ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، جمادى الأخرى 1436 هـ = مارس – أبريل 2015م ، العدد : 6 ، السنة : 39

 

دراسات إسلامية

 

كلُّ كمال إلى نقص

بقلم: الأستاذ محمد ساجد القاسمي(*)

 

 

 

من سنن الله في الحياة أنَّ الشيء إذا بلغ كماله أخذ ينقص، وأنّ الأمر إذا وصل منتهاه آذن بالزوال، وكلَّما ارتفع شيء إلى أوجِه بدأ يرجع إلى أصله: فالقوة إلى الضعف، والرقي إلى الانحطاط، والكمال إلى النقص، والغاية إلى الآفة، والغنى إلى الفقر، والسراء إلى الضراء، والسلامة إلى الداء.

     وهذه السنة مطَّردة عامة،  فللناس فيها أقوال وأمثال، وللشعراء أبيات وقصائد، وللحكماء حكم و ماثورات، تناقلها  الناس، وحفظتها بطون الكتب.

     فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ النَّاس لم يرفعوا شيئًا من هذه الدنيا إلا وضعه الله عزَّ و جلَّ(1).

     ويقول المثل الفارسي: لكل ارتفاع ضعة.

     قيل لأعرابيّ: كيف حالك؟ فقال: ما حال من يفنى ببقائه، ويسقم بسلامته، ويؤتى من مأمنه(2).

     ويقول العرب: من بلغ غاية ما يحبّ فليتوقع غاية ما يكره. ويقولون: كل ما أقام شخص، وكل ما ازداد نقص. وقال الراجز: أسرع في نقص امرئ تمامُه(3).

     ومن دعاء بعضهم: صرفَ الله عنك آفات التمام. وكتب الإسكندر إلى أرسطاطاليس: اكتبْ إليَّ موعظة تردع وتُقْنِع، فكتب إليه: إذا استوتْ بك السلامةُ فجدّد ذكر العطب، وإذا اطمأنَّ بك الأمنُ فاستشعر الخوف، وإذا بلغت نهاية المُلك فاذكر الموت(4).

     وقد افتنَّ الشعراء في التعبير عن هذه السنة الجارية في الحياة، فقال شاعر:

     إذا تمَّ أمــرٌ بدا نقصُه

                           توقَّعْ زوالاً إذا قيل تمّ

     وقال غيره:

     كانت قنـاتي لا تلين لغامزٍ

                           فألانها الإصباحُ والإمساءُ

     ودعوت ربِّي بالسلامة جاهداً

                           ليُصحَّني فإذا السلامةُ داءُ

     وأخذ شاعر آخرُ هذا المعنى فقال:

     هل موئلٌ من شهاب الدهر يُنجينا

أيٌّ ومـا نتّـقيــــه كامـنٌ فيـنـا

     إنَّ الغذاءَ الذي نحيا به زمناً

                           يعــود آونـــةً داءً فيُفنيــنا

     وأخذه أيضاً ابن الروميّ فقال:

     لعمرك ما الدُّنيا بدار إقامة

                      إذا زال عن عين البصير غطاؤها

     وكيف بقاءُ النفس فيها وإنَّما

                      يُنال بأسباب الفناءِ بقاؤُها

     ونقله إلى موضع آخر فقال:

     فإنَّ الـــداءَ أكثــرَ ما تــراه

                      يكونُ من الطّعام أو الشَّرابِ

     وقال أيضاً:

     فإنّ الـــداء أكثــر ما تـراه

                      من الأشياء تحلو في الحلوقِ(5)

     وقال غيره:

     وأي شيء من الدنيا سمعت به

                      إلا إذا صار في غاياته انقطعا(6)

     تتجلى لنا هذه السنة في حيوات الإنسان، والحيوان، والنبات، والظواهر الكونية من شروق الشمس وإبدار القمر، واختلاف فصول السنة، وتاريخ الأمم والحكومات، والحركات والقيادات، والمنظمات والجمعيَّات.

     كما نرى مظاهرها في حياة الشخصيات المعروفة والنجوم اللامعة في مختلف مجالات الحياة.

     أما الإنسان فقد يُخلق من ضعف، وهو مرحلة الطفولة والصغر، ثم يتبعها مرحلةُ الحداثة والفتوة، حتى يبلغ مرحلة الشباب، وهي مرحلة القوة بجميع صورها الجسدية والعقلية والنفسية، ثم يعقبها مرحلة ضعف أخرى وهي مرحلة الشيب والهرم والشيخوخة، حتى يُصبح فيها كطفل صغير.

     قال الله تعالى:

     اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (الروم/54).

     وقال:

     يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا(الحج/5).

     وقال:

     وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (يس/68).

     جمعت الآية الأولى جميع مراحل حياة الإنسان بصورها المختلفة، وهي أن الله تعالى خلقه من ضعف، فيتمثل هذا الضعف بمظاهره فى حالة طفولته وحداثة سنِّه. ثم جعل من بعد مرحلة الضعف مرحلة أخرى تتمثل فيها القوة بكلّ صورها الجسدية والعقلية والنفسية . . ثم جعل من بعد مرحلة القوة، مرحلة ضعف آخر، وهى مرحلة الشيب والهرم والشيخوخة التى هى أرذل العمر، وفيها يصير الإِنسان أشبه ما يكون بالطفل الصغير فى كثير من أحواله(7).

     كما أن الآيتين بعدها تدلان على مراحل خلق الإنسان، وتؤكدان معنى الآية الأولى.

     وأما الحيوان فهو- كذلك- يقطع في حياته جميع المراحل: مرحلة الضعف، ثم مرحلة القوة، ثم مرحلة الضعف.

     وأما النبات فهو ينبت إذا نزل المطر، ثم ينمو ويكبر حتى يستكمل نموه وارتفاعه، ثم يهيج فتراه مصفرًّا، ثم يصيرحطا مًا.

     قال تعالى:

     وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْـمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (الحج/5).

     وقال:

     أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (الزمر/21).

     وقال:

     وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (الكهف/45).

     كذلك الشأن في الشمس والقمر، فالشمس تشرق صباحًا، ثم تتزايد حرارتها وأشعتها شيئًا فشيئًا وتشتدُّ حتى تبلغ نهايتها وهي في كبد السماء، ثم تزول، فتخِفُّ بشكل متدرِّج حرارتُها وأشعتُها حتى تغيب عن الأفق.

     كما أن القمر يبدو في فاتحة مطافه صغيرًا، ثم يتزايد نُوره وجرمه، حتى يكمل إبداره، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأول في تمام شهر.

     قال تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. (يس/38-40).

     وأما فصول السنة: فصل الصيف وفصل الشتاء وفصل الأمطار، فالحرارة، والبرودة، والأمطار تبتدئ بشكل ضعيف، ثم تتزايد حتى تبلغ غايتَها، ثم تتناقص حتى تزول في نهاية المطاف.

     كذلك نجد هذه السنة مطَّردة في حياة الأمم والحكومات، فنرى أنها تطرأ عليها أحوال من الطفولة والشباب والشيخوخة، فتكون في بداية أمرها ضعيفة، ثم تبلغ كمال قوتها، ثم تضعف في نهاية أمرها، فيُطوى بساطُها وتنقرض من على ظهر الأرض.

     وتاريخ الأمم والحكومات حافل بأمثلة ونماذج هذه السنة. وقد عبَّر أبو البقاء صالح بن شريف الرندي المتوفى سنة 685هـ في رثائه للأندلس عن مظاهرهذه السنة تعبيراًحزينًا، وصوَّرها تصويرًا باكيًا، حيث قال:

     لكل شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ

فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ

     هي الأمورُ كما شاهدتها دُولٌ

مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ

     وهذه الدار لا تُبقي على أحد

ولا يدوم على حالٍ لها شان

     يُمزق الدهر حتمًا كل سابغةٍ

إذا نبت مشْرفيّاتٌ وخُرصانُ

     وينتضي كلّ سيف للفناء ولوْ

كان ابنَ ذي يزَن والغمدَ غُمدان

     أين الملوك ذَوو التيجان من يمنٍ

وأين منهم أكاليلٌ وتيجانُ ؟

     وأين ما شاده شدَّادُ في إرمٍ

وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ ؟

     وأين ما حازه قارون من ذهب

وأين عادٌ وشدادٌ وقحطانُ ؟

     أتى على الكُلِّ أمر لا مَردَّ له

حتى قَضَوا فكأنَّ القوم ما كانوا

     وصار ما كان من مُلك ومن مَلِك

كما حكى عن خيال الطّيفِ وسْنانُ

     دارَ الزّمانُ على (دارا) وقاتِلِه

وأمَّ كســرى فمـا آواه إيوانُ

     كأنما الصَّعب لم يسْهُل له سببُ

يومًا ولا مَلكَ الدُنيا سُليمانُ

     فجائعُ الدهر أنواعٌ مُنوَّعة

وللزمان مسرّاتٌ وأحزانُ(8).

     وأما الحركات والقيادات، والمنظّمات والجمعيَّات، فهي كذلك تبدأ حياتها بشكل ضئيل وضعيف، ثم تبلغ مرحلة شبابها، فتفيض نشاطا وقوة وحيوية، ثم يطرأ عليها الضعف والذبول والانهيار، حتى تصير في نهاية الأمر جسدًا بلا روح.

     كذلك الشخصيات المعروفة، والنجوم البارزة، والرجالات المشهورة، لهم دويّ مجلجل وصيت عالٍ في يوم من الأيام، يلهج الناس بذكرهم، وتنشروسائل الإعلام أخبارهم وأحوالهم، وتعرض نشاطاتهم وتحرُّكاتهم، و تسجّل حركاتهم وسكناتهم، بل وكل ما يتّصل بحياتهم.

     ثم يأتي عليهم حين من الزمان تدبرعنهم الحياة، ويتنكَّرلهم الناس، فإذاهم يعيشون خاملين، فلا ذكر ولا ثناء، ولا دويَّ ولا ضوضاء، فمنهم من ينقطع في منزله دون الناس، ومنهم من يعيش في أخريات أيام حياته بحيث يُرثى له، ومنهم من يموت في منفاه، أو في مهجره، ومنهم من لايشيّع جنازته إلا أهله وذووه، ومنهم من ينتحر نفسه.

     هكذا ترى تنكُّرًا من الناس بعد إقبال، وخمولًا بعد ذكر، وحورًا بعد كور، وجزرًا بعد مدّ، كلُّ ذلك من مظاهر هذه السنة الإلهية.

     فمن دروس هذه السنَّة أن لا يغترَّ الإنسانُ بما ناله من كمال ورفعة، وما بلغه من أوج وقِمَّة، وإنَّما يشكر الله على ما وهبه، فكماله لاينقص، ورفعته لاتزول ، وأوجُه لا يعرف الحضيض. لقد صدق الله العظيم: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. (النحل/96).

*   *   *

الهوامش:

(1)    سنن الدارقطني4/ 302).

(2)    المصون في الأدب 1/24).

(3)    سمط اللآلي1/ 30).

(4)    محاضرات الأدباء1/484).

(5)    المصون في الأدب 1/24)

(6)    سمط اللآلي1/ 30).

(7)    الوسيط لسيد طنطاوي 1/3352 ملخصًا)

(8)    نفح الطيب للمقرِّي4/ 487)

*  *  *

*  *



(*)   أستاذ قسم الأدب العربي بالجامعة الإسلامية: دارالعلوم ديوبند (الهند)

        sajidqasmideoband@gmail.com