ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، رجب 1436 هـ = أبريل – مايو 2015م ، العدد : 7 ، السنة : 39

 

الفكر الإسلامي

 

لا يزال الإسلام رافع الرأس شديد البأس

بقلم:  فضيلة الشيخ محمود عبد الوهاب فايد

 

 

 

        في هذه الأيام كثيرًا ما يتساءل الناس يقولون: لقد وعد الله بأن تكون الغلبة للإسلام، وأن يظهره على الدين كله، ولكن أين دلائل النصر في هذا العصر؟

     لقد أصبح أتباع الإسلام يقاسون الهوان في كل مكان، وجواباً عن هذا السؤال، ودفعًا لهذه الشبهة نقول: إن الله وعد بنصر الإسلام وتكفل به دون قيد أو شرط فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْـمُشْرِكُونَ [التوبة/33]

     أمّا نصر أتباعه والمعتنقين له فقد علقه على استجابتهم لدين الله، وصدق إيمانهم وحسن بلائهم قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد/7] وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّـٰـهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلوٰةَ وَآتَوُا الزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ. [الحج/40-41]

     وقد وفى الله بوعده: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ [الحج/47] فلايزال يتعهد الإسلام بعنايته، ويحوطه برعايته، ويصونه ويحميه وينصره ويعليه، ويرد عنه كيد الكائدين، ويبعد عنه شر المبطلين.

     ودلائل النصرفي هذا العصر، أقوى وأوضح منها في أي عصر وكفى الإسلام مجداً أنه ثبت وحده في وجوه الأعداء فما تقهقر وما لان، وما ضعف وما استكان، وخرج من المعارك أقوى مما كان، ولو كان غير الإسلام لقضت عليه هذه الضربات القاتلة وما استطاع أن يقف على رجليه، ولانقلب على عقبيه؛ لكنه بقي في الميدان وحده يناضل بقوته الذاتية، ويعود - كما اعتاد - بالفوز والغلبة ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. [آل عمران/126]

     لقد حاول الغربيون بإيعاز من رجال الدين المسيحي أن يحاربوا الإسلام في عقر داره، فشنوا حرباً صليبية على بلاد الإسلام وجندوا جنودهم، وأعدوا عدتهم، ودفعوهم إلى الميدان يحمسهم رجال الدين، ويعدونهم بالجنة والمغفرة؛ ولكنهم باؤوا بالفشل، ورجعوا يجرون ذيول الخيبة والهزيمة.

     ومن هذه اللحظة بدؤوا يفكرون تفكيراً جدياً في الانتقام من الإسلام، والثأر من هذا الدين الجديد، فرأوا أنه لا بد من تغيير عقلية المسلم أولا، ولا بد من زعزعة عقيدته حتى تفتر همته، وتهن عزيمته، وتضعف غيرته، فلا يستميت في الذود عن دينه والدفاع عن كيانه ومن هنا نبتت فكرة التبشير بعد أن رجع الغربيون من الحروب الصليبية بخفي حنين.

     يقول «المستر أدوين بلس»: «إن ريمون لول الأسباني هو أول من تولى التبشير بعد أن فشلت الحروب الصليبية في مهمتها فتعلم «لول» اللغة العربية بكل مشقة وجال في بلاد الإسلام وناقش علماء المسلمين في بلاد كثيرة».

     وكان من الطبيعي بعد ذلك أن تعقد المؤتمرات، وتناقش المقترحات، وتقرر القرارات كل ذلك في سبيل نصرة المسيحية وإضعاف الإسلام، ومادام القسس بيدهم الجنة وصكوك الغفران لا بد أن يستجيب لهم المسيحيون بأنفسهم وأموالهم، ومن هنا تكدست الأموال وجندت الرجال، وانطلق المبشرون يبشرون بالمسيحية، ويهيئون أدوات العمل.

     يقول القسس «أناتوليكوس» في أحد تقاريره: «وصفوة القول أننا حصلنا على نتيجةٍ واحدةٍ جوهريةٍ وهي أننا أعددنا آلات العمل فترجمنا الإنجيل ودربنا الوطنيين على مهنة التبشير، وأتممنا تهيئة الأدوات اللازمة وهي الكنائس والمدارس والمستشفيات والجرائد والكتب ولم يبق علينا إلا أن نستعمل هذه الأدوات».

     والغرض من هذه الأدوات هو زعزعة العقيدة بما يطرأ عليها من أفكار ونظريات جديدة تعرض في صورة ثقافة، وتقدم في كأس دواء.

     يقول «المسيول شاتليه»: «ولا شك في أن إرساليات التبشير من بروتستانتية كاثوليكية تعجز عن أن تزحزح العقيدة الإسلامية من نفوس منتحليها، ولا يتم ذلك إلا ببث الأفكار التي تتسرب مع اللغات الأوربية فبنشرها اللغات الإنجليزية والألمانية والهولندية والفرنسية يتحكك الإسلام بصحف أوربا، وتقضي إرساليات التبشير لبانتها من هدم الفكرة الدينية الإسلامية التي لم تحفظ كيانها وقوتها إلا بعزلتها وانفرادها».

     ويقول أيضاً: «إن نزع الاعتقادات الإسلامية ملازم دائماً للمجهودات التي تبذل في سبيل التربية النصرانية». كما يقول: «إن إرساليات التبشير الدينية التي لديها أموال جسيمة وتدار أعمالها بتدبير وحكمة تأتي بالنفع الكثير في البلاد الإسلامية من حيث إنها تبث الأفكار الأوربية»، ويقول أيضاً: «والتعليم المدرسي والتربية الأخلاقية اللذين يعني بهما المبشرون قد أسفرا عن نتائج جمة وأثمرا ثمرات نافعة في الأطفال والمراهقين على السواء». ويصرح بأن هذه الحملات التبشيرية قد أنبتت في الشرق وشملت كل دولة.

     ويقول بصدد مصر: «في سنة 1882م تأسس في مصر معهد علمي للتبشير تابع لجمعية تبشير الكنيسة وله أربعة فروع. الأول: قسم طبي، والثاني: مدرسة للصبيان، والثالث: للبنات والرابع: لنشر الإنجيل، وينشر مبشرو هذا المعهد مجلةً أسبوعيةً وكراساتٍ ولهم مكتبة خاصة بهم والنتيجة الأولى لمساعي هؤلاء هي تنصير قليل من الشبان والفتيات، والثانية تعويد كل طبقات المسلمين أن يقتبسوا بالتدريج الأفكار المسيحية». ويبين: «أنهم أسسوا أيضاً مكتبة لبيع الكتب بأثمان قليلة والغرض من ذلك استجلاب الزبائن ومحادثتهم في أثناء البيع».

     ويصرح القسيس «زويمر» بأن المدارس أحسن ما يعول عليه المبشرون في التحكك بالمسلمين. ويقول القسيس «أناتوليكوس»: «إن من أهم الوسائل التي يستخدمها المبشرون التبشير من طريق الطب؛ لأن ذلك في مأمن من مناوأة الحكومة له والمسلمون يلجأون بأنفسهم إلى مستشفيات المبشرين ومستوصفاتهم».

     ويقول المستر «هاربر»: «يجب الإكثار من الإرساليات الطبية؛ لأن رجالها يحتكون دائماً بالجمهور ويكون لهم تأثير على المسلمين أكثر مما للمبشرين الآخرين».

     ويقول الدكتور «أراهارس»: «يجب على طبيب إرساليات التبشير ألا ينسى ولا في لحظةٍ واحدةٍ أنه مبشر قبل كل شيء ثم هو طبيب بعد ذلك».

     ويقول الأستاذ «سمبسون»: «إن المرضى والذين ينازعهم الموت بوجه خاص لابد لهم من مراجعة الطبيب وحسن أن يكون هذا الطبيب المبشر في جانب المريض عندما يكون في حالة الاحتضار التي لابد أن يبلغها كل واحد من أفراد البشر».

     وينصح القسيس «هاريك» بوجوب تحلي حياة المبشر بمبدإ المسيحية قبل أن يعنى بالأمور النظرية كيما يظهر للمسلم أن النصرانية ليست عقيدة دينية ولا دستوراً سياسياً؛ بل هي الحياة كلها وأنها تحب العدل والطهر وتمقت الظلم والباطل، نفتح للمسلم مدارسنا ونتلقاه في مستشفياتنا ونعرض عليه محاسن لغتنا ثم نقف أمامه منتظرين النتيجة بصبر وتعلق بأهداب الأمل؛ إذ المسلم هو الذي امتاز بين الشعوب الشرقية بالاستقامة والشعور بالمحبة ومعرفة الجميل.

     أرأيت أيها المسلم كيف يحارب الإسلام وكيف ينبث أعداؤه بين المسلمين متنكرين في أزياء مختلفة تارةً ثياب المعلمين الذين يربون الناشئة ويتعهدون الشبيبة. وتارةً يظهرون في صورة أطباء يداوون المرضى، ويعالجون الجرحى، ويعينون على نوائب الدهر، والله يعلم أن هؤلاء وهؤلاء إنما يسممون الأفكار، ويفسدون العقائد ويضللون الناس، ويدسون السم في العسل.

     وكل همهم أن يتوصلوا إلى زحزحة المسلم عن عقيدته، وإضعاف همته، وتوهين عزيمته، وقتل غيرته، وقد مرت تصريحاتهم تنطلق بسوء نيتهم للإسلام، وليس فيها غموض تحمل على الارتياب. ومن غير شكٍ أن هذه الأساليب الملتوية قد انتهت بنتائج ضعيفة لايمكن أن تقارن بحالٍ ما مع المصاريف الباهضة التي صرفت في سبيلها.

     ولو أتيح للإسلام عشر ما أتيح للمسيحية المعاصرة من مكر ودهاء ونفاق سياسي وغير ذلك من الأسلحة الظاهرة والمستورة لحصل على أضعاف ما حصلت عليه المسيحية، لا أقول ذلك متحيزاً أو متعصباً؛ ولكني أسطر هنا شهادة سجلها «المستر كاين تيلز»، وقد ألقاها في حفل جامع على رؤوس الأشهاد مبيناً قوة الإسلام وشبابه وقدرته على مواجهة ظروف الحياة ومصرحاً بقصور المسيحية وشيخوختها وضعفها، ويقول في صراحة: «إن الإسلام قد سبق النصرانية بمراحل شاسعة من أكثر جهات العالم همهمةً ودمدمةً، ليس فقط من جهة المسلمين الذين كانوا وثنيين وأسلموا أكثر من الذين تنصروا؛ بل لأن النصرانية في بعض الجهات أخذت في التقهقر إلى الوراء أمام الدين الإسلامي في حين أن الوسائل التي تستعملها لتنصير الأمم الإسلامية يفشل أمرها، والشباك التي تنصبها لهم تنقطع حبالها فإننا لانرجع فقط بصفة المغبون؛ بل ربما خسرنا رأس المال ويصدق علينا قول من قال: «على نفسها جنت براقش». والدين الإسلامي يمتد الآن من «مراكش» إلى «يافا»، ومن «زنجبار» إلى «الصين»، ويخطو في داخل أفريقيا خطواتٍ كبيرةً وتعتنقه أممٌ كثيرةٌ والبحث في سرعة انتشاره يرجع إلى عدم الخلط والخبط في أصوله وبنيانه الأمر الذي جعل له مكاناً ثابتاً في قلوب أهله، وكل من تدين به بخلاف النصرانية؛ فإنها مزعزعة الأركان قلما يكون لها ثبوت عند الإنسان لما فيها من التبديل والتغيير والتحريف والتحوير.

* * *