ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، رجب 1436 هـ = أبريل – مايو 2015م ، العدد : 7 ، السنة : 39

 

إصدارات حديثة

 

1– تعلموا العربية فإنَّها من دينكم

2 – متى تكون الكتابات مؤثِّرة؟

تأليف: فضيلة الشيخ نور عالم خليل الأميني

الناشر: مؤسَّسة العلم والأدب، ديوبند، الهند

تعريف وعرض: الأستاذ محمد ساجد القاسمي(*)

 

 

 

صدر حديثًا عن مؤسَّسة العلم والأدب، ديوبند (الهند) كتابان: أحدهما: «تعلَّمُوا العربية فإنَّها من دينكم»؛ الذي يقع بالقطع الصغير في 216صفحة؛ وثانيهما: «متى تكون الكتابات مؤثِّرة؟» الذي يقع بالقطع المتوسط في 304 صفحة، لمؤلفهما أديب العربية الكبير والكاتب الإسلامي الغيور فضلية الشيخ نورعالم خليل الأميني/ حفظه الله ورعاه، أستاذ قسم الأدب العربي بالجامعة الإسلامية دارالعلوم، بديوبند (الهند) ورئيس تحرير مجلة الداعي العربية الشهرية الصادرة منها.

     أما الكتاب الأول فهو عبارة عن مجموع مقالات وبحوث وخواطر كتبها المؤلف في مجلة الداعي في فترات متعاقبة ومناسبات مختلفة. وعدد المقالات التي يحتوي عليها الكتاب 17 مقالة ما بين طويلة وقصيرة.

     وهذه المقالات كلها تنخرط في سلك واحد، وهو أنها تشوِّق النشء الإسلامي إلى اللغة العربية، وتثير فيه الرغبة الجامحة في تعلُّمها، وتبنِّيها واحتضانها، وخدمتها والتفاني في سبيلها، وبذل الغالي والرخيص لاكتسابها؛ لأنَّها لغة كتاب الله الخالد، ولغة  نبيِّه الخاتم-صلى الله عليه وسلم-، ولغة صحابته الأبرار- رضي الله عنهم-، ولغة التشريع الإسلامي، ولغة الحضارة الإسلامية؛ فلها من المكانة والقداسة لدى المسلمين ما ليس لأي لغة أخرى من لغات العالم؛ فتعلُّمها والعكوف عليها والتعمُّق فيها فريضة دينيَّة  و واجب شرعي؛ فلا ينبغي للجيل المسلم الدارس في  المعاهد والمدارس والجامعات الإسلامية أن يقصر فيها أويهملها؛ لانَّ التقصيرفيها تقصير في الفريضة المطلوبة، وإهمالها إهمال للواجب الأكيد.

     وقد تضمَّنت المقالات ما يدلُّ على اهتمام السلف الصالحين ومَن بعدَهم باللغة العربية، وغيرتهم عليها، وعنايتهم بسدِّ منافذ اللحن إليها، حيث دعوا إلى التفقه فيها، ونعوا على من يلحن بها، كما عُنوا بتقعيد قواعدها، وجمع ثروتها النثرية والشعرية، وتدوين معاجمها وقواميسها.

     وقد جمع المؤلف المقالات كلَّها في كتاب أسماه بـ«تعلَّمُوا العربية فإنها من دينكم» مقتبسًا من مقولة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «تعلَّمُوا العربية فإنَّها من دينكم،  وتعلَّمُوا الفرائض فإنَّها من دينكم»، فهو موفَّق في تسمية الكتاب بهذا الاسم؛ لأنه يدلُّ رأسًا على مضامينه ومحتوياته، وعلى غرضه الذي يتوخاه من وراء تأليفه.

     أوضح المؤلف في الكتاب فضل اللغة العربية وقيمتها الدينية ، ومكانتها العالمية، وأهميتها اللغوية، وخصائصها اللسانية، وأكَّد على نشرها وترويجها، وأدلى بآراء وتوصيات تُساعد في هذا الشأن، بينما نعى على العامّية التي لها سلطان على  معظم مجالات الحياة في العالم العربي.

     حاول المؤلف الفاضل أن يعرَّف النشء الجديد المكانة الدينية للغة العربية، ويثير فيه الشوق الكامن والحب الصادق في تعلمها؛ لأن العامل الديني هو أهم العوامل التي تدفع المرأ إلى أخذ شيء وتبنِّيه واكتسابه. فهو يتفلسف في هذا الصدد، فيقول:

     «... إنَّ أقوى الأسباب التي يمكن أن تدفع الجيل الحاضر والأجيال اللاحقة من المسلمين إلى احتضان اللغة العربية العظيمة والحبيبة، هو دفعهم إلى إدراك قيمتها الدينية ومكانتها الإسلامية وأهميتها الشرعية، وبالتالي دفعهم إلى حبها حبًا صادقًا يدعهم لا يقعدون عن تبنِّيها وتعلُّمها والعكوف عليها، خادمين لها بأي شكل من الأشكال التي يرونها لائقة بهم وسهلة عليهم».

     ثم يقول:

     «إنَّ أقوى الدواعي إلى تعلُّم شيء والتمكُّن منه هو حبُّه الصادق النابع من إدراك قيمته الحقيقية. إذا ثار هذا الحبُّ في رجل نحو شيء، لا تبقى هنالك حاجة إلى إعمال أساليب أخرى لدفعه إليه وترغيبه فيه وتحريضه على تبنيه. أما إذا لم يثُر- هذا الحبُّ- فيه نحوه فإنَّه لا يُقبل عليه إلا كارهًا له ناقمًا عليه، فلا تتمُّ عمليَّة تعلُّمه واحتضانه؛ لأنه سيعود ثقلاً عليه كبيرًا وعبئا عليه لا يُحتمل... وأحبُّ الحبِّ وأقدسه وأزكاه هوحبُّ شيء صادرًا عن إدراك قيمته الدينية».

     لقد تعلَّم المؤلف اللغة العربية على الأساتذة الأجلاء الذين كانوا يتعبدون بتعليمها وتعلُّمها، ويتقرَّبون بخدمتها ونشرها، ويُحبُّونها حبًا جمًّا، ويهيمون بها هيامًا بالغًا، لكونها لغة النبي الأعظم محمد –صلى الله عليه وسلم-، ولغة كتاب الله الأخير، ومفتاحًا لعلوم الكتاب والسنَّة والعلوم المنبثقة منهما، و وِعاءً للشريعة الإسلامية، وجزءًا لا يتجزَّى من حقيقة الدين الإسلامي، وترجمانًا للمكتبة الإسلامية العامرة.

     فورث عنهم  الحب الصادق للغة العربية، والشغف البالغ بها، والعكوف على خدمتها، والانقطاع إلى تعليمها وتدريسها وتوسيع رقعتها ونشرها. فأراد أن يورث - عن طريق هذا الكتاب- الجيل المعاصر هذا الحب وهذا الهيام حتى يهيم بعده بليلاها وينتشي بنشوتها، وهو كما قال الشاعر:

     أهيم بليلى ماحييت فإن أمُت

                      أفوِّض ليلى من يهيم بها بعدي

     يتجلَّى في مقالات الكتاب أسلوبُ المؤلف الأدبي الأخاذ، ومميزات شخصيته الأدبية. وقد أحسن المؤلف إذ شرح في الهامش الكلمات الغريبة والتعابير الصعبة، مما سهَّل على الطلاب فهمَ الكتاب والإفادة منه.

     والكتاب جميل في المظهر جليل في المخبر، يستهوي القارئ مظهرُه قبل أن يستهويه مخبرُه، شأنَ غيره من كتب المؤلف التي تجمع بين جمال الشكل وجلال المضمون، وبهاء الصورة و حسن المعنى؛ فتجذب القراء إليها جذبَ المغناطيس الحديد.

     فنظرًا إلى قيمته العلمية ينبغي للطلاب في المدارس الإسلامية أن يقتنوه ويقرءوه، ويفهموا ما فيه، ويُطبِّقوه في حياتهم العلمية.

     وأما الكتاب الثاني فهو «متى تكون الكتابات مؤثِّرة؟». لقد جاء تأليفه إسعافًا بحاجة الطلاب والمبتدئين من الكُتَّاب التي لمسَها المؤلف في وجوههم، والتي طالما كانوا يُبدونها سائلين إياه: كيف يكتبون المقال؟ وماذا يقرءون، ومن يقرءون؟ فحقَّق المؤلف حاجتهم بتأليف هذا الكتاب في موضوع الكتابة والإنشاء، حيث أودعه مبادئ وقواعد تأخذ بأيدهم في طريق السير في الكتابة من بداية المشوار إلى نهايته.

     لم يقتصر المؤلف على ذكر قواعد الكتابة والإنشاء ومبادئها نظريًا، وإنما طبَّقها في أمثلة ونماذج، مما جعل الكتاب عمليًا وتطبيقيًا، وزاده قيمة ونفعًا.

     والكتاب ينقسم على مقدمة وثلاثة أبواب، فالباب الأول - هو أهمُّ الأبواب الثلاثة وأكثرها قيمة وأشملها مغزى، بل هو كالمثل العربي السائر: كلُّ الصيد في جوف الفرا- يحتوي على سبعة فصول تتلخص مضامينها ومطالبها فيما يأتي:

     استهلَّ المؤلف الباب بذكر أمور ينبغي للكاتب ملاحظتها في بداية المشوار، وهي: تعريف اللغة، وإدراك العلاقة بين التفكير واللغة؛ ومعرفة الفرق بين كل من لغة التفكير، ولغة الحديث، ولغة الكتابة؛ وأيها أهم وأصعب منالاً وأبقى أثرًا وأخلد ذكرًا. وكلُّ ذلك بأسلوب سهل مشوِّق.

     ثم بيَّن جميع مراحل الكتابة، وأخذ بيد الكاتب المبتدئ ومرَّ به عليها مرحلةً مرحلةً، بدءًا من اختيار اللفظة واستخدام الألفاظ سليمة صحيحة، ومرورًا بإعداد الجمل والفقرة، وانتهاءً إلى كتابة المقال.

     أما المرحلة الأولى فهي أن يتمَّ إعمال الدقة في اختيار اللفظة المناسبة للتعبير عن الفكر؛ لأنها هي اللبنة الأولى في بناء المقال، ويتجنب ما يسبب سوء اختيار اللفظة. وقد ساق المؤلف نموذجًا لاختيار اللفظة المناسبة بذكر نصٍّ للجاحظ وتحليله إلى الجمل، وإلى الأفعال والأسماء والصفات، مع شرح استعمالها في مواقعها المناسبة اللائقة بها.

     وأما المرحلة الثانية فهي أن تُستعمل الألفاظ صحيحةً سليمةً دون إخلال بقواعد الصرف والنحو، كما يجب أن تكون عربية أو معرَّبة وفصحية، لاأعجمية أودخيلة، أومحلية وعامِّية.

     لم يفُت المؤلفَ بهذه المناسبة أن يُنبِّه الطلاب الهنود على أنَّ هناك عددًا كبيرًا من الكلمات العربية تُستعمل باللغة الأردية في غير المعاني التي تُستعمل فيها في العربية، فليأخذوا حِذرهم تُجاهها لدى الكتابة. وقد ذكر قائمة لأمثال هذه الكلمات، ليتمكنوا من التعرُّف عليها.

     وأما المرحلة الثالثة فهي مرحلة إعداد الجمل، فذكرالمؤلف طريقة إعدادها- اسمية كانت أوفعلية- وكيفية إطالة كل منهما حتى تصير فقرة. وطبَّق ذلك في مثالين. كما قدَّم عدَّة أمثلة لإيجاز جملة طويلة. وبمناسبة الكلام على الجملة الفعلية ذكرَ عددًا من الأفعال التي يخطئ الطلاب في صلاتها.

     وهنا لفتَ المؤلف انتباه الطلاب إلى ثلاثة أمور تؤدي إلى سوء صياغة النص، وهي: 1- طول الجملة الزائد. 2- سوء الربط. 3 -الخطأ في وضع علامات الترقم.

     وقد شفع كلَّ ذلك بأمثلة تُرسِّخُ المعنى في ذهن القارئ، وتُساعده على تفادي هذه المعايب لدى الكتابة.

والمرحلة الرابعة هي مرحلة إعداد الفقرة أو المقطع. فذكر المؤلف تعريف الفقرة وبيَّنها شكلا ومضمونًا. أما الشكل فهوأن تبدأ الفقرة بعد ترك فراغ أبيض بقدر خمس نقاط في أول السطر، وتنتهي بنقطة، وتتخللها علامات الترقيم.

     وأما المضمون فهو أن تكون الفقرة محددة مترابطة وسلسلة. وهذا يعنى أن تشتمل على حركة منظَّمة منطقيِّة. وهذه الحركة تتمثل في الأمور التالية:

     1- الحركة الزمانية. 2- الحركة المكانية. 3- الانتقال من التخصيص إلى التعميم. 4- والانتقال من التعميم إلى التخصيص. 5- الانتقال من السؤال إلى الجواب.

     وطبَّق كل ذلك في أمثلة ونماذج. كما ذكر أساليب أخرى لربط فقرة بأخرى بدل حرف العطف: الواو.

     وأما المرحلة الخامسة الأخيرة فهي كتابة المقال. يلزم لكتابة المقال اتباع الخطوات الآتية:

     1- اختيار الموضوع وجمع المعلومات حوله.

     2- تحديد الهدف من المقال.

     3- تحديد العنوان، وللكاتب أن يرجئ تحديده إلى الانتهاء من المقال شأن بعض الكتَّاب والأدباء.

     4- وضع الخطّة أو الإطار للمقال، وهذا يعني ترتيب المعلومات وتنظيمها.

     وهنا لا بد أن يضع الكاتب نصب عينيه أنَّ المقال له  ثلاثة أجزاء: الأول: المقدمة، والثاني: العرض، والثالث: الخاتمة.

     وقد ذكر المؤلِّف عددًا من الموضوعات ليتمكَّن الطالب من التمرُّن عليها.

     وقد أنهى هذا الباب بتعريف أنواع المقال من الإنشائي، والإبداعي، والوظيفي، والصحفي، والتوضيحي، والتحليلي، والتقويمي، والتقريري، والخاطرة.

     أما الباب الثاني فهو يتضمَّن مقالات للمؤلِّف كتبها بين الفينة والفينة في مجلة الداعي العربية الشهرية التي يرأس تحريرها، وهي كلها تدور حول التركيز على أن يستشعر الكاتب أنّ الكتابة مهنة شريفة و مسؤولية كبيرة أمام الله، فيجب عليه أن يقوم بها خيرقيام، وأن يسخِّر موهبته الكتابية لنفع العباد، والدعوة إلى المثل والأخلاق النبيلة، وأن يكون صاحب دعوة ورسالة يتخرج على كتاباته الأجيالُ، وأن يلتزم بالأخلاقيات والمبادئ التي يقتضيها هذه المهنة المباركة.

     كما زوّد المؤلف الكاتبَ- عبرهذه المقالات- بتوجيهات وآراء تجعل مراعاتُها كتاباتِه مؤثِّرة هادفة بنّاءة، وأوصاه أن يحذَر الحذَر كلَّه أن يتخذ ها- الكتابة- وسيلةَ متعة ولذَّة، أوأداة فساد وإفساد، فيهدم ولايبني، ويُفسد ولا يصلح، ويضرُّ ولا ينفع.

     كما نعى على الكُتَّاب الذين يستخدمون أقلامهم لنشر الأفكار الخاطئة، والدعوات الهدَّامة، وإشاعة الفحشاء والمنكر، ويكفرون بما أنعم الله عليهم بنعمة القلم وهِبة البيان.

     وختم الباب بمقالة طويلة النَّفَس درس فيها بإيجازٍ أسلوبَ الجاحظ دراسة تحليلية، وأبان ما في أسلوبه من الجمال والقوة والتاثير.

     وأما الباب الثالث فهو يحتوي على تراجم أدباء وكُتّاب وشعراء قدامى وجدد، مع ذكر مكانتهم، ومؤلفاتهم وأعمالهم الأدبية والعلمية.

     أتاح المؤلف في هذا الباب للطلاب والكُتّاب الناشئين فرصة التعرُّف على عدد من كبار أدباء وكتاب وشعراء العربية القدامى والجدد، ليقرءوا كتبهم ومؤلَّفاتهم، ويصدروا عنها في كتاباتهم، وينسجوا على منوال من يُعجبهم أسلوبُه حتى يتخرَّجوا كُتَّابا بارعين.

     لقد عالج المؤلف في الكتاب موضوع الكتابة بأسلوب سهل وعرض جيِّد وصياغة مشوِّقة، وقرنَ قواعدها ومبادئها بأمثلة وتطبيقات كثيرة، حتى يسهُل على الكُتاب الناشئين تعلمُ الكتابة والسيرفيها.

     وقد زاد من قيمة الكتاب وأهميَّته أنه صدر بقلم كاتب قدير وأديب بارع ذي خبرات وتجارب واسعة، قضى في مجال الإنشاء والكتابة  والصحافة والتاليف أكثر من أربعين عامًا، وهي مدة طويلة لايُستهان بها.

     وهذا الكتاب- كشقيقه - كذلك في ثوب جميل وحُلَّة قشيبة وطباعة أنيقة، يُعجب بمظهره ومخبره القراء ويُسرُّ الناظرين.

* * *



(*)     أستاذ بالجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند.