ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، ربيع الثاني 1436 هـ = يناير-فبراير 2015م ، العدد : 4 ، السنة : 39

 

دراسات إسلامية

 

قضايا معاصرة في تدريس اللغات الأجنبية والعربية

في الجامعات الهندية

(1/2)

بقلم: د. عبيد الرحمن طيب(*)

 

 

 

اكتسبت اللغات الأجنبية أهمية قصوى في العصر الراهن حيث يرغب كل مثقف في تعلم أكثر من لغة واحدة؛ بل يتعلم بعض الناس عدة لغات أجنبية إلى جانب لغاتهم الأم. وبفضل الاحتكاك المتزايد والتفاعل الحضاري والثقافي والسياسي والاقتصادي اشتدت الضرورة إلى تعلم لغات أجنبية في هذا الزمن أكثر من أي وقت مضى. كما أن الاهتمام بالاطّلاع على علوم ومعارف الشعوب والأمم الأخرى يزيد هذه الرغبة. وكذلك لم تعد العلوم والفنون تنحصر في شَعب أو أمة أو جماعة دون غيرها بل تنتشر في جميع الشعوب و الأمم. وما من شك أن العلوم والتكنولوجيا أحدثت ثورة في كل مجالات الحياة البشرية، وحولت العالم إلى قرية صغيرة. و يشجّع انفجار المعلومات وشبكة الإنترنيت و وسائل الاتصال السريعة رجل العصر الحاضر على أن يخوض مجالات الحياة البشرية مباشرة، ويفهم الآخرين بدون حواجز لغوية، ويستفيد بما لديهم من حضارة وتقاليد وعلوم ومعارف. فإن الضرورات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية تحثّ الدول والحكومات على تدريس اللغات الأجنبية وإقامة معاهد ومؤسسات ومراكز لها.

     إن تاريخ تعلم اللغات الأجنبية في الهند يرجع إلى الزمن القديم حيث نشأت علاقات تجارية بين الشعب الهندي والعربي، ثم جاء الإسلام الذي دفع حركة التعلم إلى الأمام، وبعد فترة وجيزة وصلت الفارسية إلى أرض الهند، والتي كانت لغة الحكام المسلمين وظلت لغة رسمية لعدة قرون في شبه القارة الهندية، ثم احتل البريطانيون الهند ونشروا اللغة الإنكليزية، فأصبحت الإنكليزية لغة رسمية، وبعد استقلال البلاد لاتزال تعتبر لغة ثانية لها، واتسعت دائرتها وأصبحت اللغة الأم لجماعة من الناس، ولاتزال لغة أجنبية لمعظم سكان الهند؛ ولكنها تفوق اللغات الأخرى، ولاتجاريها أية لغة أخرى، فهي اكثر انتشارا ونطقا دون غيرها في الهند، وتأتي اللغة العربية في المرتبة الثانية بفضل كونها لغة الدين الإسلامي والمدارس الإسلامية، فهي تُعلّم في كافة أرجاء الهند، خاصة في تلك المناطق التي يسكن فيها عدد وجيه من المسلمين. وبعد استقلال البلاد أنشئت معاهد ومؤسسات وكليات وجامعات حيث بدأ تعليم اللغات الأجنبية الأخرى، فهناك عدد كبير من الجامعات التي تدرس اللغات الأجنبية حسب احتياجات البلاد. فلا توجد هناك جامعة لا تدرس بعض اللغات الأجنبية، ويمتاز بعض الجامعات بتدريس اللغات الأجنبية مثل جامعة جواهرلال نهرو بدهلي الجديدة، وجامعة اللغة الإنكليزية واللغات الأجنبية بحيدرآباد. وفيما يخص بجامعة جواهر لال نهرو فإنها تدرس نحو سبع عشرة لغة مثل العربية والفارسية والصينية واليابانية والكورية وبهاشا إندونيسيا والتركية والعبرية والإنكليزية والفرنسية والألمانية واليونانية والروسية ومن اللغات المحلية الأردية والهندية والتاميلية والسنسكريتية وما إلى ذلك.

     وفي الوقت الحاضر تُدرّس لغات أجنبية في كافة دول العالم ناميةً كانت أو متقدمةً، ولتدريس هذه اللغات بشكل فعّال بذلت جهود مضنية لإيجاد طرق وأساليب جديدة وممتعة وسهلة، وأجريت دراسات عديدة خاصة خلال الحرب العالمية الثانية، وبعدها لا تزال تُجرى الدراسات العلمية التي تقدّم أفكاراً مبدعة ونظريات وطرقًا وأساليب وتوجهات جديدة لتدريس اللغات الأجنبية وذلك على مستوى الحكومات والأفراد كليهما، وتمخضت عنها طرق جديدة مثل الطريقة السمعية الشفوية والطريقة المباشرة والطريقة الطبيعية وطريقة الصمت الكامل وطريقة الموسيقى وطريقة الحوار.

     خلال هذه التجارب البشرية لتدريس اللغات الأجنبية نشأ العديد من القضايا لتعليم وتعلم اللغات الأجنبية. وقبل كل شيء يجب تحديد تعريف اللغة الأجنبية. فأية لغة لغة أجنبية؟ وأية لغة لغة أم؟ فالمعروف أن اللغة الأم هي ما يتعلم الإنسان من أمه وأبيه منذ أن يفتح عينيه في هذا العالم إلى أن يستمر في تعلمها وممارستها حتى تترسخ في نفسه؛ ولكن أتى الخبراء بتعريف دقيق فيقولون: إن كل لغة يتعلمها الإنسان في الطفولة ويستمر في تعلمها حتى تستقر في نفسه ويتمكن من استخدامها تلقائيا، فهي بالنسبة إليه اللغة الأم. وكذلك تسمى اللغة الأم بـ«اللغة الأولى» واللغة الأجنبية بـ«اللغة الثانية».

     وبهذا الصدد يكتب إتش إتش إسترن:

     «فالمصطلحات مثل اللغة الأولى تستخدم للإشارة، قبل كل شيء، إلى أن شخصا قد اكتسب اللغة في الطفولة وأيام الصبا المبكرة ( لذا هي الأولى، أو الأصلية) وعامة داخل الأسرة (لذا هي اللغة الأم)».

     في بداية الأمر كان مصطلح اللغة الأجنبية يستخدم مقابل اللغة الأم؛ ولكن شيئا فشيئا راج مصطلح اللغة الثانية، وفي الوقت الحاضر يستخدم بكثرة. وقد أتى إسترن بتعريف للغة الأجنبية أو اللغة الثانية هكذا:

     اللغة الثانية هي لغة اكتسبت (أو سيتم اكتسابها ) بعد اللغة الأصلية (الأم).

     وقد قامت السيدة رينوكا دي سري هاتي (Ms. Renuka D. Srihatti) بتوضيح هذين المصطلحين في مقالها بعنوان «تدريس اللغة الأجنبية وتدريسها في الهند»:

     «اللغة الأجنبية هي اللغة التي تكون غريبة للمتحدث وهو/هي لا يملك القدرة على استخدامها في كل الأحوال وهي أيضا تسمى باللغة الثانية».

     وتقول عن اللغة الأم:

     «اللغة الأم هي اللغة التي تسمع وتكتسب بعد الطفولة في الصغر والتي يملك المتحدث القدرة على استخدامها في كل الأحوال خاصة في الحياة اليومية».

     وتضيف قائلة:

     «اللغة الإنكليزية تدرس في معظم المدارس الهندية من الصف الخامس، وفي المدارس التبشيرية من الروضة، فهي ليست بلغة أجنبية لهؤلاء الطلبة وإنما هي اللغة الأولى لهم؛ ولكن اللغة الفرنسية والألمانية والروسية لا تدرس لحد الآن  في المدارس في كل مكان؛ لذا مازالت لغة أجنبية للطلبة الهنود، ولم تصبح اللغة الأولى. وعندما يحصل الطلبة الهنود على مقدرة لاستخدام هذه اللغات في كل الأحوال، فلن تبقى هذه اللغات لغة ثانية لهم بل تصبح لغة أولى».

     إن اللغة الإنكليزية في الهند بمثابة اللغة الأم لفئة من الناس؛ ولكنها لغة أجنبية لفئات أخرى، وكذلك العربية يمكن أن نعتبرها اللغة الأم لفئة من الناس دون الآخرين. وكذلك اللغات الأخرى مثل التاميلية والسنسكريتية والماليالمية والكندية والبنغالية والآسامية والكشميرية هي اللغة الأم لسكان تلك المنطقة؛ ولكنها لغات أجنبية لسكان مناطق أخرى حيث لا يفهمون ولايعرفون عنها شيئا. ولكن بسبب المصالح السياسية لا تطلق على هذه اللغات اسم اللغات الأجنبية بل تسمى بـ«اللغات المحلية أو الهندية».

     فلا شك في أن اللغة العربية التي تدرس على مستوى الجامعات والكليات هي لغة أجنبية لنا نحن الهنود. ويلتحق بالكليات والجامعات الطلبة من خريجي المدارس الإسلامية وخريجي المدارس العصرية. وهناك بون شاسع بين مستويات هاتين الفئتين من الطلبة، فخريجو المدارس الإسلامية يتمتعون بدرجة عالية من الكفاءة اللغوية ولا يحتاجون إلا إلى صقل مواهبهم والتدريب على التحدث والكتابة. وأما خريجو المدارس العصرية الذين يلتحقون بالكليات والجامعات فهم مبتدئون لايعرفون أبجدية اللغات الأجنبية وقد بلغوا من عمرهم ثماني عشر سنة أو أكثر وهم شبان ناهزون. أو منهم من بلغ خمساً وعشرين سنة أو أكثر من عمره فما هي الطرق والأساليب لتدريسهم اللغات الأجنبية؟ وكيف يمكن تعليمهم اللغات الأجنبية؟.

     والقضية الأساسية التي تناولها أساتذة اللغات الأجنبية عبر العالم خاصة في أوربا هي طرق تدريس اللغات الأجنبية، وطوروا طريقة بعد طريقة لتعليمها وعلى سبيل المثال طريقة النحو والترجمة والطريقة الشفوية-السمعية والطريقة الشفوية-البصرية والطريقة الفطرية والطريقة المباشرة وطريقة الصمت الكامل وطريقة الغناء والموسيقى وطريقة الاستجابة الجسدية الكاملة وطريقة التواصل والحوار وما إلى ذلك. فالسؤال ما هي الطريقة الحسنى والمثلى لتدريس لغة أجنبية؟ والإجابة ليست بسهلة ولكل منها مزايا وخصائص تتسم بها وكذلك عيوب ونقائص. ويجب على أستاذ اللغة أن يتعرف على كافة الطرق والأساليب الجديدة والقديمة لتعليم اللغات الأجنبية ويعرف محاسنها ومعايبها وينتقي النقاط الهامة من كل طريقة وينتهج منهجا يلائم مع ظروفه وأحواله ويناسب أهدافه وأهداف الطلبة الذين يتعلمون اللغات الأجنبية في الجامعات الهندية. وهذا ما يراه بعض أساتذة اللغات الأجنبية وأيّدهم اللغوي الخبير ريفرس أيضا. وقد كتب إسترن:

     «يناقش بعض الأساتذة أن هناك بعض المزايا في كل منها واتبعوا نظرية انتقائية حصلت تأييدا في الطبعة الثانية للدليل الذي أعده الخبير ريفرس(1981م)».

     و هنا يبرز سؤال آخر، هل هناك طريقة تلائم لغة دون لغة؟ فالرد هو أنه في معظم الأحيان قد لاتكون كذلك، إلا أن اللغة تعتبر وعاء لثقافة وحضارة كل أمة، ومن هذا المنطلق قد لاتسمح عقائدها وقيمها تطبيق طريقة تمس بحضارتها وقيمها، وعلى سبيل المثال طريقة Suggestopedia التي وضعها لوزانوف، وتدور حول الموسيقى والغناء. فهل يمكن أن نستخدمها لتدريس اللغة العربية؛ إذ هي لغة أجنبية مثل اللغات الأخرى؛ ولكن تنتمي إلى حضارة وثقافة إسلامية وعربية لا تستحسن الغناء والموسيقى. فأولا ما هذه الطريقة؟ ويكتب عنها ريتشارد ما ملخصه: «هي طريقة طوّرها المستشار النفساني والتربوي البلغاري الجنسية جورج لوزانوف (George Lozanov). وهي مجموعة اقتراحات ووصايا خاصة استمدها من علم الاقتراحات الذي يصفها لوزانوف بأنها علوم تتعلق بدراسة منظمة للآثار غير منطقية واللاشعورية التي يستجيبها الإنسان بصورة مستمرة. وأبرز مزايا طريقة Suggestopedia  هي الزخرفة، والتأثيث، وترتيب وتنظيم الفصل واستخدام الموسيقى والسلوك الديناميكي للأستاذ.

     ويعترف لوزانوف بأن جذور هذه الطريقة متأصلة في تقاليد اليوغا وعلم النفس السوفيتي؛ فإنه استعار بعض الأفكار من اليوغا المسمى بـ«راجا يوغا» وقام بتعديل إجراءاته واستخدم تردد أصوات التنفس لخلق أوضاع الوعي والتركيز. وكذلك استعان من علم النفس السوفيتي أن كل الطلبة يمكن تدريسهم موضوعا محددا بنفس مستوى المهارة. ويَعِدُ بالنجاح بطريقة Suggestopedia للطلبة المتميزين وغير المتميزين على السواء. وعلم النفس السوفيتي يؤكد أيضا على الجو التعليمي.

     ويمكن وصف علم الاقتراحات بأنه مجموعة طرق وأساليب لخلق النشاط وتحسين التعليم والاستعادة إلى الذاكرة. ويعتقد لوزانوف بأن التعلم يحصل في وضع مريح لكن مركز. ويدعي أنصار هذه الطريقة أن الحفظ في التعلم بطريقة علم الاقتراحات يضاعف بقدر 25% مقارنة مع التعلم بالطرق التقليدية.

     وأهم وأبرز ميزات وخصائص Suggestopedia أن هذه الطريقة تدور حول الموسيقى والنبرات الموسيقية للتعلم. وهكذا لهذه الطريقة صلة مع الاستخدامات الوظيفية للموسيقى خاصة للعلاج. وجدير بالذكر أن هذه الطريقة تقترح التعلم بالتغني حيث إن الأستاذ أو الملحن يتغنى المواد الجديدة بصوت حلو في الفصل. وأنها تحوّل قاعة الدرس إلى مسرح صغير.

     أما المقرر لبرنامج (كورس) Suggestopedia فيستغرق 30/ يوما ويتضمن 10/ وحدات للدراسة. وتعقد الفصول لمدة أربع ساعات كل يوم وستة أيام كل أسبوع. والتركيز الأساسي لكل وحدة هو حوار يشمل 1200/ كلمة أو هكذا، ويرافقها قائمة للكلمات المساعدة وتعليقات نحوية ويرتب الحوار بالتدريج حسب الكلمات والقواعد النحوية.

     والملفت للنظر أن كل طالب يعطى اسما جديدا في الصف. والغرض منه مساعدتهم في تادية الأدوار المناطة بهم وفصلهم من حياة تعلمهم في الماضي؛ فإنهم يعطون أسماء جديدة وسجلا ذاتيا في الحضارة المستهدفة. وهذه الأسماء تتضمن أجزاء من لغة الحضارة المستهدفة التي يجد الطلبة النطق بها صعبا وعلى سبيل المثال طالب اللغة الإنكليزية قد يكون اسمه الممثل Anne Mackey في مدينة كنساس.

     والأحسن أن ينتمي فريق المتعلمين إلى جماعة اجتماعية، ويتضمن 12 طالبا وطالبة و يتم توزيعهم بصورة متساوية، ويجلسون في حلقة حيث يواجه بعضهم البعض ويشاركون في النشاط (التعليمي).

     فمن ناحية إنها تتعارض -على حد زعم بعض التربويين مع المثل والقيم الإسلامية مثلا تدور حول الغناء والموسيقى؛ ولكن من ناحية أخرى نرى أن الطلبة يجلسون في حلقة وجها لوجه كما يجلس الطلبة في المدارس الدينية فهذا يطابق تقاليد المدارس الدينية. فما هو الحل إذاً؟ أرى أنه يمكن تجنب الغناء والموسيقى ولكن قراءة النص بصوت حلو واضح حيث يصبح كل حرف ولفظ واضحا للسامع وعندما يستمع كلام الأستاذ يتمتع بحلو صوته وكلامه معا».

     ويبدو من المستحسن أن يستفيد الأستاذ من كل الطرق والأساليب حسب الحاجة ويثري تدريسه من كافة التجارب البشرية في باب التعليم والتعلم وفي هذا الصدد يكتب إسترن:

     «لايقترح أن كل العوامل مهم بشكل متساوٍ في جميع الأحوال؛ ولكن  بسبب التعقيد المتأصل للغة وتعلم اللغة، قد تكون الطريقة التعددية أكثر إنتاجا في العمل أو البحث بدلا من طريقة أو أسلوب واحد».

     وقضية هامة أخرى هي قضية الواسطة لتدريس لغة أجنبية. فهل تستخدم اللغة الأم لتدريس لغة أجنبية أم تلك اللغة نفسها؟ وقد جرت العادة في القرون السالفة أن اللغات الأجنبية كانت تدرس بواسطة اللغة الأم كما كان الأمر بالنسبة للاطينية وكما هو الأمر حتى الآن لتعليم اللغة العربية بواسط اللغة الأم في شبه القارة الهندية. ولكن في القرن التاسع عشر والعشرين ظهر في أوربا فئة من المصلحين نادوا باتباع طريقة الطفل في تعلم اللغة وظهرت الطريقة المباشرة لتعليم اللغات الأجنبية التي ركزت وشددت على تدريس لغة أجنبية بنفس اللغة. ويتفق الخبراء أنه لاتدرس لغة أجنبية إلا بنفس اللغة أو بواسطة اللغة الأم. ولكن من الغريب أن اللغة العربية في شبه القارة الهندية في العصورالوسطى كانت تدرس بواسطة اللغة الفارسية والآن تدرس بواسطة اللغة الإنكليزية أوباللغات المحلية مثل الأردية والكشميرية والمليالية والبنغالية. والعيب كل العيب أن تدرس العربية بواسطة لغة أجنبية مثل الإنكليزية والتي تزيد الطلبة عبأ؛ إذ عليهم أن يتعلموا اللغة الإنكليزية واللغة العربية معا. ولذا لا يقدرون على تطوير أية لغة منهما فهم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. فكل الطرق تفيد بأن تُدرَّس اللغة الأجنبية إما مباشرة أو بواسطة اللغة الأم. فالطريقة المباشرة تمنع منعا باتا استخدام أية لغة سواء اللغة الأم أو غيرها لتعليم لغة أجنبية.ويكتب ريتشارد مستعرضا هاتين الطريقتين فيقول:

     «كان يجرى التدريس في الفصل في اللغة المستهدفة فحسب».

     ولكن طريقة التواصل والحوار تسمح باستخدام اللغة الأم عندالحاجة.

     «استخدام اللغة الأصلية (الأم) بحكمة وحنكة مقبول حيث يمكن. وقدتستخدم الترجمة حيث يحتاج إليها الطلبة وتنفعهم».

     وأرى أنه يجوز استعمالها في بداية الأمر حتى يتمكن الطلبة من بناء قاعدة لغوية بسيطة وشيئا فشيئا تستخدم اللغة المستهدفة فيشجعون على استخدامها وبالتالي يفرض عليهم استخدامها تماما.

     وظهرت الوسائل الحديثة لتعليم اللغات و منها مختبر اللغة والأدوات المعينة مثل أجهزة التسجيل والكمبيوتر وقروص الليزر ومقاطع الفيديو (اللقطات البصرية) والجوالات الذكية وما إلى ذلك. فلاشك في أنها من خيرات وعطاءات علوم وتكنولوجيا العصر الحديث مما جعل عملية التعليم والتعلم ممتعة وسهلة أكثر من أي وقت مضى، تجذب هذه الوسائل قلوب الطلبة وتستهويهم إلى الاستماع إليها ومشاهدتها؛ ولكن الخطورة تكمن في اختيار المواد في هذا الزمن الذي يتوفر فيه كل شيء على الإنترنت، وينـزّل الطالب كل شيء فيتمتع به لفترة من الزمن سواء يفهمه أو لا يفهمه، وبعد فترة قصيرة تتقلّل رغبته فيه و يبدأ يشكوه. فالأحسن أن يختار الأستاذ كل المواد السمعية والمرئية ويعطي الطلبة حسب ما يراه مناسباً لمستواهم، وكذلك يشير على الطلبة ما هي المسجلات والقروص اللغوية نافعة لهم وأياً منها يتناولونه أولا، ويحذّر الطلبة المبتدئين أن ينزّلوا مواد دراسية من الإنترنت ويتيهوا ويسأموا من تعلم اللغة. أنا شخصياً أقترح على الطلبة في المرحلة الأولى ألا يقرأوا أي كتاب يضم النصوص الأدبية والقواعد النحوية والصرفية إلا بالتشاور مع أستاذ اللغة.

     من القضايا الشائكة التي تناولها الخبراء بحثا ونقاشا هي القواعد النحوية والصرفية. وتطرق النقاش إلى الكلام الإنساني نفسه أي ما هو؟ وماذا يعنى اللغة؟ وما المقصود بها؟ ونشأ منها علم اللغة وعلم الأصوات وكثير من المباحث اللغوية. فأول طرق التدريس  طريقة النحو والترجمة تلزم الطالب تعلم القواعد: حفظها وتحليلها وتطبيقها لصحة الكلام قراءةً وكتابةً. وكانت تشدد على صحة القراءة نحويا وصرفيا. وتتجاهل التحدث باللغة المستهدفة. إلا أن الطريقة المباشرة قلبت الأمر تماما وعارضت بشدة تدريس القواعد إلا في المراحل الثانوية وبطريقة غيرمباشرة حيث تدمج القواعد في النصوص الأدبية وذلك على مبدإ تعلم الطفل اللغة. فيجب الاستماع والتحدث أولا ثم القراءة والكتابة. وهكذا شوهد في الطرق الحديثة : الطريقة السمعية الشفوية والطريقة السمعية البصرية وطريقة التواصل والحوار. وهناك شبه إجماع على تفضيل التحدث على القراءة والكتابة. فالمسألة هي مسألة التقديم والتأخير. ولايمكن رفض تدريسها رفضا باتا. ولايمكن إنكار أهميتها في تعلم لغة أجنبية؛ إذ هي المفتاح للغة والمرشد الأمين في بحر الظلام وقد يضل الإنسان ولايعرف ما هو الصحيح والخطأ بدون القواعد. فالأمر ليس بأمر القواعد بل كيف تدرس ومتى تدرس؟ ولكن يجب أخذ الأمر في الحسبان أنه بمكان الوسيلة والذريعة للغة وليست بهدف وغاية.

     يبدو أن «دويس» (Duwes) يؤكد على تعلّم المفردات الجيدة واكتساب المعرفة العميقة حول استخدام الأفعال والتمرّن عليها مثل التمرّن على استخدام الصيغ المختلفة المشتقّة من الفعل الذي تتكوّن مادته من «م،ل،ك»: أملك، هل أملك؟ لا أملك، هل لا أملك؟ لماذا لا أملك؟، ولا يولي اهتماماً كبيراً بالقواعد النحوية. وبالعكس يؤكد «بالس غريفي» (Palsgrave) على تعلّم الفرنسية عن طريق القواعد النحوية والترجمة من الإنكليزية إلى الفرنسية.

     والجمعية الدولية لعلم الأصوات (International Phonetic Association) طرحت ست وصايا هامة لتدريس اللغات الأجنبية ومنها: المادة رقم:4، التي تنص على أهمية القواعد كما يلي:

     «في المراحل البدائية ينبغي أن تدرس القواعد بشكل عام دون الخوض في التفاصيل، مبرزاً الحقائق اللغوية التي يتعرض لها الطالب خلال عملية القراءة، ويؤجل تدريس القواعد بشكل منظم إلى المراحل المتقدمة لعملية تدريس اللغة».

     ويقول الخبير اللغوي ديلر (Diller): «إن المتحدث لايحتاج إلى تخزين عدد كبير من الجمل الجاهزة في رأسه بل إلى القواعد التي تمكنه من فهم هذه الجمل وتكوينها».

     وتساعد القواعد في تعزيز تعلم اللغة وتشييد قاعدة لغوية ثابتة لدى المتعلم وقد استعرض إسترن سوء فهم قول كومينيوس الذي يفيد أن اللغة تتعلم بالممارسة ولاحاجة إلى القواعد وقال: إنها توفر للمتعلم قاعدة ثابتة حيث يقول:

     «ويضرب مثلا لـ«كومينيوس» في دعم الفكرة أن الممارسة هي الأهم من كل شيء والقواعد النحوية غير ضرورية. ولاشك في أن كومينيوس كتب: أن  تعلم اللغات عن طريق الممارسة أسهل من تعلّمها من القواعد؛ ولكن لايجوز أن نتجاهل أن هذا الافتراض الذي يضع التوكيد بصورة دراميتيكية وواضحة على وجهة نظر حديثة خاصة، لم يتبع إلا بدرجة قليلة من القناعة مقارنة بالبيان الذي لم ينقل إلا قليلا : لكن القواعد تساعد وتعزز المعرفة المحصلة بالممارسة».

     وهنا سوء اعتقاد بأن القواعد لاتعود بنفع وتحول دون الإبداع والابتكار؛ ولكن يقول الخبراء: إنه مجرد خرافة لا علاقة له بالحقيقة، و بعكس ذلك عندما تترسخ في ذهن المتعلم ويتعود على استخدامها تلقائيا فيصبح المستخدم مبتكرا ومبدعا وتساعد القواعد في خلق شيء ثابت وإنتاج كلام مفيد. ويكتب إسترن:

     «القواعد تتطلب النظام و الضابطة والقانونية والعادة والتكرار. كما توفر فرصة داخل القواعد والضوابط لتجاوز الحدود المسموحة  إلى الابتكار والإبداع».

     وأما كيفية تدريس القواعد فينغي أن تدرس أولا النصوص البسيطة السهلة المبنية على الحوارات والقصص المكونة من الجمل الصغيرة حتى يتعود الطالب على البنية الأساسية للغة ثم يشعر بحاجة إلى معرفة بعض القواعد ويطالب هو بنفسه دراسة القواعد ويتعطش لها فحينئذ يجب أن تدرس القواعد وذلك على ثلاث مراحل: أولا: القواعد العامة البسيطة التي يحتاج إليها كثيرا ثم القواعد الأكثر استخداما ثم القواعد الضرورية الهامة ويشرحها بأمثلة حية.

     كما جرى النقاش بين الخبراء حول قضية العمر لتعلم لغة ما. فهل هناك سن معيّنة من العمر لتعلم لغة أم يمكن الإنسان أن يتعلم لغة في أي سن من حياته؟ وأجريت دراسات مكثفة حول الموضوع وقورنت بين تعلم الأطفال اللغات وبين الناشئين والناهزين والراشدين والكهلة والمسنين. فوجدت نتائجها مدهشة للغاية. فالأطفال يتحلون بمزايا وخصائص لايمتلكها الكبار، وكذلك توجد فيهم خصائص وميزات يتفوقون فيها على غيرهم من الفئات العمرية. وشوهدت درجات متفاوتة في مستوى تعلم هذه الشرائح والفئات. فالأطفال وُجدوا أحسن حفظا ومحاكاة ونطقا مقارنة من الكبار. إلا أنهم وُجدوا أحسن فهما واستيعابا من الصغار. ويقول د/علي عبدالواحد وافي: إن الطفل يكون أسرع وأحسن في التعلم خاصة في محاكاة الأصوات والنطق.فيكتب:

     «وفي هذا يختلف الكبار عن الصغار اختلافا كبيرا. فمهما بذل الكبار في تعلم لغة أجنبية من جهود ومهما طالت مدة إقامتهم بين أهلها، فلن يصلوا في إجادتها من الناحية الصوتية إلى الدرجة التي يصل إليها الصغار في هذا الدور. والسبب في هذا راجع إلى أن الطفل يلبي في محاكاته داعي غزيرته،  ويسلك بهذا الصدد طريقا محببا إليه، ويسير على أسلوب يتفق مع ألعابه، فيسهل عليه بذل المجهود ويؤتي مجهوده أكله، على حين أن الكبير يتعلم اللغة الأجنبية لغاية خارجية عنها، فيصعب عليه بذل المجهود في هذا السبيل. هذا إلى أن الكبار قد رسخت لديهم عادات كلامية خاصة وتشكل أعضاء نطقهم بالشكل الذي يلائمها، فيصبح من الصعب عليهم مع هذا اكتساب عادات صوتية جديدة مخالفة لعاداتهم الأولى، وليس الأمر كذلك عند الطفل، فأعضاء نطقه في هذا الدور تكون مرنة قابلة للتشكيل بمختلف الأشكال». فهذه الفكرة لاتنفي عملية تعلم الكبار اللغات الأجنبية؛ بل تدل على ما تدل على درجات التفاوت في تعلم الأصوات وأساليب النطق يعني الطفل يمكن له محاكاة صوت الناطق مثله؛ ولكن يصعب ذلك على الكبار.

     وهل هناك سنون محددة للتعلم ولايمكن التعلم لو تجاوزها أحد. فبناء على التجارب البشرية تم تحديد أحسن السنين للتعلم؛ ولكن السّن لا تمنع أحدا من أن يتعلم لغة وغيرها، ولوكانت السن مانعة في التعلم لما تعلمها، ولم يتعلم الكبار في الجامعات الهندية وخارجها اللغات والعلوم والمعارف. وهناك أمثلة كثيرة لاتُعد و لاتحصى لتعلم الكبار. والزعم أن الكبار لايمكن لهم تعلم لغة ثبتت أسطورة خيالية. ويمكن الكلَّ تعلم لغة إذا يرغب فيها، ويضعها نصب عينيه، ويبذل جل مجهوداته في سبيل ذلك. وقال صلى الله عليه وسلم: اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد. وقد أمر النبي –صلى الله عليه وسلم- زيد بن ثابت بتعلم السريانية، فتعلمها في وقت قصير، وكان قد بلغ سن الرشد. فلو كان أمرا مستحيلا لما حث النبي –صلى الله عليه وسلم- الناس على التعلم.

*  *  *



(*)    أستاذ مساعد في مركز الدراسات العربية والإفريقية، كلية اللغات، جامعة جواهر لال نهرو، دهلي الجديدة.  ubaidtayyeb@gmail.com