ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، رجب 1436 هـ = أبريل – مايو 2015م ، العدد : 7 ، السنة : 39

 

إلى رحمة الله

 

الشاعر الأردي الإسلامي المعروف على مستوى العالم: شاعر الرقّة والكمد والتألم

كليم أحمد عاجز العظيم آبادي البتنوي – رحمه الله

1345-1436هـ = 1926-2015م

بقلم: رئيس التحرير

nooralamamini@gmail.com

 

 

 

كنتُ خارجًا في نحو الساعة الرابعة والنصف مساءَ يوم الأحد: 25/ربيع الآخر 1436هـ = 15/فبراير 2015م من فصل التخصص في اللغة العربية وآدابها بالجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ديوبند إذ نَعَىٰ إليّ أحدُ طلاب القسم، الشاعرَ الأرديَّ الإسلاميَّ الدكتورَ كليم عاجز العظيم آبادي البتنوي قائلاً: سيّدي! هل علمتم أنه قد تُوُفِّي اليوم الشاعر الكبير الفقيد النظير الدكتور كليم عاجز؟ قلتُ له: والله ما علمتُ وإنما أنت أول من ينعاه إليّ.

     وقع عليّ النعي كالصاعقة، وأصابني والطلابَ الذين كانوا يصاحبونني إلى منزلي بجوار الجامعة حزنٌ عميقٌ وأسفٌ بالغٌ لايمكن قلمي أن يصفهما. وسألتُه: متى وقعت وفاتُه؟ أجاب: لا أعلم ذلك بالضبط؛ ولكن الطالب فلانًا قد يكون على علم بذلك. وهَاتَفَه إثر حديثه معي، فأفاده الطالب: ربما يكون قد وقع الحادث في الساعة التاسعة صباحًا؛ ولكني علمتُ فيما بعد أنه لفظ أنفاسه الأخيرة في الساعة الثامنة من صباح الأحد، بعد ما ألمت به وعكة صحيّة في الساعة السابعة في منزل ابنته الصغيرة «شميمة كليم» وصهره البروفيسور «فاروق أعظم» بمدينة «هزاري باغ». وكان لدى الوفاة في 91 من عمره بالنسبة إلى السنوات الهجرية وفي 89 بالنسبة إلى الأعوام الميلادية. رحمه الله وجعل جنة الفردوس مثواه، وألهم جميع ذويه ومحبيه الصبر الذي لاينفد والسلوان الذي لاينتهي ولا يُحَدّ.

     وظلنا نهتمّ بالدعاء له بالمغفرة والرضوان ولأهله وذويه ومحبيه كلهم بالصبر والأجر والسلوان، إذ طلعت علينا الصحفُ في الصباح الباكر من يوم الاثنين: 26/ربيع الآخر 1436هـ = 16/فبراير 2015م تقول: الشاعر المطبق الذكر الذائع الصيت كليم عاجز تستأثر به رحمةُ الله في نحو الثامنة صباحًا من يوم الأحد: في مدينة «هزاري باغ» من ولاية «جهاراكهاند» الهندية وإنه حُمِلَ جثمانُه إلى مدينة «باتنا» عاصمة ولاية «بيهار» حيث يُصَلَّىٰ عليه وتوريته في القبر.

     في نحو الساعة العاشرة والنصف من ضحى يوم الاثنين: 26/ربيع الآخر = 16/فبراير صَلَّىٰ عليه في ساحة الغاندي بمدينة «باتنا» آلافٌ من المسلمين يَتَصَدَّرُهم العلماء والصلحاء وطلاب العلم والأدباء والشعراء والمثقفون وذووقرباه ومحبوه إلى جانب عدد وجيه من عامة المسلمين من أهالي المدينة والمتوافدين من خارجها. وأَمَّ الصلاةَ عليه فضيلة الشيخ السيد نظام الدين أمير الشريعة لولايات «بيهار» و«جهاراكهاند» و«أريسه» والأمين العامّ لهيئة الأحوال الشخصية لمسلمي الهند.

     وشَيَّعُوه إلى مقبره «سمن بوره» أحد أحياء المدينة حيث وَرَّوا جثمانَه بعيون باكية وقلوب حزينة. وبعد انتهاء الصلاة عليه قَدَّمَ مسؤولون حكوميّون بمن فيهم رجالٌ من الشرطة كبارٌ تحيات رسميّة على طريقتهم الخاصّة.

وصل إلى الكاتب ذكره قبل أن يحظى برؤيته

     إنه قد وصل إليَّ ذكرُه وذكرُ شعره المعجون بالحزن والتألم والرقة قبل أن أحظى برؤيته ولقائه بسنوات طويلة؛ حيث سمعتُ ذكره وذكر بعض أبياته الرائعة على لسان شاعر المديح النبوي الأردي الشيخ الصالح محمد الثاني الحسني رحمه الله (1344-1402هـ = 1925-1982م) ابن أخت العالم والداعية والمفكر الإسلامي الهندي الكبير المعروف في العالم الشيخ أبي الحسن علي الندوي (1333-1420هـ = 1914-1999م) وذلك في يوم من أيام 1399هـ/1979م في قرية الشيخ الندوي رحمه الله التي تجاور مدينة «رائي بريلي» والتي كنتُ نازلاً بها لأسابيع أُبَيِّض بعضَ كتاباته الشيخ الندوي رحمه الله وكنتُ عندها أستاذًا بدارالعلوم ندوة العلماء بلكهنؤ.

     وكان الشاعر يقول في الأبيات بالأردية: إن الحزن هو رأس مال الحياة فأحاول أن أناله من أي إنسان بقدر لا يُحَدُّ، وإن شغلي ووظيفتي أن أوقد السُّرُجَ في البيوت في الطريق، سواء أكانت بيوت الأصدقاء أو بيوت الأعداء وإن الناس أنواع حسب معادنهم؛ ولكني وجدت في الحياة أن القصور الشامخة أبوابها ضيقة أي إن أصحابها بخلاء أشحّاء مقابل فقراء ساكني الأكواخ.

     هَزَّتْني الأبياتُ طويلاً، وجَعَلَتْني أحبّ قائلها الذي سمعتُ اسمَه وشعرَه أوّل مرة في حياتي، وكنتُ عندئذ في أوائل النصف الثاني من العقد الثالث من عمري. وظِلْتُ أحتفظ باسمه وذكراه في قلبي، وأُرَدِّد أبياتَه تلك من وقت لآخر، وأَلَذُّها وأَطِيب نفسًا بالمعاني اللطيفة الثرّة التي تفيض بها والإشارات البارعة الدقيقة التي تنطوي عليها، وأُنْشِدها في كثير من المجالس التي كان يغشاها المعارفُ والأصدقاءُ من ذوي الاهتمام والمذاق الفكري المشترك. ومن وقت لآخر ظِلْت أَطَّلِع على أبيات له أخرى، كلُّها قطعة من القلب، وتعبير صادق عن حقائق الحياة، وإشادة رقيقة ذات لوعة وأسى بالحزن والتألّم الذي يُصَابُ به الإنسانُ في سبيل الحق والحرمة والدين والعقيدة، فأزداد إعجابًا بالشاعر وقريحته الشعرية الفيّاضة بهذه الأبيات التي كنتُ أجدها تختلف تمامًا عن أبيات جميع الشعراء الأرديين قديمًا وحديثًا الذين أتيح لي أن أتعرّف عليهم وعلى شعرهم، تختلف عنها في كل من اللفظ والمعنى، والأسلوب والصياغة، والإطار والشعار، والأفكار والمشاعر التي يصدر عنها صاحبها في كل ما يقول من الشعر ويكتب من النثر.

     وبقيتُ على ذلك حتى عُيِّنْتُ أستاذًا ورئيس تحرير لمجلة «الداعي» بالجامعة الإسلاميّة دارالعلوم/ديوبند وقَدِمْتُها في شوال 1402هـ/ أغسطس 1982م، فعُدْت أسمع عنه وعن شعره أكثر من ذي قبل، لكون عدد من خريجي الجامعة يُعْنَوْنَ بشخصه وشعره؛ ولكون مقر جماعة الدعوة والتبليغ قريبًا من «ديوبند» لأنه يقع بدهلي التي بينها وبين ديوبند مسافة 150 ك م، وكان وظل لوفاته أميرًا للجماعة على مستوى ولاية «بيهار» فكان يتردّد إلى دهلي كثيرًا لحضور الاجتماعات التشاوريّة فيما يتعلق بالأنشطة الدعويّة؛ ولكون كثرة اختلاف العلماء العاملين في الإمارة الشرعيّة بـ«باتنا» إلى ديوبند؛ لأن معظمهم من خريجي الجامعة الإسلاميّة دارالعلوم/ديوبند.

     فصرتُ كأني أعرفه عن كَثَب، وأعيش في جَوِّ شعره الرقيق المُرَقِّق المُلْهِم للأفكار والمعاني، المُعَبِّر عن الآلام والأحزان التي تصيب الإنسانَ لا مَحَالَةَ في حياته - التي تأتي في أغلب الأحيان عبارةً عن الأشواك والآلام والأحزان - حتى أَصْدَرَ أخونا المفضال الكاتب الأردي المعروف الشيخ محمد رضوان القاسمي رحمه الله (1363-1425هـ = 1944-2004م) بتعاون من شقيقه محمد سلمان الصديقي المقيم بـ«دبي» - الإمارات العربية المتحدة في عام 1417هـ/1996م الطبعةَ الثالثةَ من ديوان هذا الشاعر المطبوع «وه جو شاعري كا سبب هوا» - الخطب الذي دعاني إلى قول الشعر من مؤسسته المُخَصَّصَة بإصدار الكتب الإسلامية الأدبية الفكريّة البنّاءة المسماة بـ«طوبى ببلي كيشنز» الكائنة بـ«حيدرآباد» بالهند، ونما إليّ بعد صدوره بعدة سنوات أنه أَصْدَرَه، فطلبتُ منه نسخةً من الديوان، فأهداها إليّ، عن طريق الأخ العزيز الفاضل الشيخ محمد نعمان الدين الندوي أستاذ دارالعلوم/ حيدر آباد سابقًا الذي شَحَنَها إليَّ بالبريد الجويّ المضمون. واستلمتُها يوم السبت 15/جمادى الآخرة 1421هـ الموافق 16/سبتمبر 2000م، فظلت أتصفحها وأقرؤها من أمكنة شتى، حتى وجدتُ الفرصة مُتَاحَةً في الليلة المتخللة بين الاثنين والثلاثاء: 17-18/جمادى الآخرة 1421هـ = 18-19/سبتمبر 2000م.

     فعكفتُ على الكتاب في تلك الليلة التي هي إحدى الليالي الغراء في حياتي، التي لن أنساها مادمتُ حيًّا أقرؤه وأنتحب طوال ساعات بمشاركة ابني الأكبر: العالم المفتي أسامة نور أطال الله عمره مع جميع معاني السعادة الذي كان أيامئذ في الصف الخامس العربي بالجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند ضمن المنهج الدراسي الذي إذا أنهاه طالب تخرج عالماً دينيًّا ويستغرق المنهج ثماني سنوات دراسية - وظِلْنَا نقرؤه إلى الهزيع الأخير من الليلة، ولاسيّما صفحات 79 -180 الممتدة على مئة صفحة كاملة بالقطع الكبير للكتاب، تحدّثَ فيها الشاعر الرقيق القلب، المحَطَّم النفس، الجريح الفؤاد، المحترق الصدر، المُرْهَف الحسّ، الرائع القريض، الطريف المعاني، البدع الأفكار، البكر الأسلوب، عن القصّة الأليمة الحزينة الدامية التي حدثت له في تلك المرحلة المبكرة من حياته في قريته «تيلهارا» التي فيها وُلِدَ وبها نشأ، وأحبّها وكل شيء فيها وحولها حبًّا يقلّ نظيره في تاريخ حبّ الإنسان لوطنه ومسقط رأسه.

الشاعر يتحدث عن الدواعي التي تفاعلت ودعته إلى قرض الشعر

     قال الشاعر الدكتور كليم عاجز في كتابه المذكور ما خلاصته: أنّه بعدما تُوُفِّيَ والده الشيخ كفاية حسين في 1941م بقريته «تيلهارا» انتقل في 1946م بأسرته إلى منزل استأجره بمدينة «باتنا» بمن فيها والدته وشقيقته الصغيرة. ولما أظلّ شهر عيد الأضحى عزمت الوالدة أن تعود بالبنت الصغيرة إلى قريتها لتحتفـل بعيـد الأضحى فيها، جريًا على عادتها في كل سنة؛ حيث لم تحتفل به قطّ خارجها في الماضي. ذَعِرَ الشاعر بشكل غـير عاديّ ذَعَرًا لايُوْصَف من إبداء الوالـدة نيّتَها للتوجّـه للقريـة؛ لأنـه كان يستنـد إليها في تقليل الحزن العميق الذي خلّفه موت والده والذي خيّم بالإسـرة وبـه خصيصًا لكونه أكبر أولاد الوالدين، فإلى من يستند في غيابها عنه ولاسيّما خلال أيّام العيد؟

     ثم إنه كانت طينتُه معجونةً بالحب، فكان يحب كما يقول كلَّ شيء في الكون: أعضاء الأسرة كلهم، والمجاورين في القرية كلهم، والقريةَ بأسرها، وبيئتَه كلَّها، والرياح التي هبّت حولَه، وتقاليدَه وحضارتَه، والقيمَ الحياتية التي عرفها، وجدرانَ منزله وسقفَه، والسماءَ والأرضَ؛ لكنه يقول: إن أمي الحنون كانت أحبَّ إليّ من جميع الأحبّاء في الحياة؛ ولذلك شَقَّ عليه للغاية تصميم أمّه على العودة إلى القرية تاركةً إيّاه في المدينة.

     يوم 29/ذوالقعدة 1365هـ الموافق 26/أكتوبر 1946م توجهت الأمّ بابنته الصغيرة إلى القرية، ذلك اليوم الذي أصبح تاريخيًّا حقًّا في حياته، حيث تتابعت الأيام، وطلعت الشمس وغربت، وتتالث الأصباح والأماسيّ، وجاءت الأسابيع ومضت، وطلعت الشهور وانتهت، وتقلبت السنون، وتغيّرت الفصول، وستأتي القرون وتنقضي؛ لكن ذلك اليوم كما يقول صفحتُه التاريخيّةُ لاتزال مفتوحة على تقويم القلب، وظلّت مفتوحة ليوم وفاته في الثامنة من صباح الأحد: 25/ربيع الآخر 1436هـ الموافق 15/فبراير 2015م.

     في صباح ذلك اليوم الذي فارقته فيه أمه وأخته الصغيرة للأبد، وكان توديعه لهما توديعًا أخيرًا في هذه الحياة الدنيا ارْتَدَتِ الأمّ العَبَايَةَ التي ترتديها النساءُ المسلمات في الهند وفي العالم كله للاحتجاب بيديها وهما ترتعدان، وعيناها تستعبران، وشفتاها تهتزان ببطء، وأصابع يديها ترتعش، وأهداب عينيها تضطرب. وكلُّ ذلك يشفّ عن ذلك البركان الذي كانت تحاول تغطيتَه بثلج من الصبر والاحتمال. وقد ركبت هي وهو على عربة الحصان ومعهما الأخت الصغيرة إلى محطة المدينة وأمسكت الأخت بأصابع إحدى يديه وأمسكت الأم بأصابع يده الأخرى، وكأنهما تخافان أن يختطفـه أحد منهما، وكلتاهما تُتابِعان النظرَ إلى وجهه، ساكتتين واجمتين. ونزلوا من العربة ودخلوا المحَطّةَ، وقصدوا الرصيفَ الذي كان المُنْتَظَر أن ينطلق منه القطارُ الموصل إلى المحطّة القريبة من قريتهم.

     وهنا لم تتمالك أيٌّ من الأمّ والأخت نفسها، فراحت الأخت تنتحب، واستعبرت عينا الأمّ، وبدأت الدموع تتقاطر، على حين أنه لم يكن هناك داع في الظاهر إلى مثل هذا الحزن والبكاء؛ لكنهما كما يقول كان الله عزّ وجلّ قد اختارهما للشهادة وإكرامهما بدرجة «الشهيد» فكانتا تنطلقان إلى المجزرة. كانت الحُجُب كلها قد ارتفعت عن قلبيهما، فكانتا تُحِسَّان ما كان لايحسّه هو. كان لايعرف ما كان الله قَدَّرَ وحَكَمَ في شأنهما، فكانتا لا تروحان لتقديم الأضاحي، وإنما كانتا تَتَوَجَّهان إلى القرية لتُضَحِّيا بأنفسهما.

     انتقلت الأمّ والأخت إلى القرية يوم 29/ذوالقعدة 1365هـ الموافق 26/أكتوبر 1946م، وتسامع يوم 2/ذوالحجة = 28/أكتوبر أنه قد ثارت الاضطرابات الطائفية في «جهابرا» وما جاورها من المناطق، وامتدّت إلى المنطقة الواسعة، وتتابعت الأنباء الرهيبة بتقتيل المسلمين بعشوائية، ثم نما إلى سمعه يوم 9/ذوالحجة = 4/نوفمبر أن قريته «تيلهارا» قد حاصرها حشدٌ كبير من المشاغبين الهندوس منذ 8/ذوالحجة = 3/نوفمبر؛ وأنه قد شَنَّ عليها هجومًا مُسَلَّحًا هذا الحشدُ الذي قِوَامه عشرة آلاف من المشاغبين المُدَجَّجِين بالأسلحة، فمثلت في مُخَيِّلَته شاخصةً متحركةً جميعُ الصور العالقة بها منذ صباح 29/ذوالقعدة = 26/أكتوبر الذي فارقته فيه أمُّه وأختُه إلى القرية باكيتين ملفوفتين بحزن عميق غامض غير معلوم سِرُّه.

     وبدأ هو وبعضُ أقربائه منذ ظهيرة 9/ذوالحجة = 4/نوفمبر إلى الساعة المتأخرة من الليل، ومنذ صباح 10/ذوالحجة = 5/نوفمبر إلى ما بعد الظهيرة يلتجئ ويرجو مُلِحًّا أحدَ المسؤولين الحكوميين رفيعي المستوى، وكان المسؤول مسلمًا من سوء الحظ! يُقَدِّم إليه الرجاءَ باستمرار قائلاً له: سيّدي! «هَيِّئ لنا أيَّ عُدَّة، نرجو أن تُوَفِّر لنا شاحنتين أو شاحنة وعددًا من شرطة الحرس، ها هي ذه تكاد تمضي الظهيرة، لاندري ما هي حال القرية، ولا ندري ماذا حلّ بأهلها المسلمين، نرجوك التفاتة كريمة».

     وبعدَ هذه المماطلة المسئومة المؤلمة قال الرجل لأحد من مُوَظَّفِيه، أَجْرِ الاتصالَ بكبير مسؤولي الشرطة في المدينة، فتكلم معه الرجل، فهَيَّأَ شاحنةً وستةً من قوات الشرطة. فخرج من قصر الرجل هو وبعض أقربائه المشار إليهم، يركب الشاحنةَ إلى القرية المنكوبة إذ وقفت ثلاث سيارات وشاحنة أمامه آتية من القرية، ونزل منها مسلمون وغير مسلمين، فسارع إليها أحد من صحبه، وتساءل إلى مسلم نازل من تلك السيّارات في قلق مُتَنَاهٍ: أيها السيّد محبوب من أين أنت قادم؟! (وكان مسؤولاً كبيرًا في قوات الشرطة) أما نحن فمتوجهون إلى «تيلهارا» حيث قد حَظِينا بشاحنة وبستة من قوات الشرطة. فأطلق المسؤول آهةً حزينة للغاية، وقال: ماذا بقي الآن في «تيلهارا»؟! نحن عائدون منها، انظروا إلى ثيابي وإلى ثياب زملائي وكانت مُلَطَّخَة برِشَاش من الدماء القانية عدنا منها بعدما انتهينا من صنع ما كان يجب علينا نحو الجُثَث.

     وأضاف الشاعر: في اليوم الثالث من تفجر الاضطرابات وهو اليوم الثاني عشر من ذي الحجة واليوم السابع من نوفمبر توجهتُ أنا وزوج شقيقتي «إكرام الحق» - رحمه الله راكبين على شاحنة تصاحبنا قوات شرطة مدراسيّة إلى قريتنا المنكوبة.

     يستقبل الداخلَ إليها القرية أولاً مسجدٌ مبنيٌّ من الأحجار يقع على مكان مرتفع، فيلوح للقادم إلى القرية من بعيد. ومن مسافة غير قصيرة خُيِّلَ إليّ كأن المسجد يتحدّث إليّ، كان يلفّه حزنٌ عميق في جلال، وكمد شديد في وقار، وكآبة في رزانة. قد بدا لنا المسجد كمجاهد مجهود مكدود مصاب بجروح كثيرة صَمَدَ في وجه الأعداء ونازلهم مُقْبِلاً غيرَ مُدْبِر، واقفٌ بين جثث زملائه مُتَّكِئٌ على سيفه غيرَ راض بالموت، هابطاً على الجَدَالَة. وكان باب المسجد مفتوحًا كجرح مفتوح في الصدر، وتنطق على جدرانه كلُّ العلامات التي كانت صورًا حيّة للصدام الذي استمرّ يحصد أرواح المسلمين على مدى ثلاثة أيّام. وأضاف المسجد قائلاً: يوم 10/ذوالحجة = 5/نوفمبر قد انتهت في الوقت الذي تؤدَّى فيه ركعتا عيد الأضحى الكارثةُ الأليمة الكبيرة التي ربما ليس هناك أحد سواي على وجه الأرض سيذكرها دائما صباحَ مساءَ.

المسجد يتحدث

     وكلما قرب ا لشاعر كليم عاجز - من المسجد بدا له كأن المسجد يصرخ: أيها القامون، تمالكوا أنفسكم قادمين، وادخلوا القريةَ ملاحظين، إنها «وادٍ مقدس» فلا تَدْخُلُنَّها إلاّ خالعين أحذيتكم، مُلاَزِمِين كاملَ الاحترام، خاشعين مطأطئين رؤوسكم، مُسَلِّمين على من هم صاروا جزءًا منها؛ بل لا تَدْخُلُنَّها بتاتًا؛ لأنكم قد تدوسون آلافًا من النفوس الزكية البريئة، لماذا تدخلونها؟ ماذا تريدون أن تروه؟ ماذا سترون بعدُ؟ من الذي يريكم؟ من الذي يخبركم بماذا حدث. قِفُوا مكانكم، اسمعوا من ثَمَّ، أنا الذي بوسعه أن يخبركم. إن في جدراني الحجريّة شُعَلاً تتقد، ونارًا تلتهب؛ إن في صدري الحجري قلبًا يخفق؛ إن محاريبي حواجب، وإن كَوَّاتِي عيون. إني سأهبكم ألسنة تنطقون بها مستقبلاً، وسأمنحكم أفكارًا تمارسونها لاحقًا، وستفهمون جيدًا ما أقوله لكم، وستقدرون أن تُقَرِّبُوه إلى غيركم؛ ولكنكم أنتم كذلك ماذا عسى أن تفهموه، وماذا عسى أن تُفْهِمُوه. إني ظِلْتُ أصرخ طَوَالَ ثلاثة أيّام وثلاث ليالٍ؛ ولكن الذين كانوا يعمرونني ويملؤون أحضاني كانوا مشغولين عنّي بصلاة، بعبادة مقدسة أَغْنَتْهُمْ للأبد عن جميع العبادات والصلوات. إن حدود الحبّ تبتدئ منذ قريب مني، من هنا ينشق الطريق إلى مُمْتَحَنِ الغرام والوفاء، امضوا مشاهدين بدءًا من بابي، والتقطوا صورًا تُزَيِّنُون بها مُصَوَّرَ قلوبكم.

     وبعد ذلك بدأ المسجد يتحدّث في تفصيل، ويُعَدِّد القتلى في سبيل دينهم وعقيدتهم، الذين قتلتهم أيدي العصبية والانتقام، لذنب واحد، هو ذنب كونهم مسلمين يعبدون إلٰـهًا واحدًا ويقولون ويعتقدون لا إله إلاّ الله محمد رسول الله. ويحدّد مَقَاتِلَهم وأساليب إسلامهم أرواحهم لله الذي كان قد خلقهم وأكرمهم بالإسلام، وأعلى درجاتهم في الجنّة بالاستشهاد في سبيله. فها هو ذا مقتل فلان وفلان، وبعدهم مقتل فلان وفلان وفلان، وهنا مُسْتَشْهَد فلان وفلان وفلان.

     وهكذا استنطق الشاعرُ الناثرُ المطبوعُ المحزونُ المفجوعُ المسجدَ الذي كان شَاهِدَ عِيَانٍ لما فعل أيدي الكفر والوثنية مع الموحدين المسلمين من المفاعيل، في هذه القرية طَوَالَ ثلاثة أيّام.

     وقد قال المسجد: إنه لمّا انهارت الجبهاتُ كلُّها، وهُدِمَت البيوت والجدران والأسوار كلّها، وأُشْعِلَ الحريق في كل مكان في القرية ولم يبقَ سبيل إلى النجاة، تيمّمت البنات الصغيرات السنّ على توجيه من أمهاتهن وجلسن مصطفّات يتلون القرآن الكريم مهتزات، فاقتحمهن المشاغبون حاملي السيوف والرماح، وقتلوهن في مكانهن.

     وأضاف المسجد قائلاً: إن الآبار في الدور كلها قد امتلأت بجثث الشهداء؛ ولكن لا تَطَّلِعَنَّ أيها القادم! على جميعها لأنك لستَ محرمًا لجميع من فيها من البنات والنساء، وليس هناك سبيل لاحتجابهنّ؛ ولكن انظر إلى ذلك المكان الذي فيه ضريح السيّد «صدر أمين» بجانب قدميه بئر لك أن تزورها وتطّلع عليها؛ لأنّ فيها أمّك وأختك وكثيرًا من أقربائك وقريباتك. وها هو ذا يرتفع منها النداء: أنا ههنا يابُنَيَّ، أنا ههنا يا أُخَيَّ!، نتلو القرآن، ويقول نداء الأخت: أنا معتنقة أمّي. ثم تتحدث الأمّ بقدر من التفصيل وتقول فيما تقول: كان خيرًا أن خَلَّفْتُك في «باتنا»؛ لأنك كنت مهتمًّا باجتهاد في الدراسة لأداء الامتحان، والآن وقد أتيتَ تزورني فخذ حفنتين من التراب وألقهما في البئر حتى تُشْبِع أمنيتَك أنت. كنتَ تتمنى أن تُزَوِّج أختَك هذه الصغيرة التي تعانقني الآن؛ ولو كنتَ قد فعلتَ ذلك لكنتُ اليوم وحدي، إنها ظلت تنضم إلى صدري على مدى ثلاثة أيّام، وفي حالتها هذه رافقتني إلى ههنا. وظلت أذكرك خلال الأيام الثلاثة، وأدعو الله أن يحول دون وصولك إلى ههنا؛ لأنك لوكنتَ قد وصلتَ إليّ لكنتَ حائلاً دون موتي، ولما حضرتَني الآن أودّ أن أضمّك إلى صدري الجريح المثقوب وبعنقي المقطوع؛ لكن ذلك يتعارض مع آداب الفناء والتضحية. إذهب يا بنيّ لن أكون بعيدًا عنك، فقد صرتُ أقرب إليك بعد الموت مما كنتُ فيما قبله؛ فسأظلّ في تصوّراتك، وفي عينيك. إن ذكراي وتصوّري سيظلان يوقدان مِجْمَرَ قلبك. إن عينيك ستظلاّن شعبانتين، وإن لسانك سيظلّ حُلْوَ المنطق. لقد كنتَ مُقِلاًّ من الحديث، فستعود مِكُثَارًا مُفَوَّهًا، وسأنطق بلسانك، وستسمع صوتي في ألفاظك، وسأسمع ندائي في شعرك. ولو كنتُ أمامَك متُّ ودفنتَني، لكان قد دُفِنَ معي الجزء الكبير من حبّي. أمّا الآن فإني سأظلّ حيَّةً في قلبك؛ لأنني قد اختفيتُ رصيدًا لايَنْفَد في مشاعرك، ستظل تُنْفِق منه قدرًا لايُحَدُّ وسأظلّ أزيده. إنّ جثّتي الطينية ستظلّ تسمع صوتك، إنّها ستظلّ رطبةً بأنّاتك التي تُطْلِقها في جوف الليل وآهاتك التي تتنفّسها في مواعيد السحر. قد يهتزّ الناس من هذه الألفاظ، أمّا أنا وجميع أعضاء جمعيتي الذين يصاحبونني، سيظلون يهتزون من الحقيقة الكامنة وراء هذه الألفاظ. إنّ جلساءك وندماءك في الواقع هم أعضاء هذه الجمعية. إننا نحن أصحاب الذوق، ونحن الحانّون إلى كلامك والمُعْجَبُون به في الحقيقة. إننا نحن المدركون لما تتضمنه أبياتك من المعاني والإشارات.

     نعم يابنيّ! لقد آن أن تعود؛ لأنني أتلو القرآن الكريم(1).

     ثم لم يعد إلى قريته المنكوبة بعد ما زارها إثر المجزرة الأليمة التي أَثَّرَتْ على كيانه وصاغت شخصيته في قالب الحزن المتصل العميق الذي لم يفارقه طولَ حياته، والتي فَجَّرَتْ قريحتَه الشعرية، وجعلت قيثارته الفكرية تُوَقِّع أبياتًا خالدة تُعَبِّر عن أحزان الإنسان تعبيرًا قويًّا فريدًا صادقًا يطابق مائة في المائة ما يعانيه الإنسان في حياته من الآلام والأحزان التي تجعله لايتمالك بعدها نفسه، إلاّ إذا رحمه ربّه وأكرمه بعنايته الخاصة ونصره بتوفيقه للصبر والاحتمال في أشدّ الحالات وأقسى الظروف.

     لم يعد إليها إلاّ بعد 11 عامًا، في سنة 1956م/ 1375هـ، ثم واصل زيارتَها كلَّ عام مرة واحدة، ليجمع رصيدًا من الدموع لاينفد على الإنفاق، ويُرَقِّق قلبه، وينقض جرحه، ويُجَدِّد ذكراه، ويُطْلق فيثارته الشعريّة.

هذه المأساة جعلته يلازمه الشعور بالعزلة

     يقول الشاعر: هذه المأساةُ جعلتني يُلازمني الشعور بعزلة حزينة. وبعد نحو ثلاث سنوات عُدْتُ أفزع منها العزلة الحزينة إلى هذا التحادث مع النفس متمثلاً في قرض الشعر إن هذه العزلة الحزينة لم تَنْتَهِ قطّ، ولم تتحوّل مجلسًا. إنّ شعري محاولةٌ فاشلةٌ لمنح تلك العزلة مؤنسًا آلفًا نديمًا؛ فكلُّ ما أقوله شعرًا ليس لأحد وإنما أقوله لنفسي، لم أهدف من ورائه إلى إسماع الغير، وإنما الغرض أن أتغنّى به شخصيًّا. إنّ ما أقوله هو في الواقع حديث صامت مع النفس، إنّه حديث مع القلب لتسليته. إن هناك من يتسلّى باللعب بالورق، ومن يتسلّى بموسيقى، ومن يتسلّى بلحن من الألحان، ومن يتسلّى يصور، ومن يتسلّى بالاستماع للإذاعة أو برؤية الأفلام وارتياد دور السِّنِمَا. أمّا أنا فإنّما أتسلّى بشعري الذي أتحدّث به مع نفسي.

يقول الشاعر: إن شعره ردّ فعل لهذا الشعور بالعزلة

     رغم أني أظلّ كلَّ وقتٍ - سوى عدة ساعات من الليل آوي فيها إلى الفراش- في مجلس حافل، ولا أُمْنَىٰ بعزلة أبدًا، وأظلّ دائمًا في زحام، يظلّ قلبي في عزلة في ذلك الزحام المزدحم والضجيح والضوضاء، وفي كثرة الأشغال، وفي الحياة النابضة المتحركة التي لا تعرف الضنى والتعب والفتور. إني لا أحسب نفسي عضوًا من أعضاء هذا العالم الصاخب. إني لأظن أني رجل قد خرج أو أُخْرِج من مجلس آخر، مُشَرَّد عن بيته، يبدو مُنْكِرًا لذاته، ناسيًا نفسَه في هذا العالم الغاصّ بالحوادث والنوائب.

     إن شعري ردُّ فعل لهذه العزلة التي تشعر بها نفسي، فما أجده من لذة منه، وما أجده من ضوء وقوة، ليس لأحد غيري إليه سبيل؛ فإنّ حالتي كما قلت في بيت:

     يقول: الشمس تطلع عندما لا تكون الشمس طالعة، ويقول: أَظَلَّ الليلُ ولايكون الليل مُظِلاًّ. حقّا إنه ليس بوسع كل أحد إدراك ما يقوله المجانين(1).

يقول الشاعر: إنه لم يتبن الشعر كفنّ

     ويقول في مكان آخر:

     لم أَتَبَنَّ الشعرَ قطّ كفنّ، لم يخطر ببالي في أي مرحلة من حياتي أن ما أقوله سأطرحه أمام الناس كفن شعري، وأتمنى عليهم أن يُقَيِّمُوه، ويضعوه على المِحَكّ، ويُحَدِّدُوا قيمته، وأسألهم عن قدره ومستواه؛ وأنه سيُعْرَضُ يومًا في سوق الشعر والأدب كسلعة أدبية. إن الواقع فيما يتعلق بشعري أن «كليم» - وهو لقبه الذي اختاره واستعمله في شعره القارض للغزل يتحدث من خلال الغزل إلى «كليم» المختفي فيه، وهو كالحديث العفويّ الذي يدور بين خليلين، ولايمكن أن يُسَرَّ به إلى أحد، والذي ينطوي على أسرار قلبية، وبجري ببساطة بالغة، والذي يُرَدَّدُ فيه حديث الصباح في المساء، وحديث المساء يُتَبَادَل في الصباح(2).

     ولكن الشاعر هل اختار لغة الشعر ليتحدث به فقط عن مكنونات صدره ومخزونات وخلجات قلبه، وعن همومه و آلامه وأحزانه وحدها؟

     إنّه يرفض ذلك رفضًا باتًّا، ويُصَرِّح أنه في مرآة جرحه عاين جرح العالم كله. يقول: إني لم أقدر أن أشاهد جرحَ العالم مباشرة بعيني رأسي، فحَوَّلتُ جرحي مرآةً مُكَبَّرَةً لأرى من خلالها جرحَه. إن التناغم والانسجام الكامل بينهما هو الذي أبكاني. ولو لم أُصَبْ بالجرح الذي أُصِبْتُ به لربّما كان أن أَعْمَىٰ عن جرح العالم. إني أحبّ جرحي؛ ولكني أتألّم من جرح العالم، وأودّ أن أصاب أنا وحدي بجروح العالم كله، حتى يعود وجهه نَقِيًّا أَزْهَرَ(3).

     إنّه يقول: لو أن جرحي الشخصي تَحَوَّل شعرًا، لكان لي أن أصير أقوله على إثر مأساة 1946م التي قتل فيها إلى والدتي وأختي 22 فردًا من أفراد أقربائي إلى 800 من مسلمي قريتي خلال أيام عيد الأضحى وبالذات في أيام الأضحية والتشريق ولكن ذلك لم يحدث، وإنما حالت بيني وبين الإعراب عن الجروح شعرًا فترة خمسة أو ستة أعوام.

     إن جرح قلبي وَهَبَ لي العينين اللتين تَأَهَّلْتُ بهما أن أرى جروحَ الآخرين، والجروح تواصلت، فتمهّد الطريق إلى هذا الفن الشعري لديّ. إن هذا التناسق هو عبارة عن تضامن حزن القلب وحزن الزمان، وتعاون حزن النفس وحزن الحبّ، واشتراك حزن الغرام وحزن الأيّام. إنه لن يوجد فن أدبي شعريّ ثابت دائم بدون هذا الامتزاج والتضامن والاتحاد(4).

الشعر وسيلة للحديث مع النفس

     وأكَّدَ الشاعر أكثر من مرة أن الشعر إنما هو وسيلة للتحادث مع النفس، فهو يقوله ليتسلّى به وحده، وليبوح به عن آلامه وأحزانه؛ فلا يَقْلَق مثلَ آخرين من الشعراء، أن يعرض أبياته بعد قولها دونما تأخير على الناس، ليحصد إعجابهم وتقديرهم، ويفوز بثنائهم العاطر واستحسانهم الفائح.

     فيقول: إن الشاعر بعد ما يقول الشعر يقلق كثيرًا، ويظلّ مدفوعًا برغبة جامحة لاتوصف في إنشاده الناسَ. أمّا أنا فإن لذاذاتي كلها تنحصر في قولي الشعر. فربما أقول غزلاً وأظلّ أتغنى به أسابيعَ وأحيانًا شهورًا، وأحتاط في هذا التغني هو الآخر حتى لايتسامع به غيري، ولا تقع عيناه على هذه الفتاة الفنية البِكْر، فأظلّ أَلَذُّها وحدي، وأهب لها حبيّ دونما مشاركة من أحد. فلو اضطررتُ أن أتلو غزلاً لي في الإذاعة أو في أمسيّة شعرية، وجدت أن حرارة الحبّ نحوه وحلاوة اللذّة تجاهه قد خَفَّتْ بنحو ملموس(1).

عامل آخر من عوامل الروعة والرقة والسحر الحلال في شعره

     وهناك عامل آخر من عوامل الروعة والرقة واللطافة والسحر الحلال الذي يمتاز به شعره عن شعر غيره من المعاصرين وكثير من السابقين من الشعراء والكُتّاب. وهو معاني الحبّ المتناهي، والصبابة البالغة، والكلف الذي لاحدَّ له، التي عُجِنَتْ به طينته، والتي أَذْكَتْها الحوادث الأليمة التي مَرَّ بها في بداية مراحله الأولى، مراحل التطوّر والنشوء من حياته. واعتبرها قيمةً فريدة وحيدة في حياته، وتصوّرًا أمثل، وفلسفة فُضْلَىٰ، وحقيقة كبرى. وعَدَّها ثروةً لا تُثَمَّنُ، ثروة لا يَقْدِر أحد على دفع قيمتها، ولو دفعها لما استطاع أن يقبضها، وليس هناك من يسلبه إيّاها. ولن تحل محلّها قوةٌ، ولا حادثةٌ، ولا ثورة(2).

     وقد أرجع ذلك المعنى السامي الذي سَيْطَرَ على كيانه إلى الثقافة التي كسبها في طفولته، وحبّ الدّراسة الزائد في بداية حياته، والأوساط الأدبية الشعرية المسرحيّة التي عايشها في مدينة «كولكاتا» عاصمة البنغال الغربية؛ حيث إنها أثارت فيه في جانب مواهب أدبية كامنة، وفي جانب آخر جعلته يُحب القيم الأصيلة في الحياة، وأَذْكَتْ في قلبه رقة ولطافة، كانتا تبدوان كما يقول مستغربتين في ذلك العصر أيضًا، فضلاً عن هذا العصر الذي نعيشه اليوم؛ فكانت تتفتق قريحته لأدنى لمسة، وكانت طبيعته تلين وترق لأدنى هزّة. فيقول: «وكنتُ أرغب رغبة جامحة في التغني بأبيات الغزل لشعراء آخرين، كما كنتُ أحبّ شديدًا الأغاني الرقيقة؛ ولكني ما كنت أبدأ أُلَحِّنُ في قراءة أغنية أو أبيات من الغزل، إلاّ وكانت الدموع تتقاطر من عينيّ»(3).

العوامل التي تناغمت و تفاعلت في حياته

     أجل إن التألم للمآسي الإنسانية، ومشاركة الإنسان في آلامه وأحزانه، وحبّ الإنسان أيّ إنسان كان، والرقة والرأفة، واللين واللطافة، كلّ ذلك تفاعل في حياة الشاعر وتفجّر في شعره ونثره معًا، وجعله يُنْتِج شعرًا خالدًا، ونثرًا رائعًا يفيضان حبًّا وحنانًا، ويأخذان القارئَ بسحر غريب لايكاد يدركه؛ ولكنهما يظلّلان يُدَغدغانه ويَدَعَانه لا يبرح قراءتهما والتغني بهما ويَلَذُّهما لذاذةً لايكاد يصفها لأحد.

     وقد تبلورث في شعره كله ثلاثُ حالات تَكَيَّفَ بها في حياته. حيث يقول: «عندما أتفقد حياتي أجدها تتجلى فيها ثلاث كيفيّات:

     1- إن عالم شعوري أصبح نَفْطَةً، فهي تتفقأ بأدنى صدمة.

     2- عدتُ لا أستشعر خطرًا في حياتي. كنت أجد حولي جوًّا غير الجوّ الذي كنتُ أعيشه، أجد كل أحد خائفًا من مستقبله، ساعيًا جهدَه لتأمينه، سالكاً كلَّ طريق إليه، ومهما أحوجه ذلك إلى مفارقة البيت والوطن والأقارب والجيران، فإن هدفه الوحيد كان تأمين المستقبل. أما أنا فكنتُ مرتاحًا إلى مستقبلي، لحد أني كنت أشعـر كأنه لامستقبلَ لي؛ حيث إن حياتي لم يكن لها إلاّ زمانان: المـاضي الـذي هـو أحبّ إليّ وأجمـل وألذّ من نفسي، والذي تحوّلت جميـع مـراراته حلاوة. إن ما مضى من حياتي تحوّل خمرًا لا تعرف مرارةً، إنها مسرة لا تنتهي، إن نشوتها تظلّ تُسْكِرني دائمًا أبدًا. والزمن الآخر هو حالي الذي تجمعت فيه كل لذة وروعة، وجذابية وسحر، وفتنة وجمال، بالنسبة إلى الماضي الذي أمضيتُه.

     3- الحبّ الغامر الشديد الذي صار قِوَام حياتي، والذي أمارسه نحو كل شيء في الكون، فإني أَتَمَلْمَلُ عندما أرى كآبةً على وجه أحد، أو عبرة مهراقة من عين إنسان، أو شعرًا أشعث على رأس عضو في المجتمع الإنساني، أو قطوبًا على جبين رجل أو امرأة، أو ضعفًا في مشية أحد، أو بؤس حالته. إن شعوري بحره تتلاطم أمواجه عندما أشاهد أي موقف من هذه المواقف»(1).

هل تبنّى الشاعر أسلوب الشاعر الغزلي الكبير «ميرتقي مير»؟:

     إنّ الشاعر كما يزعم معظم الباحثين ونقاد الأدب والشعر اختار للبوح بآلامه وأحزانه وآلام وأحزان الإنسان وتباريح الحياة أسلوب الشاعر الأردي الكبير الشهير مير تقي مير (مير محمد تقي: 1136-1225هـ = 1724-1810م) ولكنه بدوره رفض أن يكون قد حاكاه أو أحدًا من الشعراء، وكلُّ ما صنع أنه وجد مصطلحات الغزل القديمة، وصياغاته التقليدية، وكلماته الكلاسيكية، تقدر قدرةً كاملة على مسايرة العصر، فبدَأَ يُحَمِّلُها عِبْءَ تجارب جديدة للعالم المعاصر ومقتضيات الحياة الحالية الجديدة، ورأى أن خطواتها تتزلزل في مستهلّ الأمر، وأحيانًا حدث أنها سقطت، ولكنها تمالكت نفسها وانتعشت رويدًا رويدًا، وتَقَوَّت من جديد، وازدهرت وعادت ناضرة الوجه، فصارت تتناغم مع حياته مع مرور الأيّام بنحو كامل. وقد تباهى الشاعر أنه بعد تجارب سنوات وبذل دماء القلب استطاع أن يُحَوِّل تقنية الغزل ومصطلحاته القديمة وأساليبه التقليدية تكسب معنوية جديدة حيّة، وتماشي العصر الحاضر في كامل القوة والجمال والتفاعل(2).

     وقد صَرَّحَ الشاعر أنه لم يكتسب هذا الأسلوب من الكتب، وإنّما هو أسلوب تلقائي ذاتي، ولم يتخذه بإشارة من أحد، وليس ذلك تقليدًا لـ«مير» وأضاف: إنه لم يُقَلِّد في أسلوبه الشعري أحدًا من الشعراء(3).  وقال لو كان التقليد تميل إليه نفسه لقلّد بسهولة أي سهولة «غالب» (شاعر الغزل الكبير الذي عَبَّرَ في شعره عن قضايا الحياة وحقائقها بلغة ينطق بها الناس في شؤون حياتهم اليوميّة: الميرزا أسد الله خان المتلقب في شعره بـ«غالب» 1212-1285هـ = 1797-1869م) لأنه تعرّف عليه مبكرًا قبل أي من الشعراء الكبار؛ لكن التقليد يتعارض مع طبيعته(1).

     وقد صَرَّحَ أن ما يوجد في شعره من شبه بشعر «مير» إنما يرجع إلى تشابه في نمط الحياة، ولا يرجع أبدًا إلى الأسلوب والفن(2). ولكنه صَرَّح في أحد أبياته الغزلية أنه يتبع أسلوب «مير» فيقول: «لايوجد مثل هذه الرقة واللوعة في أي موسيقى آخر، من ذا الذي يتنغم تنغّم مير»(3).

الكلمات في شعره لها ظاهر وباطن

     والجدير بالذكر أن الشاعر الفقيد رحمه الله استخدم في شعره الغزلي كله مفردات وكلمات وإشارات واستعارات ذات دلالات ظاهرة وباطنة معًا، فالعامي والرجل العادي الذي لايكتنه الألفاظ ومعانيها وأعماقها ودلالاتها البارعة إنما يفهم منها المعنى الظاهر فقط؛ ولكن الرجل المثقف المتذوق للغة ومحاسنها وما تنطوي عليه الصياغة الدقيقة من إشارات لطيفة يدرك ما وراءها من المعاني الباطنة الحقيقية. وقد وَظَّفَ الشاعر هذه التقنيّة الفنيّة في التعبير عن الاعتداءات الوحشية والتقتيل العشوائي الذي تعرض له المسلمون في الاضطرابات الطائفية ولا يزالون على أيدي المتطرفين من المواطنين المنتمين إلى الأغلبيّة في البلاد؛ حيث إنه اختار جميع ما في الشعر الغزلي الأردي من المصطلحات والأدوات التي ظل يستخدمها الشعراء في التغزل بالمرأة والتشبيب بالحسناوات، وتَفَنَّنَ في إعمالها في شعره الغزلي ببراعة فائقة لينطق شعره بالآلام والأحزان وصور الاعتداءات والمجازر غير القابلة للحصر، التي ظل يتعرض لها أبناء دينه وعقيدته في هذه البلاد على أيدي العناصر الظلمة من الهندوس المشاغبين المجردين من الإنسانية.

     وقد امتاز شعره عن شعر جميع الشعراء بالتعبير الرائع الدقيق البارع عن الاعتداءات الصارخة الرتيبة المتصلة تلك التي يصبّها على المسلمين في هذه الديار المواطنون المنتمون إلى الأغلبية من الذين يمارسون العصبية والكراهية الشديدة ضدّ أبناء الإسلام. وبعض قصائده الغزليّة سارت بها الركبان وشرّقت وغرّبت وأضحت نشيدًا حلوًا شهيًّا على أفواه الناس في شبه القارة الهندية خصوصًا والناطفين بالأردية في العالم كله عمومًا. ومنها أبياته التالية:

     «بدمائي وحدها تقتات وإياي تخاطبني مخاطبة الأثرياء. تمارس معي اعتداءً في الليل واعتداءً آخر في النهار؛ فأنت صديق يتضاءل أمامك العدوّ. نحن نفترش الغبراء وأنت تشافهني من العَلاَلِيّ فانزل إلينا وتحدث معي عن قرب، ما الفائدة في حديثك معنا عن بعد. ما نِلْنَاه إنما نلناه منك فكيف يَسَعُنا أن ننساك، ما الذي حملك على هذا الظنّ؟. من عادتك أنك لا تلتفت إلينا ولا ترضى أن تُلْقِي علينا نظرةً؛ ولكنه إذا مسّت بك حاجة إلينا تبادر إلى مداراتنا. لا تُرَىٰ شية على خنجرك ولا رَشَّة على ذيلك، أَوَ تمارس قتلنا أو أنت تُظْهِر الكرامات. دع الشاعر «عاجز» يَهْذِ ويَهْذَرْ، إنه مجنون، لماذا تتعرض للمجنون بالخطاب؟»(4).

     وقد صَرَّح الشاعر فعلاً أنه يُوَظِّف في شعره كلمات ذات وجهين وذات دلالتين، فقال:

     إن المستمعين لي عادوا يدركون بسهولة أن الكلمات التي أستخدمها في شعري لها معنى متبادر سطحي وإلى ذلك لها معنى آخر عميق؛ وعادوا يعترفون أنّ القديم قد يكون جديدًا، وبكلمة أخرى: القِدَم قد يحمل جِدَّةً؛ وعادوا يعتقدون أن البسيط والسهل الممتنع الواضح، قد يكون عميقًا ذا طيّات؛ وصاروا يُسَلِّمون أنه لايجوز التفريق بين الحزن الشخصي والحزن الجَماعي؛ فقد يجوز أن يكون أحدهما عوضًا عن الآخر، ويجوز أن يكون أحدهما صورةً عن الآخر، وانعكاسًا له؛ بل لسانًا ناطقا به»(1).

كان الشاعر سعيدًا بمعنى الكلمة

     على كل فإن الشاعر كان سعيدًا بمعنى الكلمة؛ حيث جعل الأحزان والآلام الإنسانية تنطق من خلال أحزانه وآلامه الشخصية، وحمل قراءَه ومستمعيه أن يشاطروا إخوانَهم أعضاء المجتمع الآلام والأحلام معًا، وجعلهم يدركون كيف ينبغي أن يتألم الإنسان ويرقّ لغيره ويترحّم عليه ويواسيه ويمسح دمعته ويدفع عنه قوارص الآلام والمآسي، ويوهمه حقًّا أنه ليس مُفْرَدًا في هذه الدنيا؛ بل إنّ له سندًا ومناصرًا ومواسيًا ومُعَزِّيًا في هذه الدنيا العريضة التي لا تخلو عن أناس طيبين يَتَمَلْمَلُون من جروح الغير تَمَلْمُلَهم من جروحهم هم.

     وقد كان بذلك شاعرًا لا يدانيه أيٌّ من الشعراء المعاصرين، الذين يعيشون فقط بأحزانهم وفي أحزانهم أو يتغزّلون فقط بالغا نيات ويَلَذُّون لذائذَ الحياة ومطايبها، ويجرون مندفعين وراء السمعة الكاذبة والشهرة الواسعة، ويسعون لجمع وسائل مادية تُنَعِّم حياتهم هذه الفانية، فيموتون لاذكر لهم بعدهم على الألسنة ولا رسم لهم على جبين التاريخ.

     إن الشاعر «كليم عاجز» حفر اسمه في جبين التاريخ، فسيبقى ذكره نشيدًا خالدًا على فم الزمان؛ لأنه لم يعش لنفسه، يجمع وسائل ماديّة، ويحاول جهده أن يكسب الجاه والسمعة - اللذين ارتميا على قدميه بصورة عفويّة بل عاش لأبناء دينه ولأبناء طينه ولأبناء الجنس البشري كلهم، ولَقَّن الإنسان أسلوبَ التألم والترحّم للغير في تجرد وإخلاص، وعَلَّمَه أن يكون إنسانًا يؤنس كلَّ من حوله من بني جنسه، ولايوحش أحدًا منهم بتصرفاته الخرقاء، حتى يعود يعتقد أنه بين السباع والضواري من البهائم.

كان شاعرًا يقل نظيره بالنسبة لاعتبارات عديدة

     وقد كان شاعرًا يقلّ نظيره بالنسبة إلى التقيد بالدين، والمواظبة على الذكر والعبادة، والمحافظة لا على الصلوات الخمس فقط بل على صلاة التهجد ومناجاة ربّه في هدآت الليل. وكان لايحول بينه وبين ذلك حالات السفر والحضر، وإلى ذلك كان إنسانًا في معانيه السامية، يراعي القيم الإنسانية في جميع مواقفه، ويحتفظ بها في حالتي السرّاء والضرّاء معًا. وكان يخزن لسانه فلا يُطْلِقه إلاّ لدى الحاجة، ولا ينطق به إلاّ بالخير والصدق وما يعنيه ويعني غيره من أبناء البشر، وكان متورعًا لآخر الحدود عن الإساءة إلى أحد بالقول أو الفعل، وكان هادئًا في الكلام والسلوك، متقيدًا بالمواعيد، عظيمًا بالسيرة لا بالقول والدعوى العريضة، حليمًا رفيقًا بنفسه وبغيره وبالأقارب والأباعد، زاهدًا كل الزهد في فرض الذات على المجتمع وفي تلميع الشخصية وتضخيم الاسم.

     فكان إنسانًا عمليًّا ولم يكن قوليًّا فقط. الشعراء يُعْرَفُون في الأغلب بالقوّالية دون الفعّالية وإطلاق الدعاوي العريضة وممارسة الأفكار المبتكرة وإبعاد النجعة والتقصير البالغ في جانب العمل بما يقولون. وقد صدق الله العليم الخبير: «أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَّهِيمُونَ وأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَالاَ يَفْعَلُونَ» (الشعراء/225-226) ولكنه رحمه الله كان من الشعراء الصالحين المتدينين الذين يقرنون القول بالعمل؛ بل لا يقولون إلاّ ما يكونون قد عملوا به مسبقًا، ولا يعرفون مخالفة القول بالعمل، فيقولون دائمًا شعرًا هادفًا بنّاءً نافعًا للخلق ثابتًا في الأرض؛ فهم من القطاع الذي استثناه ربنا الرحمن بقوله: إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـٰلِحٰتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْم بَعْدِ مَا ظُلِمُوا» (الشعراء/127).

     كان مُثَقَّفًا بالثقافة العصرية، والمثقفون من هذا النوع يُعْرَفُون في الأغلب بتحررهم من القيم والأخلاق واستعبادهم مصدر مبني للمجهول للحضارة الغربيّة وسوءاتها، وكان شاعرًا، والشعراء كما أسلفنا يُعْرفُون بإحسان القول وإساءة العمل والمجون والاستهتار والخلاعة والانطلاق من آداب الدين؛ ولكنه رحمه الله كان يبدو عالمًا دينيًّا بملابسه وزيّه وهندامه. وكان حقًّا عالمًا عاملاً بعلمه تلوح عليه سيما الصلاح والتقوى والسهر في الليل والإنابة إلى ربّه في خلواته.

     من ثم أَحَبَّه من خلق الله ولاسيّما المسلمين مَنْ لا يُحْصَوْن، وحزن على وفاته قلوبٌ لا تُحْصَىٰ، وظل ولايزال وسيظل ألسنةٌ لا تُحْصَىٰ تدعو له بالمغفرة والرضوان ولأخلافه بالأجر والسلوان. وذلك مكسب كبير يناله شاعر مسلم يؤمن بأنه من زُحْزِحَ عن النار وأُدْخِلَ الجنةَ فقد فاز. إن الشاعر أو الأديب الذي يتلاعب فقط بالكلمة ويتفنن في الصياغة، دون رصيد من العمل والصلاح يصدر عنه في شعره وأدبه، لا يستحق ولا يَحْظَىٰ بهذه المحبوبية التي حَظِيَ بها شاعرنا الإسلامي «كليم عاجز» الذي كان يَخْفِق قلبه بحزن جميع أفراد الجنس البشري، وترق نفسه لحالة أيّ بائس محزون، أو مفجوع مكلوم، وكان يرى حزنَه وألمه حزنَه الشخصيّ وألمه الذاتي.

     وقد أجاد وأفاد المتنبئ (أبوالطيب أحمد بن الحسين الجعفي الكندي المتنبئ: 303-354هـ = 915-965م) عندما قال:

ومَنْ سَرَّ أَهْلَ الْأَرْضِ ثُمَّ بَكَىٰ أَسىً

بَكَىٰ بِعُيُــونٍ سَــرَّهَــا وقـــلوبِ

     ورغم أنه زَهِدَ في الأمسيات الشعرية التي لم يَرْتَدْها إلاّ أيّام الشباب، أكسبه الله شهرة واسعة تَخَطَّت الهندَ إلى خارجها ولاسيّما إلى البلاد العربية ودول أوربا وبالذات إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي منحته إحدى ولاياتها وهي ولاية «أوكلاهاما» - جنسية فخريّة. ومن عجيب الصدفة أنه كان قد عاد من رحلة أمريكا والحرمين الشريفين الطويلة الممتدة على نحو أربعة شهور ونصف يوم السبت: 3/ربيع الآخر 1436هـ = 24/يناير 2015م. وقد وافاه الأجل بعد العودة بـ21 يومًا فقط. وقد كانت آخر رحلة قام بها في حياته لخارج الهند.

مواقف ومحطات هامة في حياته

     الاسم: كليم أحمد اللقب الشعري: عاجز الاسم الذي اشتهر به: كليم عاجز اسم الوالد: شيخ كفايت حسين اسم الوالدة: أمة الفاطمة تاريخ الولادة: 11/أكتوبر 1926م حسبما أفادته والدته الموافق 2/جمادى الأولى 1345هـ. وحسب السجل المدرسي تاريخ ولادته: 11/أكتوبر 1924م مكان الولادة: قرية «تيلهارا» إحدى القرى التابعة لمديرية «نالندا» حاليًّا، ومديرية «باتنا» سابقًا، وقد استوطنها والده وأسرته اسم الزوجة: أنوار فاطمة حفيدة شيخ كنوان الذي كان من أثرياء و وجهاء سكان مدينة «باتنا».

     تلقى التعليم الابتدائي من جده لأمه المولوي سيد ضمير الدين، بدءًا من 1932م/1351هـ وكان عمره آنذاك سبع سنوات. وخلال ثلاث سنوات قرأ عليه مبادئ الأردية والفارسية والقرآن الكريم، كما استوعب برغبة ذاتية دراسةَ جميع الكتب الموجودة في مكتبة جده الصغيرة وقرض الشعر الغزلي الأول عام 1937م/1356هـ وتلقب فيه لأول مرة بـ«عاجز» في الفترة ما بين 1934م/1353هـ و 1937م/ 1356هـ، أي في المرحلة ما بين 10 و 13 من عمره ظلّ يدرس المجلات والكتب الأدبية مختفيًا؛ حيث قد جُنّ بحب مجلاّت وكتب اللغة الأردية. وقد عَدَّد في كتابه «وه جو شاعري كا سبب هوا» - الأمر الذي دعا إلى قول الشعر أهم ما قرأه من الكتب والمجلات في هذه المرحلة المبكرة من حياته، فلم يترك أديبًا وكاتبًا وصحفيًّا لامعًا إلاّ وقرأ كتاباته ومجلاّته الفترة ما بين 1937م/1356هـ و 1939م/1358هـ عندما كان في 10-15 من عمره كانت فترة تناغم وتفاعل مع المناخ الأدبي في مدينة «كولكاتا» - عاصمة البنغال الغربية.

     عام 1939م/1358هـ التحق بالصف التاسع في المدرسة الثانوية العالية بمدينة «باتنا» وحصل على الترقية مرتين (Double Promotion) لأنه كان ذكيًّا جدًّا ولأنه كان قر قرأ خلال الفترة الممتدة على الستّ سنوات التي أمضاها على عين والده في مدينة «كولكاتا» التي كان يتجر بها فكان قد رأى وسمع و وعى وتشرب وتفاعل مع كمية كبيرة من المعارف لا يسهل تلقيها في الأغلب على أغلب الناس حتى في المرحلة الناضجة من الحياة خلال هذه الفترة التي أمضاها طالبًا في المدرسة المذكورة ساهم في المساجلة الشعرية الارتجالية في كلية «باتنا» وفاز بالجائزة الأولى في عام 1940م/1359هـ حقّق نجاحًا رائعًا في امتحان القبول بالصف الحادي العاشر، وفاز بالمركز الخامس على مستوى ولاية «بيهار» والمركز الأول على مستوى المدرسة بينما كان قد فاز في امتحان الصف التاسع بالمركز الثالث على مستوى المدرسة، وفي امتحان الصف العاشر بالمركز الثاني على مستوى المدرسة وخلال تعليمه بالصفين الحادي عشر والثاني عشر ساهم في المسابقة الموضوعيّة المنعقدة بكلية «بي إين» بمدينة «باتنا» وقال قصيدة في مديح الشاعر الإسلامي العظيم الدكتور محمد إقبال (1290-1357هـ = 1873-1938م) ونال الجائزة الأولى المرصودة.

     عام 1941م/1360هـ انقطع عن الدراسة لوفاة والده رغم أنه كان قد التحق بالكلية بالمدينة عام 1942م/1361هـ تزوّج مع أنوار فاطمة حفيدة أحد أثرياء و وجهاء المدينة عام 1944م/1363هـ استوطن المدينة باتنا بنحو ثابت ومارس التجارة في الشراشف ومحافظ الفرش عام 1946م/1365هـ كما أسلفنا ذهبت أمه وأخته الصغيرة و 22 من أقاربه إلى جانب 800 من مسلمي قريته «تيلهارا» ضحايا للاضطرابات الطائفية التي فجّرها المتطرفون الإرهابيون من الهندوس عام 1949م/1368هـ قرض أول قصيدة غزلية ليساهم بها في أمسيّة شعرية، وشارك فيها لأول مرة في حياته، وكان قد عقدها جمعية «رفيق الشعراء» في قطاع «لودهي كاترا» بمدينة «باتنا» عام 1951م/1370هـ شارك في أمسية شعرية خارج المدينة لأول مرة. وذلك في مدينة «جمشيد بور». وكان قد عقدها «بزم فرح» (جمعية الأفراح) عام 1954م/1373هـ بدأ الدراسة من جديد واجتاز امتحانات الصف الثاني عشر من كلية «نالندا» التابعة لجامعة «بيهار» عام 1956م/1375هـ أدّى امتحانات الليسانس بالأردية في جامعة «باتنا» وفاز بالمركز الأول على مستوى الجامعة ونال أربعة أوسمة ذهبية: الوسام الأول حظي به لأنه فاز بالمركز الأول وبالدرجة الأولى، والوسام الثاني مُنِحَ لأنه فاز بعلامات ممتازة فائقة (Distinction) والوسام الثالث حصل عليه لأنه كان متفوقًا على الأقران في تنضيد الأحرف الأردية، والوسام الرابع منحته كلية «بي إين» لأنه كان أول طالب فيها نال في تاريخها أوسمة ذهبيّة عام 1958م/1377هـ فاز في امتحانات الماجستير بالأردية بالمركز الأوّل على مستوى جامعة «باتنا»؛ فحظي بالوسام الذهبي عام 1960م/1379هـ صدر أول مُؤَلَّف له باسم «مجلس أدب» وكان تقريرًا عن المجالس الشعرية ذات الذكريات عام 1960م/1379هـ انتمى إلى جماعة الدعوة والتبليغ المعروفة في العالم بنشاطاتها الدعوية المكثفة الموفقة التي كان قد أسسها العالم الهندي الصالح المصلح الداعية الكبير الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي رحمه الله (1303-1363هـ = 1885-1943م) وعُيِّن أميرًا لها على مستوى ولاية «بيهار» في مارس عام 1965م/ 1385هـ حصل على شهادة الدكتوراه وعُيِّن محاضرًا في كلية «باتنا» - جامعة «باتنا» لاحقًا في أغسطس 1965م/ ربيع الآخر 1385هـ عُيِّن محاضرًا في كلية أورينتال بمدينة «باتنا» وحظي بمنحة دراسية من قبل وزارة التعليم الهندية لقاء دراسته لنيل شهادة الدكتوراه.

     عام 1966م/1386هـ دُعِيَ لمشاركة أمسية شعرية خارج الهند عُقِدَت بمدينة جدة بالمملكة العربية السعودية وسعد بهذه المناسبة بأداء مناسك الحج لأول مرة في حياته عام 1975م/1395هـ دَوَّنَ مجموعَ قصائده الغزلية الذي أصدره «بزم كاف»عام 1976م/1396هـ باسم «وه جو شاعري كا سبب هوا» (الأمر الذي دعاني إلى قول الشعر) وتمّ تدشينه بيد فخامة رئيس الجمهورية الهندي آنذاك فخر الدين علي أحمد (1323-1397هـ = 1905-1977م) في مايو 1979م/ رجب 1399هـ دُعِيَ إلى أمسية شعرية أقيمت بـ«باكستان» ثم توجه منها إلى أمريكا على دعوة من «مركز الأقلية الإسلامية» وشارك هناك في أمسية شعرية، وفي العودة شارك في أمسيّة شعرية أخرى في باكستان. وذلك في ديسمبر 1979/صفر 1400هـ عام 1980م/1400هـ صدر ترجمته الشخصية بقلمه باسم «جهاں خوشبو هى خوشبو تهى» (المكان الذي كان مصدر الروائح الطيبة) عام 1981م/ 1401هـ صدر تاليفه «ايك ديس ايك بديسى» (بلد ومسافر أجنبي) و تاليفه: «يهاں سے كعبه، كعبه سے مدينه» (من هنا إلى الكعبة ومنها إلى المدينة) وأكرمه «أكاديمية مير» بمدينة «لكهنو» بجائزة «امتياز مير».

     في يناير 1982م/ ربيع الآخر 1402هـ أصدرت أكاديمية «أمة الفاطمة» بـ«كراتشي» بـ«باكستان» طبعة ثانية لديوانه الغزلي الأول «وه جو شاعري كا سبب هوا» في أكتوبر 1984م/صفر 1405هـ أحيل إلى التقاعد من منصب مساعد أستاذ بقسم الأردية بجامعة «باتنا» في 31/أكتوبر 1984م= 3/ربيع الأول 1405هـ توجه إلى أمريكا للمشاركة في الأمسية الشعرية، وانتقل منها إلى كندا حيث شارك في مجالس شعرية أدبية، منعقدة في «تورنتو» ولاسيّما في الأمسية الشعرية التي عقدتها «جمعية تطوير الأردية» ثم واصل هذه الرحلة إلى أمريكا وغيرها كل عام في 26/يناير 1985م= 3/جمادى الآخرة 1405هـ شعر خلال صلاة الفجر بنوبة قلبية، وساءت حالته إثر العودة إلى البيت، فأدخل من فوره المستشفى عام 1987م/ 1407هـ ارتحل إلى المملكة العربية السعودية بصحبة زوجته وعاد منها معها بعد أداء الحج، وواصل هذه الرحلة السعيدة في الأغلب كل عام في فبراير 1988م= رجب 1408هـ سافر إلى دولة قطر على دعوة من «المجتمع الأردي الهندي القطري» حيث شارك في أمسيّات شعرية ومنتديات أدبية.

     في يناير 1989م= رجب 1409هـ أكرمته الحكومة الهندية بلقب «پدم شرى» اعترفًا بخدماته الجليلة المثكفة المتصلة نحو اللغة الأردية والأدب الأردي في يوليو 1989م= محرم 1410هـ قام برحلة ثقافية أدبية إلى أمريكا وكندا وعاد من الرحلة في 25/نوفمبر = 24/جمادى الأولى في فبراير 1990م= شعبان 1410هـ توجّه إلى قطر للمشاركة في الأمسية الشعرية على دعوة من «المجتمع الأردي الهندي القطري» في أكتوبر 1990م= ربيع الآخر 1411هـ سافر إلى المملكة العربية السعودية بمناسبة تدشين ديوانه الغزلي الثاني باسم «جب فصل بهاراں آئى تهى» (عندما كان قد حلّ موسم الربيع) في 1991م/ 1412هـ سافر إلى دبي حيث رعى حفل تدشين ديوانه المذكور وقد قدّم فيه الشاعر الأردي المعروف مجروح سلطانبوري (أسرار حسين خان: 3/صفر 1338- 18/صفر 1421هـ = 1/أكتوبر 1919-24/مايو 2000م) دراسة عن حياته وفنّه الشعري عام 1996م/ 1417هـ صدرت ترجمته الشخصية الأخرى بقلمه باسم «ابهى سن لو مجهـ سے» (اِسْمَعْ مني حالاً) في أكتوبر 1996م= جمادى الآخرة 1417هـ أصدرت مؤسسة طوبى للنشر والتوزيع بمدينة «حيدر آباد» الطبعة الثالثة من ديوانه «وه جو شاعري كا سبب هوا» في 1998م/1419هـ صدر مجموع خطاباته باسم «ديوانے دو» (مجنونان اثنان) وأطروحته لنيل شهادة الدكتوراه باسم «دفتر گم گشته» (الوثيقة المفقودة) عام 2001م/1422هـ منحته مصلحة اللغات الوطنية التابعة لحكومة ولاية «بيهار» جائزة مولانا مظهر الحق (رجب 1283- رمضان 1348هـ = ديسمبر 1866- يناير 1930م) وكانت عبارةً عن 151000 روبية هندية في 22/يوليو 2002م=11 جمادى الأولى 1423هـ توفيت زوجته بنوبة قلبية في أكتوبر 2002م= شعبان 1423هـ صدر ديوانه المتضمن لقصائده في مديح النبي - - وغيره من الأغراض، باسم «كوچهٔ جاناں جاناں» (زقاق الأحبة) عن مؤسسة عرشي للطباعة بدهلي عام 2003م/1424هـ صدرت الترجمة الهندوسيّة لديوانه «وه جو شاعري كا سبب هوا» عن أكاديمية كليم عاجز بمدينة «باتنا» عام 2004م/1425هـ أصدرت مكتبة خدا بخش العامّة الشرقية بمدينة «باتنا» مجموع خطاباته باسم «پهلو نه دكهے گا» (لن يتألم الجنب).

     عام 2005م/1426هـ أصدرت مكتبة خدا بخش بـ«باتنا» مجموع مقالاته في جزئين باسم «ميرى زبان ميرا قلم» (لساني قلمي) عام 2007م/ 1428هـ عَيَّنَه حاكم ولاية «بيهار»: معالي سردار بوتا سينغ رئيسًا للجنة المشاورة الأردية بولاية «بيهار» ولكنه كتب إلى مصلحة اللغات الوطنية أنه لن يتحمل مسؤوليات هذا المنصب إلاّ إذا مُنِحَ صلاحيات وامتيازات الوزير في 17/يونيو 2008م= 12/جمادى الآخرة 1429هـ عينته حكومة كبير وزراء «بيهار» معالي نتيش رئيسًا للجنة الأردية التشاورية المشار إليها ومنحته امتيازات وزير من وزراء مجلس الوزراء. وقد ظل يشغل المنصب إلى 17/يونيو 2011م= 15/رجب 1432هـ عام 2008م/ 1429هـ أصدرت مكتبة خدا بخش العامة الشرقية مجموع شعره الغزلي وقصائده الأخرى باسم «پھر ایسا نظارہ نہیں ہوگا» (ثم لن يُشْهَد مثل هذا السيناريو) في مارس 2008م= ربيع الأول 1429هـ أكرم بجائزة مولانا أبي الحسن الندوي في 17/ديسمبر 2008م= 18/ذوالحجة 1429هـ عقد الاتحاد الأمريكي للمسلمين الهنود الأصل بفندق «شيراتون» بمدينة «آجرا» بولاية «يوبي» بالهند مناسبة؛ حيث أكرم بجائزة «مير تقي مير» إلى جانب منحه خمسين ألف روبية هندية عام 2011م/1432هـ منحته جامعة «باتنا» جائزة الإنجاز مدى الحياة 18/مايو 2012م= 26/جمادى الآخرة 1433هـ عُيِّن مرة أخرى رئيسًا للجنة الأردية التشاورية وأحاط المسؤولين المعنيين بمباشرة المسؤولية عن طريق خط الشبكة العنكبوتية العالمية؛ حيث كان عندها بالمملكة العربية السعودية في 21/ديسمبر 2012م= 7/صفر 1434هـ منحته أكاديمة غالب بدهلي جائزة غالب للإنجاز مدى الحياة التي كانت مشتملة على شهادة تعريف بشخصيته ومومنتو و 75000 روبية هندية في 23/أبريل 2013م= 12/جمادى الآخرة 1434هـ أصدرت مكتبة خدا بخش العامة الشرقية بـ«باتنا» أطروحة الدكتور أبي الحيات لنيل شهـادة الدكتوراه باسم «كليم عاجز كى نثر نگاري» (الكتابـة النثـريـة لدى كليم عاجز) وفي اليوم المـذكور تم تـدشين الكتاب بصـورة رسميــة في 7/سبتمبر 2014م= 11/ذوالقعدة 1435هـ عقدت مناسبة جليلة على شرف كليم عاجز في حي «حمايت نكر» بـ«حيدر آباد» وأصدرت ودشنت مقالات حوله في صورة كتاب باسم «كليم أحمد عاجز»

     زار الجامعة الإسلامية الأهلية الأم في شبه القارة الهندية: دارالعلوم/ ديوبند؛ ليومين؛ حيث وردها قادمًا من دهلي بقطار «دهرادون إيكسبريس» المسافر بين «دهرادون» وبين «ممبئ» في الساعة 11 من صباح الخميس: 14/محرم 1426هـ الموافق 24/فبراير 2005م. وذلك على دعوة من طلاب الجامعة ولاسيما الطلاب المنتمين إلى «مكتبة سجاد»، وعاد إلى دهلي من زيارة الجامعة صباح يوم الجمعة: 15/محرم 1426هـ الموافق 25/فبراير 2005م في الساعة الثامنة والربع بقطار «جان شتابدي إيكسبريس». واغتنم الطلاب فرصة وجوده بالجامعة فاحتفوا به كثيرًا وعقدوا أكثر من حفلة ومجلس، وتحدّث الضيف العظيم إلى الطلاب والمستمعين من الأساتذة وغيرهم من العلماء والمثقفين، وأنشدهم إلى ذلك عددًا من قصائده الرائعة. وسعد كاتب السطور بإقامة مأدبة عشاء في بيته على شرف مقدمه إلى دارالعلوم، حضرها عدد من مرافقيه من الطلاب والشعراء والعلماء. وذلك إثر صلاة العشاء مباشرة في الليلة المتخللة بين الخميس والجمعة: 14-15/محرم 1426هـ الموافقين 24-25/فبراير 2005م.

وفاته

      يوم الأحد: 25/ربيع الآخر 1436هـ = 15/فبراير 2015م في الساعة 8 صباحًا أصيب بالفشل القلبي التنفسي في بيت زوج ابنته الصغرى «شميمة كليم». ودفن بمدينة «باتنا»بعد ما صلّى عليه المسلمون بعدد كبير قوامه العلماء والطلاب والمثقفون والشعراء والأدباء والصحفيون.

أخلافه

     وقد خلّف رحمه الله بعده أربعة أبناء وهم: الطبيب وسيم أحمد الفاطمي نطاسي الأمراض القلبية، والمهندس أحمد الفاطمي، والمهندس أرشد الفاطمي، والبروفيسور أمجد الفاطمي. إلى جانب بنتين وهما: البروفيسورة نجمة خاتون، وشميمة خاتون.

كتبه ودواوينه المطبوعة

1-  وه جو شاعري كا سبب هوا (الأمر الذي دعا إلى قرض الشعر) 1976م/1396هـ ، 1980م/ 1400هـ ، 1996م/1417هـ.

2-  جهان خوشبو هي خوشبو تهي (حيث كانت الروائح فائحة في كل جانب) 1980م/1400هـ ، 2005م/1426هـ . وهو ترجمته الشخصية بقلمه.

3-      من هنا إلى الكعبة ومنها إلى المدينة 1981م/ 1401هـ وهو حديث عن رحلته للحج والزيارة.

4-  ايك ديس ايك بديسي (بلد ومسافر أجنبي) 1981م/1401هـ ، 2012م/1433هـ ، وهو حديث عن رحلته إلى أمريكا.

5-  مجلس أدب (تقرير عن المجالس الأدبية الجديرة بالذكر والتسجيل) 1960م/1380هـ ، 2003م /1424هـ.

6-  جب فصل بهاراں آئي تهى (عندما حلّ موسم الربيع المتصل) 1990م/1410هـ ، وهو مجموع شعره الغزلي.

7-      ابهي سن لو مجهـ سے (اسمع مني حالاً) 1992م/ 1412هـ، وهو ترجمته الشخصية بقلمه.

8-      ديوانے دو (مجنونان اثنان) 1998م/1419هـ ، وهو مجموع خطاباته.

9-   تطور الشعر الأردي في ولاية «بيهار» المعروف بـ«الوثيقة المفقودة» 1998م/1419هـ ، وهو أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه.

10-                  كوچهٔ جانان جانان (زقاق الأحبة) 2002م/ 1423هـ مجموع شعره.

11-                  الترجمة الهندوسيّة لديوانه «وه جو شاعري كا سبب هوا» 2003م/1424هـ.

12-                  پهلو نه دكهے گا (لن يتألم الجنب) 2004م/ 1425هـ ، وهو مجموع خطاباته .

13-                  ميري زبان ميرا قلم جزآن (لساني قلمي) 2005م/1426هـ وهو مجموع مقالاته.

14-     پهر ايسا نظاره نهين هوگا (لن يتكرر مثل هذا السيناريو) 2008م/1429هـ ، وهو مجموع شعره الغزلي البدائي وقصائد آخرى له.

15-     هاں چهیڑ غزل عاجز (يا عاجز! إبدأ إنشاد الغزل) وهو مجموع شعره الغزلي الثالث، تحت الطبع في دهلي.

(تحريرًا في الساعة 9 من صباح يوم الخميس: 27/جمادى الأولى 1436هـ الموافق 19/مارس 2015م)

* * *



(1)     وه جو شاعرى كا سبب هوا، 134-148.

(1)     المصدر نفسه: ص81-82.

(2)     المصدر نفسه، ص162-163.

(3)     المصدر نفسه، ص 174.

(4)     المصدر نفسه، ص 175.

(1)     المصدر نفسه، ص 175.

(2)     المصدر نفسه، ص 99، 128.

(3)     المصدر نفسه، ص 97.

(1)     المصدر نفسه، ص 150.

(2)     اقرأ المصدر نفسه ص 167-168.

(3)     المصدر نفسه، ص 173.

(1)     المصدر نفسه، ص 173.

(2)     المصدر نفسه، ص 174.

(3)     المصدر نفسه، ص 360.

(4)     المصدر نفسه، ص 352.

(1)     المصدر نفسه، ص 171.