والقاصي وبالتالي وجد النثر العربي مجالاً واسعاً للانتشار والذيوع ولا سيّما عندما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل ويتحدث إلى كل أمير الركب:

     «ويقول –صلى الله عليه وسلم-: لا أكره أحداً منكم على شيء؛ بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلّغ رسالة ربي فلا يقبله أحد؛ بل يقولون: قوم الرجل أعلم به»(1).

     ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت852هـ) في فتح الباري شرح صحيح البخاري ما رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه الحاكم من حديث جابر:

     «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقول: هل من رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشاً منعوني أن أبلّغ كلام ربي، فأتاه رجل من همدان فأجابه ثم خشي أن لا يتبعه قومه فجاء إليه فقال: آتي قومي فأخبرهم ثم آتيك من العام المقبل، قال: نعم، فانطلق الرجل وجاء وفد الأنصار في رجب»(2).

     وتعاظمت أهمية هذه الخطب الرائعة والبيان الساحر بعد الهجرة النبوية التاريخية التي غيرت مضمار الحياة وأحدثت ثورة عارمة في كل شعبة من شعب الحياة الفردية والجماعية وغيرت مجرى التاريخ لو اجتمعت أقلام أدباء البشرية بأجمعهم وأقبل جلّ كتّاب هذه الكوكبة الأرضية من كل ملة ونحلة ولغة ولسان على الوصف والبيان لما استطاعت وصفها وبيان روعتها وجمالها وجلالها فتعددت دواعي الخطابة والكتابة وكثرت أغراضها وازدوجت حاجياتها ومسؤولياتها، فكانت خطب الرسول - عليه ألف ألف تحية وسلام - تتحدث عن مبادئ الإسلام وسلوكياته وتعبر عن رسالته العالمية وفضلها ومنتها على البشرية جمعاء كما كانت هذه الخطب والأقوال المصطفوية تسلط الضوء على بيان أنظمة الدولة الإسلامية القائمة في مهجر الرسول صلى الله عليه وسلم.

     وقدم المدينة المنورة - وهي مهجر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم - العددُ الهائل لا يأتي عليه الحصر من الوفود والسرايا ولم يعد موكباً وإنما صار طوفاناً من البشر ولجّاً طامياً من الناس، الأمر الذي أدى إلى تهذيب اللغة العربية ورواج النثر العربي وكان هذا النثر الفياض الزاخر بكلمات متدفقة باليقين الراسخ والإيمان المحكم ومتلاطمة بالحب والحنان والرحمة والنصح للناس جميعاً يؤدي وظيفتها في توجيه الناس وتوعية الوفود البشرية وحث المجاهدين المناضلين من أجل نشر رسالة الإسلام وإعلاء كلمة الله في الأرض حين هبت ريح الإيمان والإسلام في بقاع الجزيرة العربية وكان النثر العربي المرسل من خلال ذلك المناخ الواسع يتقدم ويزدهر ويسود الجو العربي ويتخلى عن السجع والقافية.

     يقول سماحة الشيخ السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي في السيرة النبوية:

     «كانت هذه الوحدة اللغوية التي امتازت بها هذه الجزيرة من أهم أسباب تيسير مهمة الدعوة الإسلامية وسرعة انتشار الإسلام فيها ومخاطبة الوحدات العربية المنتشرة، في لغة واحدة هي اللغة العربية الفصحى وبكتاب واحد هو القرآن العربي المبين»(3).

     ويقول الأستاذ إبراهيم عبد الخالق:

     «كان الغالب على العرب قبل الإسلام الأمية وعند ظهور الإسلام فشت الكتابة وكثر الكتاب للحاجة إلى تدوين الوحي والرسائل التي كان يبعث بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء وإن انصرفت نفوس القوم يومئذ عن تدوين علومهم في الكتب وعوّلوا على تسطيرها في صحائف ذاكرتهم، وقد كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة من الصحابة وقد أمر بعد غزوة بدر من لم يكن له فداء من الأسرى أن يعلم عشرة من أولاد المسلمين الكتابة»(4).

     عندما ننظر إلى أوائل المؤمنين بالإسلام نجد كثيراً منهم كتّاباً مثل الخلفاء الراشدين الأربعة وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعيد بن أبي وقاص وعامر بن فهيرة ومعيقيب بن أبي فاطمة وحذيفة بن اليمان وغيرهم، وهكذا تيسر للرسول صلى الله عليه وسلم أن يجد حوله جماعة من الكتاب يدونون له ما يمليه عليهم من آيات القرآن الكريم. واشتهر جماعة من الصحابة بكتابة الوحي على رأسهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب؛ فإن غَابَا كتب أبي بن كعب وزيد بن ثابت(5)، كما اشتهر بها أيضاً معاوية بن أبي سفيان(6).

     ويستطرد الأستاذ متحدثاً عن النثر العربي عند مجيء الإسلام فقال:

     «إن سنة النمو تشمل اللغات كما شملت المخلوقات، فالنثر قد بلغ في ابتداء الإسلام مبلغاً من الكمال والاتساع في وجوه الاستعمال وحسن العبارة لفظاً وأسلوباً بما اكتسبه القوم من بلاغة القرآن والجري على محكم أسلوبه وبما حركوا إليه هممهم من الفتوحات واختلاطهم بالأمم المتمدينه فرقت بذلك عواطفهم ولانت طباعهم وذهبت عنهم الوحشة والتعمق في التراكيب والمعاني وتغيرت أساليبهم التي كانوا يتوخونها أيام جاهليتهم(7).

     ويقول الدكتور محمد بن حسن الزير وهو يتحدث عن تطور اللغة العربية وازدهار الكلام المرسل وخروج العرب الأولين في ظل الإسلام عن الصنعة والتكلف والسجع إلى السهولة واللين فيقول:

     «وقد زخرت الحياة الأدبية في ظل الإسلام بفيض مديد من العطاء الأدبي الخالد، وكان أثر الإسلام في ذلك الأدب واضحاً، حيث نجد الصورة الجديدة للأدب مختلفة عما كانت عليه قبل الإسلام، فقد غير الإسلام طباع العرب من الخشونة إلى السهولة واللين مما جعل أدبهم يتدفق عذوبة وسلاسة في أساليب جزلة رائعة، كما أكسبهم عمقاً في التفكير وسعة في الأفق والمعرفة جعلهم يعبرون بدقة وبصور قوية بارعة تعتمد على البراهين»(8).

     وكما ذكرنا أن النثر العربي الطبيعي المرسل قد أصبح يفيض وينطلق في ظل الإسلام الظليل عن عاطفة قوية وحماسة روحانية يؤججها ويدفعها إيمان قوي عميق ورسالة خالدة باقية نامية؛ مما جعل هذا الأدب المتين كأداة قوية ومؤثرة نافذة للتعبير والبيان والكلام الساحر الذي يضرب على الوتر الحساس لنبع حياة البشر. وهذا الأدب المحكم المتين يضاد زعم كثيرين من دارسي اللغة العربية لما ساد عنهم في الأوساط الأدبية والعلمية فكرة حدوث الضعف والركاكة والفتور في ميدان الأدب العربي ولاسيما قريض الشعر الرائع البليغ خلال فترة النبوة والخلافة الراشدة، ويذهبون في تعليل ذلك مذاهب مختلفة، كما يهملون جانب النثر العربي وقتذاك، ولا يكاد أحدهم أن يلتفت إلى الأمر الواقع فنسمع جعجعة ولا نرى طحنا! وهنا نسرد أقوال أولئك الكتّاب والمؤرخين الذين يقرّرون الضعف والركاكة في الشعر والأدب العربي فمنهم المؤرخ البارع ابن خلدون وها هو يقول:

     «ثم انصرف العرب عن ذلك أي عن الشعر أول الإسلام بما شغلهم من أمور الدين والنبوة والوحي، وبما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه، فأخرسوا عن ذلك وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زماناً»(9).

     ويقرر ذلك الأستاذ جرجي زيدان قائلاً:

     «إن الشعر في عصر الراشدين توقف لاشتغال المسلمين عنه بالفتوح»(10).

     ولكن الواقع الملموس الذي تؤكده الدراسة الجادة المبنية على دراسة الفترة النبوية والثورة العارمة التي حدثت بمجيء الإسلام في بقاع الجزيرة العربية وهزتها هزاً عنيفاً دراسة متأنية شاملة، هو أن الشعر في الإسلام لم يضعف ولم يتفكك ولم يهن، وأن الفتوح الواسعة لم تشغل المسلمين عن التقريض وإنشاد الأبيات البليغة والإتيان بالشعر العربي المحكم المتين؛ بل إنها كانت كما يقول الدكتور النعمان القاضي في شعر الفتوح الإسلامية:

     «فترة حية لم تستطع الظروف القاسية التي رافقتها من حركة الفتح والهجرات والصراع أن تذهب فيها بالمواهب الفنية للنفس العربية التي ألفت الشعر ومرنت عليه»(11).

     يقول الدكتور شوقي ضيف وهو يسلط الضوء على صورة الأدب العربي في صدر الإسلام ويرد على تلك المزاعم الباطلة والآراء الخاطئة:

     «ودفعتني النصوص الكثيرة في عصر صدر الإسلام إلى نقض الفكرة التي شاعت في أوساط كثيرة من عرب ومستشرقين، إذ ذهبوا يزعمون أن الإسلام انحسر عن أثر ضئيل نحيل في أشعار المخضرمين، وهو زعم غير صائب، بل هو زعم يسرف في تجاوز الحق؛ فقد أتم الله على الشعراء نعمة الإسلام، وانتظم كثيرون منهم في صفوف المجاهدين في سبيل الله داخل الجزيرة العربية وفي الفتوح، وهم في ذلك كله يستلهمون الإسلام، ويعيشون له، ويعيشون به، يريدون أن ينشروا نوره في أطباق الأرض، وقد مضوا يصدون عنه في أشعارهم صدور الشذى عن الأزهار الأرجة، وبالمثل صدروا عنه في نثرهم، فإذا هم يستحدثون فنوناً من النثر ينشئونها إنشاء، إذ أنشؤوا على هدى من القرآن آيات بديعة من المواعظ الدينية، كما أنشؤوا ضروباً من المعاهدات والرسائل السياسية والتشريعية»(12).

     وأضاف الأستاذ يحيى الجبوري قائلاً وهو يتحدث عن ذلك العهد الانقلابي والنهضة المدهشة في كل قطاع من قطاعات الحياة وجميع شؤون الدولة الإسلامية ونواحي حياة المعتنقين بالإسلام والذين يتابعون الفتوحا&