ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، شعبان 1436 هـ = مايو – يونيو 2015م ، العدد : 8 ، السنة : 39

 

دراسات إسلامية

 

مـــن وجــــوه الـبر

بقلم:  المفتي أبو القاسم النعماني حفظه الله(*)

ترجمة: أبو فايض القاسمي المباركفوري

 

 

 

قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ [البقرة/197] وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة/7-8] وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ [الجاثية/15].

     وعن أبي ذر جندب بن جنادة قال: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله والجهاد في سبيله» قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: «أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا» قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: «تعين صانعًا أو تصنع لأخرق» قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: «تكف شرك عن الناس؛ فإنها صدقة منك على نفسك»(1).

     لاشك أن أبواب الخير كثيرة  يجب المبادرة إليها، والشر كله يتحتم اجتنابه، وتوقيه، فما هو الخير و وجوهه حتى يتمكن المرء من المبادرة إليه؟ ومن الناس من يتتبع وجوه الخير، ويتساءل عن أعمال لاترهقه كثيرًا ويحرز جزيل الثواب وعظيم الأجر، فيزداد أجرًا؟

     عقد الإمام النووي بابًا عنونه «باب في بيان كثرة طرق الخير». فطُرُق الخير كثيرة ووجوه اكتسابه وافرة، ومتعددة. وساق النووي في هذا الصدد أربعة وعشرين حديثًا لايسعنا الإتيان عليها كلها، وما ذكرته من الآيات والحديث النبوي يكفي دليلاً على أن أبواب البر و وجوهه مفتوحة على مصراعيها للمرء إذا ما رغب فيها، ولايعوزها الفرص إذا أراد استغلالها و الاستفادة منها في أي وقت أو مكان. نعم يتطلب ذلك قبل كل شيء الرغبة الصادقة الأكيدة والنشاط لها، وقَدَرها حقاً. وخلاصة القول أنه يجب أن يتبادر المرء إلى استغلال هذه الفرص ولا يدع تضيع عليها.

كل حسنة ولوكانت مثقال ذرة- محفوظة عند الله:

     يقول الله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة/197]. وهذا الحكم الوارد في النص القرآني لاينصب على خير بعينه وحسنة بعينها، فكل حسنة مهما كان نوعها وصورتها مصونة عند الله تعالى، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. والذرة لاوزن لها، فهي عبارة عن الغبار التائه في الجو، والمعنى: أن كل حسنة - وإن هانت ستحفظ وأن الله تعالى يجازي بكل حسنة مهما كانت صورتها ونوعها، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ [الجاثية/15]. فمن أتى حسنة فإن نفعها عائد عليه، وهو المستفيد منها، ولاتضيع عليه، بل تحفظ وتصان، وقد وردت بهذا المعنى أحاديث كثيرة، إليكم بعضها مما يدل على مدى نعم الله تعالى على عباده. وكم من وجوه البر والخير في الإسلام؟! ولايتطلب ذلك إلا الرغبة الصادقة الأكيدة من المرء وحرصه عليها.

إنفاق المحبوب في سبيل الله تعالى:

     عن أبي ذر جندب بن جنادة قال: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله». فالإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال على الإطلاق؛ إذ لايقبل عمل من الأعمال إلا بالإيمان به تعالى، فالإيمان بالله شرط في قبول الأعمال. ثم قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «والجهاد في سبيله» قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: «أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا». وهذا السؤال والرد عليه جاء عن الرقاب، وفي حكمها كل نفقة في سبيل الله تعالى، فكل إنفاق في سبيل الله تعالى والتصدق على أحد، والهدية، والوقف، ينطبق عليه هذا الضابط الكلي. قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ نزلت هذه الآية الكريمة فرجع الصحابة إلى أنفسهم ينظرون في أحب الأشياء إليهم، فمن كان أحب الأشياء إليه عبده سارع إلى إعتاقه، ومن كان أحب الأشياء إليه أمته بادر إلى إعتاقها.

«بخٍ بخٍ» على ما تصدق به أبو طلحة:

     كان لأبي طلحة الأنصاري - رضي الله عنه - حديقة من النخل يقال لها «بيرحاء»، جعلها في سبيل الله تعالى. وكانت من خير النخلات، على باب المسجد النبوي، وأقربها إلى أبي طلحة وأحب أمواله إليه، وكان حبه لها يرجع إلى أمرين: الأول: أن المدينة الطيبة كانت تعاني عوزًا  في الماء العذب، وكان في النخلة بئر ماؤها عذب فرات. وأهم ما أحبها إلى أبي طلحة أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كان يدخلها حيناً لآخر، ويستظل بها ويشرب من مائها. فكانت هذه الحديقة أحب أموال أبي طلحة إليه، ونزلت هذه الآية فنظر أبو طلحة فيما عنده من تلاد ونشبٍ، فوجدها أحب أمواله إليه، فجاء إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، يقول الله تبارك وتعالى في كتابه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران/92] وإن أحب أموالي إلي «بيرحاء»، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «بخ يا أبا طلحة ذلك مال رابح، قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين»، فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه، قال: وكان منهم أبي، وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وأخرون.

     فإذا أراد المرء أن ينفق في سبيل الله تعالى أو يتبرع ، أو يجعل ماله وقفا لله تعالى، أو يهدي هدية، فلا يعمد إلى سقط المتاع، مما لايعود عليه بفائدة، ليس له مردود، فينفقه أو يتبرع به أو يقفه لله تعالى أو يهديه إلى أخيه، فيكون كمن يتصدق بالدجاج الميت في سبيل الله كما يقول المثل الأردي-. وربما تقول: إن رميه في الزبالة  خير منه أن يدفع إلى من ينتفع به، وهذا صحيح؛ ولكن الأصل أن المرء مادام ينفق المال يبتغي مرضات الله تعالى، فلينفق ما يحبه ويؤثره، وعليه حث النبي –صلى الله عليه وسلم- على أن ينفق المرء من الرقاب ما كان «أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا». وقس عليه  الذي يضحي بالحيوان الهزيل الذي لايكاد يقوم على رجليه، فإن الفريضة وإن كانت سقطت عنه به إلا أن المطلوب من المسلم أن يضحي بالصحيح السمين الفاره من الحيوانات، ويتجنب المعيب منها. فالذي يضحي بالمعيب من الحيوان لاتقبل أضحيته.

كف الشر عن الناس صدقة:

     قال أبوذر - رضي الله عنه-: كيف أكسب الخير إن عجزت عن الجهاد وفك الرقاب؟ فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «تعين صانعًا أو تصنع لأخرق». أي تعين من يحاول عملاً من الأعمال وتساعده على استكماله وتنفيذه، أو رأيت أخرق لايكاد يحسن عملاً من الأعمال فتسخر له قدرتك وكفاءتك وجهدك ليتم له ما يريد من الأعمال، فمساعدة الآخرين ومعاونتهم والأخذ بأيديهم صدقة من الصدقات يثاب عليها المرء ويؤجر، قال الراوي: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ أي لايقدر على مساعدة الآخرين في إتمام أعمالهم وتحقيق ما يريدون فكيف السبيل له إلى كسب الحسنات وعمل الخيرات؟ فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك». فعلم أن  من البر أن يحاول ما استطاع ألا يسبب بمقاله أو فعاله أو تصرفه - إذايةَ أحدٍ وإضراره، فيكفّ شره وأذاه عن الناس، وهو صدقة من الصدقات التي يؤجر عليها. وهذا المعنى ورد به أحاديث كثيرة.

احذر إيذاء الناس:

     مما يجب العناية به والتفكير فيه كثيرًا أننا لانُعنى كثيراً اليوم بهذه الأمور. فربما نُظن أننا نأتي حسنةً من الحسنات و فيها إذايةٌ للناس، وإحراج لهم، ومنها على سبيل المثال لا الحصر- أنه ستُظِل علينا بعد أيام ليلةُ السابع والعشرين من رمضان، فتجد الناس وكلهم رغبةٌ وشوقٌيحيون هذه الليلة بقراءة القرآن الكريم فيها، فينصبون مكبرات الصوت على شرفات المنازل وسطوحها ويفتحون أصواتها إلى كل جانب، فترتفع بكل قوة وتصيح وتصرخ، ولاتجد من القائمين وراء الإمام في المكان - الذي تقام فيه هذه الصلاة- إلا من يُعَدُّ على أصابع اليد. ونحن نظن أننا نحسن صنعاً ونكسب الأجر والثواب على هذا العمل، وهذا الضجيج يفسد على أهل الحي كلهم راحتهم وتحرمهم نومهم؛ إذ فيهم المريض و فيهم المصاب بالأرق، وفيهم المنصرف إلى عمل من الأعمال، وفيهم من يريد تلاوة القرآن أو الدعاء والتضرع إلى الله تعالى، أو يسبح بحمد ربه سبحانه تعالى؛ ولكن ضجات المكبرات تحول دون ذلك كله، ولاتدع أحدًا ينصرف إلى ما يهمه من الأعمال. وأنا لا أمانع إحياءَ هذه الليلة؛ فإنها ليلة فيها خير وبركة، فلك أن تحييها وأنت في بيتك لاتؤذي أحدًا، ولاتسبب له الإحراج.

     هذا في جانب، وفي جانب آخر يتخذ الناس المزامير والرقصات والتسجيلات ليالي مناسبات حفلات الزواج، كما يفتح بعضهم الراديو وهو في بيته، ويستمع إلى الأغاني والأخبار، ويشغِّل التلفاز ويرفع من أصواته فيسبب حرجًا شديداً لمن بجواره. أليس من الناس من يكره سماع الأغاني لنفسه ولأولاده، ويحذر أن يصطك بأذنه مزامير إبليس ونغماته، فيتخذ التدابير والحيل بشتى صورها وأنواعها ليقي بيته هذه البائقةَ إلا أن جاره متمادٍ في غيه، في تشغيل الأغاني بأصوات عالية جداً و دائب فيه، فيأثم ويحمل غيره على سماع الأغاني، وأمثال ذلك كثيرة.

     ولعلك سمعت حديث الرسول –صلى الله عليه وسلم- الذي يقول: «الإيمان بضع وسبعون شعبةً... إماطة الأذى عن الطريق». وسيمر بك أحاديث في هذا المعنى. فكل تصرف من تصرفاتك وكل عمل تأتيه إذا كان يؤذي أخاك و يضره؛ فإنه ينافي الإيمان، وما كان لمؤمن بالله تعالى أن يؤذي جاره. وربما يرمي أحدنا الزبالة من سطح بيته فيقع على المارة فيوسخ ثيابهم، وربما يرمي قشورَ الموز في الطريق فيقع عليه أقدام المارة فتنزلق ويقعون على الأرض ويصابون بجروح، وربما يتأذى المار بالأذى والقاذورات التي تلقى في الطرق والممرات، والإيمان يتطلب إزالتها وإماطتها عن الطريق، وليس من الإيمان أن يدنس المرء ذيله بمثل هذه الهنات، وذلك كله من عمل المنافقين.

الإيذاء من عمل المنافق:

     قال الرسول –صلى الله عليه وسلم-: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لاَ تُؤْذُوا الْـمُسْلِمِينَ»(2). فإيذاء الناس من عمل المنافقين، ومن شأن المؤمن أن يميط الأذى عنهم، ولا يأتي عملاً يؤذيهم، وعليه أرشد النبي –صلى الله عليه وسلم- السائل إلى أن يكف أذاه عن الناس. كما سبق في الحديث. ولنقل بعبارة أخرى: إذا لم نستطع أن نكون شجرة مثمرة فلانكن على أقل تقدير- شجرة ذات شوكة تشوك كل من يمر ببابنا، وتقرح ما أصابه منه. وحذارِ أن نكون في وضع يتعوذ الناس منا، قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «إن شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره»(3)، وفي رواية عند إسحاق بن راهويه في مسنده: «مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ أَوْ فُحْشِهِ»(4). أي يحذر الناس بعضهم بعضاً أن يخالطوه؛ لأنه فاحش بذيء، لعان شتام.

     وذكر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أشراط الساعة فعد منها: «أكرم الرجل مخافة شره». وذلك مثل كبير الشرطة يدخل على الناس فيكرمونه، ويخدمونه، لماذا؟ أ لأجل أنهم يحبونه؟ أبداً، وإنما يقفون منه هذا الموقف؛ مخافة شره، وخشية أن يسبب لهم  المشاكل والمتاعب، ويُدخلهم فيما لايحمد عقباه. فإكرام الرجل مخافة شره عده النبي –صلى الله عليه وسلم- من أشراط الساعة. فعلى كل واحدٍ منا أن يحاول - ما استطاع - تجنيب الناس شره وبوائقه، ولايقف منهم موقفًا يؤذيهم ويُقِضَّ مضاجعهم، ويخلق لهم مشاكل ومتاعب.

كيف التصدق عن كل السلامى؟:

     عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكل تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكل تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ أَحَدَكُمْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا الضُّحَى»(5).

     والمعنى يصبح المرء سالمة سلاماه، فيجب عليه عن كل واحدة منها صدقة. وفي الإنسان ثلاث مئة وستون مَفصِلًا كما يدل عليه الحديث الآتي(6). وصحة المفاصل هذه من نعم الله تعالى، فيجب عليه أن يتصدق ثلاث مئة وستين صدقةً. فما هذه الصدقات الثلاث مئة والستين ياترى؟ نبه عليها النبي –صلى الله عليه وسلم- بقوله: «كل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة. فما أيسر هذه الصدقات الثلاث مئة والستين التي أوجب الله تعالى على عباده، وما أهون تبرئة الذمة منها! ولاتتوقف الصدقة على التصدق بالمال، فهذه الكلمات الأربع: سبحان الله، الحمد لله، لاإله إلا الله، الله أكبر إذا نطق بها المرء فقد تصدق بأربع صدقات. ومن هلل مئة مرة فقد تصدق بأربع مئة صدقة. وكان عليه ثلاث مئة وستون صدقة. سبحان الله، كم يسر الله تعالى علينا كسب الحسنات وعمل البر.

صلاة الضحى صدقة عن ثلاث مئة وستين مفصلاً:

     قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «وَيُجْزِئُ أَحَدَكُمْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا الضُّحَى». وثمة صلاة تدعى صلاة الإشراق، تقام حين تطلع الشمس وترتفع بعض الشيء، وتزول حمرتها، ولهذه الصلاة فضل لوحدها كما ورد عَن أنس - رَضِيَ الله عَنْه-، قَالَ رَسُول الله –صلى الله عليه وسلم-: «من صَلَّى الْفجْر فِي جمَاعَة ثمَّ قعد يذكر الله حَتَّى تطلع الشَّمْس، ثمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَت لَهُ كَأَجر حجَّة وَعمرَة تَامَّة، تَامَّة، تَامَّة»(7).

     وأما صلاة الضحى فتقام حين ترتفع الشمس في جانب الشرق ارتفاعًا كثيرا يعدل ارتفاعه في جانب المغرب حين غروبها بعد العصر. وصلاة الضحى ركعتان إلى اثنتي عشرة ركعة. فتكفي ركعتان منها عن صدقة ثلاث مئة وستين مفصلًا كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم-.

حرص أصحاب الصفة على أعمال البر:

     عن أبي ذر- رضي الله عنه- أن ناسًا من أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم-، وهم أصحاب الصفة من فقراء المسلمين لا مال لهم ولا دار، يقوم عليهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يأوون إلى صفة في المسجد وكأنهم طلاب مدرسته قالوا في نفوسهم: إن الأثرياء من الصحابة يفكون الرقاب ويتصدقون وينفقون في الجهاد ولامال لنا فننفقه في سبيل الله فنحرم حسناتٍ كثيرة. فقالوا للنبي –صلى الله عليه وسلم-: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: «أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة».

قضاء الإرب من الصدقة:

    ثم قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «وفي بضع أحدكم صدقة، قالـوا: يـا رسول الله، أيـأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر»(8).

     والحاصل أن المؤمن إذا أخلص نيته تَحوَّلَ ما كان للدنيـا عبادةً. ويقول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْـمَعْرُوفِ [البقرة/228]، وقال: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة/187]. وجعل الله تعالى بين المرء وزوجه مودة ورحمةً. فكل منهما في حاجة إلى صاحبه، فلو قام المرء بما عليه من الحق بحكم أن الله تعالى أوجبه عليه لصاحبه، فإنه يؤجر ويثاب عليه. فكم من أبواب البر قد فتحها الرسول –صلى الله عليه وسلم- بقوله هذا.

الكلمة الطيبة صدقة:

     عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»(9).

     والمعنى لا تزدرِ عملاً من أعمال البر فإذا استطعت أن تسبح الله ولو مرةً فلا تعجز عنه، قوله: «لو أن تلقى أخاك بوجه طلقٍ» المعنى أن من الحسنة أن تلقى أخاك بخلق طيب، وبوجه طلق باسم فلا تعجز عنه إذا عجزت عن سواه. وسيأتي لاحقا أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أمر بالصدقة فقال: «بشق تمرة»، قال الراوي: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: «بكلمة طيبة». فمخاطبة الناس بوجه باسم، محادثتهم بحديث حلو لين، والنظر إليهم بوجه طلق صدقة من الصدقات. فلا تحتقروه. فليس من الحسنة في شيء أن يكون المرء عبوسا قمطريرًا، ثاني عطفه، متكبرًا جبارًا. وكان الرسول –صلى الله عليه وسلم- يلقى أصحابه و أداني الناس هشا بشاً. ويلاطف الأطفال ويقبلهم. فقال له بعض أصحابه: تقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم، فقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «أوأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة»(10)، وفي رواية: «مَنْ لَا يَرحَم لَا يُرحَم»(11).

     وقال له بعض أصحابه: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ثم قال: «من لا يرحم لا يرحم»(12). فكان النبي –صلى الله عليه وسلم- يستقبل الناس بوجه باسم طلق.

حسن الخلق مع الفاسق:

     عن عائشة - رضي الله عنها-: أن رجلا استأذن على النبي –صلى الله عليه وسلم-، فلما رآه قال: «بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة» فلما جلس تطلق النبي –صلى الله عليه وسلم- في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه؟ فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «يا عائشة، متى عهدتني فحاشًا، إن شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره»(13).

     والمعنى أن الرجل وإن بلغ من سوء الخلق والجفاء ما بلغ؛ ولكن لايحملني ذلك على أن أكون مثله في الجفاء والغلظة، فإن من واجبي أن أقابله بوجه طلق، وأتبسط إليه. فإن قيل: فلِمَ وصفه أولا بالسوء؟ قلنا: ذلك ليتقيه الناس و ليكونوا على حذر من أمره وأنه ليس رجلاً صالحاً. ثم لم يدفع سوؤه الرسولَ –صلى الله عليه وسلم- إلى أن يعامله بسوء وغلظة وجفاء.

     فيقول رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي أسلفته: «لا تحقرن من المعروف شيئا» أي إذا عجزت فلا تعجز عن مقابلته بصدر رحب.

بكل خطوة على الطهارة إلى المسجد صدقة:

     عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس، يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقــة والكلمة الطيبـة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة»(14).

*  *  *

الهوامش:

(1)  الحديث رواه مسلم في صحيحه في الإيمان [84]

(2)  رواه الترمذي في أبواب البر والصلة [2032]

(3)  رواه البخاري في الأدب برقم [6032]

(4)  مسند إسحاق بن راهويه برقم [832]

(5)  رواه مسلم في صحيحه في صلاة المسافرين وقصرها [720]

(6)  رواه البزار في مسنده [300]

(7)  رواه الترمذي في السنن في أبواب السفر[586]

(8)  رواه مسلم في الكسوف [1006]

(9)  رواه مسلم في  البر والصلة [2626]

(10)   رواه البخاري في الأدب [5998]

(11)   أخرجه البخاري في الأدب [5997]

(12)   أخرجه البخاري في الأدب [5997]

(13)   رواه البخاري في  الأدب [6032]

(14)   رواه البخاري في الجهاد والسير [2989]، ومسلم في الكسوف [1009]

*  *  *

*  *

 



(*)          أستاذ الحديث الشريف ورئيس الجامعة.