ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، رمضان - شوال 1436 هـ = يونيو – أغسطس 2015م ، العدد : 9-10 ، السنة : 39

 

دراسات إسلامية

أضواء من التفسير

بقلم : الشيخ الكبير المربي الجليل العلامة أشرف علي التهانوي

المعروف بـ "حكيم الأمة" المتوفى 1362هـ / 1943م

ترجمة : أبو فائز القاسمي المباركفوري

 

 

 

قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَ عَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَـٰوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخـٰـدِعُونَ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:5-10].

التفسير:

     قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى  مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي فلاحاً كاملاً(1).

     فائدة: أي أُنعِمَ على هؤلاء في الدنيا بالهداية إلى طريق الحق. وسيمنُّ الله تعالى عليهم في الآخرة بالفوز والنجاح. وبهذا ينتهي ذكر من كان يؤمن بلسانه وقلبه بالقرآن والدين. ويعقبه ذكر من لايؤمن لا باللسان ولا بالقلب، وهؤلاء يطلق عليه القرآن الكريم «الكافرون».

خصال الكافرين:

     قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.

     فائدة: ولاينفع النصحُ مَن كُتِبَ عليه الشقاء في الأزل: فلايقال: إن كثيرًا من الكفار يؤمنون، فما معنى الآية؟ لأنا نقول: إن الآية لا عموم لها؛ وإنما هي في أقوام حقت عليهم كلمة العذاب في سابق علم الله الأزلي أنهم لا يؤمنون. وهذا لايعني الاستغناء عن إنذارهم وبيان حكم الله تعالى فيهم؛ إذ ذلك وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم الخاصة، وإنما المعنى: لا يحترق قلبك أسفًا على كفرهم، ولايهمك إعراضهم عن الإيمان،فلا يُرْجَى إيمانُهم.

فائدة النصح للشقي الأزلي:

     وهذا لايستلزم أنه من العبث تذكيرهم وبيان الحكم لهم،فلِمَ كُلِّفَ الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبث؟ لأن العبث ما لافائدة فيه أصلاً، وإنذارهم - وإن لم ينتفع به هؤلاء القوم - فإنه يعود على الرسول عليه السلام بالنفع حيث يحوز ثواب التبليغ، والأمر والنهى، فأنى يكون عبثاً؟

تنبيه: لاعذر للشقي الأزلي في الكفر:

     لايظن أحدٌ أن الله تعالى لما أخبر عنه بعدم الإيمان، ويستحيل أن يقع خلاف إخبار الله تعالى، فالكافر الأزلي معذورٌ في عدم إيمانه. وذلك لأننا نقول: مثله كمثل طبيب حاذق يجد مريضاً ابتلي بحمى الدق، فيقول: إن حماه قد بلغت درجتها الرابعة، ولايبرأ منها. فلايخفى أنه لم يُصَب المريضُ بحمى الدق بإخبارالطبيب له بها، و إنما أصيب بها مسبقاً بسبب لامبالاة ارتكبها، فما صدر عن الطبيب عليه من الحكم نابعٌ عن إصابته بها. وقِس عليه أن هذا الكافر كونه غير مؤهل للإيمان ليس نابعاً عن مجرد إخبار الله تعالى عنه به، وإنما أخبر الله تعالى عنه به؛ لأنه غير مؤهل للإيمان في الواقع. وحرمانه من الإيمان أداه إليه شرُّه و عناده ومعارضته للحق. فمما هو معلوم بالمشاهدة والمعاينة أن الرجل إذا شمَّر ذيله عن ساقيه لمعاداة غيره ومخالفته ومعارضته؛ فإنه يعيش يصل ليلَه نهاره سعيًا وراء ذلك، فتتضاءل إمكانية الموافقة والمصالحة بينهما يومًا فيومًا حتى تصير كأن لم تكن. كذلك الله سبحانه وتعالى فطرَ الناس كلهم على قبول الحق - كما ورد الحديث بذلك - إلا أن المرء يعارض الحق والصواب لهوىً في نفسه، فيأتي عليه يومٌ يُحرَم فيه إمكانيةَ القبول، ففي مثل هذه الأوضاع لايعجز الطبيب الروحاني عن الحكم عليه بأنه لن يقبلَ الحق؛ لأن استعداد قبوله للإيمان قد ساءت وفسدت. إذاً فارتفع ما يورد على هذه المسألة من الشبهة العقلية.

     قوله: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ - إلى قوله - وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.

     فائدة: ولا يُشكل على أحدٍ - كذلك - أن الله تعالى لما شلَّ حواسهم وأبطلها فقد عَذَرَهُم؛ لأننا نقول - كما أسلفنا-: إنهم قد أبطلوا - بدورهم - استعدادهم؛ إذ عارضوا وعاندوا الحق. فسوء الاستعداد و زواله مما لم يكسبه إلا أنفسُهم، إلا أن الأفعال كلها مخلوقةٌ لله تعالى، فأخبر الله تعالى في هذه الآية عن نفسه بأنه الخالق أي أن سوء الاستعداد لما كان مسبَّباً عن فعلهم، وأنهم اختاروه برضى ورغبةٍ فيه دون جبر و إكراه، فخلق الله تعالى في قلوبهم وغيرها سوء الاستعداد هذا، وهذا ما عبر عنه بالختم. فالختم - هنا- مسبَّب عن فعلهم هذا، وليس الختم من الله تعالى سببا له، فلا عذر لهم.

فائدة: مثال الاستعداد بالأمر التكويني:

     مثله كمثل ثري كريم قطع لبعض المساكين راتباً قدره مئة روبية رحمةً به، إلا أن هذا المنكر للجميل لايستلم الراتب إلا و يرميه في بئرٍأو نهرٍ حتى لاينتفع هو به ولايدع أحدًا ينتفع به. وحذَّر المحسنُ إليه من هذه الفعلة الشنيعة غير مرة، ولكن تحذيره لم يصادف منه أذناً صاغية ولاكَادَ. فوجد نقوده تذهب سدىً فقطع وأمسك عليه رزقه. ولكن هذا القطع لم يحرك منه ساكناً ولا بَعَثَه على الأسف والندم، ولا تقدم بالاعتذار منه إلى صاحبه. وحينئذ قال الرجل لرعيته لتكون على علمٍ به-: إننا قد قطعنا على  هذا المنكر للجميل رزقَه وراتبه؛ لأنه قد بلغ هذا المبلغ من نكران الجميل. ففي هذا المثال لا يخفى على أحد أن اللائمة لاتُنْحى على المحسن، وإنما تُنحى على منكره. فقِس عليه ما نحن فيه.

شرح حقيقة الخلق والفعل بمثال:

     وهذا يوجب أن نتلمس حقيقة الفعل والخلق، ونعرف الفرق بينهما. ونضرب لكم عليه مثالاً من الحس: هناك حجر ضخم، لايشق على زيد - السيد - أن يحمله، إلا أن عمرًا - العبد - لايكاد يحرِّكه. فقال زيد لعمرو: إن حمل هذا الحجر يعده القانون - الذي وضعناه - جريمة، إلا أننا - رغبةً في البلاء والاختبار- تعوَّدنا أن نعين على حمله كل من أراد حمله وأمسكه بيده. فهذا الحمل ينسب إلى العبد بناء على أنه أراد حمله مما ترتب عليه مساعدةُ سيده له على حمله. فإن السيد لم يكن يساعده على حمله ولا كان يُعَدُّ هذا العبد مذنباً إن لم يُرِد حمله.

     صفوة القول أن العبد توجه إلى  الحجر، ودنا منه، وأمسكه عن عمدٍ، و رضي بحمله رغم علمه بما وضعه سيده من قانون، وتحذيره، و بما أن السيد أخذ نفسه به. فقام بمساعدته على حمل الحجركعادته. فالحاصل أنه - حينئذ - لايتهم أحدٌ إلا العبدَ - وهو عمراً - ولاينحي اللائمة إلا عليه دون سيده: زيد. وقِس عليه أن الله سبحانه وتعالى منَّ على عبده بالإرادة وقوة الكسب، إلا أنه قاصرعن إيجاد الفعل وخلقه. ومن سنة الله تعالى أنه  يخلق  الفعل الذي يريده العبد كسبَه وممارسته. فلا إيراد  - كما سبق في المثال - إلا على العبد، والله سبحانه وتعالى منزه عنه.

كشف شبهة قبح الخلق قياساً على قبح الفعل:

     فإن قيل: إذا كان فعل القبيح، وكسبه قبيحاً، فليكن خلق القبيح قبيحاً كذلك؟(2) قلنا: إنه قياس باطل، لأن وصف فعل القبيح بالقبح يعود إلى ما فيه من المفاسـد الجسيمة، ولا يحمل فعلُ القبيح شيئا من الحكمة الحقيقة الصحيحة، وأما خلق القبيح فإن من ورائه الآلاف من الحكم والمصالح. وهذه المصالح و الحكم لايستوعبها بتفاصيلها كل من هبَّ ودبَّ. و أن جهل الشيء لا يستلـزم عدمه. وأما أن فعـل القبيح لا يحمـل حكمـةً ومصلحةً وأن خلق القبيح يحمل في طياته مصالح وحكماً، فبحسبنا الدليل الإجمالي عليه، وهو أن أهل النقل والعقل اتفقوا على أن الله تعالى حكيم. وفعل الحكيم لايخلو من حكمة. وقد حذَّر ومنَع فعل القبيح، فلاجرمَ أن فعل القبيح يخلو من الحكمة وإلا لم يمنعه الحكيم. و أما خلق القبيح فهو فعل الحكيم فلزم أن يكون قد اتصف بحكمة ومصلحة للمخلوق. ومن ثم اختاره الحكيم. و إذا أدركتَ هذا الفرق انكشف عنك كثيرٌ من الشكوك والاعتراضات بأيسرطريق.

كشف شبهة تأثير الإرادة في أفعال العبد:

     فإن قيل: سلمنا أن خلق القبيح ترتب على إرادة العبد فلا لوم على الخالق، إلا أن إرادة الله التي تتعلق بهذا الفعل، لاتترتب على إرادة  الشر؛ بل عليها تترتب  إرادة العبد نفسها. فيعود الإيراد نفسه؟ قلنا: إن هذا الإيراد قد زال بما قررنا آنفاً؛ لأن إرادة الله تعالى تلك تشتمل على آلاف الآلاف من المصالح، فلم تكن قبيحة، على العكس من فعل العبد فإنه قبيح بسبب المفاسد.

كشف شبهة نفي اختيار العبد:

     فإن قلت: هَبْ أنه لايستلزم القبح في إرادة الله تعالى وخلقه، إلا أنه يوجب عدم اختيار العبد؟ قلنا: إن إرادة الله تعالى تعلقت بصفة خاصة هي أن العبد يكسب الفعل باختيار منه، فهذا مما يزيد من تأكد اختيار العبد وثبوته، لا أنه أصبح مسلوب الإرادة ومعدومها. كما أن إرادة الله تعالى تتعلق بأفعال نفسه ألبتة، و رغم ذلك اتفق أهل الملل كلها على أن الله تعالى ليس مسلوب الاختيار في أفعاله، بل هو مختار على الإطلاق. فالحمد لله تعالى على أن زالت الشكوك المتعلقة بالقدر.

كشف الشبهات في خصوص القدر

بعبارة مـوجـزة شـافيــــة:

     وهذا البسط والتفصيل روعي في عرضه وتقديمه من نشأت له الشبهة تلقائياً، و أما الخالي الذهن فهو في غنىً عن هذا البسط. فمن لايزال توسوس نفسه - رغم هذا التفصيل والبسط، فليحذر المضيَّ في طلبه و البحث عنه، وإنما يجب على هاتين الفئتين من الناس أن يكتفوا بالاعتقاد - بصفة إجمالية - بأن الله تعالى مالك، والمالك - بصفته مالكاً - يحقّ له كل الحق أن يتصرف في ملكه كيف يشاء. كمثل رجل بنى دارًا في قطعةٍ من الأرض يملكها، وجعلها في درجاتٍ متفاوتة، فاختص جزءًا منها بمجلسه الذي زيَّنه بآلاف الأنواع من الرياش والأثاث، و اختص جزءًا آخر منها بالمرحاض؛ حيث يلقى فيه مئات الأمنان من القاذورات كل يوم(3). فهل كان لهذا المرحاض أن يقول: ما ذنبي حتى جعلني أستحق هذا العقاب؟ وما حسنة الجزء الفلاني من الأرض حيث اختصه بهذه العناية والكرم؟ فما من عاقلٍ إلا ويرد عليه بأن المالك له الخيار. وبهذا قد أتينا على من لايؤمن بالقرآن الكريم والدين لابلسانه ولا بقلبه، ويتلوه ذكرُ من يُسلم - لمصلحة يريد تحقيقها، أو ضغوطٍ تمت ممارستها عليه - بلسانه، ولايؤمن قلبه. و هؤلاء يطلق عليهم في المصطلح الشرعي «المنافقون».

***

الهوامش:

(1)      ودليله ما ذكرنا في الكلام من كون الفلاح الكامل مرادًا.

(2)   وحاصل الإيراد أن إرادة الله تعالى مقدمة على كل من إرادة العبد وفعله، لأن الله تعالى يريد أولاً أن يريد العبد كذا، ثم يريده العبد، ثم يترتب عليه خلق الفعل، ثم يترتب عليه الكسب من العبد، إذًا ففي الواقع: فعل العبد يترتب على الخلق، والخلق يترتب على إرادة العبد، وإرادته مرتبة على إرادة الله تعالى: فالأثر أي فعل العبد. وإرادته إن كانا قبيحين، لزم أن يكون المؤثر فيهما أي إرادة الله تعالى قبيحًا أيضًا، وتقرير الجواب عنه ظاهر. (تبيان).

(3)   نعم، قد يقال: لا أقل من أن نقول: إن هذا المالك قد أتى ما يعارض المصلحة، إن اختص جزءًا طيبًا من الأرض بالمرحاض. فهل لا يسع أن تنسب مثل ذلك إلى الله تعالى؟ والجواب عنه: أن مثل هذا السؤال يمكن أن نوجهه في خصوص أفعال من يحتمل فعله أن يخلو من الحكمة، وبما أن أفعال الله تعالى لن تخلو من مصلحة وحكمة، فزال هذا الاحتمال وهذا التساؤل، كما أسلفنا. (تبيان).

***