ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، جمادى الأخرى 1436 هـ = مارس – أبريل 2015م ، العدد : 6 ، السنة : 39

 

دراسات إسلامية

 

أبو الفرج الأصبهاني وإسهاماته في الأدب

(284-356هـ = 897-967م)

بقلم:  أسامة  نور (*)

 

 

 

أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم المرواني الأموي القرشي من أئمة الأدب والأعلام في معرفة التاريخ والأنساب والسير والآثار واللغة والمغازي، ولد بـ«أصبهان»، واشتهر منسوبًا إليها، فقيل أبو الفرج الأصبهاني، وأجمع الرواة على أن مولده كان عام 284هـ/897م، في خلافة المعتضد بالله، وهي نفس السنة التي مات فيها «البحتري» الشاعر.

     وقد انتقل إلى بغداد، وانصرف فيها إلى طلب العلم، ودرس على جلة خيرة علماء عصره، من بينهم ابن دُريد (محمد بن الحسن بن دريد الأزدي من أزد عمان من قحطان أبو بكر من أئمة اللغة والأدب 223-321هـ =838-933م) وابن الأنباري (محمد بن عمر بن يعقوب أبوالحسن ابن الأنباري شاعر مقل من الكتاب، المتوفى 390/1000م)، والأخفش (علي بن سليمان بن الفضل أبو المحاسن المعروف بالأخفش الأصغر نحوي من العلماء من أهل بغداد المتوفى 315هـ/927م)، والطبري (محمد بن جرير بن يزيد الطبري أبو جعفر المؤرخ المفسر الإمام 224-310هـ = 839-923م)، وغيرهم من رجال الشعر والأدب واللّغة والنحو، والحديث والتفسير والأنساب والأخبار والتاريخ، وكان أبو الفرج حارّ الذهن، قوي الحافظة، فاستوعبَ من علوم هؤلاء الأعلام الشيءَ الكثيرَ، وكان له إلى ذلك إلمام بالطب والنجوم والموسيقى. فتبوأ من أجل ثقافته الواسعة المتنوعة مكانةً عاليةً، فتحت أمامه الأبواب المغلقة، فكان يختلف كيفما يشاء بين كبريات المدن، ومراكز الحضارة، وعواصم الدولة، في بغداد وحلب وفارس، ولقي حظوةً كبيرةً لدى كبار رجال عصره، وكان أكثرُهم إيثارًا له، وجدبًا عليه واعتناءً به الوزير المهلبي، وزير معزّ الدولة بن بويه، فانقطع إليه ومدحه، وأصبح من ندمائه المقربين.

     وتوفي في خلافة المطيع بالله عام 356هـ/967م وأضافوا إلى ذلك أنه خولط في عقله قبل أن يموت وأصابه الفالج.

صورته وأخلاقه:

     وكان أبو الفرج قَذِرَ الهيئة، رَثَّ الثياب والنعل؛ لم يغسل له ثوبًا منذ أن فَصَّلَه إلى أن قَطَّعَه، وإلى جانب ذلك كان أكولاً نَهِمًا، يُدْمِن الشرابَ، ويحبّ الغلمان، ويتهالك على النساء، ويُسْرِف في اللّذَّات والشهوات، طريف النادرة، فَكِهَ المجلس، حاضر النكتة والبديهة، فلعلّ ذلك ما رغب عِلْيةُ المجتمع فيه، وجعلهم يَغُضُّون الطرفَ عن مقابحه ومساويه.

علمه:

     كان أبو الفرج مُلِمًّا بأشتات من العلوم والمعارف واسع الدراية بالتاريخ العربي، حافظاً لكثير من منثور الأدب ومنظومه، وكان هو نفسه شاعرًا، وله ميلٌ خاصّ إلى تتبع أنساب القبائل وأخبارها، ومعرفة ما يدور في المجتمع حوله، من أعظم قصر إلى أصغر حانة، وما يقع لكبار الناس وعامتهم على السواء، واهتم باللهو وأشكاله، والموسيقى وألوانها، وخلف وراءه مكتبةً عامرةً بذخائر التراث العربي، كان كما يقول النوبختي وهو من معاصريه يدخل سوق الورّاقين،  وهي عامرة بالدكاكين، مملؤة بالكتب، فيشتري شيئًا كثيرًا من الصحف ويحملها إلى بيته. والتقت في شخصه صفات كثيرة، فكان كاتبًا ومُؤَلِّفًا ومصنفًا وراوية، وكان أيضًا سليط اللسان، عليمًا بالمثالب.

     مع ذلك هو واسع الدراية بالتاريخ العربي، وله نزعة خاصّة البحث عن أسباب الحوادث، وحافظاً لكثير من منثور الأدب ومنظومه، وكان نفسه شاعرًا.

تشيّعه وقوميته:

     اتصل أبو الفرج الأصبهاني بملوك و وزراء كانت نزعاتهم متباينة، فساير دولة أصلها فارسي ومذهبها الشيعة وهم بنوبويه، وملكاً نزعته قومية وهو «سيف الدولة»، ودولة في المغرب نزعتها أمويّة وهم بنو أمية، فمن بَدَائِه الأمور أن تظهر على تصانيفه آثار العصر الذي عاش فيه، ففي كتاب «مقاتل الطالبيين» ظهر ميلُ أبي الفرج إلى الشيعة. قال الذهبي: والعجب أنه أموي شيعي، وفي كتب «أنساب بني عبد شمس» و«بني شيبان» و«بني تغلب» ظهر ميله إلى العرب، ويمكن القول إن أبا الفرج كان يلزم جانب التشيّع، رغم أنه صريح النسب في بني أمية، إلاّ أن تشيّعه فيما يبدو كان اعترافًا بأمر واقع فعلاً، أكثر منه إيمانًا باتّجاه سياسي يؤمن به ويناضل دونه، فكان رقيقًا في مذهبه، مقتصرًا في عقيدته، لم يتنكر لنسبه، فراسل أمويي الأندلس وتقبّل عطاياهم، وأورد ما كان لخلفائهم في المشرق من فضائل. ومقامه عند الوزير المهلبي، لم يجعل منه شعوبيًّا، فبقي على ولائه للعرب.

آثاره وإسهاماته في الأدب:

     أورد ياقوت الحموي قائمة مفصلة بما استطاع أن يذكره من مُؤَلَّفات «أبي الفرج الأصبهاني»، وهي: كتاب «الأغاني الكبير»، كتاب «مجرّد الأغاني»، كتاب «التعديل والإنصاف في أخبار القبائل وأنسابها»، كتاب «مقاتل الطالبيين»، كتاب «أخبار القيان» (وذكر السخاوي أنه في مجلدين) كتاب «المماليك الشعراء»، كتاب «الإماء الشواعر»، كتاب «آداب الغرباء»، كتاب «الديارات»، كتاب «تفضيل ذي الحجة»، كتاب «الأخبار والنوادر»، كتاب «أخبار الطفيليين»، كتاب «مجموع الأخبار والآثار»، كتاب «أدب السماع»، كتاب «الخمارون والخمارات»، كتاب «جمهرة النسب»، كتاب «نسب بني عبد شمس»، كتاب «نسب بني شيبان»، كتاب «نسب المهالية»، كتاب «نسب بني تغلب»، كتاب «الغلمان المغنين»، وكتاب «أيام العرب» ذكر فيه 1700 يوم؛ كتاب «الخصيان»، عمله للوزير المهلبيّ في خصيين مغنيين كانا له، وله بعد تصانيف جياد، كان يصنفها ويرسلها إلى المسؤولين عن بلاد المغرب، من بني أمية، وكانوا يحسنون جائزته، لم يعد منها إلى الشرق إلاّ القليل. ضاع معظم هذه الكتب، وفيما نعلم لم يصلنا منها كاملاً غير كتابيه: «مقاتل الطالبين» - وقد طبع في القاهرة منذ أعوام غير بعيدة وكتاب «الأغاني».

     يُعَدّ «الأغاني» من خيرة ذخائر التراث العربي، ألّفه أبو الفرج في خمسين سنةً، وكتبه مرة واحدة في عمره، وأهداه إلى «سيف الدولة الحمداني» فأنفذ له ألف دينار واعتذر إليه، فلما سمع بذلك «الصاحب ابن عباد» استقلّها، وبعث إليه الحكم الثاني، خليفة الأندلس، ألف دينار عينًا ذهبًا، وخاطبه يلتمس منه نسخة من كتابه الذي ألّفه في الأغاني، وما لأحد مثله، فأرسل إليه منه نسخة حسنة منقحة، قبل أن يظهر الكتاب لأهل العراق، أو ينسخه أحد منهم.

     وصف «الصاحب بن عباد» (إسماعيل بن عباد بن العباس، أبو القاسم الطالقاني وزير غلب عليه الأدب 326-385هـ = 938-995م) كتاب «الأغاني» بأنه: «مشحون بالمحاسن المنتخبة، والفقر الغريبة، فهو للزاهد فكاهة، وللعالم مادة وريادة، وللكاتب والمتأدب بضاعة وتجارة، وللبطل رجولة وشجاعة، وللمتطرف رياضة وصناعة، وللملك طيبة ولذاذة. ولقد اشتملت خزانتي على مئة ألف وسبعة عشر ألف مجلد، ما فيها سميري غيره».

     وجعله «ابن خلدون» (عبد الرحمن بن محمد بن محمد، ابن خَلْدُون أبو زيد ولي الدين الحضرمي الإشبيلي من ولد وائل بن حجر، الفيلسوف المؤرخ 732-808هـ = 1332-1406م) أحد أركان الأدب الأربعة وقال عنه: «ديوان العرب، وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فنّ من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الأحوال، ولا يعدله كتاب في ذلك - فيما نعلمه - وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها».

     وقد أفاد منه المستشرق الإنجليزي «فارمر» H.G. FARMER فائدةً كبيرة في كتابه «تاريخ الموسيقى العربية» وقال عنه: «إنه كتاب من الطراز الأول في الإنتاج الأدبي للعرب، وقد أنفق فيه مؤلفه الجانب الأكبر من حياته، وإن المعارف الواسعة التي يعرضها، ودع جانبًا ما استلزمه من دأب وصبر، ليترك المرء مما يسمى في أيامنا أدبًا موسيقيًّا».

     كبر حجم «الأغاني» وشهرته، وحرص المثقفين على اقتنائه، في مشرق العالم العربي ومغربه، حماه من الضياع، ووضع بين أيدينا مخطوطات كثيرة له، مُوزَّعَة على عدد من مكتبات العالم الإسلامي والأوربي، تملكه كاملا أو أجزاء منه، وكتب في خطوط متعددة، ولم يتوقف نسخه منذ أن خط أبو الفرج أول نسخة منه إلى أن اخترعت الطباعة.

     لم يكن أبوالفرج، على كثرة ما أورد في كتابه، وعلى سعته وشموله، حاطبَ ليلٍ يُدَوِّن كلّ شيء ويكتب كل ما يُرْوَىٰ له، وإنما التزم منهجا نقديًّا مُحَدَّدًا إزاء المادة التي تعرض لها.

     فهو يورد أخباره مسندة، ثم لا يقنع بالإسناد، وإنما ينتقد الرواة، ويبين وجه الخطأ أو التناقض في روايتهم، ثم يرجع إلى رأيه، ولا يتردد في القول عن ابن الكلبي، (هشام بن محمد أبي النضر ابن السائب بن بشر الكلبي أبو المنذر، مؤرخ عالم بالأنساب وأخبار العرب وأيّامها المتوفى 204هـ/8019م) وقد ذكر بعض الأخبار نقلاً عنه، بأنه كذاب، وأخباره موضوعة، والتوليد فيها بَيِّنٌ، ويعتذر لنفسه عن روايتها بأنه «ذكرها على ما فيه لئلا يسقط من الكتاب شيء وقد رواه الناس وتداولوه».

*  *  *



(*)       المتخرج من الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند والحامل لشهادة الماجستير في الفلسفة في اللغة العربية وآدابها من جامعة دهلي.