ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، ذوالحجة 1436 هـ = سبتمبر – أكتوبر 2015م ، العدد : 12 ، السنة : 39

 

دراسات إسلامية

 

نجوم بلاط عمر بن عبد العزيزS

(2/3)

بقلم:  محمد شريف راشد (*)

 

 

3- الحسن البصري رحمه الله:

أبو سعيد رحمه الله قاضي البصرة، ت 110هـ.

نسبه و نشأته:

     قال الذهبي (في سير أعلام النبلاء: 8/135 158): هو  الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت الأنصاري. و كانت أم الحسن مولاة لأم سلمة أم المؤمنين المخزومية. ويسار أبوه: من سبي ميسان، سكن المدينة، و أُعْتِقَ، وتزوج بها في خلافة عمر، فولد له بها الحسن  رحمة الله عليه  لسنتين بقيتا من خلافة عمر. واسم أمه: خيرة.

     ثم نشأ الحسن بوادي القرى، وحضر الجمعة مع عثمان، وسمعه يخطب، وشهد يوم الدار، وله يومئذ أربع عشرة سنة.

     كانت أم سلمة تبعث أم الحسن في الحاجة، فيبكي و هو طفل، فتسكته أم سلمة بثديها، و تخرجه إلى أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- و هو صغير، و كانت أمه منقطعة إليها، فكانوا يدعون له، فأخرجته إلى عمر، فدعا له، و قال: اللهم فقهه في الدين، وحببه إلى الناس.

عن الحسن  عن أمه: أنها كانت ترضع لأم سلمة. و كان سيد أهل زمانه علما و عملا. قال معتمر بن سليمان: كان أبي يقول: الحسن شيخ أهل البصرة. و روي أن ثدي أم سلمة در عليه، ورضعها غير مرة. رأى: عثمان، وطلحة، والكبار. وقال شعيب بن الحبحاب، عنه: رأيت عثمان يصب عليه من إبريق. وقال يحيى القطان: أحاديثه عن سمرة، سمعنا أنها كتاب. قلت: قد صح سماعه في حديث العقيقة، و في حديث النهي عن المثلة من سمرة. حدثنا محمد بن عمرو: سمعت الحسن يقول: سمعت أبا هريرة يقول: الوضوء مما غيرت النار. فقال الحسن: لا أدعه أبدا.

     مسلم: حدثنا أبو هلال، سمعت الحسن يقول: كان موسى نبي الله –صلى الله عليه وسلم- لا يغتسل إلا مستترا.

     فقال له ابن بريدة: ممن سمعت هذا ؟ قال: من أبي هريرة.

     بهز بن أسد: حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن يونس، عن الحسن، قال: رأيت عثمان نائما في المسجد حتى جاءه المؤذن، فقام، فرأيت أثر الحصى على جنبه.

     حريث بن السائب: حدثنا الحسن، قال: كنت أدخل بيوت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في خلافة عثمان أتناول سقفها بيدي، و أنا غلام محتلم يومئذ.

     قال الحسن: لولا النسيان، كان العلم كثيرا.

صورة من حب المصطفى صلى الله عليه وسلم:

     عن الحسن  عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يخطب يوم الجمعة إلى جنب خشبة؛ يسند ظهره إليها، فلما كثر الناس، قال: ابنوا لي منبرا له عتبتان.

     فلما قام على المنبر يخطب، حنت الخشبة إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم-.

     قال: و أنا في المسجد، فسمعت الخشبة تحن حنين الواله، فما زالت تحن حتى نزل إليها، فاحتضنها، فسكنت.

     وكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث، بكى، ثم قال: يا عباد الله!  الخشبة تحن إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- شوقا إليه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه.

جهاد الحسن رحمه الله:

     و كان كثير الجهاد، و صار كاتبا لأمير خراسان الربيع بن زياد.

     وقال سليمان التيمي: كان الحسن يغزو، و كان مفتي البصرة جابر بن زيد أبو الشعثاء، ثم جاء الحسن، فكان يفتي.

     قلت: كان رجلا تام الشكل، مليح الصورة، بهيا، وكان من الشجعان الموصوفين.

     عن أبي داود، قال: لم يحج الحسن إلا حجتين، و كان يكون بخراسان! و كان يرافق مثل قطري بن الفجاءة، و المهلب بن أبي صفرة، وكان من الشجعان.

     قال هشام بن حسان: كان الحسن أشجع أهل زمانه. و قال جعفر بن سليمان: كان الحسن من أشد الناس، و كان المهلب إذا قاتل المشركين، يقدمه.

مقام الحسن رحمه الله:

     عن  حزم  قال: رأيت الحسن قدم مكة، فقام خلف المقام، فصلى، فجاء عطاء، و طاووس، و مجاهد، و عمرو بن شعيب، فجلسوا إليه.

     قال أيوب السختياني: لو رأيت الحسن، لقلت: إنك لم تجالس فقيها قط.

     وعن الأعمش، قال: ما زال الحسن يعي الحكمة حتى نطق بها، و كان إذا ذكر الحسن عند أبي جعفر الباقر، قال: ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء.

     عن خالد بن صفوان، قال: لقيت مسلمة بن عبدالملك، فقال: يا خالد!  أخبرني عن حسن أهل البصرة؟

     قلت: أصلحك الله، أخبرك عنه بعلم، أنا جاره إلى جنبه، و جليسه في مجلسه، و أعلم من قبلي به: أشبه الناس سريرة بعلانية، و أشبهه قولا بفعل، إن قعد على أمر، قام به، و إن قام على أمر، قعد عليه، و إن أمر بأمر، كان أعمل الناس به، و إن نهى عن شيء، كان أترك الناس له، رأيته مستغنيا عن الناس، و رأيت الناس محتاجين إليه.

     قال: حسبك، كيف يضل قوم هذا فيهم ؟

     عن العوام بن حوشب، قال: ما أشبه الحسن إلا بنبي.

     و عن أبي بردة، قال: ما رأيت أحدا أشبه بأصحاب محمد –صلى الله عليه وسلم- منه.

     قال أبو قتادة: الزموا هذا الشيخ، فما رأيت أحدا أشبه رأيا بعمر منه  يعني: الحسن.

     و عن أنس بن مالك، قال: سلوا الحسن؛ فإنه حفظ و نسينا.

     و قال مطر الوراق: لما ظهر الحسن، جاء كأنما كان في الآخرة، فهو يخبر عما عاين.

     و قال قتادة: ما جالست فقيها قط، إلا رأيت فضل الحسن.

     قال أيوب السختياني: كان الرجل يجلس إلى الحسن ثلاث حجج ما يسأله عن المسألة هيبة له.

     و قال معاذ بن معاذ: قلت للأشعث: قد لقيت عطاء و عندك مسائل، أفلا سألته؟!

     قال: ما لقيت أحدا بعد الحسن إلا صغر في عيني.

     وقال أبو هلال: كنت عند قتادة، فجاء خبر بموت الحسن، فقلت: لقد كان غمس في العلم غمسة.

     قال قتادة: بل نبت فيه، و تحقبه، و تشربه، والله لا يبغضه إلا حروري.

     و عن قتادة قال: ما كان أحد أكمل مروءة من الحسن.

     وقال حميد، و يونس: ما رأينا أحدا أكمل مروءة من الحسن.

     و عن علي بن يزيد، قال:سمعت من ابن المسيب، وعروة، والقاسم، وغيرهم: ما رأيت مثل الحسن، و لو أدرك الصحابة و له مثل أسنانهم، ما تقدموه.

     حماد بن زيد: عن حجاج بن أرطاة: سألت عطاء عن القراءة على الجنازة، قال: ما سمعنا و لا علمنا أنه يقرأ عليها.

     قلت: إن الحسن يقول: يقرأ عليها.

     قال عطاء: عليك بذاك، ذاك إمام ضخم يقتدى به.

     عن الربيع بن أنس، قال: اختلفت إلى الحسن عشر سنين أو ما شاء الله، فليس من يوم إلا أسمع منه ما لم أسمع قبل ذلك.

     قال عوف: ما رأيت رجلا أعلم بطريق الجنة من الحسن.

     و قال أبو زرعة الرازي: كل شيء: قال الحسن: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وجدت له أصلا ثابتا، ما خلا أربعة أحاديث.

     عن حجاج الأسود، قال: تمنى رجل، فقال: ليتني بزهد الحسن، و ورع ابن سيرين، و عبادة عامر بن عبد قيس، و فقه سعيد بن المسيب، و ذكر مطرف بن الشخير بشيء.

     قال: فنظروا في ذلك، فوجدوه كله كاملا في الحسن.

     و قال حماد بن سلمة: أنبأنا علي بن زيد، قال: رأيت سعيد بن المسيب، و عروة، و القاسم و آخرين، ما رأيت مثل الحسن!

     عن حميد بن هلال: قال لنا أبو قتادة: ما رأيت أحدا أشبه رأيا بعمر بن الخطاب منه -يعني: الحسن-.

     عن  أيوب يقول: كان الحسن يتكلم بكلام كأنه الدر، فتكلم قوم من بعده بكلام يخرج من أفواههم كأنه القيء.

     وقال قتادة: كان الحسن من أعلم الناس بالحلال والحرام.

     وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحسن، و الحجاج.

وصف الحسن رحمه الله:

     قال محمد بن سعد: كان الحسن -رحمه الله- جامعا، عالما، رفيعا، فقيها، ثقة، حجة، مأمونا، عابدا، ناسكا، كثير العلم، فصيحا، جميلا، وسيما.

     عن أمة الحكم، قالت: كان الحسن يجيء إلى حطان الرقاشي، فما رأيت شابا قط كان أحسن وجها منه!

     وعن جرثومة، قال: رأيت الحسن يصفر لحيته في كل جمعة. أبو هلال: رأيت الحسن يغير بالصفرة.

بيت الحسن رحمه الله:

     عن مطر قال: دخلنا على الحسن نعوده، فما كان في البيت شيء، لا فراش، و لا بساط، ولا وسادة، و لا حصير، إلا سرير مرمول هو عليه.

     قال أيوب: ما وجدت ريح مرقة طبخت أطيب من ريح قدر الحسن.

     وقال أبو هلال: قلما دخلنا على الحسن، إلا و قد رأينا قدرا يفوح منها ريح طيبة.

لباس الحسن رحمه الله:

     عن  سلام بن مسكين: رأيت على الحسن قباء مثل الذهب يتألق. عن يونس:كان الحسن يلبس في الشتاء: قباء حبرة، و طيلسانا كرديا، و عمامة سوداء، و في الصيف: إزار كتان، و قميصا، و بردا حبرة. و عن الحسن  قال: المؤمن يداري دينه بالثياب.

     قال غندر عن شعبة: رأيت على الحسن عمامة سوداء. وقال سلام بن مسكين: رأيت على الحسن طيلسانا، كأنما يجري فيه الماء، وخميصة كأنها خز.

دوام حزنه رحمه الله:

     وقال إبراهيم بن عيسى اليشكري: ما رأيت أحدًا أطول حزنًا من الحسن، ما رأيته إلا حسبته حديث عهد بمصيبة.

     وعن علقمة بن مرثد في ذكر الثمانية من التابعين، قال: و أما الحسن، فما رأينا أحدا أطول حزنا منه، ما كنا نراه إلا حديث عهد بمصيبة، ثم قال: نضحك ولا ندري لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا. و قال: لا أقبل منكم شيئا، ويحك يا ابن آدم! هل لك بمحاربة الله -يعني: قوة-.

     والله لقد رأيت أقواما كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه، و لقد رأيت أقواما يمسي أحدهم ولا يجد عنده إلا قوتا، فيقول: لا أجعل هذا كله في بطني. فيتصدق ببعضه، و لعله أجوع إليه ممن يتصدق به عليه. و روى ثابت، عنه، قال: ضحك المؤمن غفلة من قلبه. وعن الحسن  قال: ابن آدم! السكين تحد، و الكبش يعلف، و التنور يسجر.

صورة صداقة:

     عن قتادة، قال:دخلنا على الحسن و هو نائم، و عند رأسه سلة، فجذبناها، فإذا خبز و فاكهة، فجعلنا نأكل، فانتبه، فرآنا، فسره، فتبسم، و هو يقرأ: ﴿أو صديقكم لا جناح عليكم.

صفات الفقيه:

     عن عمران القصير  قال: سألت الحسن عن شيء، فقلت: إن الفقهاء يقولون كذا وكذا. فقال: وهل رأيت فقيها بعينك!  إنما الفقيه: الزاهد في الدنيا، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه. عن الحسن، قال: كان الرجل يطلب العلم، فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه، و زهده، و لسانه، و بصره.

     ذكر أبو نعيم في «الحِلية» عن  فضيل بن جعفر، قال: خرج الحسن من عند ابن هبيرة، فإذا هو بالقراء على الباب، فقال: ما يجلسكم ها هنا، تريدون الدخول على هؤلاء الخبثاء، أما والله ما مجالستهم مجالسة الأبرار، تفرقوا، فرق الله بين أرواحكم و أجسادكم، قــد لقحتم نعالكم، و شمرتم ثيابكم، وجززتم شعوركم، فضحتم القراء، فضحكم الله، والله لو زهدتم فيما عندهم، لرغبوا فيما عندكم، و لكنكم رغبتم فيما عندهم، فزهدوا فيكم، أبعد الله من أبعد.

صفات المؤمن و المنافق:

     عن الحسن  قال: المؤمن من علم أن ما قال الله كما قال، و المؤمن أحسن الناس عملا، و أشد الناس وجلا، فلو أنفق جبلا من مال، ما أمن دون أن يعاين، لا يزداد صلاحا وبرا إلا ازداد فرقا، و المنافق يقول: سواد الناس كثير، وسيغفر لي، و لا بأس علي، فيسيء العمل، ويتمنى على الله.

     عن مبارك بن فضالة: حدثنا الحسن في هذه الآية: ﴿أَفرَءَيْتَ مَن اتَّخَذَ الٰهه هَوٰﯨﻪ (الجاثية:23) قال: هو المنافق، لا يهوى شيئا إلا ركبه.

إذلال الدرهم صاحبه:

     هشام بن حسان: سمعت الحسن يحلف بالله: ما أعز أحد الدرهم إلا أذله الله. وقال حزم بن أبي حزم: سمعت الحسن يقول: بئس الرفيقان: الدينار و الدرهم، لا ينفعانك حتى يفارقاك.

     عن الحسن قال: أهينوا الدنيا.

حقيقة الأجسام:

     عن صالح المري: عن الحسن، قال: ابن آدم!  إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم، ذهب بعضك.

حقيقة الدنيا:

     قال مبارك بن فضالة: سمعت الحسن يقول: فضح الموت الدنيا، فلم يترك فيها لذي لب فرحا.

تطوع الحسن رحمه الله:

     و قال السري بن يحيى: كان الحسن يصوم البيض، و أشهر الحرم، و الاثنين، و الخميس.

الجنة:

     عن الحسن، قال:ما حليت الجنة لأمة ما حليت لهذه الأمة، ثم لا ترى لها عاشقا.

ترك المعاصي:

     عنه قال: ابن آدم! ترك الخطيئة أهون عليك من معالجة التوبة، ما يؤمنك أن تكون أصبت كبيرة أغلق دونها باب التوبة، فأنت في غير معمل.

مجالس الحسن:

     قال أبو سعيد بن الأعرابي في طبقات النساك: كان عامة من ذكرنا من النساك يأتون الحسن، و يسمعون كلامه، و يذعنون له بالفقه في هذه المعاني خاصة، و كان عمرو بن عبيد، و عبد الواحد بن زيد من الملازمين له، و كان له مجلس خاص في منزله، لا يكاد يتكلم فيه إلا في معاني الزهد و النسك و علوم الباطن، فإن سأله إنسان غيرها، تبرم به، و قال: إنما خلونا مع إخواننا نتذاكر.

     فأما حلقته في المسجد، فكان يمر فيها الحديث، و الفقه، و علم القرآن و اللغة، و سائر العلوم، و كان ربما يسأل عن التصوف، فيجيب، وكان منهم من يصحبه للحديث، و كان منهم من يصحبه للقرآن و البيان، و منهم من يصحبه للبلاغة، و منهم من يصحبه للإخلاص و علم الخصوص، كعمرو بن عبيد، و أبي جهير، و عبد الواحد بن زيد، و صالح المري، و شميط، و أبي عبيدة الناجي، و كل واحد من هؤلاء اشتهر بحال يعني: في العبادة-.

     عن حميد: سمعت الحسن يقول: خلق الله الشيطان، و خلق الخير، و خلق الشر.

     فقال رجل: قاتلهم الله، يكذبون على هذا الشيخ.

القرآن الكريم:

     و عن الحسن قال: يا ابن آدم! والله! إن قرأت القرآن ثم آمنت به، ليطولن في الدنيا حزنك، و ليشتدن في الدنيا خوفك، و ليكثرن في الدنيا بكاؤك.

السكوت:

     عن حزم القطعي، سمعت الحسن يقول: بلغنا أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: «رحم الله عبدا تكلم فغنم، أو سكت فسلم».

تجنب الحسنِ  بعضَ المواقع:

     قال أيوب: قيل لابن الأشعث: إن سرك أن يقتلوا حولك كما قتلوا حول جمل عائشة، فأخرج الحسن.

     فأرسل إليه، فأكرهه. قال ابن عون: فنظرت إليه بين الجسرين، و عليه عمامة سوداء، فغفلوا عنه، فألقى نفسه في نهر حتى نجا منهم، و كاد يهلك يومئذ.

فقه التعامل مع الناس:

     قال حميد الطويل: كان الحسن يقول: اصحب الناس بما شئت أن تصحبهم، فإنهم سيصحبونك بمثله.

صورة: الحسن و الفرزدق:

     عن إياس بن أبي تميمة قال: شهدت الحسن في جنازة أبي رجاء على بغلة، و الفرزدق إلى جنبه على بعير، فقال له الفرزدق: قد استشرفنا الناس، يقولون: خير الناس، و شر الناس. قال: يا أبا فراس، كم من أشعث أغبر ذي طمرين خير مني، و كم من شيخ مشرك أنت خير منه، ما أعددت للموت؟

     قال: شهادة أن لا إله إلا الله. قال: إن معها شروطا، فإياك و قذف المحصنة. قال: هل من توبة؟ قال: نعم.

من معارفه:

     أبو الأشهب: سمعت الحسن يقول في قوله: ﴿وَحِيْلَ بَيْنَهُم وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ (سبأ:54)، قال: حيل بينهم و بين الإيمان.

     عن حميد  قال: قرأت القرآن كله على الحسن، ففسره لي أجمع على الإثبات، فسألته عن قوله: ﴿كَذٰلِكَ سَلَكْنٰهُ فِي قُلُوبِ الْمجرِمِينَ (الشعراء:200)، قال: الشرك سلكه الله في قلوبهم.

     حماد بن زيد عن خالد الحذاء، قال: سأل الرجل الحسن، فقال: ﴿وَلاَ يَزَالُوْنَ مُخْتَلَفِيْنَ إلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ (هود: 118، 119)؟ قال: أهل رحمته لا يختلفون، و لذلك خلقهم، خلق هؤلاء لجنته، و خلق هؤلاء لناره. فقلت: يا أبا سعيد! آدم خلق للسماء أم للأرض؟ قال: للأرض خلق. قلت: أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة ؟ قال: لم يكن بد من أن يأكل منها، لأنه خلق للأرض.

     أبو هلال محمد بن سليم: دخلت على الحسن يوم الجمعة، ولم يكن جمع، فقلت: يا أبا سعيد! أما جمعت ؟

قال: أردت ذلك، و لكن منعني قضاء الله. عن ابن عون عن الحسن  قال: من كذب بالقدر فقد كفر.

     قال ابن أبي عروبة: كلمت مطرا الوراق في بيع المصاحف، فقال: قد كان حبرا الأمة، أو فقيها الأمة لا يريان به بأسا: الحسن و الشعبي. ذكر الطيالسي عن الحسن، عن أبي هريرة: أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: من قرأ «يس» في ليلة التماس وجه الله، غفر له.

     عن يزيد بن حازم، قال: قام الحسن من الجامع، فاتبعه ناس، فالتفت إليهم، و قال: إن خفق النعال حول الرجال قلما يلبث الحمقى.

كتب الحسن:

     ضمرة: عن أصبغ بن زيد، قال: مات الحسن، و ترك كتبا فيها علم.

     عن سهل بن الحصين الباهلي، قال: بعثتُ إلى عبد الله بن الحسن البصري: ابعث إلي بكتب أبيك.

     فبعث إلي: أنه لما ثقل، قال لي: اجمعها لي، فجمعتها له، و ما أدري ما يصنع بها، فأتيت بها، فقال للخادم: اسجري التنور. ثم أمر بها، فأحرقت غير صحيفة واحدة، فبعث بها إلي، و أخبرني أنه كان يقول: ارو ما في هذه الصحيفة. ثم لقيته بعد، فأخبرني به مشافهة بمثل ما أدى الرسول.

كيفيته عندالوفاة:

     خالد بن خداش: حدثنا صالح المري، عن يونس، قال: لما حضرت الحسن الوفاة، جعل يسترجع، فقام إليه ابنه، فقال: يا أبت، قد غممتنا، فهل رأيت شيئا؟

     قال: هي نفسي، لم أصب بمثلها. و يروى أنه أغمي عليه، ثم أفاق إفاقة، فقال: لقد نبهتموني من جنات وعيون، و مقام كريم.

حزن على فراقه:

     قال هشام بن حسان: كنا عند محمد بن سيرين عشية يوم الخميس، فدخل عليه رجل بعد العصر، فقال: مات الحسن.

     فترحم عليه محمد، و تغير لونه، و أمسك عن الكلام، فما تكلم حتى غربت الشمس، و أمسك القوم عنه مما رأوا من وجده عليه. قلت: (القائل هو  الذهبي) و ما عاش محمد بن سيرين بعد الحسن إلا مئة يوم.

تاريخ وفاته و عمره:

     قال ابن علية: مات الحسن في رجب، سنة عشر و مئة.

     و قال عبد الله بن الحسن: إن أباه عاش نحوا من ثمان و ثمانين سنة.

جنازته:

     قلت: مات في أول رجب، و كانت جنازته مشهودة، صلوا عليه عقيب الجمعة بالبصرة، فَشَيَّعَهُ الخلق، وازدحموا عليه، حتى إن صلاة العصر لم تقم في الجامع(6).

     قال الشعبي لرجل يريد قدوم البصرة: إذا نظرت إلى رجل أجمل أهل البصرة و أهيبهم فهو الحسن، فأقرأه مني السلام.

     و قال يونس بن عبيد: كان الرجل إذا نظر إلى الحسن انتفع به، و إن لم ير عمله، و لم يسمع كلامه(7).

*  *  *

الهوامش:

 (6)  سير أعلام النبلاء: 8 / 135 158.

(7)   البداية والنهاية: 9 / 313.

*  *  *



(*)          طالب قسم التخصص في الحديث/جامعة العلوم الإسلامية بنوري تاون كراتشي.